العودة   منتديات مكتبة المسجد النبوي الشريف >

المـنـتديـات العــــامــــة

> منتدى شهــر رمـضـــــــــان
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى شهــر رمـضـــــــــان أحكام الصيام والتراويح وزكاة الفطر..

كاتب الموضوع محب الإسلام مشاركات 3 المشاهدات 3225  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-11-2005, 01:29 PM   #1
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,292
       
محب الإسلام is on a distinguished road
أثر الصوم في تنمية الشعور بالمسؤولية

يثير شهر رمضان مع قدومه مشاعر سرور وبهجة لدى المسلمين، وأهم تلك المشاعر يقظة في الضمير تنمي الوازع الديني والأخلاقي وتدفع المسلم لممارسة العبادات وتلافي التقصير الذي درج عليه في أيامه العادية، ولئن كانت بعض هذه المستجدات في سلوك المسلم الرمضاني ترجع إلى العادات والتقاليد الاجتماعية في هذا الشهر الفضيل، فإن الوازع الأهم ديني بالدرجة الأولى؛ لأن المحور في ذلك هو الصوم وهو فريضة فردية يمارسها المسلم وكل المستجدات تنبثق عنها.

لكن المظاهر الإيجابية في سلوك المسلمين في رمضان لا تعكس وعياً بدور الصوم في بناء شخصية المسلم والمجتمع وتصحيح الأخطاء السلوكية والاجتماعية في حياة المسلمين، فمن المهم في هذا المجال أن يطرح المسلم أسئلة على نفسه يعيد من خلالها ترتيب أولوياته وتقويم تصوراته وسلوكياته، ومن هذه الأسئلة:

ماذا يعني أن أكون مسلماً؟

وماذا يترتب علي من مسؤولية نتيجة كوني مسلماً؟

وما دور الصوم في أدائي لواجبي كمسلم؟

هذه الأسئلة هي ما سنحاول الإجابة عليه في هذه المقاربة:

الإسلام .. عهد ومسؤولية

أن يعلن الإنسان أنه مسلم فهذا يعني أنه يحمل التزاماً وميثاقاً بينه وبين الله، وذلك بأداء ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، فالإسلام دين الله الذي ارتضاه، قال تعالى: ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا[ [المائدة:3]، وقال تعالى: ] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [ [آل عمران:19] ولن يقبل غيره ]وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ[[آل عمران:85].


--------------------------------------------------------------------------------

اقترن الإيمان في القرآن بالعمل باعتبار أن الإيمان علم وأسّ، والعمل بناء وحقهما أن يتلازما.


--------------------------------------------------------------------------------

فالتوحيد والانقياد لحكم الله هو الإسلام، وهذا يشير إلى سلوك ظاهري والتزام مادي وعملي يدل عليه، وهو يقابل الإيمان الذي يشير إلى أمر يتعلق بالقلب والفكر والنظر، فالإيمان اعتقاد صادق ويقيني، وبه تحصل سكينة النفس، وهو مقابل لمعنى الإسلام الذي يرتبط بالسلوك والظاهر، لذلك اقترن الإيمان في القرآن بالعمل (1) باعتبار أن الإيمان علم وأسّ، والعمل بناء، ولا غناء للأسّ ما لم يكن له بناء، كما لا بناء ما لم يكن له أسّ، فإذاً حقهما أن يتلازما لذا قرن بينهما(2).

فالإيمان والإسلام بمعنى الدين الذي ندين به هو تسليم النفس والقلب لله عن طمأنينة ناتجة عن عقد واحد، فيلتزم به لأنه قد سلم نفسه عند كل أمر ونهي(3)، وكلمة دين تتضمن التزاماً أدبياً(4).

فعندما يكون دين الإنسان الإسلام فهو التزام منه تجاه الله بأركان الإسلام المعهودة "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان"(5)، والتزام تجاه الناس بالسلامة من أذاه "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"(6) أي أنه دخل في باب السلامة حتى يسلم المؤمنون من بوائقه وفي الحديث "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"(7).

وبناء على هذا العهد سيسأل الإنسان على ما أوتي من نعم وما أداه من واجبات وما قام به من أعمال )وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ( (النحل:93) )وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً( (الإسراء:36) ) ُثمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ( (التكاثر:8)، ويحاسب على كل صغيرة وكبيرة )وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ( (البقرة:284) )كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ( (المدثر:38) )لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ( (البقرة:286).

وهي مسؤولية شخصية فردية لا تتعدى صاحبها فيما يتعلق بشؤون الفرد )وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى( (الأنعام:164) )وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ( (النساء:111) ) كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ( (الطور:21) )قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ((سـبأ:25) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ( (المائدة:105).

وكذلك هي مسؤولية جماعية فيما يتعلق بشؤون الأمة )تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( (البقرة:134)، فهي مسؤولية متنوعة دينية واجتماعية وأخلاقية )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( (لأنفال:27).

وآثار هذه المسؤولية ليست أخروية تتعلق بجزاء العمل فحسب، إنما آثارها مباشرة ومعيشية ترتبط بحياة الناس الآنية )وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ((الشورى:30) )أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (آل عمران:165).

إذًا فالالتزام بالدين بما هو علاقة مزدوجة بين الله والإنسان وبين الإنسان والإنسان يعتبر مؤشراً على سلامة الفرد والمجتمع من مصائب هي من آثار ما يكسب البشر، وليس الالتزام تقمصاً أو تمظهراً بمشاعر وسلوكيات دالة عليه بقدر ما هو سلامة الناس من الأذى والسوء الذي يخلِّفه الفرد في مجتمعه، وهذا لا ينفصل عن أداء الشعائر والعبادات التي لها الدور الأهم في تقويم سلوك الفرد الشخصي والاجتماعي، فسلامة الإنسان لا تنفصل عن أداء الأركان التي تقوم السلوك وتصحح العلاقة بين الناس.

يتبع ..
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-11-2005, 01:30 PM   #2
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,292
       
محب الإسلام is on a distinguished road
العبادات .. تقويم السلوك الاجتماعي

لقد شرع الإسلام العبادات والأركان لمساعدة المسلم في أداء واجبه تجاه أخيه الإنسان وليتحقق من معنى "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، فكل فريضة في الإسلام تسهم في تخليص المجتمع من الأذى والفوضى والدرن.

فالصلاة عند إقامتها كما يجب تنمي لدى المسلم دافعاً للخير ووقاية من الشر، فعند أدائها على الوجه الأفضل جماعة مع المسلمين تقيم جسراً للعلاقات الاجتماعية يتسم بالشفافية والصدق من خلال سمو الرابطة في العلاقة ومكانها )اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ( (العنكبوت:45) ، )الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ( (الحج:41).

وكذلك الأمر بالنسبة للزكاة والصدقات التي هي علاقة اجتماعية ابتداء؛ إذ هي تأدية حق المحتاج في المجتمع من مال الأفراد الذين فضُل المال لديهم عن حاجتهم، ففي أداء الزكاة سلامة الفقير ومن في حكمه من أذى الغني والمحتكر لنعمة الله عليه، فأداء الزكاة إسهام فعَّال في تحقيق معنى إسلام المسلم في بعده الاجتماعي والأسري )يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ( (البقرة:215) )إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( (التوبة:60).


--------------------------------------------------------------------------------

جميع الأوامر التي جاء بها الإسلام والنواهي التي نهى عنها، جاءت لتصحح سلوك الناس وتضبط العلاقة بينهم بما هو أفضل لجميعهم.


--------------------------------------------------------------------------------

أما فريضة الحج فهي تتويج لصفاء العلاقة بين الناس ورقيها، وتجسيد لسلامة البيئة والناس من أذى المسلم بجميع أشكاله اللفظية والمادية والمعنوية )الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ((البقرة:197) بل هو موسم لتنمية العلاقة بين البشر والتعارف بينهم من أجل ما هو خير وأقوم )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( (الحجرات:13).

والأمر يعم إلى جميع الأوامر التي جاء بها الإسلام والنواهي التي نهى عنها، فكلها إنما تأتي لتصحح سلوك الناس وتضبط العلاقة بينهم بما هو أفضل لجميعهم، وهذا ما نراه في أمهات الفضائل التي أمر بها وأمهات الرذائل التي نُهي عنها في آيات عديدة في القرآن: )إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ( (النحل:90) )قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ( (الأنعام:151) )قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ( (لأعراف:33) .

فالعبادات عندما يؤديها المسلم على الوجه الصحيح تكون بالنسبة له ضماناً يحفظ به الناس من أخطائه وأذاه، بل يتحول بفضلها عوناً لهم في الخير والتقوى، وعوناً لنفسه في تقويم سلوكه وبناء شخصيته من خلال الرقابة التي يستشعرها في نفسه تجاه الله والناس، ولعل الصوم هو أهم العبادات التي تسهم في الرقابة الذاتية وتنمي شعور المسلم بالمسؤولية الناتجة عن التزامه الإسلام كدين يربط بينه وبين الله وبين الناس.

الصوم .. الرقابة الذاتية والمسؤولية

لا يعني الصيام في شهر رمضان الامتناع لفترة زمنية محددة عن تناول ما لذ وطاب من الطعام والشراب والشهوات فقط، بل إنه يتجاوز هذا المعنى الحرفي، ليتعلم الإنسان الصائم التحكم برغباته، والتحلي بالإرادة الجيدة الهادفة إلى تغيير العادات السيئة التي اعتادها الشخص في حياته، كما أن رمضان موسم لتذكّر المسرات وممارسة لطيفة وسمحة لها، كما هو مجال لتذكّر المآسي والاعتبار بها، ويتم فيه تذكر الفقراء والمحتاجين من خلال الصدقات والتبرعات، واختص الصوم باحتفاليات وتقاليد ومظاهر في حياة الجماعة، كونه شهراً في العام، فصارت معالم لا يكاد أحد يتخلى عنها كالتراويح والسحور وصدقة الفطر والاعتكاف...

وتشير الإحصائيات (التقديرية طبعاً) إلى أن المسلمين المؤدين لفريضة الصوم ازدادت نسبتهم في العشرين سنة الأخيرة ما بين 20 إلى 25 في المئة، وهي أكبر نسبة من بين العبادات الأخرى(8).

ولئن كان للسياق الاجتماعي والاحتفالي والطبي للصوم أثره في هذه النسبة فإن الوعي الديني والصحوة العالمية الباحثة عن القيم لها الدور الأهم في نمو نسبة الملتزمين بهذه الفريضة، وهذا ما يحتم البحث في دلالاتها وحكمها التشريعية وما تسهم به في تقويم السلوك وبناء الشخصية وتطوير الذات، وذلك من خلال الدور الرقابي الذاتي الذي يرافق أداء الفريضة التي تتميز بسريتها وخصوصيتها بين العبد وربه، فلا رقيب فيها على المكلف غير نفسه، فهو من خلالها يتحكم برغباته ويسيطر على إرادته وشهواته، لكن المطلوب لتؤتي الفريضة ثمارها أن يتحول هذا الدور الرقابي من إطار الاعتياد واللاوعي إلى إطار الملاحظة والوعي، فالصائم يمتنع لا شعورياً عن المفطرات دون أن يفكر بقدرته تلك على الامتناع وإمكانية تعديتها إلى ممنوعات أخرى في غير الصيام، فملكة التحكم بالإرادة واحدة لدى الإنسان ويمكن أن تنمو في بعض المجالات عندما تعزز الإرادة، فالصائم بصومه إنما يُدِين نفسه ويقيم الحجة على اعتذاره عن التقصير في شؤونه الأخرى الدينية والدنيوية.

فآيات التكليف بالصوم(9) فتحت وختمت بما يشير إلى وظيفة الصوم ويرتفع به عن طابعه الشكلي إلى وظيفته السلوكية والتربوية فجاء الخطاب للمؤمنين ليستحضروا في أداء هذه الفريضة إيمانهم بالله وصلتهم به، وبالتالي البحث عن مراد الله من هذا التكليف الشكلي الذي لا يصل الله منه شيء.

وجاءت خاتمة الآيات تشير إلى الغاية من هذه الفريضة وهي التقوى والتي تتحقق من خلال رقابة المسلم على نفسه وتذكر الله بالامتناع عن المفطرات طيلة اليوم وتعدية ذلك الامتناع إلى كل ما نهى الله عنه.

والغاية الثانية من فريضة الصوم الشكر لله على نعمه ودور الصوم في ذلك هو التذكير والمعاينة، فالصوم يلفت النظر على نعمة الجسد ونعمة الرزق، وامتناع النفس عن التمتع بهذه النعم أثناء الصوم ينبه الإنسان إلى أداء الواجب نحوها وذلك بأداء حقها ووضعها فيما خلقت له، وقد أشارت الآيات صراحة إلى عدم قصدية الامتناع عن الطعام والشراب في الصوم لذاته، فنصت أن الله يريد اليسر ولا يريد العسر بالناس، فالمبتغى ليس المشقة، إنما امتحان إرادة المسلم وتنبيهه إلى مراقبة نفسه واسشعاره بالمسؤولية في شؤونه.

وقد جاءت نصوص السنة تؤكد هذه المقاصد في شريعة الصوم، والتي تتجاوز ترك الطعام والشراب إلى ترك سائر المنهيات ولاسيما المتجاوزة في آثارها إلى الغير فـ"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(10)، وتؤكد الأحاديث على دور الصوم في تنمية الرقابة الذاتية للإنسان على نفسه في سلوكه وحديثه وخصوصية الصوم في هذا المجال كونه يتمحض لله عز وجل؛ إذ لا يعلم به غير الله.

وفهم مقاصد الصوم في الرقابة الذاتية تجعل من الصوم وقاية من الزلل والانحراف، وهذا المعنى يتجلى بوضوح في الحديث القدسي "كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم"(11) وفي رواية: "إذا أصبح أحدكم يوما صائماً فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم"(12).


--------------------------------------------------------------------------------

يقيم الإنسان بالصوم الحجة على نفسه بقدرته على الالتزام بكثير مما يعتذر عنه من واجبات.


--------------------------------------------------------------------------------

فالصوم إذاً عبادة كسائر العبادات يمكن أن يؤدي المسلم شكلها اعتياداً، ويمكن أن يؤديها كما ينبغي فيحقق مقاصدها وأهدافها السامية، وهي بالنسبة للصوم تطوير الرقابة الذاتية على السلوك، وتعميم القدرة على التحكم بالإرادة والسيطرة على الدوافع، وتنمية الشعور بالمسؤولية كنتيجة لذلك؛ إذ يقيم الإنسان بالصوم الحجة على نفسه بقدرته على الالتزام بكثير مما يعتذر عنه من واجبات ولاسيما ما يقتضي من المسلم عزماً وإرادة، فمن يقدر على الامتناع عن الطعام والشراب طيلة اليوم هو قادر على الامتناع عما هو ضار بصحته ولاسيما عندما يكون محرماً، ومن هو قادر على التحكم بإرادته فيما يتعلق بالطعام والشراب يقدر على السيطرة على نفسه فيما يتعلق بالشؤون الأخرى، ومن يقدر على ضبط الوقت بالدقائق والثواني من أجل طعامه وشرابه لديه القدرة الذاتية على تنظيم وقته فيما هو أهم من عمل وعبادة وغيرها..

إذاً فالصوم يضع المسلم أمام قدراته الذاتية ويصور له إمكاناته المستقبلية، وعندما يدرك المسلم هذه القدرات والإمكانات سيشعر بتقصيره في عمله وبقدرته على تجاوز أخطائه، وبالتالي سينمي الصوم لدى المسلم الشعور بالمسؤولية في الحياة عموماً وفيما يتعلق بالصوم بالخصوص، سينمي الشعور بالمسؤولية نحو:

- الوقت: سيشعر المسلم بمسؤوليته عن الوقت فهو من خلال الصوم قادر على التحكم به وتنظيمه ومراقبته.

- الجسد: سيشعر المسلم بمسؤوليته عن جسده فهو من خلال الصوم قادر على مراقبة الغذاء وتنظيم الطعام، وكذلك هو قادر على اتباع الحمية اللازمة لجسده والامتناع عما يضره، فالقدرة على الامتناع عما هو ضار أسهل من الامتناع عما هو نافع بالإرادة.

- المجتمع: سيشعر المسلم بمسؤوليته عن المجتمع وما فيه من محتاجين وفقراء، فالشعور بالجوع خلال الصوم والرغبة بالتمتع بمختلف النعم عند الفطر تذكر المسلم بالجائعين في رمضان وغيره والمحرومين من تلك النعم التي يتمتع بها الصائم عند الفطر.

- الإرادة: سيشعر المسلم بمسؤوليته عن التحكم بإرادته ودوافعه في شؤونه كلها، فالصائم عندما يتحكم بطعامه وشرابه وشهواته يتذكر هذه الملكة لديه وإمكانية تفعيلها في توجيه سلوكه وتنظيم حياته.

هذه هي أهم المحاور التي يمكن للصوم أن ينمي شعور المسلم بالمسؤولية نحوها إذا ما تم التفكر في هذا الصوم والتأمل في مقاصده وحكمه ودلالات النصوص التي شرَّعته، وإذا ما استشعر المسلم المسؤولية تجاه هذه الأمور وعمل في ضوئها فسيكون الصوم مفتاحاً لتصحيح مسيرة الحياة فيما يخص العلاقة مع الله والعلاقة مع الناس، ويحقق المسلم ما التزم به من خلال قبوله الإسلام ديناً، فتسلم بذلك العبادة لله ويسلم الناس من الأذى وهو دين الله الذي ارتضاه ولن يقبل غيره.

يتبع ..
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-11-2005, 01:32 PM   #3
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,292
       
محب الإسلام is on a distinguished road
مقصود الصيام

إنه بفضل الوعي بهذه المعاني للصيام وشهره الفضيل كانت للمسلمين آثار عبر التاريخ في هذا الشهر، فلم يكن شهر الكسل والخمول كما هو الشأن اليوم في رمضان وغيره، بل كان شهر الجد والعمل فاقترن بالجهاد والاجتهاد في حياة المسلمين، وقد دَّون علماء المسلمين وعيهم بهذه المقاصد للصوم وحثوا الناس على تمثلها.

ونختم بنموذج لما ذكروه من هذه المعاني، يقول ابن القيم: "لما كان المقصودُ مِن الصيام حبسَ النفسِ عن الشهواتِ، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتها الشهوانية، لتستعِدَّ لطلب ما فيه غايةُ سعادتها ونعيمها، وقبولِ ما تزكو به مما فيه حياتُها الأبدية، ويكسِر الجوعُ والظمأ مِن حِدَّتِها وسَوْرتِها، ويُذكِّرها بحال الأكبادِ الجائعةِ من المساكين، وتضيق مجاري الشيطانِ من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قُوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرُّها في معاشها ومعادها، ويُسكِّنُ كُلَّ عضوٍ منها وكُلَّ قوةٍ عن جماحه، وتُلجَمُ بلجامه، فهو لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين مِن بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعلُ شيئاً، وإنما يتركُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبوده، فهو تركُ محبوبات النفس وتلذُّذاتها إيثاراً لمحبة اللَّه ومرضاته، وهو سِرٌّ بين العبد وربه لا يَطَّلِعُ عليهِ سواه، والعبادُ قد يَطَّلِعُونَ منه على تركِ المفطرات الظاهرة، وأما كونُه تركَ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يَطَّلِعُ عليه بَشرٌ، وذلك حقيقةُ الصوم."(13).


د. عبد الرحمن حللي
عضو الهيئة التدريسية في كلية الشريعة بجامعة دمشق.

المصدر--------------------------------------------------------------------------------

(1) اقترن العمل الصالح بالإيمان في هذا التركيب "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" 51 مرة، وهي معظم ما اقترن به الإيمان مع العمل الصالح في صيغ أخرى والتي بلغ مجموعها (69 مرة)

(2)انظر:الأصفهاني، تفسير سورة البقرة:182-183، محقق ضمن رسالة دكتوراه بجامعة الزيتونة بتونس.

(3) انظر: الحكيم الترمذي، تحصيل نظائر القرآن:122-124 ت:حسني نصر زيدان، ط:1 مطبعة السعادة – القاهرة 1969 .

(4) انظر: محمد عبد الله دراز، الدين: 32 ، ط:3 دار القلم – الكويت 1974 .

(5) أخرجه البخاري في صحيحه:1/12 (8)، ت: مصطفى البغا ، ط: 3 دار ابن كثير واليمامة – بيروت 1987.

(6) أخرجه البخاري في صحيحه:1/13 (10)، وأخرجه مسلم في صحيحه :1/65 (41) ت: محمد فؤاد عبد الباقي ، ط: دار إحياء التراث – بيروت .

(7) أخرجه البخاري في صحيحه : 2/862 (2310)، و أخرجه مسلم في صحيحه : 4/1996 (258).

(8) انظر:رضوان السيد، الصوم ورمضان والأركان، صحيفة الحياة 16/10/2004.

(9) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( (البقرة:183)، )شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ( (البقرة:185)

(10) صحيح البخاري:2/673 (1804)

(11) صحيح البخاري:2/673 (1805)

(12) صحيح مسلم:2/806 (1151)

(13) ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد: 2/28-29 ت: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط، ط:14 مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت - الكويت 1986.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-09-2006, 05:43 PM   #4
ياسين مبارك
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ياسين مبارك
 
تاريخ التسجيل: Jul 2006
المشاركات: 610
       
ياسين مبارك is on a distinguished road
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موضوع جميل جداًجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء




بارك الله فيكم
ياسين مبارك غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
عدم الشعور بحلاوة الإيمان للعلامة ابن باز رحمه الله مشرفة المنتديات النسائية منتدى الحـــج والعــمـرة والـزيـارة 0 14-12-2009 12:23 PM
خطب في شهر الصوم مشرفة المنتديات النسائية تلاوات وخطب المسجد الحرام 0 22-08-2009 12:13 PM
علماء السوء !! سبل السلام منتدى رَوَائِع الشعرِ وَالحكمَة 0 01-03-2009 07:26 AM
بين يدي شهر الصوم - / / - بن حميد محب الإسلام تلاوات وخطب المسجد الحرام 0 13-07-2008 10:02 AM
تنمية الثقافة الدينية للطفل الفقير إلى الله المنتدي النســـــائي الـعـام 1 21-05-2008 04:53 AM


الساعة الآن 02:49 AM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع