العودة   منتديات مكتبة المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة الكتب الالكترونية بكافة أنواعها..

كاتب الموضوع الحسن العبد مشاركات 0 المشاهدات 393  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-07-2013, 09:15 PM   #1
الحسن العبد
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2013
الدولة: يقطن بمدينة فاس.
المشاركات: 254
       
الحسن العبد is on a distinguished road
كتاب 1 عدة العبد المنيب-الفصل الاول.

الفصل الأول:


-1/ العبد المتطهر الزكي.





-2/ العبد التائب.





-3/ العبد المنيب.



33

1/ العبد المتطهر الزكي
.
قال تعالى: =لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا و الله يحب المطهرين = - سورة التوبة، الآية 108.

‏ إن َاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ-‏ الطهارة المعنوية، كالتنزه من الشرك والأخلاق-
‏‏لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا‏‏ أي‏:‏ لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا‏.‏ فاللّه يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه‏.‏‏‏لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ‏‏ ظهر فيه الإسلام في ‏"‏قباء‏"‏. وهو مسجد ‏"‏قباء‏"‏ أسس على إخلاص الدين للّه، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل ‏أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ‏‏ وتتعبد، وتذكر اللّه تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء. ولهذا مدحهم اللّه بقوله‏:‏ ‏= ‏فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا=‏ من الذنوب، ويتطهروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث‏. ومن المعلوم أن من أحب شيئا لا بد أن يسعى له ويجتهد فيما يحب، فلا بد أنهم كانوا حريصين على التطهر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد، مع رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرزون من مخالفة اللّه ورسوله‏.‏
وسألهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد ما نزلت هذه ا الرذيلة، والطهارة الحسية كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث‏./1/-
فالإسلام دين نظافة وطهارة يجمع بين نظافة الظاهر والباطن، ففي مجال الباطن دعا إلى الصدق والإيمان وحب الخير للناس ونهى عن الحسد والحقد.والطهارة القلبية هي العمل بالقران والسنة ودعاء الله تعالى بالشفاء وقراءة القران بنية الشفاء-قال تعالى:= وننزل من القران ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين و لا يزيد الظالمين إلا خسارة=-الإسراء، 82. والماء يزيل عن الجسد ما علق به من الاردان و التلوث الفيروسي وجميع أنواع البكتريا وينشط الدورة الدموية ولذلك اوجب الإسلام الوضوء وجعله شرطا لصحة الصلاة وسنة من سنن الإسلام وآدابه.
ففي مجال الطهارة الظاهرة أو جب الطهارة للصلاة فالمسلم يتطهر للصلاة خمس مرات في اليوم، وإذا أصابته جنابة وجب عليه الغسل ، ويستحب له الغسل أسبوعيا-على أبعد تقدير- إذ الإسلام يدعو إلى النظافة في كل وقت حسب النية والقصد والحاجة.
والغسل والوضوء خير مزيل للجراثيم. إذ ينظف الغسل جميع جلد الإنسان كما جاء في غسل النبي أنه يروى بشرته ثم يفيض الماء على سائر جسده، وينظف الوضوء الأجزاء المكشوفة منه،وهي الأكثر تلوثا بالجراثيم، لذا كان تكرار غسلها أمرا مهما.
والطهارة نوعان طهارة حسية ومنها قوله تعالى (فإذا تطهرن)، وطهارة معنوية ، ومنها قوله تعالى : (إنهم أناس يتطهرون)، ومنه دعاؤه صلى الله عليه وسلم للمريض :
( لا بأس طهور إن شاء الله).



1/ تفسير السعدي: quran.ksu.educ-.sa

34
وقد أمر الله بالطهارة وأثنى على المتطهرين في آيات كثيرة من كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : في نحو قوله : ( الطهور شطر الإيمان)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم اوالمؤمن)فغسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء)، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء (أو مع آخر قطر الماء)حتى يخرج نقيا من الذنوب، وقال صلى الله عليه وسلم :
( إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) ، وثبت من سنته العملية أنه كان يحمل معه الماء في الاستنجاء ، وكان يستعمل الحجارة تخفيفا والماء تطهيرا، وكان الصحابة من أهل قباء يفعلونه وفيهم نزل قوله تعالى: = لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطَّهرين=.
فمن الطهارة طهارة الأعضاء عن الذنوب والمعاصي، ويدل على ذلك أن الله تعالى وصف المشركين بأنهم نجس، أي نجسوا الاعتقاد بالكفر، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نجس[التوبة:28]، وقال الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ[المائدة:41]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى أن يطهره من الذنوب والمعاصي، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: اللهم لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ.ثم الطهارة من الخبث وهو النجاسة الحسية؛ كالبول والغائط والدم والخمر المائع وغير ذلك من أنواع النجاسات الحسية، وهذه لا يطهرها إلا الماء الطهور عند جماهير أهل العلم، وذلك بأن تغسل به حتى يزال لونها وطعمها وريحها؛ إلا نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما فلا بد من غسلها سبع مرات إحداهن بالتراب، على خلاف بين أهل العلم في بعض تفاصيل ذلك.
و الطهارة من الحدث وهو على قسمين:
القسم الأول: حدث أكبر وهو ما أوجب الغسل كخروج المني وتغييب الحشفة وهي طرف الذكر أو مقدارها من مقطوعها في فرج قبلاً كان أو دبراً ولو لم ينزل المني، ويجب الغسل على المغيب، والمغيب فيه، ومن ذلك وجوب الغسل على المرأة إذا انقطع حيضها أو نفاسها.
القسم الثاني: حدث أصغر وهو ما أوجب الوضوء وهو خروج شيء من أحد السبيلين سواء كان بولاً أو مذياً أو غائطاً أو حصاة أو غير ذلك المهم أن يخرج شيء من أحد السبيلين./2/-

2/ موقع maktoubboog. Com

35

فالله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان مؤلفاً من ثلاثة عناصر، هي : العقل والبدن والروح. وأشرف هذه العناصر الثلاثة الروح التي هي نفخة غيبية من عند الله "ويسألونك عن فالله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان مؤلفاً من ثلاثة عناصر، هي : العقل والبدن والروح. = قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً=.- سورة الإسراء ،الآية 85- وقد رتب الله على هذه العناصر الثلاثة عناصر الدين فجعل الإسلام لمصلحة البدن، والإيمان لمصلحة العقل، والإحسان لمصلحة الروح، وجعل التكامل بين هذه العناصر والتوازن بينها مطلوباً، فلا يكون الإنسان سوياً مستقيماً إلا بالاعتدال والتوازن بين هذه العناصر، فلا بد من العناية بها جميعاً والسير بها في خط متواز، حتى لا يحصل ميل أو اعوجاج في هذه النفس البشرية، فإن من مال إلى أحد هذه العناصر دون غيره وأولاه عناية على حساب الجوانب الأخرى كان إنساناً معوجاً غير مستقيم.-
وأهم هذه الجوانب وأشدها خطراً هو عنصر الإحسان الذي لا يكمل إيمان المسلم إلا به، وعنصر الإحسان إنما يتعلق بتزكية النفوس. والتزكية في اللغة مصدر زكى الشيء يزكيه، ولها معنيان:
المعنى الأول: التطهير، يقال زكيت هذا الثوب أي طهرته، ومنه الزكاء أي الطهارة.
والمعنى الثاني: هو الزيادة، يقال زكى المال يزكوا إذا نمى ومنه الزكاة لأنها تزكية للمال وزيادة له . وعلى أساس المعنى اللغوي جاء المعنى الاصطلاحي لتزكية النفوس، فتزكية النفس شاملة لأمرين:
أ – تطهيرها من الأدران والأوساخ، قال في الظلال : التزكي التطهر من كل رجس ودنس
ب – تنميتها بزيادتها بالأوصاف الحميدة
جاءت الآيات القرآنية بالأمر بتزكية النفس وتهذيبها.
وقال الله تعالى: "قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى"- سورة الأعلى، الآية 14.
) أي : طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة ، وتابع ما أنزل الله على رسوله ، صلوات الله وسلامه عليه ، ( وذكر اسم ربه فصلى ) أي : أقام الصلاة في أوقاتها ، ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالا لشرع الله . وقد قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عباد بن أحمد العرزمي ، حدثنا عمي محمد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن جابر بن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قد أفلح من تزكى ) قال : " من شهد أن لا إله إلا الله ، وخلع الأنداد ، وشهد أني رسول الله " ، ( وذكر اسم ربه فصلى ) قال : " هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها " . ثم قال لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه
وكذا قال ابن عباس : إن المراد بذلك الصلوات الخمس . واختاره ابن جرير .


36


وقال ابن جرير : حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي حدثنا مروان بن معاوية ، عن أبي خلدة قال : دخلت على أبي العالية فقال لي : إذا غدوت غدا إلى العيد فمر بي . قال : فمررت به فقال : هل طعمت شيئا ؟ قلت : نعم . قال : أفضت على نفسك من الماء ؟ قلت : نعم . قال : فأخبرني ما فعلت بزكاتك ؟ قلت : وكأنك قلت : قد وجهتها ؟ قال : إنما أردتك لهذا . ثم قرأ := قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى = وقال : إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء/3/.
ويقول ابن كثير رحمه الله في هذه الآيات : يحتمل أن يكون المعنى : قد أفلح من زكى نفسه أي بطاعة الله كما قال قتادة، وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة. قد أفلح من زكى الله نفسه وقد خاب من دسى الله نفسه. هذا عن تعريف التزكية، أما النفس فقد ورد في القرآن الكريم وصفها بثلاث صفات : المطمئنة، واللوامة، والأمارة بالسوء، وقد اختلف الناس هل النفس واحدة وهذه أوصاف لها، أو للعبد ثلاثة أنفس : نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة.
فالأول قول الفقهاء والمتكلمين وجمهور المفسرين، وهو قول محققي الصوفية، والثاني قول كثير من أهل التصوف، والتحقيق أنها واحدة باعتبار ذاتها، وثلاث باعتبار صفاتها، فالنفس المطمئنة : هي التي قد سكنت إلى ربها وطاعته وأمره، فاطمأنت إلى محبته وعبوديته وذكره، واطمأنت إلى لقائه ووعده، واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت إلى ضمانه وكفايته وحسبه، وأنه لا غنى لها عنه طرفة عين.
وأما اللوامة: (فهي النفس اللؤوم التي تُنَدِّم على ما فات وتلوم عليه) كما قال ابن عباس وقتادة. وأما الأمارة: فهي التي تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغي واتباع الباطل؛ فإن أطاعها قادته إلى كل شر وقبيح، ولم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة والعدل والعلم طارئ عليها بِإِلْهَامِ فاطرها. فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين ما زكت منهم نفس واحدة، فإذا أراد الله بنفس خيراً جعل فيها ما تزكو به وتصلح من الإرادات والتصورات وإذا لم يرد بها ذلك تركها على حالتها التي خلقت عليها من الجهل . إن الله عز وجل – وهو الحق وقوله الصدق – أقسم في كتابه أحد عشر قسماً على فلاح من زكى نفسه وعلى خسران من أهمل ذلك.



3/[ http://library.islamweb.net]
37

ثم إن النفس من أشد أعداء الإنسان الداخليين لأنها تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، وسائر أمراض القلب إنما تنشأ من جانبها، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من شرها كثيراً، كما في خطبة الحاجة وكما في حديث أبي هريرة عند ابن أبي حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ "فألهمها فجورها وتقواها" فقال: "اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها" وفي المسند والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم علم حصين بن عبيد أن يقول "اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي".
قال ابن القيم رحمه الله: وقد اتفق السالكون على اختلاف طرقهم وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها والظفر بها.
3 – - أن التزكية طريق الجنة، قال الله تعالى: "وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى" فهي إذن شرط لدخول الجنة.
4 – - أن الإنسان محب للكمال فينبغي لـه أن يعمل على إكمال نفسه بتزكيتها وتربيتها، فهذه النفس تصاب بالأعراض التي تصاب بها الأبدان، فهي محتاجة إلى تغذية دائمة ومحتاجة إلى رعاية، ومحتاجة كذلك إلى متابعة للازدياد من الخير كما يزداد البدن من الطاقات والمعارف. لذلك احتاج الإنسان إلى أن يراقب تطورات نفسه، ويعلم أنها وعاء إيمانه، وأهم ما عنده هو هذا الإيمان، فإذا سلبه فلا فائدة في حياته، فلا بد من العمل على تنمية هذا الإيمان وزيادته عن طريق تزكية هذه النفس وتهذيبها.
يقول سيد قطب رحمه الله : إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد مزدوج الاتجاه، بمعنى أنه في طبيعة تكوينه : من طين الأرض، ومن نفخة الله فيه من روحه، وهو لذلك مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال، فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى أيهما أراد، وهذه قدرة كامنة في كيانه يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها..." - سورة الشمس،الآية 7- ويعبر عنها بالهداية تارة "وهديناه النجدين" وإلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان هي التي تناط بها التبعة، فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعدادات الخير فيها وتغليبها على استعدادات الشر فقد أفلح، ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب.



38

وتنقسم تزكية النفس إلى قسمين رئيسين هما: التحلية، والتخلية. فالتخلية: يقصد بها تطهير النفس من أمراضها وأخلاقها الرذيلة.
وأما التحلية: فهي ملؤها بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة التي سنتطرق إليها في الكتاب، وإحلالها محل الأخلاق الرذيلة بعد أن خليت منها.
فالأخلاق الرذيلة مثل : الشرك والرياء، والعجب، والكبر، والبغض والحسد، والشح والبخل، والغضب، والحرص على الدنيا وحبها لذاتها وإيثارها على الآخرة، والفضولية وعدم الجد في الحياة....
وأما الأخلاق الفاضلة كالتوحيد والإخلاص والصبر، والتوكل والإنابة، والتوبة، والشكر، والخوف والرجاء، وحسن الخلق في التعامل مع الناس، والشفقة عليهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ونفعهم بقدر المستطاع، وعدم تغيير قلوبهم بما ليس بلازم شرعا".
يقول ابن القيم رحمه الله :.. على السالك أن لا يرضى بطاعته لله، وألا يحسن ظنه بنفسه، فإن الرضى بالطاعة من رعونات النفس وحماقاتها، ودليل على جهل الإنسان بحقوق العبودية وما يستحقه الرب سبحانه ويجب أن يعامل به. ثم إن رضى الإنسان وحُسْنه ظنه بنفسه يتولد منهما من العجب والكبر والآفات الباطنة ما هو أشد من الكبائر الظاهرة من الزنا وشرب الخمر، ولا يكمل هذا المعنى عند العبد إلا أن يربأ بنفسه عن تغيير المقصرين من إخوانه، فازدراء الإنسان بنفسه أولى به من تعير المقصرين، ولعل تعييرك لأخيك أعظم إثماً من ذنبه لما فيه من صولة الطاعة وتزكية النفس وشكرها والمناداة عليها بالبراءة من الذنب وأن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه وما أحدثه له من الذل والخضوع والتخلص من مرض الدعوى والكبر والعجب ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس خاشع الطرف منكسراً أنفع له وخير من صولة طاعتك وتكثرك بها، فذنب تذل به لديه أحب إليه من طاعة تدل بها عليه، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر وأنين المذنبين أحب إلى الله من دجل المسبحين، وأن تبيت نائماً وتصبح معترفاً خير من أن تبيت قائماً وتصبح مدلا. وذكر الإمام أحمد عن وهب قال : (مكتوب في حكمة آل داود : حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات، وإجماماً للقلوب)
ويؤكد ابن القيم رحمه الله على ضرورة محاسبة النفس والتفتيش عليها فيما تعمله من الطاعات حتى لا تغتر بالكم على حساب الكيف./4/
4/ سيد محمد بن جدو- تزكية النفس- http://www.saaid.net/bahoth/81.htm
39



2/العبد التائب.
قال تعالى : = يا أيها الذين امنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا =
- سورة التحريم، الآية 8-.
-/- قد أمر الله بالتوبة النصوح في هذه الآية، ووعد عليها بتكفير السيئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح، حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت الأنوار، التي لا تعطى المنافقين، ويسألون الله أن يتمم لهم نورهم فيستجيب الله دعوتهم، ويوصلهم ما معهم من النور واليقين، إلى جنات النعيم، وجوار الرب الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح. والمراد بها: التوبة العامة الشاملة للذنوب كلها، التي عقدها العبد لله، لا يريد بها إلا وجهه والقرب منه، ويستمر عليها في جميع أحواله-/-./1/. و الخطأ والزلل صفة بشرية ملازمة للإنسان، قال رسول الله صلى عليه و سلم في مسالة الذنوب: = و الذي نفسي بيده ! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم،ولجاء بقوم يذنبون،فيستغفرون،فيغفر الله لهم=. وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم= كل بني ادم خطاء وخير الخطائين التوابون=،- أخرجه مسلم في كتاب التوبة،ص 58، الافتقار إلى الله تعالى لب العبودية/2/.
التوبة عند علماء اللغة :
يقال: تاب إلى الله توبا ، ومتابا ، وتابة: رجع عن المعصية ، وهو تائب ، وتاب الله عليه؛ وهو تواب على عباده ، واستتابه: سأله أن يتوب .
وقال ابن منظور :
التوبة: الرجوع عن الذنب ، وتاب إلى الله يتوب توبا ، وتوبة ومتابا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة ، وتاب الله عليه: وفقه لها ، ورجل تواب: تائب إلى الله ، والله تواب: يتوب على عبده وفي الحديث: الندم توبة ويكاد يكون المعنى الذي تناوله علماء اللغة عن التوبة متقاربا لفظا ومعنى ، فهي الرجوع والإنابة إلى الله تعالى .
التوبة في الاصطلاح :
قال ابن قدامة : " إن التوبة عبارة عن ندم يورث عزما وقصدا ، وذلك الندم يورث العلم بأن تكون المعاصي حائلا بين الإنسان وبين محبوبه " . وما يقوله ابن قدامة يتفق مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الندم توبة هذا الندم يتولد عنه العزم للإقلاع عن المعصية .




1/ http://www.imadislam.com
2/ أخرجه احمد ،ص 58،كتاب الافتقار إلى الله لب العبودية،لا حمد بن عبد الرحمان الصويان .


41

ويقول ابن عاشور في تفسيره: " لما كانت التوبة رجوعا من التائب إلى الطاعة ، ونبذا للعصيان ، وكان قبولها رجوعا من المتوب إليه إلى الرضى ، وحسن المعاملة ، وصف بذلك رجوع العاصي عن العصيان ورجوع المعصي عن العقاب ، فقالوا: تاب فلان لفلان فتاب عليه؛ لأنهم ضمنوا الثاني معنى عطف ورضي ، فاختلاف مفادي هذا الفعل باختلاف الحرف الذي يتعدى به ، وكان أصله مبنيا على المشاكلة " .
ويرى ابن عاشور : أن التوبة تتركب من علم ، وحال ، وعمل ، فالعلم: هو معرفة الذنب ، والحال: هو تألم النفس من ذلك الضرر ، ويسمى ندما ، والعمل: هو الترك للإثم ، وتدارك ما يمكن تداركه ، وهو المقصود من التوبة ، وأما الندم فهو الباعث على العمل ، كما جاء في الحديث
الندم توبة .
فإذا أردنا أن نتعرف على ما يقوله صاحب التعريفات بشأن التوبة نراه يقسمها إلى قسمين: التوبة فقط ، والتوبة النصوح .
ويعرف الأولى: بالرجوع إلى الله بحل عقدة الإصرار عن القلب. ثم القيام بكل حقوق الرب . أما عن التوبة النصوح ، فيرى أنها: توثيق العزم على ألا يعود لمثله ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: التوبة النصوح: الندم بالقلب ، والاستغفار باللسان ، والإقلاع بالبدن ، والإصرار على أن لا يعود .قال الإمام النووي: قال العلماء : -/ التوبة واجبة من كل ذنب.فان كانت المعصية بين العبد وربه،المولى تعالى،لا تتعلق بحق ادمي ،فلها ثلاث شروط:- أن يقلع عن المعصية-أن يندم على فعلها-أن يعزم على أن لا يعود إليها.وان كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة ،وان يبرا من حق صاحبها،فان كانت مالا أو نحوه رده إليه.وان كانت حد قذف ونحوه مكنه منه أو طلب عفوه ،وان كانت غيبة استحله منها.ويجب لن يتوب من جميع الذنوب ،فان تاب من بعضها صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب،وبقي عليه الباقي-//3/ .
وقيل: التوبة في اللغة: الرجوع عن الذنب ، وكذلك التوب ، قال الله تعالى:
وقيل: التوب: جمع توبة ، والتوبة في الشرع: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة ، وهي واجبة على الفور عند عامة العلماء . وأما الفورية ، فلما في تأخيرها من الإصرار المحرم ، والإنابة: قريبة من التوبة لغة وشرعا .
وقيل: التوبة النصوح: أن لا يبقى على عمله أثرا من المعصية سرا وجهرا .
وقيل: هي التي تورث صاحبها الفلاح عاجلا وآجلا .
وقيل: التوبة: الاعتراف والندم والإقلاع ولا شك أن صاحب التعريفات قد أضاف إلى ما ذكره العلماء من تعريفات التوبة: الوجوب ، والفورية ، ولقد جاءت آيات كثيرة في كتاب الله تدل على وجوب التوبة. قال ابن عباس والسدي : معناه قبل المرض والموت ، وروي عن الضحاك أنه قال: كل ما كان قبل الموت فهو قريب.

3/ رياض الصالحين: ص 24-25.
42

ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال:
قــــدم لنفســـك توبـــة مرجـــوة قبل الممـات وقبـل حبس الألسن
بـادر بهــا غلــق النفــوس فإنهــا ذخــر وغنــم للمنيــب المحســن
فتوبة العبد المؤمن تبدأ بإعلان التوبة مع الاستغفار من الذنب ،والندم مع الإقلاع دون نية الرجوع إلى ارتكاب نفس الذنب،وهته توبة نصوح، تقود بفضل الله تعالى إلى التوبة ثم إلى الإنابة. فالعبد المنيب يتذكر نعم المولى عليه ورحمة الرحيم الواسعة،وفضا الله تعالى ،الذي ليس كمثله فضل،فيتضرع خاضعا بدموعه و آهاته العميقة الصادقة ، بحسرته و مناجاته للرب الأعلى،راجيا ،متوسلا ،متذللا،لمولاه طمعا في المغفرة وجود الجواد عليه.انه علم أن له ربا كريما ،فاستحيى من ربه ،ومن هول ذنبه،ليصغر في عينيه،ليحقر نفسه وما أقدم عليه من عمل يسخط الله تعالى و لا يرضي الخلق المتخلق المتعلم الطائع.هو إذن وحده الالاه الكريم الذي يسمع و يرى من عبده الانقياد، والتباكي على من ليس له القوة لحمايتك وانقادك من همومك. قال تعالى: ( من خشي الرحمان بالغيب و جاء بقلب منيب" .
( سورة ق،الآية 33).
من خاف الرحمان وأطاعه بالغيب و لم يره، يعني في الخلوة حيث لا يراه احد.
قال تعالى: " وجاء بقلب منيب " ( سورة ق، الآية 33).
جاء مخلصا،مقبلا إلى طاعة الله تعالى./4/- .فالأواب رجاع تائب و مقلع ،يرجع لمولاه،فيحفظ العهد و لا ينقضه و لا ينكته،وقال عبيد بن عمير: -/ الأواب الحفيظ الذي لا يجلس مجلسا فيقوم حتى يستغفر الله تعالى في سره،حيث لا يراه احد إلا الله تعالى.كقول الرسول صلى الله علي و سلم= ورجل ذكر الله تعالى خاليا ففاضت عيناه=،هو من السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة.
قال تعالى: " وجاء بقلب منيب".
أي لقي الله عز وجل يوم القيامة، بقلب منيب سليم إليه، خاضع لديه./5/.
فالمؤمن ،بخشيته من الله تعالى ،وحبه للحق الذي لا يرضى لعباده الذل و الهوان ،أكرمه الله سبحانه بالرحمة و المغفرة.
و كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل، يخاف أن يقع عليه – هذا دليل على خوف المؤمن و ملازمته للرقيب الحسيب في حركاته، يستصغر عمله الصالح و يخشى من صغير عمله السيئ./6/.فالتوبة رجوع من البعد عن الله تعالى إلى القرب منه سبحانه.
-/فالتوبة توبتان ،- كما قال ابن عطاء الله السكندري-:1/ توبة الإنابة: يتوب العبد خوفا من العقوبة.
2/ توبة الاستجابة: يتوب العبد حياء من كرمه سبحانه وتعالى/-/7/.
من أجمل ما وقفت عليه في بيان حد التوبة،قول أبي حامد الغزالي:-/- هو نار في القلب تلتهب، وصدع في الكبد لا ينشعب/-/8/.


4/ تفسير البغوي ،للحسين بن مسعود البغوي.
5/ تفسير الطبري
6/ فتح الباري 11/105
7/ من وصايا الرسول للرجال،لمحمد خليل عيتاني.
8/ إحياء علوم الدين،للإمام الغزالي.
43

فالمؤمن الذي يصدق مولاه يتحسر عند توبته،ويكاد يذوب من الحياء من هول ذنبه. فهو يفتقر و يحتاج للرب، ويترجى من العفو القدير العفو والمغفرة.-/- اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عنا-/-.وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول := والله إني لاستغفر الله،وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة= - رواه البخاري- ففي كتاب الله تعالى آيات قرآنية تحض على الاستغفار،ومن ذلك قول الحق الغفار: = واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما=- النساء ،الآية 106-.
فالعبد المذنب ،التائب المستغفرالاواب المنيب يخشى عذاب الله تعالى و يرجو مغفرته. قال تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء".( سورة فاطر، الآية 28).
فالعالم هنا هو من علم أن له ربا قادر مقتدرا، يعفو و يتوب وغفر، فانحنى و ركع و سجد ليقترب من السميع العليم.إن توبة العبد المؤمن و إنابته لمولاه،تجعل إبليس اللعين يخنس،فبالتوبة و الإنابة يتغلب الخير على الشر،وبالطبع متى تغلب الخير على الشر ،انهزم الشيطان و تقزم،وتعرض الإنسان لهداية الله التواب الرحمان. ولا الاه إلا الله.






























44




/3- العبد المنيب.
قال تعالى := وأنيبوا إلى ربكم و اسلموا له = - سورة الزمر،الاية 54-.

-/- قوله تعالى: «و أنيبوا إلى ربكم و أسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون» عطف على قوله: «لا تقنطوا»، و الإنابة إلى الله الرجوع إليه و هو التوبة، و قوله: «إلى ربكم» من وضع الظاهر موضع المضمر و كان مقتضى الظاهر أن يقال: و أنيبوا إليه و الوجه فيه الإشارة إلى التعليل فإن الملاك في عبادة الله سبحانه صفة ربوبية. و المراد بالإسلام التسليم لله و الانقياد له فيما يريد، و إنما قال: «و أسلموا له»، و لم يقل: و آمنوا به لأن المذكور قبل الآية و بعدها استكبارهم على الحق و المقابل له الإسلام.-/- /1/.
قال الله تعالى :" إن إبراهيم لحليم أواه منيب" ( سورة هود، الآية75).
و قال عز من قائل :" وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه و خر راكعا و أناب" .
( سورة ص ،الآية 24).
وقال الغفار جل و علا :" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم ، وأنيبوا إلى ربكم واسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون،واتبعوا أحسن ما انزل إليكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة و انتم لا تشعرون " .( سورة الزمر،الآيات 53-54-55 ). وقال الله سبحانه : " ذلكم الله ربي عليه توكلت و إليه أنيب " ( سورة الشورى ،الآية 8). ويقول المولى في كتابه العزيز :" و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب ".( سورة هود، الآية 88).
يقول الرحمان في القران الكريم " و أزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمان بالغيب و جاء بقلب منيب ".( سورة ق، الآية 31-32).
ولقد ورد في كتاب -الافتقار إلى الله تعالى لب العبودية- دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم ،وتذلل سيد الخلق،إذا قام من الليل يتهجد و يناجي ربه عز وجل.قال :
-/ - اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات و الأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السماوات و الرش ومن فيهن،ولك الحمد أنت نور السماوات و الأرض،ولك الحمد أنت الحق و وعدك الحق،ولقاؤك حق وقولك حق،والنبيون حق،ومحمد صلى الله عليه وسلم حق،والساعة حق،اللهم لك أسلمت ولك أمنت،وعليك توكلت،واليك انبت،وبك خاصمت،واليك حاكمت،فاغفر ما قدمت و ما أخرت،وما أسررت و ما أعلنت،أنت المقدم و أنت المؤخر،لا اله إلا أنت،أو لا اله غيرك -/-.
وجاء في مصطلح الإنابة عند الشيخ محمد علي الساعدي:
الإنابة في اللغة:
الإنابة لغةً من النوب يقال: (ناب ونوبة، والنوب: رجوع الشيء مرة بعد أخرى،وسمي النحل نوباً لرجوعها إلى مقارها، ونابته نائبة: أي: حادثة من شأنها أن تنوب دائماً) [2].
والإنابة في اللغة: هي الرجوع /2/.
ناب بدر التمام طيف محياك * * * * لطرفي بيقظتي إذ حكاكا [3/.
قال ابن منظور في ذكره للإنابة أنها من: (ناب الأمر نوباً ونوبةً: نزل، ونابتهم نوائب الدهر.

1/ http://qadatona.Org
2/ منازل السائرين لأبي إسماعيل الأنصاري
3/ جلاء الغامض في شرح ديوان ابن الفارض:191
45

وفي حديث خيبر قسمها نصفين: نصفاً لنوائبه وحاجاته، ونصفاً بين المسلمين، النوائب جمع نائبة، وهي: ما ينوب الإنسان، أي: ينزل به المهمات والحوادث والنائبة: المصيبة واحدة نوائب الدهر النازلة، ويقال: أصبحت لا نوبة لك، أي: لا قوة لك، وكذلك تركته لانوب له، أي: لا قوة له، وناب عني فلان ينوب نوباً ومناباً، أي: قام مقامي وناب عني في هذا الأمر نيابة إذا قام مقامك) [4]. فالإنابة إذن: العودة والرجوع.
قال الزمخشري في تعريفه للإنابة أنها من النوب: (نابه أمر نوبة، وأصابته نوائب ونوب ونائبة ونوبة، والخطوب تنوبه وتتناوبه، وناب إليه نوبةً ومناباً: رجع مرة بعد أخرى، والنحل تنوب إلى الخلايا، ولذلك سميت النوب.
واليه مناب: مرجعي، وخبر نائب: كثير عواد، وهو ينتابنا، وهو منتاب: مفاد مراوح، وأناب إلى الله، وعبد منيب، وأتاني فلان فما أنبت إليه: إذا لم تحفل به، وناوبه مناوبة، وتناوب القوم في غيره.
ونوب فلان: جعلت له النوبة. وناب عنه نوبة، وهو ينوب منابه، وأنبته منابي، واستنبته) [5/.
وكلمة الإنابة هي الإقبال والرجوع يقال أناب ينيب إنابه فهو منيب إذا اقبل ورجع.
الإنابة في الاصطلاح:
الإنابة اصطلاحاً: رجوع إلى الله تبارك اسمه، وهي: (رجوع عن كلّ شيءٍ مما سوى الله، والإقبال عليه بالسرور والقول والفعل، حتّى يكون دائماً في فكره وطاعته، فهي غاية درجات التوبة وأقصى مراتبها) [6/].
فهي رجوع إليه تبارك اسمه بالاستغفار والمتاب، والإخلاص لوجهه، والالتزام به، والإسراع إليه بالثبات على سبيله، ومحاربة الشيطان وإغوائه ووساوسه عن طريق الإعراض والنسيان لمكائده. والمنيب: هو العبد الراجع إلى خالقه سريعاً.
فالإنابة: (إلى الله تعالى: الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل، وفلان ينتاب فلاناً:
يقصده مرة بعد أخرى) [7] ومنه قولنا عن حقيقة الرجوع إلى الله تبارك اسمه: إنها تعني: الجهد والمواظبة واليقظة، وإرادة في النفس وتوجيهها إلى ما تراه موافقاً لغرضها في الوصول إلى الحق بنية صادقة وإخلاص دائم، وحمل النفس على المشاق البدنية، ومخالفة الهوى على كلّ حال:
وسدد وقارب واعتصم واستقم لها * * * * مجيباً إليها عن إنابة مخبت [8/.


4/لسان العرب لابن منظور 14:318
5/أساس البلاغة للزمخشري
6/ بداية الأخلاق لمحمد رضا اليزيدي/ 241
7/معجم ألفاظ القران للأصفهاني/525
8/جلاء الغامض.../192
46


وهذا الرجوع والإقبال على الله تبارك اسمه لا يكون إلاّ بالعزم والإرادة والتصميم الأخير بترك الذنوب، والانتقال إلى ترك المباحات، وذلك لا يكون إلاّ بسبق العبد إلى حسن ظنه بنفسه، فيختفي عن مذموم شيمه ومساوئ أخلاقه؛ لأن النفس بالسوء أمارة، وعن الرشد زاجرة، فإذا كانت كذلك فحسن الظن بها، هو وثوق بها، وهو عجز، والعاجز من عجز عن سيئات نفسه، وهذا لا يتناسب ومقام السالك إلى الله تبارك اسمه والسير إليه، والانتقال إلى مقام الإنابة والعودة إليه بالخضوع والخشية لله تبارك وتعالى.
الإنابة في القرآن الكريم:
ورد ذكر الإنابة في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعاً في آيات كثيرة تحكي عن هذه الكلمة وهذه المفردة، التي تورث معرفتها نوعاً من المعرفة التي يستحق العبد المؤمن في إدراكها غاية درجات المتيقن.

إن المسلم مهما اتقى المولى، فهو يصيب و يخطئ، و أفضل الإسلام ما أدى بصاحبه إلى الاعتراف بذنبه، والتذلل بين يدي ربه الكريمتين،لطلب العفو و العافية و المغفرة، يرجو بذلك وجه الله تعالى و رحمته التي شملت كل شيء.ففي الإنابة رجوع إلى الحق و الصواب ، وهذا من فضل العلي القدير الوهاب.فالعبد المنيب إلى ربه هو الولي الذي يرجع إلى طريق الهدى،والى الاعتصام بالمولى النصير.فالمؤمن مهما عظم ذنبه لا يقنط من رحمة الله تعالى ،وهو ارحم الراحمين،يغفر جميع الذنوب،حتى لمكن كان قد أشرك ثم تاب و أناب لربه الغفور التواب.
فالآية الكريمة التي يدعو فيها الغفار نبيه صلى الله عليه و سلم ليبشر المذنبين القانطين هي أرجى آية في كتاب الله تعالى،هي آية تدع العبد يرجو رحمة الله تعالى،ولا يقنط مما صدر عنه من ذنوب. هي رحمة من الله الرحمان الرحيم شاملة، ولله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه و لعظيم سلطانه. انه عز وجل يغفر ذنوب عباده التائبين المنيبين حتى و لو كانت ملئ السماوات و الأرض.فلا ملل و لا باس و لا يأس من رحمة الرحمان الرحيم،ومن عفو العفو الجواد الكريم.
جاء عن انس بن مالك و عن أبي أيوب الأنصاري و عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم ،إن النبي عليه الصلاة و السلام قال = لو أن أحدكم أتى بذنوب و معاصي ملئ السماوات و العارض ثم تاب إلى الله وندم لغفر الله له =/9/. فالله كريم سبحانه و تعالى.و يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الآية التي يخاطب الله تعالى رسوله ،بان يبشر العباد بان لا يقنطوا من رحمة الله تعالى ، هي آية الفرج للناس كلهم، كافر ومؤمن،بشرط التوبة من الذنب مع عدم العودة اليه ،والإنابة لله وحده لا شريك له.
و قال علي كرم الله وجهه – هي أعظم آية وأرجى آية في كتاب الله تعالى – فيها الرجاء. والعبد الولي يخاف عقاب ربه ويرجو رحمة ربه.فهته هي آية المذنبين و العصاة المنيبين. فالعبد إذا أناب،فهو قد تاب و عاد للإيمان والتوحيد،فالله سبحانه يغفر ذنب عبده المنيب ويرحم المذنب المنيب اليه بمغفرته وعفوه و رحمته ، ويجود عليه بكراماته وفتوحاته إن هو صدق في إنابته ،واخلص دينه لله بالإتباع والصبر على الإنابة.فالرجوع إلى الله تعالى فيه إعداد العدة، للاستعداد ليوم اللقاء،والمولى عليك راض وأنت له ،بفضله ،ولي ،تحيى السكينة و تنعم بحلاوة القرب من المولى النصير.


9/ البخاري ومسلم. 47

قال تعالى := يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية وادخلي في عبادي و ادخلي جنتي=. ( سورة الفجر، الآية27)
بطاعة اوامرالله تعالى و باجتناب نواهيه،مع اتخاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة في الخلق و القول و العمل،ينعم عليك ربك بالمغفرة. فالله تعالى يأمرنا للإنابة، وللإسلام لان الدين عند الله تعالى الإسلام،بإتباع القران الكريم وبإتباع سيد ولد ادم و لا فخر. أنيبوا إلى الله تعالى أي ارجعوا للحق، للعبادة، عبادة الإله الأحد الذي لا معبود سواه.فمن اتبع وتمسك بأحسن وأكمل الكتب السماوية فقد نصره الله تعالى وأيده بحوله وبقوته، ومن ترك الكتاب و الحكمة التي انزل الله تعالى على عبده، قصمه الله تعالى، هو = الفصل ليس بالهزل=. فمن تمسك به، بعد التوبة و الاستغفار و الإنابة و الاستسلام و الإتباع، فقد هدي، بفضل الهادي إلى صراط مستقيم. فيسلم قلبه ويطمئن بالله وحده لا شريك له
فرسول الله إبراهيم عليه الصلاة و السلام حليم ،كثير الأناة و" أواه منيب"،رجاع،متذلل،خاشع ومنقاد لأمر الله تعالى-/10/.
إن المنيب،يرجع إلى الحكم،و إلى الحق في قضاياه،/11/.قال ربنا الحكيم :" وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب " ( سورة هود، الآية 88).
لا غنى للعبد عن توفيق الله تعالى،سواء في الدنيا أو في الآخرة.ة واعلي مراتب التوفيق هو أن يحبب الله تعالى لعبده اليمان و الطاعة، ويكره إليه الكفر و المعصية.هته مرتبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم. يمتن الله بها تعالى على من يشاء من عباده. هم الراشدون حقا.
قال تعالى : " أولائك هم الراشدون ".( سورة الحجرات، الآية 7 ).
فالتوفيق لا يطلب إلا من الله تعلى، هو وحده من يقدر عليه. ومن سال التوفيق أو طلبه من غيره، خاب و حرمه المولى جل علاه. فالتوفيق كما قال ابن القيم ،رحمه الله تعالى –/ اجمع العارفون بالله تعالى إن التوفيق هو أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك،وان الخذلان هو أن يخلي بينك و بين نفسك /–/12/.
وبهذا جاء التوجيه النبوي الكريم، فعن أبي بكرة،رضي الله تعالى عنه، قال ،قال رسول الله تعالى صلى الله عليه و سلم :- دعوات المكروب -/-اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين و أصلح لي شأني كله لا الاه إلا أنت -/- /13/.
فالتوفيق هو أن يستعملك الله صالحا، وان تستعمل ما أعطاك في مرضاته عز و جل، ونصرة دينه و نبيه صلى الله عليه و سلم، ونفع المسلمين.وكذلك أن يوفق الله تعالى العبد لعمل قليل، أجره عند الله تعالى كثير. عن البراء بن عازب، رضي الله تعالى عنه قال : -/ أتى النبي صلى الله عليه و سلم رجل مقنع بالحديد،فقال -/ يا رسول الله، أقاتل أو اسلم ؟- قال اسلم ثم قاتل. فاسلم ثم قاتل،فقتل.فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم = عمل قليلا و اجر كثيرا=/14/.







10/ تفسير الطبري وتفسير الجلالين.
11/ تفسير خواطر الشعراوي.
12 مدارج السالكين،لابن القيم.
13/ سنن أبي داود،صححه الألباني.
14/ صحيح البخاري. 48


وأفضل توفيق، هو أن يوفق الله تعالى في آخر حياتك لعمل صالح، تموت عليه، فيختم الله تعالى به أعمالك.وورد في الاثارعن رسول الله صلى الله عليه وسلم،قوله= اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم لقائك=.
فتقوى الله تعالى مع الإخلاص و صدق السريرة،والصدق في السر و الجهر،والقول الثابت مع الصبر الذي في دين الله تعالى طريق توصل إلى التوفيق،بحول الله تعالى و عونه،ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولا الاه إلا الله.


































49
























:
الحسن العبد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
عدة العبد المنيب. الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 1 22-07-2013 11:37 AM
عدة العبد المنيب -تابع- الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 21-07-2013 09:09 PM
عدة العبد المنيب. الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 20-07-2013 04:56 PM
3/ العبد المنيب. الحسن العبد منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 19-07-2013 01:16 PM
عدة العبد المنيب: 1/ العبد المتطهر الزكي. الحسن العبد منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 19-07-2013 03:04 AM


الساعة الآن 01:17 PM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع