العودة   منتديات مكتبة المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات ما يتعلق بالأبحاث والمقالات العلمية ..

كاتب الموضوع asdn مشاركات 7 المشاهدات 4765  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-05-2009, 10:37 AM   #1
asdn
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 227
       
asdn is on a distinguished road
نجوم الـــرزق ( مقالات متنوعة )

وجوب التوكل على الله في الرزق

"قال ابو حاتم رحمه الله : الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالارزاق .
والتوكل هو نظام الايمان وقرين التوحيد وهو السبب المؤدي الى نفي الفقر ووجوب الراحة وما توكل احد على الله جل وعلا من صحة قلبه حتى كان على الله جل وعلا بما بما تضمن من الكفالة اوثق عنده بما حوته يده الا لم يكله الله الى عباده واتاه رزقه من حيث لم يحتسب .

وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص انه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قدر الله المقادير قبل ان يخلق السماوات والارض بخمسائة سنة . اهـ .
وقد جاء ان الرزق ليطلب العبد كما يطلبه لاجله ا.هـ .

قوال الشاعر :
لو كان في صخرة في البحر راسية ×× صماء ملمومة ملس نواحـــــــــيها
رزق لعبد بـــــــــــــراه الله لانفلقت ×× حتى تؤدي اليه كل ما فــــــــــــيها
او ان بين اطـــــــباق السبع مطلبه ×× يوماً لسهل في المرقى مراقـــــــيها
حتى ينال الذي في اللوح خــــط له ×× ان هو اتـــــــــــــــاه والا فهو اتيها
وفي حديث رباح القيس ان لله ملائكة موكلين بارزاق بني ادام .. الخ ، وجاء عن الفضيل بن عياض انه قال : ما اهتممت برزق قط .

ولقد احسن الشاعر حيث يقول :

ينال الغنى من ليس يسعى الى الغنى ×× ويحرم من يسعى له ويــــــــــــــداوم
وما العجز يحرمه ولا الحرص جالب ×× وما هو حظوة ومقاســــــــــــــــــــ ـم" انتهى .


المصدر : كتاب التربية الاسلامية (172) لعبد الله الخليفي خطيب وامام الحرم المكي رحمه الله ..

يتبع
asdn غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-05-2009, 10:39 AM   #2
asdn
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 227
       
asdn is on a distinguished road
(الرزق والأجل )ابن القيم رحمه الله

(الرزق والأجل )ابن القيم رحمه الله

الرزق والأجل



فَرِّغْ خاطرَكَ لِلْهَمِّ بما أُمرتَ به,ولا تَشغلْهُ بما ضُمنَ بك ,فإنَّ الرِّزْق والأجلَ قرينان مضمونان ,فما دامَ الأجلُ باقياً كان الرِّزقُ آتياً.

وإذا سدَّ عليك بحكمته طريقاً من طرقه , فتحَ لك برحمته طريقاً أنفعَ لك َ منه.
فتأمّل حال الجنين يأتيه غذائه – وهو الدم-من طريقِ واحدةٍ وهو السُرّة, فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق ,فتح له طريقين اثنين ,وأجرى له فيها رزقاً أطيب وألذّ من الأول لبناً خالصاً سائغاً ,فإذا تمت مدة الرِّضاع ِ وانقطعت الطريقان بالفطام , فتح طُرُقاً أربعةً أكمل منها ,طعامان وشرابان ,فالطعامان :من الحيوان والبنات ,والشرابان :من المياه والألبان وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ , فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة ....

لكنه سبحانه فتح له –إنْ كان سعيداًح طرقاً ثمانيةً ,وهي أبواب الجنة الثمانية يدخلُ من أيُّها شاء .
فهكذا الرًّبُ سبحانه ,لا يمنعُ عبده المؤمن شيئاً من الدنيا إلا ويؤتيهِ أفضل منه وأنفع له .


حظ المؤمنين :

وليس ذلك لغير المؤمن , فإنهُ يمنعه الحظَّ الأدنى الخسيس ,ولا يرضى له به,ليعطيَه الحظَّ الأعلى النفيس,والعبدُ –لجهله بكرم ربِّه وحكمته ولطفه –لا يعرف التفاوت بين ما مُنعَ منه وبين ما ذُخِرَ له ,بل هو مُولَعٌ بحبِّ العاجل ,وإنْ كان دنيئاً ,وبقلّةِ الرَّغبةِ في الآجل وإنْ كان عليّاً.

ولو أنصف العبد ربه – وأنًّى له بذلك!-لَعَلِمَ أنَّ فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها :أعظم من فضله عليه فيما آتاهُ من ذلك ,فما مَنَعَه إلا ليعطيه ,ولا ابتلاه إلا ليعافيَه ,ولا امتحنه إلا ليصافيَه,ولا أماته إلا ليحييه ,ولا أخرجه إلي هذه الدَّارِ إلا ليتأهَّب منها للقُدوم عليه ,وليسلك الطريق الموصلةَ إليه, ف [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا] الفرقان -62.,[ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا]الإسراء 99.

فوائد الفوائد ص82-83 طبعة ابن الجوزي تحقيق الشيخ علي حسن عبدالحميد الحلبي .
asdn غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-05-2009, 10:41 AM   #3
asdn
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 227
       
asdn is on a distinguished road
لماذا نُحرَمُ الرزق

لماذا نُحرَمُ الرزق



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه الطاهرين الميامين، ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين﴾.
فأخبر سبحانه الخلائق المكلفين من إنس وجان، أنَّه ما خلقهم إلا لعبادته بالتوحيد والإحسان، وأنَّ رزقهم مضمونٌ وعيشهم مصون، إن هم أدَّوا الأمانة وقبلوا الرسالة وأنَّه «﴿الرزاق﴾ أي: كثير الرزق، الذي ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها، ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ أي: الذي له القوة والقدرة كلها، الذي أوجد بها الأجرام العظيمة، السفلية والعلوية، وبها تَصرَّف في الظواهر والبواطن، ونفذت مشيئته في جميع البريات، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه أحد، ومن قوته أنه أوصل رزقه إلى جميع العالم ...» [تفسير السعدي].
وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لا تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن الله لا يُدرك ما عنده إلا بطاعته» [الصحيحة ].
فإذا كان الرزق مضمونا وكان في السماء وبيد صاحب العرش المجيد ولا ينزله إلا بقدر معلوم كما قال تعالى : ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُوم﴾، فما لنا نرى الناس يجروون جري الوحوش، ويُلقون في الليل كالجيف الميتة النفوس، ومع ذلك فلا يستطيعون تحصيل قطمير أكثر مما في الكتاب المسطور.
فهل تُرانا ملَكنَا مفاتيح تلك الخزائن والأبواب لنستنزل خيراتها وننعم بثرواتها، وهل ترانا أطعنا مالكنا وسيِّدنا واسترضيناه لننعم بعطاياه، أم أنَّ خيرَه إلينا نازل، وشرَّنا إليه صاعد، ومع ذلك لا شكران ولا حمد، بل هجران وصد، وكبر وبَطَر، فلتعلم ـ رحمني الله وإياك ـ أنَّ للرزق مفاتح أُرشِد إليها المؤمن الطائع التائب، وضَلَّ عنها العاصي المتباعد:
أولها: تقوى الله عز وجل، قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾.
والتقوى كما عرفها طلق بن حبيب رحمه الله: «أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله».
وهنا تنبيه على الإخلاص في عمل الطاعات وترك المنهيات وأنه لا مجال للرياء والسمعة فيهما لأنها محبطة لكليهما، وإذا فُقد الأصل مات الفرع، فهل تُراك تأتي الطاعات وأنت مستحضر بقلبك وجود الإله ومشاهدته لك حينها، وهل تُراك تبتعد عن المعاصي وأنت تستشعر مراقبة المولى لك، فلم تؤدِّ العبادة ليحمدك الناس، ولم تذر المعصية لأنهم سيذمُّوك، ولم تنفق ليقال كريم، ولم تمسك عن الشرِّ حتى لا يُذاع بأنك لئيم، بل أنت في كل حالاتك تبتغي مرضاة ربك.
ثانيهما: الاستغفار، فكلُّنا أصحاب ذنوب وخطايا، وآثام وبلايا، ورغم ذلك فباب التوبة مفتوح وجسر الاستغفار ممنوح، كما قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾.
فهل يغفر الذنوب والزلات ويمحو الخطأ والآفات فقط؟ بل ﴿يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ «أي: مطرا متتابعا، يروي الشعاب والوهاد، ويحيي البلاد والعباد، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: يكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من الدنيا وأولادكم، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارً﴾ وهذا من أبلغ ما يكون من لذات الدنيا ومطالبها» [تفسير السعدي].
فوعد سبحانه عباده المستغفرين بالرزق كلِّه من مال للتجارة والتكسب وفك ضيق العيش، وأولاد وبنين فهم من أفضل الرزق إذا صلحوا واستقاموا، وجنات من زروع وبساتين وأنهار غائرة وأشجار مثمرة، تَسرُّ العين والقلب معا، فبالله عليك متى كان آخر استغفار استغفرته وقلبك حاضر؟! وكما قال الحسن البصري رحمه الله: «استغفارنا يحتاج إلى استغفار»، فتجد أحدَنا يذكر ربَّه ويستغفره، وقلبُه منصرف إلى سواه، وبالُه مشغول بما عداه.
الثالث: الصلاة، وإن كانت تدخل في المفتاح الأول حيث إنَّها العمل بطاعة الله، إلا أننا خصَّصناها لتخصيص المولى عز وجل لها، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.
وأنا وأنت نصلي والحمد لله، ولكن هل أدَّيناها بأركانها وشروطها ومستحباتها، ووفَّيناها حقَّها؟ أم أننا نستعجل فيها لأنَّ موعدَ العمل قد أزِف، ولأن الأرباح قد تُنتسَف إن نحن أطلنا الركعة، أو جئنا بالذِّكر أكثر من مرة، وهذا ما يفعله معظمُنا، لا يأتي بالصلاة كاملة كما يجب، لأن عمله قد وجب، ولأن الزبائن لو جاؤوا بعده ووجدوا الدكان مغلقا سيذهبون إلى غيره، وتضيع عليه بعضُ الدريهمات، ولم يعلم المغبونُ بأنَّه بأدائه لصلاته قد صُرف له الدُّرُّ المكنون مِن رضى الرب إن تُقبِّل العمل، وزيادة الربح وكثرة النماء في المدخول، وعلى هذا فقس.
والكثير الكثير يأتي بالطاعات ناقصة مخافة فوات الرزق، وهذا في الحقيقة يأخذنا إلى المفتاح الرابع:
التوكل، قال صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم كنتم توكَّلون على الله حقَّ توكله لرُزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا».
فإذا كانت هذه المخلوقات التي لا تعقل تتوكل على الملك الجبار، وتقوم بما يجب عليها فعله ألا وهو الغدوُّ، فكيف بك أيها العاقل الراشد، فلو أنَّك أدَّيتَ عباداتك والمطلوبَ منك، وأنت متوكل على السيد المتعال لكُفيت همك، ولقُضي دينُك، وفُرِّج كربُك، لكن تشعَّبَت بك الهمومُ في كلِّ واد، ولم تجعل رضا ربك نَصب عينيك، فلم يبال بك في أيِّ واد هلكتَ، فالتوكل عبادةٌ قلبية عظيمة، لا يعرف معناها ولا يعقل مؤداها إلا كلُّ مؤمن محتسب عاداتِه قبل عباداته في رضى ربِّه ومولاه، ولو تأمَّلنا قولَه عليه السلام: «تغدو خماصا» لوجدناه يُرشدنا إلى مفتاح آخر من مفاتيح الرزق وهو:
التبكير: فالغدو هو الذهاب بكرة وصباحا، وهكذا السعي وراء العيش إنما يكون في الصباح، وقد بورك لأمَّتنا المحمدية في بكورها، كما صح بذلك الحديث: «بورك لأمَّتي في بكورها».
وأنت لا تستيقظ إلا حين تَلفَحُ الشمس وجهَك، أو تزيح عنك الغطاءَ أمُّك أو زوجُك، وتريد أن تُرزق الرزق الرغيد، وتتمتع بالعيش السعيد، فأنَّى لك ذلك، كذلك لو تأمَّلنا حالَ بعض الطيور، لوجدناها تطير في السماء وتسعى في الأرض تلتقط الحبَّ وتسبِّح الرَّب، أي أنها تطلب الرزق في مظانه وأماكنه التي تجده بها، فلم تذهب إلى الصحاري والقفار، أو البحار والأنهار لأنَّ رزقَها غير موجود بها، فكل ميَسَّر لما خلق له، وأنت تجلس في بيتك وتقضي نهارَك مشتغلا بما لا ينفعك، ولم تسع إلى أماكن الرزق والطلب خوفا من التعب والنَّصَب، وقد أرشدنا النبيُّ الرؤوف إلى طلب الرزق في مظانه.
فهذا مفتاح آخر فقال عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَنْطَلِقَ إِلَى هَذَا الْجَبَلِ فَيَحْتَطِبَ مِنْ الْحَطَبِ وَيَبِيعَهُ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ حَرَمُوهُ»، فأماكن التكسب معلومة وطرق الرزق غير مجهولة، ومن أكثر أماكن طلب الرزق الأسواق حيث يكثر الصفق والاشتغال بالتجارة والبيع والشراء.
وهذا في الحقيقة مفتاح آخر من مفاتيح الرزق لمن عقله وفهمه وتدَبَّر أحكامَه، فليس يصلح للتجارة إلا مَن عرف أحكامَها وعمل بحلالها واجتنب حرامها، وقد قال الإمام مالك رحمه الله: «من لم يتعلم أحكام البيع أكل الربا شاء أم أبى»، وقد بيَّن عليه الصلاة والسلام أن الصدق في البيع والشراء سبب من أسباب البركة في الرزق وزيادته لقوله عليه السلام: «إذا صدَقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإذا كذبا وكتما مُحقت بركة بيعهما»، وقال أيضا: «التجار هم إلا من اتقى وبَرَّ وصدق».
فالصادق مالُه نام زائد، والكاذب ديناره ممحوق مسحوق ولو كان ألف ألف دينار، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيم﴾.
ومن مفاتيح الرزق أيضا الزكاة: وما سميت بذلك إلا للنماء والزيادة، فإن أنت أدَّيت حقَّ الله في مالك بُورك لك فيه، وزيد لك في رزقك، وقرَّت عينك، واطمأنَّ صدرك بما عندك، وابتهج قلبك بما زاد فيه، فإذا كانت الصدقة النافلة غير الواجبة تزيد في أصل المال وتنميه، فمِن باب أولى الصدقة المفروضة المحبوبة لله تعالى، كما في الحديث: «ما تقرَّب إلي عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه ...».
ومن مفاتح الرزق التي يغفل عنها الكثير من الناس صلة الرحم كما جاء في كلام النبي المصطفى والرسول المجتبى: «من سرَّه أن يُبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره فليصل رحمه»، وأيُّنا لا يحب أن يطول عمره ويكثر رزقه فليسأل كل واحد منا نفسه: متى كانت آخر مرة زُرتَ فيها رحمك، ووصلت أهلك واطمأننت على قرابتك، ولِمَ فعلتَ ذلك؟ ألحاجة لك تقضيها أو لعبادة توفيها؟ والجواب لا شك عندكم معلوم.
فها أنت قد اتقيت المولى عز وجل، وقمت بعبادته، وتوكَّلت عليه، وبكَّرت في طلب رزقك في مظانه، واستغفرتَ ربَّك من الزلل والتقصير، وأدَّيت حقَّه تعالى فيما أنعم عليك، وصدَقتَ المتعاملَ معك، وجب عليك الآن شكرُ هذه النعم: التوفيق للمفاتيح واستخدامها في الطاعة ونزول الخيرات وحلول البركات عليك، وشكر المنعم إنما يكون بلسانك وقلبك وجوارحك، وألا تَستخدم ما استُخلفتَ فيه إلا ابتغاء مرضاته جل وعلا، وهذا من أهم مفاتح جلب الرزق واستكثاره، قال تعالى ﴿وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وهذا يقودنا إلى المفتاح العظيم وهو الدعاء، كما جاء في الحديث: «الدعاء هو العبادة»، فادع ربَّك وسيِّدَك أن يفتح عليك أبواب السماء والأرض وأن يستعملك في طاعته ويزيدك من فضله، وألا يقطع عنك إحسانه، وأن يتولاك في الدنيا والآخرة، بأن تظهر فاقتك إليه وحاجتك له دائما، وألا تملَّ من دعائه بل أن تلحَّ عليه فيه، فمَن لم يسأل الله غضب كما في الحديث، والباري عز وجل يحب من عباده أن يتوجهوا إليه بالدعاء، ويظهروا له الذلَّ والافتقار، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾، والحذر الحذر من أن تقنط من الاستجابة وتيأسَ من الرحمة، فتُحرم التوفيق وتُسدَّ عليك باب الخير، وفي الحديث: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي».
هذه بعض الأشياء التي تزيد في الرزق وتسهل حصوله وتنميه بعد وقوعه، فإذا أردتم سعة العيش ورَفَه الحياة فما عليكم إلا استخدام المفاتيح لحل الخزائن وجلب الكمائن، وإن صعُب عليكم الأمر فلا تتعَنَّوا؛ لأنَّ الرزق الهنيء والعمر المديد والعيش السعيد لا يكون للبطَّال الكسول الأكول المتواكل الذي ينتظر أن تمطر السماء عليه فضَّة وذهباً، و الحمد لله رب العالمين .
asdn غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-05-2009, 10:43 AM   #4
asdn
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 227
       
asdn is on a distinguished road
ما الأدلة على فضل التكسب وطلب الرزق؟ عبد العزيز بن باز رحمه الله

ما الأدلة على فضل التكسب وطلب الرزق؟ عبد العزيز بن باز رحمه الله
ما الأدلة على فضل التكسب وطلب الرزق؟
من هنا
asdn غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-05-2009, 10:47 AM   #5
asdn
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 227
       
asdn is on a distinguished road
تسعة أعشار الرزق في التجارة .....

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال

( تسعة أعشار الرزق في التجارة ، والجزء الباقي في السابياء ) .
قال الألباني في " السلسلة الضعيفة والموضوعة " 7 /412 :
/ ضعيف/
رواه أبو عبيد في "الغريب" (52/ 2) : حدثنا هشيم قال : أخبرنا داود بن أبي هند عن نعيم بن عبدالرحمن الأزدي يرفعه .
قال هشيم : يعني بـ (السابيا) : النتاج .
قلت : وهذا إسناد ضعيف لإرساله ؛ نعيم بن عبدالرحمن الأزدي أورده ابن أبي حاتم (4/ 1/ 461) بهذه الرواية عنه ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، فقال :
"روى عن النبي صلي الله عليه وسلم ، مرسل ، وروى عن أبي هريرة . روى عنه داود بن أبي هند" .
وقد تابعه يحيى بن جابر الطائي ، وهو ثقة من أتباع التابعين .
أخرجه سعيد بن منصور في "سننه" كما في "الجامع" ؛ قرنه بنعيم بن عبدالرحمن الأزدي .
asdn غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-05-2009, 10:48 AM   #6
asdn
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 227
       
asdn is on a distinguished road
لا نطلب القوة والرزق إلا من الله تعالى،

لا نطلب القوة والرزق إلا من الله تعالى،

وقوله: ]إن الله هو الرزاق*(1).................................. ....................

(1) في هذه الآية إثبات صفة القوة لله عز وجل.

جاءت هذه الآية بعد قوله: ] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) [الذاريات: 56-57]، فالناس يحتاجون إلى رزق الله، أما الله تعالى، فإنه لا يريد منهم رزقاً ولا أن يطعموه.

* ]الرزاق[: صيغة مبالغة من الرزق، وهو العطاء، قال تعالى ] َإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [ [النساء: 8]، أي: أعطوهم، والإنسان يسأل الله تعالى في صلاته، ويقول: اللهم ارزقني.

وينقسم إلى قسمين: عام وخاص.

فالعالم: كل ما ينتفع به البدن، سواء كان حلالاً أو حراماً، وسواء كان المرزوق مسلماً أو كافراً، ولهذا قال السفاريني:

والرزق ما ينفع من حلال أو ضده فحل عن المحال

لأنه رازق كل الخلــق وليس مخلوق بغير رزق

لأنك لو قلت: إن الرزق هو العطاء الحلال. لكان كل الذين يأكلون الحرام، لم يرزقوا، مع أن الله أعطاهم ما تصلح به أبدانهم، لكن الرزق نوعان: طيب وخبيث، ولهذا قال الله تعالى: ]قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [ [الأعراف: 32]، ولم يقل: والرزق، أما الخبائث من الرزق، فهي حرام.

أما الرزق الخاص، فهو ما يقوم به الدين من العلم النافع والعمل الصالح والرزق الحلال المعين على طاعة الله، ولهذا جاءت الآية الكريمة: ]الرزاق[ ولم يقل: الرازق، لكثره رزقه وكثرة من يرزقه، فالذي يرزقه الله عز وجل لا يحصى باعتبار أجناسه، فضلاً عن أنواعه، فضلاً عن آحاده، لأن الله تعالى يقول: ] وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [ [هود: 6]، ويعطي الله الرزق بحسب الحال.

ولكن إذا قال قائل: إذا كان الله هو الرزاق، فهل أسعى لطلب الرزق: أو أبقى في بيتي ويأتيني الرزق؟

فالجواب نقول: اسع لطلب الرزق، كما أن الله غفور، فليس معنى هذا أن لا تعمل وتتسبب للمغفرة.

أما قول الشاعر:

جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين

فهذا القول باطل. وإما استشهاده بالجنين، فالجواب: أن يقال الجنين لا يمكن أن يوجه إليه طلب الرزق، لأنه غير قادر، بخلاف القادر.

ولهذا قال الله تعالى: ]هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِه [ [الملك: 15]، فلابد من سعي، وأن يكون هذا السعي على وفق الشرع.

ذو القوة(1) المتين(2)................................... .............................

(1) القوة: صفة يتمكن الفاعل بها من الفعل بدون ضعف، والدليل على قوله تعالى: ]اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّة [ [الروم: 54]، وليست القوة هي القدرة، لقوله تعالى: ] وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراًً[ [فاطر: 44]، فالقدرة يقابلها العجز، والقوة يقابلها الضعف، ، والفرق بينهما: أن القدرة يوصف بها ذو الشعور، والقوة يوصف بها ذو الشعور وغيره. ثانياً: أن القوة أخص فكل قوي من ذي الشعور قادر، وليس كل قادر قويا . مثال ذلك : تقول : الريح قوية ، ولا تقول قادرة ،و تقول: الحديد قوي، ولا تقول: قادر، لكن ذو الشعور تقول: إنه قوي، وإنه قادر.

ولما قالت عاد: ]من أشد منا قوة[ قال الله تعالى: )أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة [ [فصلت: 15].

(2) المتين قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشديد. أي الشديد في قوته، والشديد في عزته، الشديد في جميع صفات الجبروت، وهو من حيث المعنى توكيد للقوي.

ويجوز أن نخبر عن الله بأنه شديد، ولا نسمي الله بالشديد، بل نسميه بالمتين، لأن الله سمى نفسه بذلك.

في هذه الآية إثبات اسمين من أسماء الله، هما: الرزاق، والمتين، وإثبات ثلاث صفات، وهي الرزق، والقوة، وما تضمنه اسم المتين.

والفائدة المسلكية في الإيمان بصفة القوة والرزق، أن لا نطلب القوة والرزق إلا من الله تعالى، وأن نؤمن بأن كل قوة مهما عظمت، فلن تقابل قوة الله تعالى.

شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين رحمه الله من ص202 -ص205
asdn غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-05-2009, 10:51 AM   #7
asdn
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 227
       
asdn is on a distinguished road
يا مسلم يا عبد الله : حققّ التّقوى و لا تحمل همّ الرّزق ، فإنّه مضمون
اقترانُ الأمرِ بالتّقوى مع الوعدِ بضمان الرِّزق في آي القرآن
و أعظمُ التّقوى المأمور بها : توحيدُ الله و إقامُ الصّلاة


[ تأمُّلاتٌ في سُورةِ طه ]





إنّ الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيّئات أعمالنا ، من يهده الله لا مضلّ له ، و من يضلل فلا هادي له ، و أشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله .
و بعد :
إنّ أعظم نِعَم الله عزّ وجلّ على عباده نعمة الإسلام و نعمة إنزال القرآن ، و هما أجلّ النّعم على الإطلاق ، قال تعالى :﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ( يونس : 58 ) ، قال القرطبيّ في " تفسيره " : " قال أبو سعيد الخُدرِيّ و ابن عبّاس رضي الله عنهما : فضل الله القرآن ، و رحمته الإسلام " (1) .
ثمّ قال : " ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ، أي بهذا الّذي جاءهم من الله من الهدى و دينّ الحقّ فليَفرحوا ، فإنّه أولى ما يفرحون به ، ﴿ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ، أي من حُطام الدّنيا و ما فيها من الزّهرة الفانية الذّاهبة لا محالة ، كما قال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية ، و ذكر بسنده عن بقيّة بن الوليد عن صفوانَ بن عمرو [ قال ] سمعتُ أيفعَ بن عبدٍ الكلاعي يقول : لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه ، خرج عمر و مولى له فجعل عمر يعدّ الإبل فإذا هي أكثر من ذلك ، فجعل عمر يقول : الحمد لله تعالى ، و يقول مولاه : هذا و الله من فضل الله و رحمته ، فقال عمر: كذبتَ ليس هذا ، هو الّذي يقول الله تعالى : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ الآية ، و هذا ممّا يجمعون " .
و قال تعالى ممتنّا على عباده بنعمة الإسلام :﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِيناً ( المائدة : 3 ) ، قال ابنُ كثير : " هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمّة حيث أكمل تعالى لهم دينهم ، فلا يحتاجون إلى دينٍ غيره ، و لا إلى نبيٍّ غير نبيّهم صلوات الله و سلامه عليه ، و لهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء و بعثه إلى الإنس و الجنّ ، فلا حلال إلاّ ما أحلّه ، و لا حرام إلاّ ما حرّمه ، و لا دين إلاّ ما شرعه ، و كلّ شيءٍ أخبر به فهو حقٌّ و صدقٌ لا كذب فيه و لا خُلف ، كما قال تعالى : ﴿ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً ( الأنعام : 115 ) ، أي صدقاً في الأخبار ، و عدلاً في الأوامر و النّواهي ، فلمّا أكمل لهم الدّين ، تمّت النّعمة عليهم " .
و قال عزّ و جلّ : ﴿ لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً منْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَكّيهِمْ وَيُعَلمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَ ٱلْحِكْمَةَ وَ إِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ( آل عمران : 164 ) .
و قد حمد الله عزّ وجلّ نفسه على إنزال الكتاب فقال : ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَ لَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا . قَيماً ليُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً من لَّدُنْهُ وَ يُبَشّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً . مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ( الكهف : 1-3 ) .
و أمرَ الله عباده بتدبّر هذا الكتاب ، فقال تبارك و تعالى : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ليَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا ٱلأَلْبَابِ ( ص : 29 ) .
و أنكرَ سبحانه على من لايتدبّر القرآن فقال : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ ( محمّد : 24 ) .
و قال تعالى : ﴿ الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ . إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( يوسف : 1-2 ) .
فنسأل الله تبارك و تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلى ، أن يجعلنا من المتدبّرين لكلامه ، و من العاقلين لمعاني آيات كتابه .
و قد أحببتُ أن أبيّن في هذا المقال – بتوفيق الله عزّ وجلّ - ، اقترانَ أمرِ اللهِ لعبادِه بالتّقوى في كثيرٍ من آي القرآن بإعلامه إيّاهم بتكفّله بأرزاقهم ، و أنّ المطلوب منهم هو تحقيق التّقوى لا الاشتغال بطلب الأرزاق ، و الزّمن زمنٌ افتتن فيه كثيرٌ من المسلمين باللّهث وراء الدّنيا و طلب الرّزق بشتّى الطّرق و الوسائل ، لا يميّزون في ذلك بين الحلال و الحرام ، و لا يقنعهم تحصيل قوت اليوم ، و قد قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم : " مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً في سِرْبِه مُعَافًى في جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيْزَتْ لَهُ الدُّنْيَا " (2) و كان من أدعية النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم : " اللّهمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمدٍ قُوتاً " (3) . و قد قال تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ ( الأحزاب : 21 ) .
قال الشّيخ محمّد بن عبد الله الإمام في كتابه " تحذير البشر من أصول الشرّ " ( ص 89-90 ) : " فتنةُ الفقر واسعة النّطاق ، شديدة العصف بكثيرٍ من النّاس ، فمن النّاس من يدخل في اليهوديّة أو النّصرانيّة أو غير ذلك من ملل الكفر ، لا لإنّه يحبّ تلك الملل ، و إنّما ليتحصّل على لقمة العيش ، فأيّ خطرٍ أعظم من هذا على المسلم ؟ و بعضهم يستعمل السّحر و التّنجيم و ادّعاء علم الغيب – و هي طرقٌ كفريّة – لا لشيءٍ و لكن ليتحصّل على المال ، و بعضهم يقتل أخاه المسلم أو قريبَه ؛ من أجل الحصول على المال ، و المرأة تبيع كرامتها و شرفها فتتاجر بعرضها ، و تجلب على أهلها و مجتمعها العار و الشّنار ؛ من أجل لقمة العيش " .
فأردت بهذا المقال أن أبيّن أنّ العلاج الأوّل لهذه الفتنة هو تقوى الله تبارك و تعالى ، و أعظم التّقوى توحيد الربّ تبارك و تعالى بإفراده بالعبادة ، و أعظم التّقوى بعد التّوحيد هو إقام الصّلاة و الصّبر عليها ، و أمرُ الأهل بها .
قال الله تبارك و تعالى في سورة البقرة : ﴿ يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَ ٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( البقرة : 21-22 ) .
قال الشّيخ العلاّمة المحدّث عبد المحسن بن حمد العبّاد البدر في ( مجموع كتبه و رسائله 1/163 ): " اشتملت الآيتان على أوّل أمرٍ أمر الله به في المصحف ، و هو عبادة الله ، و هو أعظم مأمورٍ به ، و على أوّل نهيٍ نهى الله عنه فيه ، و هو الشّرك بالله و اتّخاذ الأنداد له ، و هو أعظم منهيٍّ عنه ، و في هاتين الآيتين الإلزام بتوحيد الألوهيّة ، و هو عبادة الله وحده و ترك عبادة من سواه ، و ذلك في قوله في أوّل الآية الأولى : ﴿ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ، و قوله في آخر الآية الثّانية : ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، و هذا هو معنى لا إله إلاّ الله ، فإنّ قوله : ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً بمعنى ( لا إله ) ، و قوله : ﴿ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ بمعنى ( إلاّ الله ) ، و فيهما تقرير توحيد الرّبوبية ، و هو كون الله خالقهم و خالق من قبلهم ، و جاعل الأرض تحتهم و السّماء فوقهم ، الّذي ينزّل الغيث فيخرج به من الأرض أرزاقهم ، و المراد من هذا التّقرير لتوحيد الرّبوبية إلزام الكفّار الّذين بعث فيهم الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بتوحيد الألوهيةّ ، و المعنى : كما أنّه لا خالق إلاّ الله و لا رازق إلاّ الله فإنّه لا معبود حقّ سواه ، و لهذا يأتي كثيرا في القرآن تقرير التّوحيد الّذي أقرّوا به لإلزامهم بالتّوحيد الّذي جحدوه "

يتبع
asdn غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-05-2009, 10:53 AM   #8
asdn
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: أرض الله الواسعة
المشاركات: 227
       
asdn is on a distinguished road
في سورة طه افتتح الله خطابه لنبيّه محمّدٍ صلّى الله عليه و سلّم بالتّنويه بفضل القرآن و بتقرير التّوحيد فقال عزّ وجلّ : ﴿ طه . مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ . إِلاَّ تَذْكِرَةً لمَن يَخْشَىٰ . تَنزِيلاً ممَّنْ خَلَق ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَاوَاتِ ٱلْعُلَى . ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ . لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي ٱلأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ مَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ . وَ إِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسرَّ وَ أَخْفَى . ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ( طه : 1-8 ) .
ثمّ قصّ الله تبارك و تعالى علينا حديث موسى عليه الصّلاة و السّلام ، من يومِ أوحى إلى أمّ موسى عليها السّلام بإلقاء ابنها في اليمّ ، مروراً بما حدث له و لقومه مع فرعون و قومه ، و انتهاءِ ذلك بإنجائهم و إغراق فرعون و جنوده في اليمّ ، إلى يوم إحراق موسى عليه الصّلاة و السّلام العجلَ ثمّ نسفه إيّاه في اليمّ أيضاً ، و كما سبق فإنّ الله افتتح السّورة بتقرير التّوحيد ، بقوله : ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ( طه : 8 ) ، ثمّ لمّا كلّم الربّ نبيّه موسى عليه الصّلاة و السّلام ، علّمه التّوحيد و أمره به و بإقام الصّلاة في قوله : ﴿ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ( طه : 14 ) ، و ختم قصّة موسى بذكر تعليم موسى التّوحيدَ لقومه في قوله :﴿ إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ( طه : 98 ) ، ثمّ أعاد الله التّنويه بكتابه في مواضع أخرى من السّورة ، فقال مخاطباً النّيّ محمّداً صلّى الله عليه و سلّم : ﴿ كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً . مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً ( طه : 99-100 ) ، و قال : ﴿ وَ كَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَ صَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ( طه : 113 ) ، وقال في أواخر السّورة مخاطباً آدم عليه السّلام و عدوّه إبليس و الخطاب عامٌّ لذرّيتهما : ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم منّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَ لاَ يَشْقَىٰ . وَ مَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ ( طه : 123-124 ) ، و قد فسّر بعض السّلف المعيشة الضّنك بالضّيق و الشدّة فيها و لو كان صاحبها في سعةٍ من الدّنيا ، و ذكر ابن كثيرٍ هنا عن ابن عبّاس قال : " كلّ ما أعطيته عبداً من عبادي قلّ أو كثر ، لا يتقّيني فيه ، فلا خير فيه و هو الضّنك في المعيشة " فرجع الأمر إلى أنّ السّعادة و الأمن من الشّقاء لايتحقّقان للعباد إلاّ باتّباع الهدى ، لا بحصول الأرزاق كما يتوهّمه أكثر النّاس ، ﴿ و لكنّ أكثر النّاس لا يعلمون .
و قد ذكر الله قبل ذلك قصّة آدم صلّى الله عليه و سلّم ، فكان ممّا قصّه قولَه له و لزوجه عليهما السّلام : ﴿ فَقُلْنَا يٰآدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ . إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَ لاَ تَعْرَىٰ . وَ أَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَ لاَ تَضْحَىٰ ( طه : 117-119 ) ، فجمع في هذه الآيات كلّ أنواع الرّزق الحسّية الّتي يحتاجها الإنسان .
ثمّ ختم الربّ عزّ وجلّ خطابه لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم بآيتين جامعتين للأمر بلزوم بالتّقوى و الوعد بضمان الرّزق فقال: ﴿ وَ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً منْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقَىٰ . وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَ ٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَ ٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ( طه : 131-132 ) .
قال القرطبيّ رحمه الله : " قوله تعالى : ﴿ وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ : أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصّلاة و يمتثلها معهم ، و يصطبر عليها و يلازمها ، و هذا الخطاب للنّبيّ صلّى الله عليه و سلّم و يدخل في عمومه جميع أمّته ، و أهل بيته على التّخصيص ... و قوله تعالى : ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً أي : لا نسألك أن ترزق نفسك و إيّاهم ، و تشتغل عن الصّلاة بسبب الرّزق ، بل نحن نتكفّل برزقك و إيّاهم ؛ فكان عليه السّلام إذا نزل بأهله ضيقٌ أمرهم بالصّلاة " .
و قد أثنى الله تبارك و تعالى على نبيّه إسماعيل صلّى الله عليه و سلّم في سورة مريم بهذا ، فقال : ﴿ وَ ٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَ كَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً . وَ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَ ٱلزَّكَـاةِ وَ كَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً ( مريم : 54-55 ) .
و هي الوصّية الّتي وصّى به الله عيسى بن مريم عليهما الصّلاة و السّلام في سورة مريم أيضاً فقال : ﴿ وَ جَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَ أَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً . وَ بَرّاً بِوَالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ( مريم : 31-32 ) .
و قد جاء في القرآن الكريم نظائر آيتي طه في عدّة مواضع ، فكما جاء في آيتي البقرة السّابقتين أمرُ عموم النّاس برأس التّقوى و هو التّوحيد ، و اقترانُه هناك بتذكير المخاطَبين بنعم الله عزّ وجلّ عليهم و منها الرّزق ؛ فإنّه قد جاء مثل ذلك في حقّ عموم المؤمنين بشأن أمر النّفس و الأهل بالتّقوى ، و هي قوله تعالى في سورة التّحريم : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَ ٱلْحِجَارَةُ ( التّحريم : 6 ) .
و كذلك جاء بشأن عموم المؤمنين الأمرُ بالصّبر و المصابرة و المرابطة مع الحثّ على التّقوى في قوله تعالى في آخر آية من سورة آل عمران :﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَ رَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( آل عمران : 200 ) ، فرتّب الله الفلاح على هذه الأسباب و هي الصّبر و المصابرة و المرابطة و لزوم التّقوى .
قال السّعديّ في تفسيره : " حضَّ المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح – و هو‏:‏ الفوز و السّعادة و النّجاح - ، و أنّ الطّريق الموصل إلى ذلك لزوم الصّبر ، الّذي هو حبس النّفس على ما تكرهه ، من ترك المعاصي ، و من الصّبر على المصائب ، و على الأوامر الثّقيلة على النّفوس ، فأمرَهم بالصّبر على جميع ذلك ‏، ‏و المصابرة ؛ أي الملازمة و الاستمرار على ذلك على الدّوام ، و مقاومة الأعداء في جميع الأحوال ،‏و المرابطة‏ ؛ و هي لزوم المحلّ الّذي يخاف من وصول العدوّ منه ، و أن يراقبوا أعداءهم ، و يمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم ، لعلّهم يفلحون‏ ،‏ يفوزون بالمحبوب الدّيني و الدّنيوي و الأخروي ، و ينجون من المكروه كذلك ‏،‏ فعُلم من هذا أنّه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصّبر و المصابرة و المرابطة المذكورات ، فلم يفلح من أفلح إلاّ بها ، و لم يفُت أحداً الفلاحُ إلاّ بالإخلال بها أو ببعضها‏ ، ‏و الله الموفّق و لا حول و لا قوّة إلاّ به " ‏.
و من لطيف مناسبة آية آل عمران لما نحن بصدده من أمر الله عبادَه بإقام الصّلاة و الصّبر عليها ، ما ذكره ابن كثيرٍ عند تفسير هذه الآية ، من تفسير بعض السّلف للمرابطة بانتظار الصّلاة بعد الصّلاة ، واستدلّ رحمه الله لهذا المعنى بالحديث الّذي رواه مسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم قال : " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا و يرفع به الدّرجات ؟ إسباغ الوضوء على المكاره ، و كثرة الخطا إلى المساجد ، و انتظار الصّلاة بعد الصّلاة ، فذلكم الرّباط ، فذلكم الرّباط ، فذلكم الرّباط " ، فليُراجع تفسير ابن كثير في هذا فإنّه مهمّ .
و نظير آيتي طه في حقّ الأفراد بوعد ضمان الرّزق لمن حقّق التّقوى ؛ قولُه تعالى في سورة الطّلاق : ﴿ وَ مَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ( الطّلاق : 2-3 ) . قال بعضُ السّلف : ما احتاج تقيٌّ قطّ ، فقيل له : كيف ذاك ؟ فقرأ : ﴿ وَ مَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً . وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ .
و قد اجتمع ذكر الوعد بضمان الرّزق مع الأمر بلزوم التّقوى في القرآن ، في أجمع آياتٍ لهذا المعنى ، و جاءت صريحةً في الأمر بالتّوحيد و تناولت بالخطاب هذه المرّة كلّ المكلّفين ، و هي قوله تعالى في سورة الذّاريات : ﴿ وَ مَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَ ٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ . مَآ أُرِيدُ مِنْهُم من رزْقٍ وَ مَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ . إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ ( الذّاريات : 56-58 ) .
قال شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب في رسالة الأصول الثّلاثة : " و معنى يعبدون : يوحّدون ، و أعظم ما أمر الله به التّوحيدُ ، و هو إفراد الله بالعبادة ، و أعظم ما نهى عنه الشّركُ ، و هو : دعوة غيره معه " .
و قد جاء في نفس سورة الذّاريات قبل هاته الآيات بقليل النّهيُ عن الشّرك في قوله تعالى : ﴿ وَ لاَ تَجْعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ( الذّاريات : 51 ) .
فتأمّل يا مسلم يا عبدَ الله ، بعد هذا السّرد لآي القرآن ، كيف بيّن الله جلّ و علا أنّ الغاية الّتي لأجلها خلق الثّقلين ، إنّما هي تحقيقهم التّوحيد و العبادة ، لا السّعي وراء تحصيل الأرزاق ، الّتي تكفّل بها لعبادِه القويُّ الرّزاقُ .
و إذا تأمّلت آيات الذّاريات و استحضرتَ قول النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم في الحديث الصّحيح : " الدّعاء هو العبادة " (4) ؛ فهمتَ قول الفاروق عمر رضي الله عنه : " إنّي لا أحمل همّ الإجابة و لكن همّ الدّعاء ، فإذا أُلهمتم الدّعاء فإنّ الإجابة معه " .
و في السنّة أحاديث كثيرة اقترن فيه ذكر التّقوى و الأمر بتحقيق العبادة مع الوعد بضمان الرّزق ، أكتفي منها بثلاثة أحاديث .
الأوّل منها : قوله عليه الصّلاة و السّلام : " لو أنّكم توكّلون على الله تعالى حقّ توكّله ، لرزقكم كما يرزق الطّير ، تغدو خماصا و تروح بطانا " (5)
ففي هذا الحديث ذكر النّبيّ صلّى الله عليه و سلّم سببين من أسباب التّقوى أحدهما من أعمال القلوب و هو التّوكّل على الله و هو سبب معنويّ ، و الثّاني من أعمال الجوارح و هو الغدوّ في طلب الرّزق الحلال و هو سبب حسيّ .
أمّا الحديث الثّاني ، فهو ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه (6) قال : قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم : " مَنْ كَانَتْ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ الله غِنَاهُ في قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ راغِمَةٌ ، وَ مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمُّهُ جَعَلَ الله فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ فَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَ لَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ ".
قال السِّنديُّ في حاشيته على سنن ابن ماجه في كتاب الزّهد ، باب الهمّ بالدّنيا : " قوله : و أتته الدّنيا و هي راغمة ، أي مقهورة ، فالحاصل أنّ ما كُتب للعبد من الرّزق يأتيه لا محالة ، إلاّ أنّه من طلب الآخرة يأتيه بلا تعبٍ ، و من طلب الدّنيا يأتيه بتعبٍ و شدّةٍ ، فطالب الآخرة قد جمع بين الدّنيا و الآخرة ، فإنّ المطلوب من جمعِ المال الرّاحةُ في الدّنيا ، و قد حصلت لطالب الآخرة ، و طالب الدّنيا قد خسر الدّنيا و الآخرة ، لأنّه في الدّنيا في التّعب الشّديد في طلبها ، فأيُّ فائدةٍ له في المال إذا فاتت الرّاحة ؟ " .
و الحديث الثّالث : ما رواه أبو هُرَيْرَةَ ، عن النّبيِّ صلّى الله عليه و سلّم قالَ : " إِنَّ الله تعالى يَقُولُ يَا ابنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأُ صَدْرَكَ غَنِىً وَ أَسُدُّ فَقْرَكَ ، وَ إِنْ لاَ تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَيْكَ شُغْلاَ وَ لَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ " (7) .
أمّا الآثار السّلفية في الباب فأكثر من أن تُحصر ، و لا بأس بذكر شيء منها :
قال أبو الدّرداء : " إنّ الرّزقَ ليطلبُ العبدَ كما يطلبُه أجلُه " .
و قال كعب الأحبار : " إنّي لأجد في التّوراة مكتوبا : يا ابن آدم ، اتّق ربّك وصِل رحمك ، و برَّ والديك ، يُمدّ لك في عمرك و يُيّسر لك يُسرك ، و يُصرف عنك عُسرك " .
و قال الحسن البصري : " إيّاكم وما شَغَلَ من الدّنيا ، فإنّ الدّنيا كثيرة الأشغال ، لا يفتح رجلٌ على نفسه باب شُغلٍ إلاّ أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب " .
و قال لقمان الحكيم لابنه : " إنّ الدّنيا بحر عميق قد غرق فيها ناس كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله ، و حشوها إيمان بالله ، و شراعها التوكل على الله ، لعلّك ناج و لا أراك ناجياً " .
و قال إبراهيم التّيمي : " كم بينكم و بين القوم ؟ أقبَلت عليهم الدّنيا فهربوا منها ، وأدبرت عنكم فاتّبعتموها " .
و قال أبو حازم : " وجدتُ الأشياء شيئين ؛ شيء لي ، و شيء ليس لي ، فأمّا ما كان لي فلو كان في ذنب الرّيح لأدركته حتّى آخذه ، و أمّا ما لم يكن لي فلو اجتمع الخلق على أن يجعلوه لي ما قدروا عليه ، ففيمَ الهمُّ ههنا ؟! " .
و من شاء التّوسع في معرفة الآثار عن السّلف في ذلك فعليه بمصنّفات الزّهد ، كالزّهد لابن المبارك و الزّهد للإمام أحمد و الزّهد لهنّاد و غيرها .
و عوداً على الآيات الّتي افتتح الله عزّ وجلّ بها سورة طه ، أحببتُ أن أنبّه على سرّ بديع في مناسبة ذكر اسم الرّحمن دون غيره من أسماء الله الحسنى في تلك الآيات فقال : ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ . لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ مَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ، و قد تكرّر ذكر هذا الاسم في السّورة أربع مرّات ، قال أهل العلم : إنّ هذا الاسم دالّ على صفة الرّحمة العامّة الّتي تشمل جميع الخلق مؤمنهم و كافرهم ، و إذا أضفتَ إلى هذا ما وصف به موسى صلى الله عليه و سلّم ربّه تبارك و تعالى في نفس السّورة حين سأله فرعون : ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ . قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ( طه : 49-50 )، ثمّ قال : ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً من نَّبَاتٍ شَتَّىٰ . كُلُواْ وَ ٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ( طه : 53-54 ) ، إذا استحضرتَ ذلك كلّه ، عجبتَ كيف يخشى الفقر من أيقنَ أنّ سيّده يملك السّماوات و الأرض و ما بينهما و ما تحت الثّرى ، و كيف يخاف الفاقة من عَلِمَ أنّ مالكه متّصف بكمال الرّحمة و الإحسان ، و من وقع في ذلك فقد أساء الظنّ بربّه .


فَتَعَالَىٰ ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ( طه :114 )

الهوامش :

(1) : و انظر في " الدرّ المنثور " للسّيوطيّ ( 4/367 ) .
(2) : رواه التّرمذي و ابن ماجه و البخاريّ في الأدب المفرد ، و صحّحه الألبانيّ في " السّلسلة الصّحيحة " (5/408 رقم : 2318 ) .
(3) : متّفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
(4) رواه أحمد و أبو داود و التّرمذي و ابن ماجه عن النّعمان بن بشير رضي الله عنهما ، و صحّحه الألباني في " صحيح الجامع " ( 1/641 رقم : 3407 ) .
(5) : رواه أحمد و التّرمذي و ابن ماجه و الحاكم ، و صحّحه الألبانيّ في " السّلسلة الصّحيحة " ( 1/557 رقم : 310 ) .
(6) : رواه التّرمذيّ من حديث أنس ، و رواه أيضا أحمد و ابن ماجه و الدّارميّ من حديث زيد بن ثابت ، و صحّحه الألبانيّ في " السلسلة الصّحيحة " (2/670 رقم 949 و 950 ) .
(7) : رواه أحمد و التّرمذي و ابن ماجه و ابن حبّان و الحاكم ، و صحّحه الألباني في " السلسلة الصّحيحة " ( 3/346 رقم : 1359 ) .
asdn غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
ملــــــف الصيــــــام (2) مقالات متنوعة في شهر الصوم مشرفة المنتديات النسائية منتدى شهــر رمـضـــــــــان 16 20-07-2012 02:27 AM
بركـــة الـــرزق للدكتورمحمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله مشرفة المنتديات النسائية المنتدي النســـــائي الـعـام 5 09-05-2009 10:48 PM
مقالات متنوعة ...تفضل من هنا هدى منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 02-04-2009 05:26 PM
فتاوي متنوعة للزوجين مشرفة المنتديات النسائية المنتدي النســـــائي الـعـام 1 13-05-2008 10:58 PM
مصاحف وخطوط متنوعة ابن الحاجب منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 2 18-10-2006 04:10 PM


الساعة الآن 01:10 PM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع