العودة   منتديات مكتبة المسجد النبوي الشريف >

المـنـتديـات العــــامــــة

> الـمـنـتـدى العـــــــــــام
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الـمـنـتـدى العـــــــــــام العلوم الإسلامية : عقيدة وتفسير وفقه وحديث ولغة وتاريخ..

كاتب الموضوع محب الإسلام مشاركات 29 المشاهدات 6204  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-02-2009, 11:48 AM   #11
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
11 - علم التصوف

عاشراً:علم التصوف


علم التصوف علم شريف، أخذ من المسلمين اهتماماً ملحوظاً وجهداً كبيراً، وهو عند أهله علمائهم وعامتهم والقائمين به من أرفع العلوم وأدقها، ومن أخص المعارف وأشرفها.

التصوف في القرون الأولى:

ولئن لم يكن معروفاً بين رجال الصدر الأول من السلف الصالح باسمه الدارج وهو (علم التصوف) فإنه كان معروفاً لهم كمجموعة من المعارف والتوجهات والقواعد والسلوكيات.

يقول الإمام عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله في رسالته الشهيرة المعروفة ( بالرسالة القشيرية) راداً على الذين أنكروا كون هذا العلم من الدين لعدم وجود اسمه فيه: اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم، سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا أفضلية فوقها. فقيل لهم: الصحابة. ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة بالتابعين .

ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد ، ثم ظهرت البدع، وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السنة، المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، المحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة.

أوائل الصوفية:

وقد صدق القشيري في ذلك، فإن أول من سمي بالصوفي أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة 150هـ، ثم تتالت التسمية في كثير من العباد والزهاد وأهل الإقبال على الله بالتجرد، وعلى النفس بالإصلاح ، أمثال أبي حازم سلمةَ بن دينار المخزومي، والمعافى بن عمران، والفضيل بن عياض، ومعروف الكوفي، وبشربن الحارث الحافي، والحارث بن أسد المحاسبي، وأبي يزيد البسطامي، وأبي بكر الوراق، وسهيل بن عبد الله التستري، وأبي القاسم الجنيد بن محمد.

تعريف علم التصوف:
وقبل أن نخوض في مبادئ هذا العلم وأركانه، ينبغي أن نقف على تعريفه وحدّه.

وقد كثرت تعاريفه المأثورة المنقولة عن فطاحل العلماء وكبراء الأمة.

فهذا السيوطي يعرفه بأنه تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه.

وهذا حاجي خليفة في (كشف الظنون) يعرفه بأنه: علم يعرف به كيفية ترقي أهل الكمال من النوع الإنساني في مدارج سعادتهم، والأمور العارضة لهم في درجاتهم بقدر الطاقة البشرية.

وقريب منها عرفه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري فقال: التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفس، وتصفية الأخلاق، وتعمير الظاهر والباطن، لنيل السعادة الأبدية . وقال غيرهم غير ذلك.

وقد علق الشيخ زروق في كتابه (قواعد التصوف) على تعدد التعاريف فقال: وقد حٌدّ (أي عرف) التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله. وإنما هي وجوه فيه.

كيف نشأ علم التصوف:
أما عن منشئه ومبدئه فلنقل ما قاله العلامة ابن خلدون في مقدمته:

(وهذا العلم ـ يعني علم التصوف ـ من العلوم الشرعية الحادثة في الملة.

وأصله: أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية ، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والاعراضُ عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهدُ في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفرادُ عن الخلق والخلوةُ للعبادة. وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم التصوف.

الصوفية ودور مشرف في التاريخ الإسلامي:
وفي مجال الحديث عن دور الصوفية في توجيه مسار كثير من صفحات التاريخ الإسلامي، يقول الدكتور محمد الزحيلي في كتابه (تعريف عام بالعلوم الشرعية): وقد كان للصوفية والتصوف والمتصوفة، أو ما يعرف بالطريقة شأن في التاريخ الإسلامي. كما كان لها دور بارز في الدعوة الإسلامية وانتشار الإسلام في بعض القارات والبلاد ، كالطريقة السنوسية في أفريقيا، والطرق المختلفة في جنوب السودان وغرب أفريقيا، كما كان للتصوف ونظرياته ومبادئه اهتمام خاص لدى بعض المستشرقين وعلماء الغرب.

ويتابع الزحيلي قائلاً ولا يزال للتصوف أثر واضح في كثير من البلاد الإسلامية ، كما يعتبر صورة مشرقة في نظر بعض المسلمين لنشر الإسلام اليوم ودخول بعض الغربيين عن طريقه إلى الإسلام ، لأنه يغطي زوايا حساسة ومهمة في حياة الأفراد، ويلبي الخَوَاء الروحي والنفسي الذي يعيشه الغربي في حياة الفكرية وحضارته المادية.

أصول علم التصوف ومسائله:
هذا العلم الهام له أصول ومرتكزات، بينها كثير من العلماء في كتبهم التي تحدثت عن التصوف ومبادئه .

وقد أجمل أصوله الشيخ محمد أمين الكردي في مؤلفه القيم (تنوير القلوب) بقوله: وأصول التصوف خمسة:
1ـ تقوى الله في السر والعلانية، وتتحقق بالورع والاستقامة.

2ـ واتباع السنة في الأقوال والأفعال. ويتحقق بالحفظ وحسن الخلق.

3ـ والإعراض عن الخلق في الإقبال والإدبار، ويتحقق بالصبر والتوكل.

4ـ والرضا عن الله في القليل والكثير، ويتحقق بالقناعة والتفويض.

5ـ والرجوع إلى الله في السراء والضراء، ويتحقق بالشكر في السراء والالتجاء إليه في الضراء.

ومسائله: قضاياه والباحثة عن صفات القلوب .

ويتبع ذلك شرح الكلمات التي تتداول بين القوم، كالمقامات، والأحوال، والذكر، والمحبة، والفناء، والخوف، والورع، والتوكل، والتوبة، والرجاء، والكرامة، والتحلية، والتخلية ، وهي مصطلحات لها مدلولاتها في علم التصوف مستمدةُُ من آيات الكتاب العزيز، وكلام الرسول البشير صلى الله عليه وسلم، وما أثر عن خواص الأمة ورجالها من أقوال شارحة أو أحوال معبرة.

الانحراف الدخيل على التصوف:
ولكننا من باب الأمانة والاحتراز لا نجد بداً من التنويه إلى ما تسرب إلى علم التصوف خلال ما بعد القرن الرابع الهجري من أفكار دخيلة عليه وعلى الإسلام، يتبرأ منها كل مسلم، وينفيها عن التصوف الأصيل كل عالم متمكن، ويجهر بمحاربتها كل غيور، مع التذكير بأن قواعد هذا العلم الصافية لا تزال واضحة لكل ذي عينين، باحث عن الحقيقة، بعيد عن التشويش، مشمر عن ساعد الجد في الإقبال على الله.

إن تلك الشوائب الدخيلة لا تضر بأصله، ولا تغير بأهله، فما هي إلا كسحابة صيف أمام شمس ساطعة.

المراجع الأساسية في التصوف:
ولقد كتب علماء الإسلام كتباً كثيرة جداً في هذا العلم ، بل إن مبادئ التصوف وكتبه وأوائل ماسطر فيه يبدأ من منتصف القرن الهجري الثاني، من أمثال كتاب الزهد لعبد الله بن المبارك، وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل.

ولكن أشهر كتب التصوف الأصيلة هي على وجه الإجمال ما يلي:
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني المحدث العالم،وفي كتابه هذا جمع أبو نعيم ترجمة ثلة كبيرة من أعلام الإسلام وأقوالهم وحكاياتهم.
الرسالة القشيرية لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، وهي رسالة لطيفة جامعة لمبادئ التصوف ومسائله ورجاله.
التعرف لمذهب أهل التصوف لتاج الإسلام أبي بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي الحنفي.
إحياء علوم الدين للإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي الطوسي. وهو كتاب ضخم من أنفس كتب الإسلام وأغزرها معاني وتحليلات وفوائد وتوجيهات..وكذلك كتب الغزالي الأخرى كالمنقذ من الضلال، والأربعين في أصول الدين.
قوت القلوب في معاملة المحبوب ، و وصف طريق المريد إلى مقام التوحيد لأبي طالب محمد بن علي المكي.
عوارف المعارف لعبد القادر بن عبد الله السهروردي
7ـ كتب الحكيم الترمذي أبي عبد الله محمد بن علي.
8ـ كتاب حقائق عن التصوف للشيخ عبد القادر عيسى الحلبي.
9ـ كتاب تنوير القلوب في معاملة علام الغيوب للشيخ محمد أمين الكردي.
10ـ كتاب تربيتنا الروحية للشيخ سعيد حوى وكذلك كتبه الأخرى في هذا المجال.
11ـ الحِكَم لابن عطاء الله أحمد بن محمد بن عطاء الله السكندري المعروفة بالحكم العطائية.
12ـ مدارج السالكين شرح منازل السائرين لابن القيم.
13ـ معراج التشوف إلى التصوف لابن عجيبة.

نعم لقد كان التصوف هو العلم المتمم لعلم الفقهاء والمحدثين وأهل الفتيا. ولم يكن نقيضاً له ولا ضداً.
يقول ابن خلدون في مقدمته: صار علم الشريعة على صنفين:
صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا، وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات..
وصنف مخصوص بالقوم ـ أي الصوفية ـ في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي فيها من ذوق إلى ذوق.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 01:49 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:49 AM   #12
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
12 - علم تفسير الرؤيا

حادي عشر:علم تعبير الرؤيا


هذا علم لطيف، أعرض عنه كثير من الناس في غمرة الهجمة المادية التي تشهدها الحياة المعاصرة بجميع شئونها حتى ظنه البعض ضرباً من الوهم أو نوعاً من أنواع الدجل..

وما كان علم تعبير الرؤيا كذلك، وما ينبغي له أن يكون بعد أن حدثنا عنه القرآن الكريم مرارا،ً وتعددت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تتناوله تكرارا .

يقول الدكتور عبد الستار أبو غدة: إن علم الرؤيا والتعبير أحد العلوم التي عني بها في الإسلام بعدما تطرق إليها القرآن الكريم أكثر من مرة، في قصة سيدنا يوسف، وقصة سيدنا إبراهيم مع سيدنا إسماعيل، وحفلت بتنظيم أحكامها السنة النبوية واهتم بها العلماء في أكثر من مجال.

تعريف علم تعبير الرؤيا:
وقد ورد تعريفه في (كشف الظنون) لحاجي خليفه فقال: هو علم يتعرف منه الاستدلال من المتخيلات الحملية على ما شاهدته النفس حال النوم من عالم الغيب، فخيّلته القوة المتخلية مثالاً يدل عليه في عالم الشهادة.

وهذا التعريف هو أحد التعاريف العديدة التي ذكرها العلماء بهذا الخصوص، وهي تشير إلى أن الرؤيا التي يراها النائم ليست إلا رمزاً وإشارة، ومعنى لطيفاً يحتاج إلى معبّر يجيد فن التعبير، ليكشف ما ترمز إليه تلك الرؤى.

أمثلة قرآنية في تعبير الرؤيا:
ولا يجهل أحد في هذا المجال قول الله سبحانه في قصة يوسف عليه السلام: {وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } .
وقد جاء الملك تفسير تلك الرؤيا في قول يوسف الصديق عليه السلام:{ قال تزرعون سبع سنين دَأَبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع عجاف يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون... } الخ.

وهذه الآيات هي واحدة مما ذكره الله سبحانه عن يوسف عليه السلام في مجال هذا العلم كالرؤيا التي افتتح بها سورة يوسف، حين رأى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين ، كالرؤيا التي فسرها للرجلين الذين دخلا معه السجن، حيث قال أحدهما: إنه رأى نفسه يسقي ربه خمرا، بينما قال الآخر: إنه رأى فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه.

كما لا يجهل أحد أن علم تعبير الرؤيا فضل من الله ومنة، يهبه لمن يشاء، ولذلك شكر يوسف ربه عليه فقال:{ رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث}.

الأنبياء.. والرؤيا الصادقة:
قال الشيخ عبد الغني النابلسي في كتابه (تعطير الأنام في تعبير المنام): وكانت الأنبياء صلى الله وسلم عليهم يعدونها من الوحي إليهم في شرائع الأحكام، وقد ذهبت النبوة وبقيت المبشرات: الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له في المنام، على حسب ما ورد في الحديث.

ولقد اشتهر وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما أخبرت عنه عائشة رضي الله عنها ـ كان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح حقيقة واضحة.

بل أكثر من هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انفتل من صلاة الغداة يقول لأصحابه: " هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا " فيقصون عليه ما رأوا، يستبشر عليه السلام بما وقع من ذلك مما فيه ظهور الدين وإعزازه.

ولا شك أن هناك جزءاً من هذا القبيل يدخل تحت اسم أضغاث الأحلام.. يقول ابن خلدون في مقدمته: لكن إن كانت تلك الصور متنزلة من الروح العقلي المدرك فهي رؤيا،ـ وإن كانت مأخوذة من الصور التي في الحافظة التي كان الخيال أودعها إياها منذ اليقظة فهي أضغاث أحلام.

علامات... وآداب:
وحتى لا تختلط أضغاث الأحلام بالرؤيا الصادقة ذكر العلماء علامات للرؤيا الصادقة، تعرف بها وتدل عليها.

وقالوا: إن علامات الرؤيا الصادقة سرعة انتباه الرائي عندما يدرك الرؤيا، كأنه يعاجل الرجوع إلى الحس باليقظة، ولو كان مستغرقاً في نومه لثقل ما ألقي عليه من ذلك الإدراك.

ومن علاماتها ثبوت ذلك الإدراك ودوامه بانطباع تلك الرؤيا بتفاصيلها في حفظه.

كما ذكر العلماء آداباً للرؤيا الصالحة التي يسر بها المؤمن، وآداباً للرؤيا المكروهة التي تسوء المؤمن.

فمن آداب الرؤيا الصالحة: أن يحمد الله تعالى عليها، وأن يتفاءل بها خيراً، وأن يذكرها لمن يحب من إخوانه.

وأما الأخرى فآدابها: أن يستعيذ بالله من شرها وشر الشيطان، وأن يتفل عن يساره ثلاثا،ً وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه نائما،ً وأن لا يذكرها لأحد.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الرؤيا وأقسامها وآدابها أحاديث كثيرة لعل من أجمعها قوله: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب. وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاثة: فرؤيا صالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزينُُ من الشيطان، ورؤيا مما يحدّث المرء نفسه. فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل، ولا يحدثْ بها الناس).

قال ابن خلدون: ثم إن علم التعبير علم بقوانين كلية يبنى عليها المعبر عبارة ما يُقص عليه. وتأويله كما يقولون: البحر يدل على السلطان، وفي موضع آخر يقولون: البحر يدل على الغيظ، وفي موضع آخر على الهم والأمر الفادح... فيحفظ المعبر هذه القوانين الكلية، ويعبر في كل موضع بما تقتضيه القرائن التي تعيّن من هذه القوانين ما هو أليق بالرؤيا.

معبرو الرؤى وصفاتهم:
ويضيف ابن خلدون: ولم يزل هذا العلم متناقلاً بين السلف. وكان محمد بن سيرين فيه من أشهر العلماء، وكتبت عنه في ذلك قوانين، وتناقلها الناس لهذا العهد، وألف الكرماني فيه من بعده، ثم ألف المتكلمون المتأخرون وأكثروا.

وفعلاً ... فقد أثر عن ابن سيرين رحمه الله إمام هذا العلم وعلَمُه الشيء الكثير من تعبير المنام.

ومن ذلك أنه دخل عليه رجل وهو بين تلاميذه، فقال: إني رأيت نفسي أُأَذِّنُ. فقال له ابن سيرين: تحج هذا العام إن شاء الله، وقبل أن ينفض المجلس دخل عليه رجل آخر فقال له: إني رأيت نفسي في المنام أأذن. فتفحصه ملياً ثم قال لمن حوله: أمسكو به هذا لص. فتعجبوا من ذلك وزاد عجبهم بعدما أقر الرجل بأنه سرق. ولكن ابن سيرين أزال عجبهم بقوله: أما الأول فيناسبه قوله سبحانه: { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر } وأما الآخر فيناسبه قوله تعالى { فأذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون }.

ولما تكلم الشيخ النابلسي عن المعبر وصفته قال: وينبغي للمعبر إذا قصت عليه الرؤيا أن يقول: خيراً رأيت،َ وخيراً نلقاه، وشراً نتوقاه. خير لنا وشر لأعدائنا. الحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك. وأن يكتم على الناس عوراتهم، ويسمعَ السؤال بأجمعه، ويميزَ بين الشريف والوضيع، ويتمهلَ ولا يعجل في رد الجواب، ولا يعبر الرؤيا حتى يعرف لمن هي، ويميز كل جنس وما يليق به.

وليكن العابر عالماً فطناً ذكياً تقياً نقياً من الفواحش، عالماً بكتاب الله تعالى وحديث النبي صلى الله عليه وسلم ولغة العرب وأمثالها، وما يجري على ألسنة الناس.

ولا يعبر الرؤيا في وقت الاضطرار، وهي ثلاثة: طلوع الشمس، وغروبها، وعند الزوال... إلى آخر ما قال رحمه الله..

وقبل أن نختم الحديث باستعراض أهم مؤلفات هذا العلم ـ علم تعبير الرؤيا ـ نلفت الأنظار إلى أن الاهتمام بالرؤيا أصبح اليوم جزءاً من علم النفس على النسق الغربي، مما فتح المجال أمام آراء غريبة كل الغرابة عن طبيعة هذا الموضوع من حيثيات عديدة.

كتب علم تعبير الرؤيا:
وأشهر الكتب في هذا المجال (تعطير الأنام في تعبير المنام) للشيخ عبد الغني النابلسي، وله أيضاً أرجوزة (العبير في التعبير)، وكتاب (التعبير المنيف والتأويل الشريف) لمحمد بن قطب الدين الرومي الأزنيقي، و(تعبير ابن المقري) و(كتاب ابن أبي طالب القيرواني الممتّع)، و(كتاب التعبير) لأبي سعيد الواعظ و(كتاب الإشارات في علم العبارات) لخليل بن شاهين الظاهري.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 02:12 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:50 AM   #13
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
13 - علم الخلاف

ثاني عشر:علم الخلاف

مع نشوء علم الفقه علما مستقلا، وبروز علماء متخصصين فيه برعوا واجتهدوا، وأصبحوا للناس أئمة وقدوة، بدأت مع ذلك تظهر بواكير علم الخلاف. هذا العلم الذي تبلور ونضح بين أيدي مقلدي الأئمة الفقهاء وتابعيهم ـ رحم الله الجميع ـ انتصاراً من كل أتباع لإمامهم، وإظهاراً لقوة حجته وصواب استدلاله فيما خالفه فيه غيره، أو تفرد هو فيه.

ومن سوء الفهم إساءة الظن بأتباع الأئمة. إذ ما كان قصدهم من الانتصار للأئمة إلا الانتصار للحق، والبحث عنه، والدلالة عليه. وهذا هو الأمر الغالب والمؤكد.

وانظر ـ رعاك الله ـ إلى ابن خلدون كيف بين فضل هذا العلم فقال: وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال فيما يرومون الاستدلال عليه.

تعريف علم الخلاف:
ولقد عرف حاجي خليفة علم الخلاف بقوله: هو علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية.

وفي حقيقة الحال فإن علم الخلاف ماهو إلا علم متولد من علم المنطق والجدل وعلم الفقه، فهو يأخذ من المنطق مبادئه وقواعده وكلياته وقطعياته، ثم ينطلق بها ليستخدمها في الفقه ومسائله، وبيان قواعد الأئمة وأصول اجتهاداتهم، ودفع الشكوك والشبه التي ترد على مذاهبهم.

منشأ علم الخلاف:
ولعل ظهور مدرستي الحديث والرأي، والخلاف بينهما في نهاية القرن الأول وطيلة القرن الهجري الثاني، وانتصار كل طائفة لرأيها وأدلتها، وحاجة كل مدرسة إلى قطع المعترضين عليها عن الكلام والمناقشة لعل تلك المبررات أوجدت بوادر هذا العلم وبداياته.

لكن الخلاف بين المدرستين خفت حدته كثيراً بعد ظهور كتاب الشافعي (الرسالة) في علم الأصول، هذا الكتاب الذي كان له الفضل في التقريب بين أهل الحديث وأهل الرأي، ومحاولة تضييق الشقة بينهما.

لكن القرون اللاحقة ـ الثالث والرابع والخامس ـ شهدت نضج علم الفقه على أيدي الأئمة المجتهدين الذين برزوا فيه، وكان لهم نشاط علمي واسع، وتلاميذ حملوا اجتهاداتهم، وتشربوا قواعدهم، ونافحوا ودافعوا عن آراء أئمتهم، حتى كتب للمذاهب الفقهية الأربعة البقاء دون سواها بسبب ذلك، وكتب الاندثار على غيرها لعدم تعلق أحد أو سعيه في إبرازها ونصرتها.

ولا شك أن نشاط تلاميذ الأئمة أوجد ووطد دعائم علم الخلاف، بحيث أصبح علماً مستقلاً له كتبه ومؤلفاته، وقواعده وكلياته، وأسبابه ومبرراته.

رأي ابن خلدون في علم الخلاف:
يقول ابن خلدون في ذلك: فاعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافاً لا بد من وقوعه لما قدمناه. واتسع ذلك في الملة اتساعاً عظيما،ً وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا منهم. ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار، وكانوا بمكانٍ من حسن الظن بهم، اقتصر الناس على تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم لذهاب الاجتهاد لصعوبته وتشعب العلوم التي هي مواده، باتصال الزمان، وافتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة.

فأقيمت هذه المذاهب الأربعة على أصول الملة، وأُجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين بأحكامها، مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول الفقهية. وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كلٍّ مذهبَ إمامِه. تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة. يحتج بها كلُُّ على صحبة مذهبه الذي قلده وتمسك به. وأجريت في مسائل الشريعة كلها وفي كل باب من أبواب الفقه.

ثم يقول ابن خلدون مبيناً فوائد علم الخلاف: وكان في هذه المناظرات بيانُ مآخذِ هؤلاء الأئمة، ومثاراتِ اختلافهم ومواقعِ اجتهادهم. وكان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات. ولابد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج المجتهد.

أسباب اختلاف الفقهاء:
وإذا تساءلنا عن أسباب اختلاف الفقهاء... وهل يعقل أن يختلفوا في الحكم الشرعي مع أن الكتاب والسنة أصلان لهما فلنا أن نبحث عن أسباب الخلاف حتى نجد الجواب الشافي.

وقد عدد الأستاذ الدكتور محمد الزحيلي أهم أسباب الاختلاف بين الفقهاء، وحصرها في سبع نقاط هي كما يلي:

1ـ الاختلاف في الأمور الجبلّية: إذ أن الأئمة والعلماء يتفاوتون في ملكاتهم وطبائعم وعقولهم، وهذا أمر طبعي ينتج عنه في بعض الأحايين اختلاف الأحكام المستنبطة من الأدلة الشرعية.

2ـ الاختلاف في اللغة العربية:وهي لغة القرآن ولغة الحديث النبوي الشريف، ولا شك أن علماء اللغة أنفسهم يختلفون في وضع الألفاظ ودلالتها، والأسلوب والصيغ، والمشترك والمترادف، والحقيقة والمجاز، وهذا ما انتقل بدروه إلى علماء الفقه، وأدى بالتالي إلى اختلاف الأحكام.
3ـ اختلاف البيئات والعصور والمصالح: لاشك في أن لذلك أثراً كبيراً في أحكام الشريعة، التي جاءت في الأصل مراعية لمصالح الناس، ومتناسقة مع بيئاتهم وأزمانهم، في فرعياتها بشكل خاص، وفيما يتعلق بالمصالح الدنيوية على وجه أخص. وهذا كله من فضل الله وسماحة الدين.

والخلاف الناتج عن مثل هذه الأسباب يسميه الفقهاء اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان. وبناء على ذلك وضعت القاعدة الفقهية القائلة: لاينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان.

4ـ الاختلاف في فهم المراد من النص الظني: إذ أن المعنى ربما كان خافياً أو محتملاً للتأويل.

5ـ الاختلاف في حجية بعض مصادر التشريع. وذلك عند عدم وجود النص القاطع من كتاب الله أو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

6ـ الاختلاف في بعض فروع علم الحديث، وذلك كالاختلاف حول تضعيف حديث أو تقويته أو وضع شروط لقبول مراسيل التابعين أو خبر الآحاد ونحو ذلك.

7ـ الاختلاف في القواعد والمبادئ الأصولية، وهذا وارد حيث إن تلك القواعد من وضع العلماء، ولهم فيها اجتهادات علميه وأسباب موضوعية، ينتج عنها تعدد آرائهم فيها، مما يستدعي اختلاف النتائج المبنية عليها.

ومن طرائف هذا العلم ـ علم الخلاف ـ ولكل علم طرائفه، ما قاله صديق بن حسن القنوجي في كتابه أبجد العلوم: نقلاً عن كتاب مدينة العلوم: واعلم أن أول من أخرج علم الخلاف في الدنيا ـ يقصد بذلك أول من ألف فيه تأليفاً كاملاً مع أصوله ـ أبو زيد الدبوسي المتوفى سنة 432 وهو ابن ثلاثة وستين. ناظر مرة رجلاً فجعل الرجل يبتسم ويضحك، فأنشد أبو زيد لنفسه:
مالي إذا ألزمتُه حجةً قابلني بالضحك والقهقهْ
إنْ كان ضحكُ المرء من فقهه فالضب في الصحراء ما أفقههْ


كتب علم الخلاف:
وكتب هذا العلم عديدة كثيرة، وهي في بداية الأمر نشأت تحت مظلة علم الفقه وكانت ملحقة به، كمثل كتاب (اختلاف أبي حنفية وابن أبي ليلى) و(كتاب الرد على سير الأوزاعي)، وكتاب (اختلاف الشافعي مع محمد بن الحسن) وكتاب (اختلاف الشافعي مع مالك) وهي للإمام الشافعي، كتبها بنفسه وألحقها في آخر كتابه الأم وهو مطبوع.

ثم ظهر بعد ذلك الإمام الدبوسي الحنفي، وهو إمام بارع في المناظرة واستخراج المسائل والرأي وإيراد الحجج، ويعتبر مؤسس هذا العلم، فكتب فيه كتابه (تأسيس النظر) وكتابه (التعليقة) في الخلاف.

ومن كتب هذا العلم أيضاً: (النكت) و(تذكرة الخلاف) لأبي إسحاق الشيرازي، و(أحيلة العلماء في اختلاف الفقهاء) لأبي بكر الشاشي الشافعي وله أيضاً (المستظهري) و(المعتمد). وكتاب (التجريد) للقدوري الحنفي و(الطريقة الرضوية) للسرخسي الحنفي و(عيون الأدلة) لأبي الحسن بن القصار المالكي و(التعليق) للقاضي عبد الوهاب المالكي و(الإشراف على مذاهب الأشراف) لابن هبيرة الحنبلي و(المآخذ) لحجة الإسلام الغزالي و(مغيث الخلق في اختيار الأحق) و(الكافية في الجدل) كلاهما لإمام الحرمين الجويني.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 08:46 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:51 AM   #14
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
14 - علم النحو

ثالث عشر:علم النحو


قبل أن نشرع في علم النحو ومبادئه وكتبه وما يتعلق به، يجدر بنا أن ننبه إلى اللغة العربية تتعدد علومها وتتنوع، ويحتاج إليها أهل الإسلام حاجة أكيدة، لعلاقة تلك العلوم بفهم كتاب الله، الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، ولعلاقتها بفهم نصوص الحديث النبوي الشريف، الذي نطق به أفصح من نطق بالضاد، وأبلغ من قال أنا عربي من العباد.

قال ابن خلدون رحمه الله في المقدمة: الفصل الخامس والأربعون في علوم اللسان العربي، أركانه أربعة: وهي اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة.

وإنما احتجنا إلى هذه المقدمة البسيطة، بين يدي حديثنا عن علوم اللغة العربية، لبيان وثيق الصلة بين العلوم الإسلامية الدينية المحضة وبين العلوم العربية التي تعتبر ـ على حد قول العلماء ـ علوم الآلة والوسيلة، ولندفع وهم من دخله الوهم فظن أنه يستطيع فهم الدين بدون واسطة علوم اللغة، أو يستطيع أن يتفقه في الشريعة دون تضلع من العربية... وكفى بذلك وهماً وضياعا، وصدق من قال:
حفظ اللغات علينا فرض كفرض الصلاةِ
فليس يحفظ ديـن إلا بحفــظ اللغـاتِ

تعريف علم النحو:
ونبدأ بعلم النحو.
ونعرج على تعريفه. فنرى أن صاحب (كشاف اصطلاحات الفنون) قال: علم النحو، ويسمى علم الإعراب أيضاً على حافي شرح اللب، وهو علم يعرف به كيفية التركيب العربي صحة وسقما، وكيفية ما يتعلق بالألفاظ من حيث وقوعها فيه من حيث هو، أو بوقوعها فيه .. والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في التأليف والاقتدار على فهمه والإفهام به.

نشأة علم النحو:
والحقيقة أن بوادر اللحن قد ظهرت على قلة وندرة أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً لحن بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أرشدوا أخاكم فقد ضل " .

كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: " أنا من قريش، ونشأت في بني سعد، فأنى لي اللحن " .

فإذا كان اللحن في التخاطب بين العرب هو الدافع الأول إلى تدوين اللغة وجمعها، واستنباط قواعد النحو وتصنيفها، فإننا نتعرف من خلال الحديثين السابقين وجود كلمة اللحن وتداولها، وإن لم ينقل إلينا ما الخطأ اللغوي الذي قصد بها آنذاك.

لكن المصادر في تاريخ علم النحو تذكر لنا أن عمر رضي الله عنه مر على قوم يسيئون الرمي فقرعهم فقالوا: آنا قوم متعلمين ( والصواب أن يقولوا: متعلمون) فأعرض مغضبا وقال: والله خطؤكم في لسانكم أشدُّ علي من خطئكم في رميكم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " رحم الله امرءواً أصلح من لسانه " .

إلا أن أشهر القصص في تاريخ النحو ما أورده الأصفهاني في الأغاني، إذ دخل أبو الأسود الدؤلي في وقدة الحر بالبصرة على ابنته، فقالت له: ياأبت ما أشدُّ الحر؟ فرفعت كلمة (أشد) فظنها تسأله وتستفهم منه أي زمان الحر أشد؟ فقال لها: شهرا ناجر، فقالت: ياأبت إنما أخبرتك ولم أسألك، والحقيقة أنه كان عليها أن تقول إذا أرادت إظهار التعجب من شدة الحر والإخبار عنه ماأشدَّ الحر.


أسباب فشو اللحن:
وقد بدأ اللحن يتسرب والفساد يسري إلى لغة كثير من العرب مع اتساع الفتوحات، واختلاط العرب الفاتحين بالشعوب الفارسية والرومية والأحباش، ومحاولة هؤلاء العجم تعلم مااستطاعوا من العربية، وقليل من يفلح منهم في ذلك. فكان ظهور اللحن وفشوه مدعاةً لأهل الحل والعقد، أن يأمروا بضبط اللغة لضبط الألسن، وبتدوين القواعد واستنباطها لحفظ كتاب الله من اللحن والتحريف في اللفظ ثم في المعنى.

وضع قواعد النحو الأولى:
ويحدثنا ابن خلدون كيف وضعت قواعد علم النحو؟ وكيف فكر العرب في المحافظة على اللغة ونطقها، بعد أن فسدت ملكات النطق السليم لديهم فيقول: فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردةً، شِبه الكليات والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالأشباه، مثل أن الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمبتدأ مرفوع، ثم رأوا تغير الدلالة بتغير حركات هذه الكلمات، فاصطلحوا على تسميته إعراباً، وتسمية الموجب لذلك التغير عاملاً، وأمثال ذلك، وصارت كلها اصطلاحات خاصة بهم.

أوائل النحويين:
وقد اختلف العلماء فيمن تكلم أولاً بعلم النحو من حيث هوعلم، وفيمن وضع له بعض قواعده.
ولعل أول من أرسل فيه كلاماً أبو الأسود الدؤلي، الذي اخترع الحركات المعروفة بالفتحة والضمة والكسرة عندما اختار كاتباً، وأمره أن يأخذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد، وقال له: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، فإن ضممتُ فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعتُ شيئاً من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين.

وقيل: إن علياً رضي الله عنه وجه أبا الأسود إلى ذلك وقال له: انحُ نحوَ هذا... فمن هذا أخذ اسم النحو.

يقول الأستاذ سعيد الأفغاني في كتابه (من تاريخ النحو): أخذ عن أبي الأسود يحيى بن يَعْمر وعنبسة الفيل وميمون الأقرن ومضر بن عاصمٍ وعطاء بن أبي الأسود وأبو نوفل بن أبي عقرب، وعن هؤلاء أخذ علماء البصرة طبقة بعد طبقة، ثم نشأ بعد نحو مائة عام من تلاميذهم من ذهب إلى الكوفة فعلم بها، فكان منه ومن تلاميذه مايسمى بمدرسة الكوفة.

وقد كان للخليل بن أحمد الفراهيدي فضل كبير في هذا المجال، وهو ـ لاننسى ـ أستاذ شيخ النحو سيبويه، أخذ عنه، وكمل من بعده تفاريع النحو، وأكثر من أدلته وشواهد قواعده، ووضع فيه كتابه المشهور.

ثم وضع أبو علي الفارسي، وأبو القاسم الزجاج كتبا مختصرة في النحو، حَذَوَا حَذْوَ سيبويه.

من مسائل النحو وقضاياه:
وإذا أردنا أن نطلع على جملة واسعة من علم النحو فلنتصفح كتاباً مرجعاً فيه هو (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) على سبيل المثال نجد أن مؤلفه ابن هشام الأنصاري قد جعله على قسمين:
أدار القسم الأول على الأدوات في اللغة العربية، فحصرها وبين العامل منها وغير العامل ، وأكثر من الشواهد ونسق معانيها المختلفة، وأحكامها تبعا لهذه المعاني
وكان معظم اعتماده في استنباط معاني الحروف وأحكامها على القرآن الكريم، فهو المنبع الصافي من كل شائبة، والمرجع البعيد عن كل دخيل.
أما في القسم الثاني فكان فيه ثمانية أبواب، الأول في تفسير المفردات، وتشمل الحروف والأفعال والأسماء وأحكامها، والثاني: في الجملة وأقسامها، والثالث: في شبه الجملة وأحكامها، والرابع: في ذكر أحكامٍ يكثر دورها، والخامس: في ذكر الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها، والسادس: في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصوابُ خلافها، والسابع: في كيفية الإعراب، والثامن: في ذكر أمور كلية يتخرج عليها مالاينحصر من الصور الجزئية.
ويعلق على ذلك الأستاذ سعيد الأفغاني بقوله: ألف الكتاب ـ أي ابن هشام ـ لطبقة حظيت من العلم بقسط وافر في ثقافتها العامة .... وهو مستوى يعلو كثيراً على المستوى الميسر لطبقة المثقفين اليوم ثقافة رسمية ( بدرجة الدكتوراه مثلاً).

أشهر كتب النحو:
وكتب علم النحو كثيرة جداً متنوعة متعددة، وبعضها ـ وهو الأكثر ـ نثر، وبعضها الآخر شعر.
ومن تلك الكتب: (الكتاب) لسيبويه، و(التصريف الملوكي) و(المنصف) وهما لابن جني، و(المفصل) للزمخشري و(الإنصاف في مسائل الخلاف) و(لمع الأدلة) وهما لكمال الدين الأنباري، و(ألفية ابن مالك) وشرحها و(كتابه شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)، و(شرح شذور الذهب) لابن هشام.
ومن آخر ما كتب في النحو (جامع الدروس العربية) للأستاذ الغلايينى.
قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها، فيلحن فأرده عنها، وكأني أقضم حب الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن، ويكلمني آخر في الحاجة لايستوجبها، فيعرب فأجيبه إليها، إلتذاذاً لما أسمع من كلامه.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 08:54 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:52 AM   #15
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
15 -علم اللغة

رابع عشر: علم اللغة

لم يقف تأثير اختلاط العرب بالعجم إبان مرحلة الفتوح الإسلامية عند حد فساد ملكة اللسان العربي، الذي بدأ يلحن في إعراب الكلمات وعدم ضبطها الضبط الصحيح، بالفتح حين تكون مفتوحة، والكسر حين تكون كذلك... بل تعدى التأثير لذلك الاختلاط إلى فساد موضوعات الألفاظ، بمعنى أنك أصبحت مع مرور الزمن ترى من العرب من يستعمل الكلمة في غير معناها الموضوعة له في لغة العرب أصلا.

مواجهة فساد الإعراب وفساد الموضوعات:
وإذا كان المسلمون قد واجهوا فساد ملكة الإعراب باللسان بوضع قواعد علم النحو، وسعوا فيه سعياً حثيثاً، واجتهدوا فيه اجتهادا كبيراً، حتى تم لهم ذلك فيه... فإن علماء المسلمين لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام النوع الآخر من فساد موضوعات الألفاظ ـ الذي رأوا فيه خطراً داهماً يهدد كيان اللغة العربية لغة القرآن نفسها ـ بل اخترعوا علم اللغة، أو علم متن اللغة، أو مانسميه اليوم بالمعاجم اللغوية أو كتب قواميس اللغة.

تعريف علم اللغة:
ولقد عرف صديق بن حسن القنوّجي علم اللغة في كتابه (أبجد العلوم) فقال: هو علم باحث عن مدلولات جواهرالمفردات وهيئاتها الجزئية التي وضعت تلك الجواهر معها لتلك المدلولات بالوضع الشخصي، وعما حصل من تركيب كل جوهر، وهيئاتها من حيث الوضع والدلالة على المعاني الجزئية.

هدف علم اللغة:
وغاية هذا العلم أولاً: الاحتراز عن الخطأ في فهم المعاني الوضعية، والوقوف على مايفهم من كلمات العرب، أي أن نعلم مامعنى كلمة الحكمة مثلاً، أو معنى كلمة اختَضَرَ الشجرَ، فإذا راجعنا كتاباً من كتب اللغة ـ كالقاموس المحيط مثلاً ـ وبحثنا عن كلمة الحكمة علمنا أنها تعني: معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، وعلمنا أن كلمة اختضر الشجر تعني: قطعه أخضرا.. وهكذا.
ولاشك أن هذا العلم قد حفظ كيان اللغة العربية وألفاظها ومعانيها، بحيث نستطيع رغم مرور الزمن الطويل بواسطة هذا العلم، أن نعلم المعنى الحقيقي للكلمات التي نطق بها العرب الأقحاح، الذين نزل القرآن بلغتهم الفصيحة الخالية من الألفاظ الأعجمية أوالتراكيب الفاسدة.
وإضافة إلى ذلك فإن هذا العلم ـ علم اللغة ـ يفيد في التفنن في الكلام وفضل طلاقة العبارة وجزالتها، ويحصر في قوالب ثابتة قياسية وسماعية جميع ماورد عن العرب من كلمات، مع ذكر الشواهد للغريب منها من شعر أو نثر أو آية أو حديث، كما يضع الضوابط والقواعد لاستحداث مانحتاج إليه من مصطلحات أو كلمات مولّدة.

الخليل بن أحمد وعلم اللغة:
وإذا كانت المصادر تجمع على أن سابق الحلبة في هذا العلم الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة 175هـ، فما ذلك إلا لأنه جمع فأوعى، وكتب فأحسن وأجاد، وإلا فإن غيره قد سطر فيه قليلاً وكتب فيه رسائل.
يقول الأستاذ السيد أحمد الهاشمي في كتابه (جواهر الأدب) عن علم اللغة: وأول ماوضع الأئمة فيه رسائل وكتباً صغيرة في موضوعات خاصة، فلما ظهر الخليل أحصى ألفاظ اللغة بطريقة حسابية في كتاب، ورتبه على حروف المعجم، مقدماً حروف الحلق، ومبتدئاً منها بالعين، ولذلك سميَّ معجمه كتاب (العين).
ولنا أن نتساءل كيف بنى المسلمون هذا العلم ولموا به شمل اللغة وجمعوا متناثرها.
ويجيبنا على هذا التساؤل خير إجابة الإمام ابن خلدون في مقدمته... يقول عن الخليل وكتابه العين وأسلوبه في حق كلمات اللغة:
( فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها، من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، وهو غاية ماينتهي إليه التركيب في اللسان العربي، وتأتّى له حصر ذلك بوجوه عديدة حاصرة، وذلك أن جملة الكلمات الثنائية تخرج من جميع الأعداد على التوالي من واحد إلى سبعة وعشرين، وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد، لأن الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد من السبعة والعشرين فتكون سبعاً وعشرين كلمة ثنائية، ثم يؤخذ الثاني مع الستة والعشرين كذلك).
ويتابع ابن خلدون شرح طريقة تراكيب الكلمات عند الخليل حتى يقول بعد ذلك: ( فانحصرت له التراكيب بهذا الوجه، ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف، واعتمد فيه ترتيب المخارج، فبدأ بحروف الحلق ثم مابعده من حروف الحنك، ثم الأضراس، ثم الشفة وجعل حروف العلة آخراً، وهي الحروف الهوائية، وبدأ من حروف الحلق بالعين لأنه الأقصى منها، فلذلك سمى كتابه (العين) لأن المتقدمين كانوا يذهبون في تسمية دواوينهم إلى مثل هذا، وهو تسميتةُ بأول مايقع فيه من الكلمات والألفاظ، ثم بيّن المهمل منها من المستعمل، وكان المهمل في الرباعي والخماسي أكثر، لقلة استعمال العرب له لثقله، ولحق به الثنائي لقلة دورانه، وكان الاستعمال في الثلاثي أغلب، فكانت أوضاعه أكثر لدورانه.
ويقصد بالثلاثية طبعاً ماكان ثلاثة أحرف من الكلمات ككلمة نَصَرَ، والرباعية ماكان رباعياً كزلزل وهكذا.

طريقة علماء اللغة:
وتابع العلماء الجهود المباركة في تدوين علم اللغة على اختلاف طرائقهم وأساليبهم.
ويبين بعض تلك الطرق ومستندها صاحب كتاب (أبجد العلوم) فيقول: واعلم أن مقصد علم اللغة مبني على أسلوبين:
لأن منهم من يذهب من جانب اللفظ إلى المعنى بأن يسمع لفظا ويطلب معناه.
ومنهم من يذهب من جانب المعنى إلى اللفظ.
فلكل من الطريقين قد وضعوا كتباً ليصل كلٌ إلى مبتغاه، إذ لاينفعه ماوضع في الباب الآخر.
فمن وضع بالاعتبار الأول ـ أي أسلوب البحث عن معاني الكلمات بعد سماع ألفاظها ـ فطريقه ترتيب حروف التهجي، إما باعتبار أواخرها أبواباً وباعتبار أوائلها فصولا، تسهيلاً للظفر بالمقصود، كمـا اخـتاره الجوهري في الصحاح ، ومجد الدين في القاموس ، وإما بالعكس أي اعتبار أوائلها أبواباً وباعتبار أواخرها فصولا كما اختاره ابن فارس في (المجمل) والمطرزي في (المغرب).
ومن وضع بالاعتبار الثاني، فالطريق إليه أن يجمع الأجناس بحسب المعاني، ويجعل لكل جنس باباً، كما اختاره الزمخشري في قسم الأسماء من (مقدمة الأدب).
ولاشك أن تلك الطرق قد توحدت هذه الأيام عملياً، بالطريقة الدارجة في قواميس اللغة، حيث إن من أراد العثور على معنى كلمة ما فما عليه إلا أن يعود إلى أصل الكلمة، ثم يبحث عنها في باب أول حرف لها، ثم ينزل إلى الحرف الثاني ليجدها في فصله، فكلمة (استنبات) يعود المرء بأصلها إلى (نبت) فيبحث عنها في حرف النون، ثم يتجاوز حرف النون مع الألف إلى حرف النون مع الباء الذي هو ثاني حرف من الكلمة.

مفردات الموضوعات:
علما أن هناك علماء آخرين أحدثوا طرقاً أخرى لعلم اللغة، حيث قسموه أقساماً وأجزاء، فكتبوا لكل باحث عن مفردة من مفردات اللغة كتباً مستقلة في موضوع من الموضوعات.
يقول صاحب (أبجد العلوم): ثم إن اختلاف الهمم قد أوجب إحداث طرق شتى: فمن واحد أداه رأيه إلى أن يفرد لغات القرآن، ومن آخر إلى أن يفرد غريب الحديث، وآخر إلى أن يفرد لغات الفقه كالمطرزي في المغرب، وأن يفرد اللغات الواردة في أشعار العرب وقصائدهم ومايجري مجراها( كنظام الغريب).. والمقصود هو الإرشاد عند مساس أنواع الحاجات.

كتب علم اللغة:
وقد كثرت كتب علم متن اللغة بعد كتاب العين، فهذا أبو بكر بن دريد يؤلف كتابه (الجمهرة) على حروف المعجم بترتيبها المعروف الآن، كما ألف الجوهري كتابه (الصحاح)، وابن سيده الأندلسي كتابه (المحكم)، والصاحب بن عباد كتابه (المحيط)، وابن فارس كتاب (المجمل).
ثم من بعد هؤلاء الأوائل جاء المتأخرون، أمثال ابن الأثير في (النهاية) وابن مكرّم في (لسان العرب) والفيومي في (المصباح) والفيروزآبادي في (القاموس) وغيرهم.

الجهود المتأخرة في علم اللغة:
وقبل أن نختم نشير إلى جهد جديد حري بالتنويه والذكر في علم اللغة، وهو جهود المجامع اللغوية المكونة من علماء متخصصين في اللغة العربية، والذين يكون من صلب عملهم وضع ضوابط علمية لكلمات المصطلحات الحديثة، التي تحتاجها اللغة العربية لتكون وافية بمطالب العلوم والفنون وتقدمها، ليتحدد ماينبغي استعماله أو تجنبه من الألفاظ والتراكيب..
وفي مقدمة (المعجم الوسيط) الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة شرح وافٍ وجهد بارز.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 08:52 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:53 AM   #16
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
16 - علم الأدب

خامس عشر: علم الأدب


لكل لغة آدابها، ولكن العربية هي لغة الأدب، وفنون الأدب عند العرب عظيمة وعديدة، حتى إن الأدب والخلافة في كل عصر كانا قرينين، فما تظهر مملكة ولا يسطع نجم خليفة إلا ونجد إلى جواره الأدباء ملتفين ومجتمعين، يغذوهم بعطاياه ويقوونه بأقلامهم وألسنتهم.
يقول عبد الحميد الكاتب ـ وهو أمير الكتاب في الخلافة الأموية، مخاطباً معاشر الأدباء ـ بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يُصلح الله للخلق سلطانهم، ويعمر بلدانهم، لايستغني الملك عنكم، ولايوجد كافٍ إلا منكم ... الخ، وما أصدق هذا الحديث.
فما هو الأدب وما هي فائدته وما عدد أركانه وماهي كتبه.

تعريف علم الأدب وغايته:
ويعرف العلماء علم الأدب بأنه: معرفة مايحترز به من جميع أنواع الخطأ في كلام العرب لفظاً وخطا.
وهذا التعريف ـ ولاشك ـ يدخل فيه بعض علوم اللسان العربي، مما أفرده العلماء عن غيره، فيدخل فيه علم النحو وعلم اللغة وعلم الخط وغير ذلك، إضافة إلى علم الإنشاء والشعر اللذين هما بيت القصيد وأعظم المقاصد عند إطلاق لفظة (علم الأدب).
وغاية علم الأدب الإجادة في فني النظم والنثر، إضافة إلى تهذيب العقل وتزكية الجنان، وتلك ولاشك فوائد عظيمة يكتسبها المشتغل بعلم الأدب، فيعصم نفسه من زلة الجهل، ويروض أخلاقه، ويلين طبائعه، وينهض بالهمم إلى طلب المعالي والأمور الشريفة.

أركان علم الأدب:
أما أركان علم الأدب ( أي دعائمه التي يقوم عليها ويستند إليها) فهي كما يذكر الأستاذ أحمد الهاشمي في مقدمة كتابه القيم ( جواهر الأدب) أربعة:
الأول قوى العقل الغريزية، وهي خمسة: الذكاء والخيال والحافظة والحس والذوق.
الثاني: معرفة الأصول، وهي مجموعة قوانين الكتابة، وفيها تبيان طرق حسن التأليف وضروب الإنشاء وفنون الخطابة.

الثالث: مطالعة تصانيف البلغاء بالتأني والتبصر فيها، ليدخر الكاتب كل لفظ مؤنق شريف، وكل معنى بديع، بحيث يتصرف بهما عند الضرورة.

الرابع: الارتياض ـ وهو التدريب ـ بوجوه الإنشاء، بأن تتوسع في شرح بعض المعاني فتبينه بأوجه شتى وتنمقه بأشكال البديع..

الأدب نثر وشعر:
ولايسعنا ونحن نتناول علم الأدب إلا أن نقتصر هنا أولاً من فن الإنشاء على الكتابة النثرية، على أن نفرد للقسم الآخر من الأدب ـ وهو قسم الشعرـ صفحات أخرى لاحقة.

وفنون الإنشاء في علم الأدب سبعة ـ مع ملاحظة أن ذلك أهم وأغزر مباحث هذا العلم.

1 ـ فن المكاتبات:
الأول: فن المكاتبات والمراسلات: ويشمل هذا الفن أقسام الرسائل الثلاث.
أولاها: الرسائل الأهلية ـ ويذكرها بعضهم باسم رسائل الأشواق ـ وهي مادارت بين الأقارب والأصدقاء وأسفرت عن مكنون الوداد وسرائر الفؤاد، وفي هذه الرسائل يطلق الكاتب لقلمه العنان، ويتجافى عن الانقباض، ويعدل عن الكلفة، ومن هذا القسم رسائل الشوق، ورسائل التعارف قبل اللقاء، ورسائل الهدايا، ورسائل الاستعطاف، ورسائل الاعتذار ، وغير ذلك.
وثانيها: الرسائل المتداولة، وتشمل الرسائل التجارية، ورسائل حسن التقاضي والطلب، ورسائل حسن الشكر، ورسائل النصح والمشورة، ورسائل الملامة والعتاب، ورسائل الشكوى، ورسائل العيادة، ورسائل التهاني، ورسائل التأبين والتعازي، ورسائل الأجوبة، ورسائل الوصايا والشفاعات، ورسائل التنصل والتبرؤ.
وثالث أقسام فن المراسلات الرسائل العلمية: وهي مقالات في المطالب العلمية، أوالمسائل الأدبية، يرسلها أصحابها إلى من اقترحها عليهم، أو طلبها منهم كرسالة (أيها الولد) للغزالي.
ومن الأمثلة التي تذكر في رسائل الاستعطاف والاعتذار ماكتبه ابن الرومي يستعطف القاسم بن عبيد الله، قال: تَرَفّع عن ظلمي إن كنتُ بريئا، أو تفضل بالعفو إن كنتُ مسيئا، فوالله إني لأطلب عفو ذنب لم أَجْنِه، وألتمس الإقالة مما لاأعرفه، لتزداد تَطوّلاً، وأزداد تذللا، وأنا أعيذ حالي عندك بكرمك من واش يكيدها، وأحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله أن يجعل حظي منك بقدر ودي لك، ومحلي من رجائك بحيث استحق العفو منك، والسلام.

2 ـ فن المناظرات:
الثاني: من فنون الإنشاء السبعة: فن المناظرات: وللمناظرات ـ كما يقول السيد الهاشمي ـ ثلاثة شروط:
الأول: أن يجمع بين خصمين متضادين .
والثاني: أن يأتي كل خصم في نصرته لنفسه بأدلة ترفع شأنه وتعلي مقامه فوق خصمه.
والثالث: أن تصاغ المعاني والمراجعات صوغاً لطيفا.
ومن أمثلة المناظرات الشهيرة مناظرة النعمان بن المنذر وكسرى أنوشروان في شأن العرب، ومناظرة للآمدي بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري في المفاضلة بينهما، ومناظرة السيف والقلم لزين الدين عمر بن الوردي ، ومناظرة بين الليل والنهار لمحمد المبارك الجزائري، ومناظرة بين الجمل والحصان للمقدسي، ومناظرة بين فصول العام لابن حبيب الحلبي.
ومن مناظرة فصول العام نقتطف هذه المقاطع: قال الربيع: أنا شابّ الزمان، وروح الحيوان، وإنسان عين الإنسان، أنا حياة النفوس وزينة عروس الغروس، ونزهة الأبصار، ومنطق الأطيار، عَرْف أوقاتي ناسم، وأيامي أعواد ومواسم... وقال الصيف: أنا الخل الموافق ،والصديق الصادق، والطبيب الحاذق، اجتهد في مصلحة الأحباب ، وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب، وأخفف أثقالهم ، بي تتضح الجادة، وتنضج من الفواكه المادة، ويزهو البُسَر والرطب، وينصلح مزاج العنب، وقال الخريف: أنا سائق الغيوم، وكاسر جيش الغموم، وهازم أحزاب السموم، وحاوي نجائب السحائب، وحاسر نقاب المناقب، وقال الشتاء: أنا شيخ الجماعة، ورب البضاعة، أجمع شمل الأصحاب، وأسدل عليهم الحجاب، وأتحفهم بالطعام والشراب.

3 ـ فن الأمثال:
الفن الثالث من فنون الإنشاء فن الأمثال: والمثل عبارة عن تأليف لا حقيقة له ولا وجود في الواقع، وهو يحمل الحكم الشافية، والمواعظ البليغة.
وهو ثلاثة أنواع: الأمثال المفترضة الممكنة، وهي ما نسب إلى عاقل، والأمثال المخترعة المستحيلة، وهي ما جاءت على ألسنة الحيوانات والجمادات، والأمثال المختلطة، وهي ما دار الكلام فيها بين العاقل وغيره.
وأروع أمثلة الأدب العربي أمثلة القرآن الكريم { ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون }.
والأمثال فن أجاده العرب إجادة مذهلة.

4 ـ فن الوصف:
الفن الرابع من فنون الإنشاء فن الوصف: وهو بيان الأمر باستيعاب أحواله وصفاته وما يلابسه. ويشترط فيه أن يكون حقيقياً لا مبالغة فيه، وأن يكون الكلام فيه ذا طلاوة ورَوْنَق.
ولايتسع المقام لسرد أمثلة للوصف الذي برع فيه الأدب العربي، فقد وصف كل شيء تقريباً، مما تراه العين، أو يحس به الخاطر، أو يتصوره العقل، وصفاً مبدعا.
وصف الجاحظ الحسد فقال: الحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضد الحق، منه تتولد العداوة، وهو سبب كل قطعية، ومفرق كل جماعة، وقاطع كل رحم من الأقرباء، ومحدثُُ للتفرق بين القرناء، وملقّح للشر بين الحلفاء.

5 ـ فن المقامة :
الفن الخامس من فنون الأدب فن المقامة: وهي عبارة عن كتابة مسجوعة حسنة التأليف، تتضمن نكته أدبية، تدور على رواية لطيفة مختلقة تنسب إلى بعض الرواة...
وقد راجت سوقها بين الأدباء في القرون التي تلت عصر مخترعها بديع الزمان الهمذاني المتوفى عام 398هـ حيث كان أول من فتح بابها، وسلك طريقها، واشتهر من بعده الحريري بمقاماته وتابعه كثيرون آخرون.
وغالباً ما تنسب المقامة إلى مكانها الذي يزعم أنها حدثت فيه، فيقال المقامة الحلبية والمقامة الاسكندرانية وهكذا.

6 ـ فن الرواية:
الفن السادس من فنون الأدب الرواية: وقد عرف الرواية بعضهم بقوله:وهي ذكر قول أو فعل حدثا، أو أمكن حدوثهما.
وخواصها: الإيضاح والإيجاز والإمكان والتلطف.
ولها ثلاثة أجزاء: صدرها وعقدتها وختامها.
وأمثلتها كثيرة منها: رواية ليلى الأخيلية مع الحجاج، ورواية بنات الشاعر المقتول ،ورواية المرأة المتكلمة بالقرآن، وغير هذا وذلك.

7 ـ فن تاريخ الأدب العربي:
الفن السابع من فنون الأدب ما يتعلق بتاريخ أدب اللغة العربية. وهو فن يتناول تاريخ الأمة العربية، ابتداء من العرب البائدة إلى العاربة إلى المستعربة إلى المحدثين، كما يتناول تاريخ لغتهم وحياتهم الاجتماعية وأخلاقهم وغير ذلك.

أشهر كتب الأدب:
قال ابن خلدون في علم الأدب: وأركانه أربعة دواوين وهي: (أدب الكاتب) لابن قتيبة، وكتاب (الكامل) للمبرّد، وكتاب (البيان والتبيين) للجاحظ، وكتاب (النوادر) لأبي علي القالي.
ولكنا لا نستطيع أن نغفل بعض كتب الأدب الأخرى البارزة، أمثال (العقد الفريد) لابن عبد ربه و(الأغاني) لأبي الفرج الأصبهاني وغيرهما.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 01:58 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:54 AM   #17
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
17 - فن الشعر والشعراء

سادس عشر: فنّ الشعر والشعراء


ما النثر والشعر إلا جناحا الأدب العربي يطير بهما في سماء البلاغة والفصاحة، ويطوف بهما في أنحاء الحياة المختلفة، ولاغنى عنهما أو عن أحدهما.
ولا نستطيع الموازنة والمفاضلة بين الشعر والنثر، فلكل منهما رجال ومواقف ، وإبداع ولطائف، ولئن لم يكن القرآن المعجز شعرا،ً فهو أيضاً ليس مما عهده العرب من أصناف النثر.
ويكفي الشعر فخراً قول المصطفى عليه الصلاة والسلام " وإنّ من الشعر لحكمة ، وإنّ من البيان لسحرا ".(روى القسم الأول منه البخاري عن أبيّ ، والجزء الثاني رواه أحمد وأبو داود )
ولايضير الشعر أن الله سبحانه نزه نبيه صلى الله عليه وسلم عنه، فذلك لعمري آية نبوة، وعلامة صدق فيه، كيف لا. وقد كان أبو بكر وعمر شاعرين وكان علي رضي الله عنهم أجمعين أشعر الثلاثة.

ما قيل في الشعر:
قال ابن فارس في فقه اللغة: والشعر ديوان العرب، وبه حفظت الأنساب، وعرفت المآثر، ومنه تعلمت اللغة، وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله، وغريب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث صحابته والتابعين.
والشعراء أمراء الكلام، يقصرون الممدود، ويمدون المقصور،ويقدمون ويؤخرون، ويومئون ويشيرون، ويختلسون ويعيرون ويستعيرون.

تعريف الشعر:
وقد عُرّف الشعر بأنه كلام موزون مقفىّ، دالُُ على معنى، ويكون أكثر من بيت.
وقال بعضهم: هو الكلام الذي قصد إلى وزنه وتقفيته قصداً أولياً، فأما ما جاء عفو الخاطر من كلام لم يقصد به الشعر فلا يقال له شعر، وإن كان موزونا.
ويقول ابن خلدون فيه: هو كلام مفصل قطعاً قطعاً متساوية في الوزن، متحدة في الحرف الأخير من كل قطعة، وتسمى كل قطعة من هذه القطعات عندهم بيتاً، ويسمى الحرف الأخير الذي تتفق فيه رَوِيّا وقافية، ويسمى جملة الكلام إلى آخره قصيدة وكلمة، وينفرد كل بيت منه بإفادته في تراكيبه، حتى كأنه كلام وحده، مستقل عما قبله وما بعده، وإذا أفرد كان تاماً في بابه في مدح أو نسيب أو رثاء.

تاريخ الشعر ومبدؤه:
ولقد كان الشعر في العرب قديماً إلا أنه لم يكن إلا أبياتا.
يقول السيوطي في (المزهر): وإنما قُصّدت القصائد وطوّل الشعر على عهد عبد المطلب، أو هاشم بن عبد مناف. ثم يعود فينقل عن ثعلب في (أماليه) قول الأصمعي: أول من يروى له كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً من الشعر مهلهل ثم ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، ثم ضمرة رجل من بني كنانة، والأضبطُ بن قريع. قال: وكان بين هؤلاء وبين الإسلام أربعمائة سنة، وكان امرؤ القيس بعد هؤلاء بكثير.

طبقات الشعراء:
ولهذا قسم ابن رشيق في كتابه (العمدة) طبقات الشعراء إلى أربع طبقات هي: جاهلي قديم، ومخضرم وهو الذي أدرك الجاهلية والإسلام، وإسلامي، ومحدث.
يقول: ثم صار المحدثون طبقات: أولى، وثانية على التدريج، هكذا في الهبوط إلى وقتنا هذا، فليعلم المتأخر مقدار ما بقي له من الشعر.
ومن جهة أخرى فقد قسم الشعراء من حيث إجادتهم إلى طبقات أيضاً:
فأعلاهم كعباً يقال له شاعر خنزيز، أي شاعر جيد وراوٍ للجيد.
وشاعر مفلِق، وهو جيد الشعر، دون أن يكون راوياً كالأول.
ثم شاعر فقط، وهو من كان فوق الرديء بدرجة.
وشعرور وهو لا شيء.

مشاهير الشعراء:
ولعل أشعر العرب قديماً وأشهرهم أصحاب المعلقات السبع السِّمط: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو، وطَرَفة...
وكانت المعلقات تسمى المذهبات ـ يقول السيوطي ـ وذلك أنها اختيرت من سائر الشعر، فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، فلذلك يقال: مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء.
أما عن شعراء ما بعد ذلك فهم كثير، وقد اشتهر على وجه الخصوص أبو تمام، والبحتري، وابن المعتز، والمتنبي، وأبو فراس، وأبو العلاء المعري، وابنُ هانئ الأندلسي، والشريف الرضي، وبشار بن برد، وأبو العتاهية، وابن الرومي، وابن خفاجة الأندلسي، ومؤيد الدين الطغرائي، والبهاء زهير...
وكما اشتهر هؤلاء بالشعر فقد اشتهر آخرون بروايته وتحمله إلى الناس، ومن هؤلاء الرواة المشهورين: الأصمعي، وحماد الكوفي، وخلف الأحمر البصري، وأبو عمرو بن العلاء، وعبيدة بن معمر بن المثنى، ومحمد بن سلام الجمحي وغيرهم.
وقد شهدت العصور المتأخرة للدولة الإسلامية ـ أي ما بعد القرن السابع الهجري ظهور شعراء لم يكونوا كالسابقين في براعتهم وإبداعهم وشهرتهم، مثل شرف الدين الأنصاري، والإمام البوصيري، والشاب الظريف، وابن الوردي، وصفي الدين الحلي، وابن مكانس، وابن معتوق الموسوي، وابن نباته.
وقد كان للشعر في عصر النهضة الحديثة أيضاً رجال فطاحل، أعادوا للقريض نضارته، وجددوا شبابه ومن أشهر هؤلاء : محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وإسماعيل صبري.

فنون الشعر:
وكما استعرضنا فنون النثر فإن الفنون والأبواب التي طرقها الشعراء بشعرهم كثيرة، ولكن أشهرها ما يلي:

1ـ المديح. وأكثر ما مدح الشعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان هذا الضرب من المديح في المسلمين قديماً، بدأه شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت، وتابعه بعد ذلك أفواج لا تنتهي من الشعراء وأفواج .
فمن ذلك ما قاله شوقي فيه صلى الله عليه وسلم:
محمـد صفـوة البـاري ورحمتــــه وبُغية الله من خلق ومن نَسَمِ
وصاحـب الحوض يـومَ الرسل سائلـةُُ متى الورودُ؟ وجبريل الأمين ظمي
سنــاؤه وسنـاءُ الشمـس طـالـعــة فالجِرم في فلكِ، والضوء في علمِ


ويقال إن أمدح بيت في الشعرالعربي قول جرير في عبد الملك:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح


2ـ الفخر والحماسة:قال السموأل مفاخراً:
وإنا لقوم لا نري القتل سبـة إذا ما رأته عامر وسلول
يقـرب حب الموت آجالنـا لنا وتكرهـه آجالُـــهم فتطـــول
ومامات منا سيد حتفَ أنفـه ولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظباء نفوسنا وليس على غير الظباء تسيل


وقال الفرزدق:
لنا العزة القعساء والعدد الذي عليه إذا عُدّ الحصى يتخلف
ومنا الذي لا ينطق الناس عنـده ولكنْ هو المستأذَن المتصرف.


3ـ الوصف: ولعل هذا أوسع أبواب الشعر تصريفاً، وأكثرها مددا، فما غادر الشعراء شيئاً دون وصف:
قال صفي الدين الحلي يصف وادياً:

على الروض أستاراً من الورق الخضر * تعانقت الأغصـان فيـه فأسبلت
إلى روضة ألقـت شراكـاً من التبـر * إذا ما حبال الشمس منها تخلصت


وأنشد معروف الرصافي واصفاً قطار البخار:

وقاطـرة ترمـي الفضـا بدخانهــا وتملأ صدر الأرض في سيرها رعباً
تمشـت بنـا ليـلاً تجـر وراءهــا قطاراً كصف الدوح تسحبه سحباً
فطوراً كعصف الريح تجـري شـديدة وطوراً رُخاء كالنسيم إذا هبا
تساوي لديها السهل والصعب في السُّرى فما استسهلت سهلاً ولا استصعبت صعباً


4ـ ومما خاض الشعراء فيه بقوة بحر المراثي، فبكوا وأبكوا كثيراً
قال أبو البقاء الرندي يرثي الأندلس:
فجائع الدهر أنواع منوعــــة وللزمان مسرّات وأحـــــزانُ
وللحوادث سلوان يسهلهــــا وما لما حل بالإسلام سلــــوان
تبكي الحنيفية البيضاء من أسـف كما بكى لفراق الإلف هيمـــان
على ديار من الإسلام خاليـــة قد أقفرت ولها بالكفر عمـــران

وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا:
تبكى خُنُاسُُ على صخرٍ وحق لها إذ رابها الدهر إن الدهر ضرّار
ياصخر ورّادَ ماء قد تــوارده أهل الموارد مافي ورده عــار
وإن صخراً لحامينا وسيدنـــا وإن صخراً إذا نشتوا لنحـّــار
وإن صخراً لتأتم الهداة بــــه كأنه علم في رأســـه نـــار

5ـ وقد خاض الشعراء في أبواب أخرى كثيرة، بعضها مشهور مثل الهجاء والغزل والحكم، وبعضها قليل مثل العلوم التي صاغها بعض الشعراء صياغة شعرية، لتسهيل حفظها، أو التاريخ الذي صبه بعضهم في قوالب شعرية.

العَروض... مركب الشعر والشعراء:
ولا يفوتنا ـ قبل أن نختم الحديث عن الشعر والشعراء ـ أن ننوه بعلم لاحق للشعر وضباط له، وهو علم العروض الذي هو: معرفة الأوزان المعتبرة للشعر.
وأول من اخترع هذا الفن الإمام الخليل بن أحمد، تتبع أشعار العرب وحصرها في خمسة عشر وزناً، وسمي كلاً منها بحراً، ثم تابع الجوهري علم الخليل فهذب العروض، ثم لحق بهما الأخفش.
وقد كتب العلماء في العروض كتباً، مثل عروض ابن الحاجب ، والخطيب ، والتبريزي، و عروض الخزرجي ، وشفاء العليل في علم الخليل لأمين الدين المحليّ.
وفي الختام، فإن الشعر بحر العرب الذي أشرفوا على سواحله من كل جانب، ومخروا عبابه بكل سفين، وصبوا في قوالبه كل معنى. وهناك ألوف وألوف من دواوين الشعراء لا تقع تحت حصر.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 08:49 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:55 AM   #18
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
18 - علوم البلاغة

سابع عشر:علوم البلاغــة


هذا العلم قسم واسع من علوم اللسان العربي الذي هو لسان الإسلام وقلمه، وهو من العلوم المخترعة التي استفيدت من استقصاء العلماء وتتبعهم لأحوال اللسان العربي، وما يكون عند العرب وفي عرفهم فصيحاً بليغا،ً يوافق طباعهم السليمة، ويؤدي إلى أرق المعاني وأجمعها وأجملها.

تعريف البلاغة:
والبلاغة ابتداء في لغة العرب ـ كما في المعجم الوسيط ـ حسن البيان وقوة التأثير.
وهي عند علماء البلاغة: علم تدرس فيه وجوه حسن البيان، ومن هنا، فإن علوم البلاغة لعبت دوراً كبيراً في تاريخ العرب من حيث تخليد البلغاء وضربهم للناس أمثلة يحتذون بها، ورفع شأن المتكلم أوالخطيب أوالشاعر بحسب قربه أو التصاقه بقواعد البلاغة وقوانينها.
يقول صديق بن حسن القنّوجي في كتابه (أبجد العلوم): علم البلاغة عبارة عن علم البيان والبديع والمعاني.
والغرض من تلك العلوم: أن البلاغة سواء كانت في الكلام أوالمتكلم رجوعها إلى أمرين:
أحدهما: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد..
والثاني: تمييز الفصيح عن غيره.

البلاغة.. والبيان .. والبديع:
ولاشك أن البلاغة ذات علاقة وثيقة بعلوم متن اللغة والنحو والصرف فتلك علوم عربية أوضح ماتكون للمتأمل، ولكن علوم البلاغة إنما اختصت بجانب آخر وهو جانب الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعني المراد، ومن هنا نشأ علم المعاني، وكذلك الاحتراز عن التعقيد المعنوي ـ ومن هنا نشأ علم البيان ـ وإلى المحسنات اللفظية ومن هنا نشأ علم البديع.
ولنتناول كل واحد من تلك العلوم على حدة.

1 ـ علم المعاني:
وهو تتبع خواص تراكيب الكلام ومعرفة تفاوت المقامات حتى لا يقع المرء في الخطأ في تطبيق الأولى على الثانية.
وذلك ـ كما في أبجد العلوم ـ لأن للتراكيب خواص مناسبةً لها يعرفها الأدباء، إما بسليقتهم، أو بممارسة علم البلاغة، وتلك الخواص بعضها ذوقية وبعضها استحسانية، وبعضها توابع ولوازم للمعاني الأصلية، ولكن لزوماً معتبراً في عرف البلغاء، وإلا لما اختص فهمها بصاحب الفطرة السليمة ...وكذا مقامات الكلام متفاوتة، كمقام الشكر والشكاية، والتهنئة والتعزية، والجد والهزل، وغير ذلك من المقامات... فكيفية تطبيق الخواص على المقامات تستفاد من علم المعاني.
ومداره على الاستحسانات العرفية.

مثال علم المعاني:
ولعل من هذا القبيل ماوري أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ قوله سبحانه: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله غفور رحيم}(المائدة/38) فاستنكر منه ختام الآية بصفة الرحمة والمغفرة، حتى تنبه القارئ إلى خطئه فأعاد القراءة على الصحيح :{ والسارق والسارقة ... والله عزيز حكيم} كما نزلت في كتابه الله، عند ذلك قال الأعرابي الآن: استقام المعنى.
فلا يستحسن في مقام العقوبة، وتهديد السارق بقطع يده، والأمر بذلك إن سرق إلا أن يقال( والله عزيز حكيم) حيث يوصف الرب سبحانه بالعزة، التي منها أن يأمر بما يشاء بمن يخالفه، ثم بالحكمة التي منها أن لا تزيد العقوبة عن مقدارها أو تنقص عنه، بل تكون مساوية للذنب ومقاربة.
ومن هذا القبيل أن لا يتفاخر إنسان في مقام الاستجداء والسؤال، وأن لا يمدح من يشكو إلى من هو أكبر منه، ولا يضحك في مقام التعزية، وأن لا يعبس أو يقطب في خطبته أو كلامه أو شعره في مقام التهنئة.

2 ـ علم البيان:
وقد عرفه صاحب كشاف اصطلاحات الفنون بقوله: علمُُ يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه..
يقول ابن خلدون في مقدمته: ألا ترى أن قولهم (زيد جاءني) مغاير لقولهم ( جاءني زيد) من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم، فمن قال: جاءني زيد، أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه، ومن قال: زيد جاءني أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء المسند، وكذا التعبير عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام من موصولٍ أو مبهمٍ أو معرفة.

من أمثلة البيان القرآني:
ولقد قال الله سبحانه في كتابه: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم } (الإسراء/31) وقال أيضاً في مقام آخر: { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم } (الأنعام/151) فلما ذكر الخوف من الفقر مستقبلاً ( خشية إملاق) ولم يذكر وقوعه فعلا،ً قدم رزق الأولاد على آبائهم، من حيث إن الله سبحانه قد رزق الآباء حالياً، لكنهم يخشون الفقر إذا كثر أولادهم، ولما ذكر في الآية الأخرى وقوع الفقر( من إملاق) دعاهم إلى عدم قتل أولادهم، وقدم سبحانه رزقه لهم على رزق أولادهم، حيث يُخشى قتلهم أولادهم لقلة رزقهم الحالي.
ومثل هذا يعد من أرفع أنواع البيان الذي تميز به القرآن فيما خاطب به العرب من بني الإنسان...
ومن هذا القبيل استخدام الاستعارة والكناية والتشبيه والتمثيل وغير ذلك.

3 ـ علم البديع:
وهو يشبه بالنسبة للبلاغة العربية كل ما يستخدمه الناس لتجميل أشيائهم تجميلاً ظاهرياً، يلفت الأنظار، ويحرك الأفكار، ويثير الإعجاب، ويطرب الألباب.

تعريف البديع:
وهو علم تُعرف به وجوهُُ تفيد الحسن في الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، أوهو التحسين والتزيين العرضي بعد تكميل دائرة الفصاحة والبلاغة.
ومن هذا العلم استخدام السجع، وهو نهاية كل جملة على حرف أو حرفين متطابقين، كقول الأعرابي عندما سئل عن دليل وجود الله فقال: البعرة تدل على البعير، وأثر الأقدام يدل على المسير، أَفَسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير.
ومن هذا العلم أيضاً استخدام الطباق والجناس كقولك: تآلف المؤتلف، وتخالف المختلف، وتشابه المتشابه، وتعارض المتعارض...
قال التهانوي في( كشاف اصطلاحات الفنون): وأما منفعته فإظهار رونق الكلام، حتى يلج الآذان بغير إذن، ويتعلق بالقلب من غير كد، وإنما دونوا هذا العلم ، لأن الأصل وإن كان الحسنَ الذاتي، وكان المعاني والبيان مما لا يكفي في تحصيله، لكنهم اعتنوا بشأن الحُسْن العرضي أيضاً، لأن الحسناء إذا عَريت عن المزينات، ربما يذهل بعض القاصرين عن تتبع محاسنها، فيفوت التمتع بها.
ولاشك أن علوم البلاغة الثلاثة لا تنال بمجرد معرفة الاسم، أو مطالعة المبادئ، وإنما لابد للمرء من دراسة مستفيضة، واستماع عميق، ومعايشة ومعاشرة لكتب الأدب وخزائن العربية.

القرآن الكريم كتاب البلاغة الأم:
وليس ثمة أنفع للإنسان من دراسة القرآن الكريم دراسة لغوية بلاغية، لتحصيل علوم البلاغة، بل وعلوم العربية كلها، فضلاً عن الهداية والاسترشاد اللذين هما مقصودا القرآن الأول.
واستمع إلى قوله سبحانه: { وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء، وقضي الأمر، واستوت على الجود وقيل بعداً للقوم الظالمين } (هود/44) ثم انظر إلى الآية كيف حوت: أمرين، وخبرين، وبشارة، ودعاء.
أو أجل فكرك في قوله سبحانه: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون } (النحل/90) كيف جمعت الأمر بكل خير الدنيا والآخرة، على المستوى الفردي والجماعي ونهت عن كل الشرور الدينية والدنيوية، ثم ختمت ذلك بالتذكير ترغيبا وترهيبا.

كتب البلاغة:
قال السيد أحمد الهاشمي في كتابه (جواهر الأدب): وأول كتاب دون في علم البيان كتاب ( مجاز القرآن ) لأبي عبيدة تلميذ الخليل، ثم تبعه العلماء.
ولا يعلم أول من ألف المعاني بالضبط، وإنما أُثِر فيها كلام عن البلغاء، وأشهرهم الجاحظ في (إعجاز القرآن) وغيره.
وأول من دون كتباً في علم البديع ابن المعتز وقدامة بن جعفر...
وبقيت هذه العلوم تتكامل ويزيد فيها العلماء حتى جاء فحل البلاغة: عبد القاهر الجرجاني فألف في المعاني كتابه( إعجاز القرآن) وفي البيان كتابه (أسرار البلاغة) وجاء بعده السكاكي فألف كتابه العظيم ( مفتاح العلوم).
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 08:42 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:56 AM   #19
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
19 - علم الخط

ثامن عشر: علم الخط

ليس هناك تشريف أرفع لعلم الخط من إضافة الله سبحانه تعليم الخط لنفسه وامتنانه بذلك على عباده.
قال صاحب كتاب زاد المسافر: الخط لليد لسان، وللخَلَد ترجمان، فرداءته زمانة الأدب، وجودته تبلغ شرائف الرتب، وفيه المرافق العظام التي منّ الله بها على عباده، فقال جل ثناؤه: { وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان مالم يعلم } .

أول من خط بالعربية:
ولكننا ونحن بصدد البحث في هذا العلم نحار ونحن نستمع إلى إجابات العلماء عن التساؤل الوارد ابتداءً: من أول من خط الخط العربي؟
منهم من أبعد فقال: إنه آدم عليه السلام مستنداً إلى قول منسوب إلى كعب الأحبار.
ومنهم من قال: إنه إسماعيل عليه السلام ـ كما قاله ابن عباس ـ وزاد أنه كان موصولاً حتى فرق بينه ولده.
وقيل: مرامر بن مرة، وأسلم بن جدرة، وهما من أهل الأنبار.
وقيل: أول من كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس، تعلم من أهل الحيرة، وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار...
يقول ابن فارس: والروايات في هذا الباب تكثر وتختلف.
ولعل المرء يرتاح إلى ما ذكره ابن دريد في أماليه: عن عوانة قال: أول من كتب بخطنا هذا وهو الجزم مرامر بن مرة وأسلم بن جدرة الطائيان، ثم علموه أهل الأنبار، فتعلمه بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل، وخرج إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، فعلم جماعة من أهل مكة، فلذلك كثر من يكتب بمكة...
ولذلك يقول رجل من كندة يمن على قريش بتعليم بشر لهم:
لاتجحدوا نعماء بشرٍ عليكـمُ فقد كان ميمون النقيبة أزهرا
أتاكم بخط الجزم حتى حفظتموا من المال ماقد كان شتى مبعثرا

أوائل الكتبة من المسلمين:
وقد سمي خط هؤلاء الأوائل بالخط الحجازي، وهو أصل خط النسخ.
وقد كان من كتابه بعض أسرى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل قريش في بدر، فاشترط على كل واحد منهم تعليم عشرة من صبيان المدينة، فانتشرت الكتابة بين المسلمين، وحض صلى الله عليه وسلم على تعليمها.
وكان من أشهر كتاب الصحابة رضي الله عنهم عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
ولما فتح المسلمون الممالك ونزلت جمهرة الكتّاب منهم الكوفة، عنوا بتجويد الخط العربي وهندسة أشكاله، حتى صار خط أهل الكوفة ممتازاً بشكله عن الخط الحجازي، واستحق أن يسمى باسم خاص وهو ( الخط الكوفي) وبه كانت تكتب المصاحف وتحلى القصور والمساجد وتسك النقود.

أهل الخط العربي:
وأرى من المفيد هنا أن أنقل عن (أبجد العلوم) لصاحبه صديق بن حسن القنوجي كلامه في علم الخط بتصرف، قال:
فصل في أهل الخط العربي، قال ابن إسحاق: أول من كتب المصاحف في الصدر الأول ـ ويوصف بحسن الخط ـ خالد بن أبي الهياج، وكان سعد ـ أي ابن أبي وقاص والي الكوفة أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ـ نصبه لكتابة المصاحف والشعر والأخبار للوليد بن عبدا لملك، وكان الخط العربي حينئذ هو المعروف الآن بالكوفي، ومنه استنبطت الأقلام كما في (شرح العقيلة).
ومن كتاّب المصاحف خشنام البصري، والمهدي الكوفي، وكانا في أيام الرشيد.
ومنهم أبو حدى وكان يكتب المصاحف في أيام المعتصم من كبار الكوفيين وحذاقهم، وأول من كتب في أيام بني أمية ( قطبة) وقد استخرج الأقلام الأربعة، واشتق بعضها من بعض وكان أكتب الناس.
ثم كان بعده الضحاك بن عجلان الكاتب في أول خلافة بني العباس فزاد على قطبة.
ثم كان إسحاق بن حماد في خلافة المنصور والمهدي، وله عدة تلاميذ كتبوا الخطوط الأصلية الموزونة..
وحين ظهر الهاشميون حدث خط يسمى العراقي، وهو المحقَّق، ولم يزل يزيد حتى انتهى الأمر إلى المأمون فأخذ كتابه بتجويد خطوطهم، وظهر رجل يعرف بالأحول المحرِّر، فتكلم على رسومه وقوانينه وجعله أنواعا.
ثم ظهر قلم المرصع وقلم النساخ، وقلم الرياسي اختراعُ ذي الرياستين: الفضل بن سهل، وقلم الرقاع، وقلم غبار الحلية.
ثم كان إسحاق بن إبراهيم التميمي المكنى بأبي الحسن معلم المقتدر وأولاده أكتب أهل زمانه، وله رسالة في الخط أسماها ( تحفة الوامق).
ومن الوزراء الكتاب أبو علي محمد بن علي بن مقلة المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وهو أول من كتب الخط البديع.
ثم ظهر صاحب الخط الجميل علي بن هلال المعروف بابن البواب المتوفى سنة عشرة وأربعمائة، ولم يوجد في المتقدمين من كتب مثله ولا قاربه، وإن كان ابن مقله أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين وأبرزها في هذه الصورة، وله بذلك فضيلة السبق، وخطه في نهاية الحسن أيضا، لكن ابن البواب هذب طريقته ونقحها وكساها حلاوة وبهجة، وكان شيخه في الكتابة محمد بن أسد الكاتب.
ثم ظهر أبو الدر ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي المتوفى سنة ست وعشرين وستمائة، ثم ظهر أبو المجد ياقوت بن عبد الله الرومي المستعصمي المتوفى سنة ثمان وتسعين وستمائة، وهو الذي سار ذكره في الآفاق وعجز الكتاب والخطاطون عن مداناة رتبته.
ثم اشتهرت الأقلام الستة بين المتأخرين وهي: الثلث والنسخ والتعليق والريحان والمحقق والرقاع... ثم ظهر قلم التعليق والديواني والدشتي، وكان ممن اشتهر بالتعليق سلطان علي المشهدي، ومير علي، ومير عماد، وفي الديواني تاج وغيرهم.

وقفة مع ابن مقلة:
ولابد من وقفة مع جهود الوزير ابن مقله وأخيه الخطاط أبي عبد الله الحسن، فهما اللذان تمت على أيديهما هندسة خط النسخ والجليل وفروعه على الأشكال التي نعرفها الآن، وهما اللذان قدرا مقاييس الحروف وأبعادها وضبطاها ضبطاً جيداً وأنشأ لعلم الخط القواعد..
ومن المؤسف جداً أن سيرة ابن مقله وترجمته انتهت نهاية حزينة بعد عز وجاه ومنزلة وشرف، فقد قبض عليه ابن رائق أمير الأمراء ببغداد أيام الراضي ـ وكان ابن مقله قد كاد له ـ فقطع ابن رائق يده اليمني، ثم عاد فقطع لسانه حتى مات سنة 228 .

الخطاطون المتأخرون:
ولما جاءت الدولة العثمانية نبغ في عهدها خطاطون أتراك نالوا من الشهرة منزلة عالية، ومن الخط حظاً وافراً، وأشهر هؤلاء الشيخ حمد الله الأماسي، وجلال الدين، ودرويش علي، والحافظ عثمان، وعبد الله زهدي، وهو الذي خط بالقلم الجليل جدران المسجد النبوي الشريف، ومحمد مؤنس أفندي، وعلى يديه وعلى يدي تلميذه محمد جعفر بك تخرج جميع خطاطي مصر فيما بعد.
ومن أشهر الخطاطين في الحقبة الأخيرة: الشيخ عبد العزيز الرفاعي وسامي أفندي، وأحمد كامل، وهاشم محمد البغدادي، وحامد الآمدي، ومحمد عارف، وبدوي الديراني، وحسنى البابا.

مايتعلق بعلم الخط:
وإننا ونحن نسرد نبذة مختصرة عن علم الخط يهمنا أن ننبه إلى ماسماه بعض العلماء علوماً متعلقة بكيفية الصناعة الخطية.
فمن ذلك علم أدوات الخط: من القلم، وطريق بريه ، وأحوال الشق والقط، ومن الدواة والمداد والكاغد.
وقد ذكر أن ابن البواب نظم في هذا العلم قصيدة رائية بليغة استقصى فيها أدوات الكتابة، أي معرفة كيفية نقش صور الحروف والبسائط، وكيف يوضع القلم، ومن أي جانب يُبدأ في الكتابة، وكيف يسهل تصوير تلك الحروف.
ومن المصنفات في علم أدوات الخط الباب الواحد من كتاب صبح الاعشى.
ومن ذلك علم تحسين الحروف الذي قال عنه في (مدينة العلوم): هو علم يعرف منه تحسين تلك النقوش، وما يتعلق به من كيفية استعمال أدوات الكتابة وتمييز حسنها عن رديئها وأسباب الحسن في الحروف آلة واستعمالاً وترتيبا، ومبنى هذا الفن الاستحسانات الناشئة من مقتضى الطباع السليمة وتختلف صورتها بحسب الإلف والعادة والمزاج، بل بحسب كل شخص، ولهذا لايكاد يوجد خطان متماثلان من كل الوجوه.
ومنها أيضاً علم كيفية تولد الخطوط عن أصولها بالاختصار والزيادة، وغير ذلك من أنواع التغيرات... الخ.

خط المصحف:
ومن أهم علوم الخط علم ضبط المصحف الشريف الذي هو مجمع اهتمام الخطاطين جميعا، فللمصحف خط خاص حسبما اصطلح عليه الصحابة رضوان الله عليهم عند جمع القرآن على ما اختاره زيد بن ثابت وفي هذا العلم قصيدة (العقيلة) الرائية للشاطبي.
قال في الكشاف: وقد اتفقت في خط المصحف أشياءً خارجةً عن القياس، ثم ماعاد ذلك بضير ولا نقصان، لاستقامة اللفظ وبقاء الخط، وكان اتباع المصحف سنة لاتخالف...
وقال ابن درستويه في كتاب ( الكتّاب): خطان لايقاسان: خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأنه يثُبت فيه ماأثبته اللفظ ويسقط عنه ماأسقطه.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 08:40 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-02-2009, 11:57 AM   #20
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,308
       
محب الإسلام is on a distinguished road
20 - علم المنطق

تاسع عشر: علم المنطق


هذا علم أثار بين العلماء قديماً نزاعاً واسع الرقعة، وأضرم خلافاً متأجج الأوار..حتى تضاربت وتباعدت أقوالهم فيه كل التضارب والتباعد.

رأيان متضادان في علم المنطق:
قال عنه جماعة من العلماء إنه علم كفري، وضع أسسه الفيلسوف اليوناني أرسطاطاليس، ونقله إلى العربية من ساءت عقيدته، وبيّت للإسلام نية السوء والنقص.
وانظر من هؤلاء إلى السيوطي رحمه الله حيث يقول عنه في (الحاوي): المنطق هو فن خبيث مذموم، يحرم الاشتغال به، مبني بعض مافيه على القول بالهيولى، الذي هو كفر يجر إلى الفلسفة والزندقة، وليس له ثمرة دينية أصلا بل ولا دنيوية، ثم ساق أسماء جمهرة من العلماء قالوا نفس القول، ودعوا الخلق كافة إلى هجر هذا العلم ونبذه.
هذا رأي... ولآخرين من العلماء رأي آخر.
إذ يسمى بعض العلماء علم المنطق علم الميزان، لأنه به توزن الحجج والبراهين، ويسمونه أيضاً خادم العلوم، لأنه الوسيلة إليها، أو رئيس العلوم لحكمه عليها...
ولذا فلا غرو عند هؤلاء إن كان كما قال الشيخ الرئيس ابن سينا: المنطق نعم العون على إدراك العلوم كلها، وقد رفض هذا العلم وجحد منفعته من لم يفهمه ولا اطلع عليه، عداوةً لما جهل... وقال الغزالي: من لم يعرف المنطق فلا ثقة له في العلوم أصلا.

وإنصاف واعتدال:
والحق يقال، فإن المنطق علم يوناني المنشأ والمنبت، وهو بهذا يميل إلى قواعد عدة تكاد تؤله العالَم، وتقول بقدمه، وبأنه لاأول له، وهذا مما لاشك فيه يغاير كل المغايرة العقيدة الإسلامية ويناقضها، حيث دعت الناس إلى الإيمان بأن الله سبحانه وحده هو الأول فلا شيء قبله، وما سواه فهو مخلوق بأمره حادث بصنعه، ومن هنا فقد شهدت فترة انتقال الفكر المنطقي اليوناني إلى اللغة العربية بادئ ذي بدء اضطراباً وزلزلة في أوساط الأمة الإسلامية، وكان ذلك أيام المأمون العباسي، حتى نبتت نابتة الزنادقة والملحدين، الذين أنكروا العقيدة الإسلامية إما جهراً إن استطاعوا، أو سراً إن ذلوا وخافوا.. ومن هنا وفي هذه الأجواء تفهم كلمة ابن تيمية رحمه الله حينما قال في صدد حديثه عن المنطق : ما أظن الله تعالى يغفل عن المأمون العباسي، ولابد أن يعاقبه بما أدخل على هذه الأمة...

الاعتزال وليد المنطق:
ولقد رأينا نتيجة دخول علم المنطق والفلسفة على الأمة في نشوء الاعتزال، الذي اتخذ العقل ركيزة أساسية له في فهمه للدين.
وهذا ولاشك جيد ابتداء، إلا أن المعتزلة غالوا في ذلك حتى جنوا على كثير من النصوص الشرعية، وجنحوا بفهمها اتباعاً للتفسيرات العقلية والتبريرات الفلسفية، مما جعلهم منبوذين في الأمة، حتى قيض الله سبحانه وتعالى لهذا الدين أبا الحسن الأشعري ومن بعده الباقلاني ثم الجويني عندما أوقفوا بالمنطق والحجة مد الاعتزال وفكره، ثم أعقب ذلك الغزالي رحمه الله الذي كان آية من آيات الله في الفلسفة والمنطق والفكر فارتقى قمة الفلسفة واستلم زمامها حتى أقر له أربابها بذلك في كتابه ( مقاصد الفلاسفة) ثم عاد فالتفت إليها فنقضها نقضاً شديداً، ووجه لها ضربات قاضية لم تقم لها بعدها قائمة في كتابه (تهافت الفلاسفة) وبذلك كان كمن أطفأ نار المنطق اليوناني الكافر بماء منطق الإسلام المؤمن.

تعريف علم المنطق:
ولنا بعد هذه المقدمة المستفيضة أن نتساءل ما هو المنطق، وما هو تعريف العلماء له ولموضوعاته؟
يقول صديق بن حسن القنّوجي في (أبجد العلوم): هو علم يتعرف منه كيفية اكتساب المجهولات التصويرية والتصديقية من معلوماتها.
والغرض منه التمييز بين الصدق والكذب في الأقوال، والخير والشر في الأفعال، والحق والباطل في الاعتقادات.
وقال حاجي خليفة: إن أصول المنطق تسعة أبواب على المشهور: الأول: باب الكليات الخمس، الثاني: باب التعريفات، الثالث: باب التصديقات، الرابع: باب القياس، الخامس: البرهان، السادس: الخطابة، السابع: الجدل، الثامن: المغالطة، التاسع: الشعر، هذا خلاصة ما في ( العَلَمى) حاشية شرح (هداية الحكمة الميبذية) وحكمة شرح العين وغيرها.
والحق أن فلاسفة الإسلام على الرغم من تأثر بعضهم بالمنهج اليوناني للمنطق، إلا أن غالبيتهم قد روضت المنطق الذي أسسه أهل الوثنية والإلحاد، ليكون مطية لعلم التوحيد الذي امتزج بالمنطق، فأصبح يسمى بعلم الكلام.
وقد عرف ابن سينا الفلسفة تعريفاً مفصلاً حيث قال: الحكمة (ويقصد بها علم المنطق) صناعة نظرية، يستفيد الإنسان منها تحصيل ماعليه الوجود كله في نفسه، وما الواجب عليه فعله، مما ينبغي أن يكتسبه فعلُه، لتشرُف بذلك نفسه وتستكمل وتصير عالماً معقولاً مضاهياً للعالم الموجود، وتستعد للسعادة القصوى بالآخرة، وذلك حسب طاقة الإنسان.

إثبات وجود الله من خلال المنطق:
وقد انطلق ابن سينا من نقطة البداية لإثبات وجود الله: من مفهوم أن الوجود للأشياء إما واجب بذاته، أي مالا يمكن تصور عدمه، ولو تصورنا عدمه لوقعنا في التناقض والمحال، وإما جائز الوجود أو ممكن الوجود، فأما واجب الوجود فهو الله سبحانه، وأما ممكن الوجود فهو مخلوقاته التي لا يترتب على عدمها عدم ومحال.
وجاء ابن رشد الفيلسوف ففضل لإثبات وجود الله الطريق التي تؤخذ من القرآن، فاستخرج دليلين هما: دليل الاختراع أي خلق الأشياء وإحداثها، ودليل العناية وهو ملاءمة ما على الأرض كلها لحياة الإنسان واستمرار الحياة.

المنطق والعلوم الإسلامية:
ولا يفوتنا أن ننوه وننبه إلى أن علماء الإسلام قد استخدموا المنطق كعلم يحاكم القواعد الأساسية إلى العقل، ويضبطها به، ويرجع ترتيبها وصدقها إليه، استخدموه في علوم شتى من علوم الإسلام : في علوم القرآن والحديث والفقه ـ وعلى وجه أخص في أصول الفقه ـ والنحو والتصوف والعقائد، حتى أصبحت تلك العلوم وغيرُها معتمدة عليه مسلمة قيادها إليه، لايكاد يطلع عليها ويتضلع منها من لم يُجِدْ ويتقن المنطق وقواعده.
قال صاحب (أبجد العلوم) عن أطراف علم المنطق: الطرف الثاني: أن المتأخرين من علماء الإسلام، لاسيما أئمة الأصول والبيان والنحو الكلام من أهل البيت وغيرهم، قد استكثروا من استعمال القواعد المنطقية في مؤلفاتهم في هذه الفنون وغيرها.
وقال أيضاً: الطرف الثالث أن كتب المنطق التي يدرسها طلبة العلوم في زماننا قد هذبها الإسلام تهذيباً صفت به عن كدورات أقوال المتقدمين، فلا ترى فيها إلا مباحث نفيسة ولطائف شريفة، تستعين بها على دقائق العلوم، وتحل بها إيجازات المائلين إلى تدقيق العبارات، فإن حرمت نفسك معرفتها فلا حظّ لك بين أرباب التحقيق.
إنْ رُمتَ إدراك العلوم بسرعة فعليك بالنحو القويم ومنـطق
هـذا لميزان العقول مرجـح والنحو إصلاح اللسان بمنطق
والحقيقة التي يتوصل إليها الناظر بإنصاف إلى علم المنطق: أنه كما قال بعض العلماء الأفاضل: إنه كالسيف يُجاهد به شخص في سبيل الله، ويقطع به آخر الطريق.
ولاشك أن كلامنا عن علم المنطق هنا لا يتناول صورته الحديثة التي لبسها بعد النهضة العصرية الغربية، التي قدمت نظريات فلسفية جديدة معظمها يدور في فلك المادية والوجودية والبوهيمية.

أشهر كتب المنطق:
ومن أشهر كتب المنطق القديمة: (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) لابن رشد، و(كتاب النجاة) لابن سينا، و(مقالات الإسلاميين) للأشعري، و(التمهيد للباقلاني)، و(الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) للجويني و(الاقتصاد في الاعتقاد) للغزالي، و(فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) للغزالي، و(الرد على المنطقيين) لابن تيمية.
ومن أشهر الكتب التي يدرسها طلبة العلم الشرعي رسالة إيساغوجي للأبهري، و(التهذيب للسعد)، و(الرسالة الشمسية)، و(نخبة الفكر)، و(جامع الدقائق) و(غرة النجاة) و(تيسير الفكر) و(بحر الفوائد) و(القواعد الجلية) و(ناظر العين) و(المطالع) وغير ذلك.
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 27-02-2009 الساعة 08:38 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
درسي المدينة وجدة للشيخ الشنقيطي -حفظه الله- الداعية الـمـنـتـدى العـــــــــــام 0 31-03-2009 09:40 PM
فائدة: "يؤذيني ابن آدم" الله يتأذّى ببعض أفعال عباده، لكنّه لا يتضرّر بها هدى المنتدي النســـــائي الـعـام 0 06-02-2009 11:41 PM
هل هذه طريقة صحيحة في التعريف بنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ؟ مشرفة المنتديات النسائية منتدى السيرة النبوية والشمـائل المحمدية 1 17-01-2009 01:49 PM
الدعوة إلى وحدة الأديان من نواقض الإسلام الداعية الـمـنـتـدى العـــــــــــام 2 09-07-2008 02:57 PM
ترجمة العلامة الضباع (شيخ عموم المقاريء المصرية السابق) رحمه الله تعالى الكلم الطيب** منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 1 11-11-2007 03:29 PM


الساعة الآن 01:26 AM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع