العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

المـنـتديـات العــــامــــة

> منتدى الحـــج والعــمـرة والـزيـارة
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى الحـــج والعــمـرة والـزيـارة أحكام الحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي..

كاتب الموضوع سالم أبو بكر مشاركات 5 المشاهدات 7516  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 20-01-2006, 10:38 AM   #1
سالم أبو بكر
رحمه الله تعالى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 251
       
سالم أبو بكر is on a distinguished road
إلى زوار المدينة النبوية: أحكام وآداب.

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فلزيارة المدينة النبوية حرسها الله أحكام وآداب كثيرة، وإليك أخي القارئ جملة منها في هذه الرسالة المختصرة سائلاً المولى عز وجل أن يتقبلها وأن ينفع بها إنه جواد كريم.

1- حكم زيارة المدينة:
زيارة المدينة سنة، حيث رغب النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة في مسجده الشريف ‏عن ‏‏أبي هريرة ‏رضي الله عنه أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال‏‏ صلاة في ‏‏ مسجدي ‏هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا ‏المسجد الحرام" متفق عليه.
وأخبر بأنه لا يشد الرحل _ أي لا يسافر _ لموضع في الأرض تقرباً إلى الله إلا إلى ثلاثة مساجد ومنها مسجده النبوي الشريف وهو خبر بمعنى النهي عن شد الرحال إلا لهذه الثلاثة مساجد ‏عن ‏‏أبي هريرة ‏رضي الله عنه عن النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ‏المسجد الحرام ‏ ‏ومسجد الرسول ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏ومسجد الأقصى" متفق عليه.
وليس بين زيارة المدينة والحج تلازم فمن حج ولم يزر المدينة فحجه صحيح، ولا ينقص من أجر الحاج شيئ إذا لم يزرها، وإنما جرت عادة الفقهاء بذكر زيارة المدينة في كتب المناسك لأن الناس كان يشق عليهم تخصيص المدينة بسفر لمشقة الأسفار وخطورتها فيما سبق فكانوا يجمعون بين الحج وزيارة المدينة لذلك ناسب أن يجمعوا بينهما.

2- ماذا يفعل من قدم المدينة:
يسن لمن قدم المدينة أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين، ‏عن‏ ‏كعب بن مالك رضي الله عنه: "‏أن رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم كان‏ ‏لا يقدَمُ من سفر إلا نهاراً في الضحى فإذا قدِم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه" متفق عليه واللفظ لمسلم.
وإذا تيسر أن يصلي في الروضة فهو حسن، لما ثبت عن أبي هريرة ‏رضي الله عنه أنه ‏قال‏ قال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم‏) ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي) متفق عليه وكلما حرص المسلم أن يصلي في المسجد فهو أفضل لأن الصلاة فيه مضاعفة للحديث المتقدم ذكره.
3- كيفية السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه:
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: فإذا صلى وأراد زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيقف أمامه بأدب ووقار وليقل:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أشهد أنك رسول الله حقاً، وأنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيا عن أمته.ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً فيسلم على أبي بكر الصديق ويترضى عنه. ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً أيضاً فيسلم على عمر بن الخطاب ويترضى عنه، وإن دعا له ولأبي بكر رضي الله عنهما بدعاء مناسب فحسن
4- المواضع التي تشرع زيارتها في المدينة غير المسجد النبوي:
1- زيارة مسجد قباء:
والأفضل أن يتطهر في بيته ثم يأتيه راكباً أو ماشياً إن تيسر فيصلي فيه ركعتين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه كل سبت كما في الصحيحين، ورغب في إتيانه وجاءت عنه أحاديث بأن من جاءه فصلى فيه كتب له أجر عمرة. عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له أجر عمرة " أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة واللفظ له وصححه الحاكم والعراقي والألباني . وقال أسيد بن ظهير الأنصاري رضي الله عنه يرفعه أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال(صلاة في مسجد قباء كعمرة ) رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن غريب ولا نعرف شيئاً يصح لأسيد بن ظهير غير هذا الحديث.

2- زيارة مقبرة البقيع:
وهي المقبرة المجاورة للمسجد النبوي من جهة الشرق، وبها قبور جمع من أهل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيهم ويدعو لهم ‏فعن ‏عائشة ‏رضي الله عنها ‏أنها قالت ‏كان رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏كلما كان ليلتها من رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏يخرج من آخرالليل إلى‏‏ البقيع‏ ‏فيقول:‏ ‏السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل ‏بقيع الغرقد رواه مسلم.
3- زيارة شهداء أحد:
كان النبي صلى الله عليه وسلم ربما أتاهم وسلم عليهم ودعا لهم. عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر فقال إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وإن موعدكم الحوض وإني لأنظر إليه من مقامي هذا رواه البخاري
وعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قبور الشهداء حتى إذا أشرفنا على حرة واقم فلما تدلينا منها وإذا قبور بمحنية قال قلنا يا رسول الله أقبور إخواننا هذه؟ قال قبور أصحابنا. فلما جئنا قبور الشهداء قال هذه قبور إخواننا رواه أبو داود وقال ابن عبد البر هذا حديث صحيح الإسناد.
قلت: قد وردت أحاديث في الأمر بزيارة شهداء أحد لكن لا يثبت منها شيء.

5- مواضع لا تشرع زيارتها:
اشتهر عند كثير من الناس زيارة بعض المواقع في المدينة يرون أن لها فضلاً، وأن في زيارتها خيراً وأجراً، والأمر على خلاف ذلك فزيارتها غير مشروعة لعدم الدليل على مشروعية زيارتها، فمنها: المساجد السبعة، ومسجد القبلتين، ومسجد الجمعة، ومسجد جبل أحد وبئر عثمان رضي الله عنه.
فهذه المواطن وأمثالها يحرص بعض زوار المدينة على زيارتها باعتبار زيارتها قربة إلى الله وهذا باطل. وقد قالت اللجنة الدائمة عن المساجد السبعة ومسجد في جبل أحد (هذه مساجد لا أصل لها في الشرع المطهر ولا يجوز قصدها لعبادة ولا لغيرها بل هو بدعة ظاهرة) فتوى رقم( 19729)
إن كثيراً من الشرور الاعتقادية دخلت على الأمة بسبب تعظيم البقاع والغلو فيها بما لم يرد به الشرع المطهر وهو مما هلكت به الأمم السابقة ولذا نهينا عن التشبه بهم حتى لا نرد موارد الهلكة التي وردوها وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران لكون النبي -صلى الله عليه وسلم- رئي عنده؟: فقال بل تعظيم مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال أهل الكتاب الذين نهينا عن التشبه بهم فيهااهـ
6- تنبيهات حول زيارة القبور:
أولاً: تحريم السفر لزيارة القبور:
اعلم أخي المسلم أنه لا يحل أن تسافر من أجل زيارة قبر أحد من الخلق، لاقبر النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا قبر غيره، لقوله صلى الله عليه وسلم (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد..) الحديث. فإذا عزمت على السفر إلى المدينة عبادة فليكن قصدك زيارة المسجد، وأما زيارة القبر فتأتي تبعاً لا قصداً. ومن سافر بقصد زيارة القبر أصلاً فقد وقع في بدعة محدثة والبدع كلها شر وضلالة قال صلى الله عليه وسلم (وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) رواه الحاكم وقال: صحيح ليس له علة.

ثانياً: الحكمة من زيارة القبور في الشريعة الإسلامية
المقصود بزيارة القبور تذكر الموت والآخرة والزهد في الدنيا والإحسان إلى الموتى بالدعاء والاستعفار لهم يقول صلى الله عليه وسلم (زوروا القبور فإنها تذكركم الموت) رواه مسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى المقابر سلم على أهلها ودعا واستغفر لهم. فهذه هي الزيارة الشرعية.
ثالثاً: تحريم عبادة الله عند القبور:
من البدع إتيان القبور بقصد عبادة الله عندها كمن يزورها لقراءة القرآن عندها والصلاة فيها والذكر والتسبيح ونحو ذلك فالمقابر ليست محلاً لهذا عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً : "إن من شرار الناس الذين تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" رواه أحمد وابن حبان في صحيحه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْصِدُ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ؛ لَا قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَبْرِ الْخَلِيلِ وَلَا غَيْرِهِمَا . وَلِهَذَا ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ كَمَالِكِ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا بِدْعَةٌ " بَلْ كَانُوا إذَا أَتَوْا إلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : كَانَ يَقُولُ : السَّلامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ : السَّلامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ السَّلامُ عَلَيْك يَا أَبَتْ - ثُمَّ يَنْصَرِفُ. انتهى كلامه رحمه الله.
فإذا أراد المسلم الدعاء لنفسه ولإخوانه بعد أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فليتنح وليستقبل القبلة وليدع بما شاء، فإن الكعبة هي قبلة الدعاء، ولا يجوز استقبال القبر للدعاء فهذا خلاف المشروع وهو من الغلو المنهي عنه.
رابعاً: دعاء أصحاب القبور شرك مخرج من ملة الإسلام:
من الشرك الأكبر المخرج من الملة الإسلامية الحنيفية صرف شيء من العبادة لأصحاب القبور كمن يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم أو يستغيث به، فيطلب منه المدد وتفريج الكربات وإجابة الدعوات وهكذا من يفعل مثل هذا مع غيره صلى الله عليه وسلم، والذبح والنذر لهم، والطواف بقبورهم تقرباً إليهم هذا كله شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام والعياذ بالله، فالعبادة كلها حق خالص لله لا يجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى قال تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً) وقال سبحانه (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار).
خامساً: التمسح والتبرك بالقبور والأسطوانات وغيرها:
مما ابتلي به كثير من الناس التمسح بجدار الحجرة والأسطوانات وهي الأعمدة والقبور وكذا التبرك بمسح أجساد الصالحين وثيابهم وهذا من المحرمات الشنيعة فليس على وجه الأرض ما يشرع استلامه إلا الحجر الأسود والركن اليماني من الكعبة المشرفة، واستلامها ليس تبركاً بها وإنما هو اتباع واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يفعله لم نفعله.
وهذا التبرك قد يكون بدعة وقد يكون شركاً مخرجاً من الملة فإن تمسح بها تقرباً لله واعتقاداً أن الله ينفع بها من يتمسح بها فهذه بدعة وضلالة، وإن كان يعتقد أنها تنفع بنفسها وتبارك مستلمها بنفسها كما هو حال أكثر الناس اليوم فهذا شرك أكبر يخرج صاحبه من الملة والعياذ بالله حيث جعل لله شريكاً ونداً ينفع ويضر مع الله تعالى وتقدس عن ذلك علواً كبيراً قال تعالى (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) فاللات قبر والعزى شجرة كان المشركون يعظمونها فأنكر الله عليهم ذلك.
وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله هذا كما قال قوم موسى أجعل لنا إلها كما لهم آلهة والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.
ولما بلغ عمر بن الخطاب أن قوماً يأتون الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها فقطعت. أخرجه ابن وضاح في كتاب البدع والنهي عنها.

سادساً: تحريم زيارة النساء للمقابر:
زيارة النساء للمقابر حرام على الصحيح لقوله صلى الله عليه وسل:"لعن الله زوّارات القبور" حديث صحيح،أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة. وفي لفظ (زائرات القبور).
وهذا يشمل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، وقبور البقيع وشهداء أحد وغيرها من المقابر، لكن لو مرت المرأة بمقبرة من غير قصد زيارتها فلا حرج ويشرع لها عند ذلك أن تدعو بالدعاء المأثور في زيارة المقابر. والمرأة تصلى وتسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانت في المسجد أو في بيتها أو في بلدها ويكفيها ذلك.
سابعاً: تكرار زيارة القبر:
من الناس من يكرر زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه مدة إقامته بالمدينة حتى إن بعضهم يقف عليه بعد كل فريضة ولم يكن هذا من هدي السلف الصالح إنما كان ابن عمر إذا قدم من سفر سلم على القبور الثلاثة وانصرف.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ : والمقصود أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره كما يفعله من بعدهم من الخلوف وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من سفر. اهـ
وتكرار زيارة القبر صورة من صور اتخاذه عيداً وهو مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (لا تجعلوا قبري عيداً) قال المناوي: "وقيل العيد ما يعاد إليه أي لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلوا علي..".
ثامناً:الإرسال بالسلام مع زوار المدينة:
من الناس من يوصي من يودعه إلى المدينة بقوله سلم لي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي إذا وصلت إلى قبره، وهذا غلط فإن الله تكفل بتبليغ نبيه صلى الله عليه وسلم سلام أمته عليه فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً وصلوا على فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) رواه أبو داود.
وعن علي بن الحسين رحمه الله أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم" رواه الضياء في المختارة.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام" رواه النسائي وابن حبان في صحيحه.
7- من آداب المسجد النبوي و خاصة وآداب المدينة عامة:
المسجد النبوي كغيره من المساجد تدخله برجلك اليمنى وتدعو بالدعاء المأثور، عن أبي حميد أو أبي أسيد رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك" رواه مسلم وأبو داود واللفظ لأبي داود .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم - قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم خرجه أبو داود بإسناد حسن .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم أخرجه ابن ماجة بإسناد صحيح
ولا تجلس حتى تصلي ركعتين، والصلاة في الصف الأول أفضل من الصلاة في الروضة، لعموم الأحاديث الواردة في فضل الصف الأول، وحين وسع عثمان المسجد صار الناس يصفون وراء الإمام ولا يتأخرون لأجل الصلاة في الروضة.
ولا ينبغي فيه رفع الصوت عن السائب بن يزيد قال كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال اذهب فأتني بهذين فجئته بهما قال من أنتما أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: " لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله" رواه البخاري. أي لو كنتما من أهل المدينة لجلدتكما وإنما عذرهما لكونهما غرباء ومثل هذا الحكم قد يخفى عليهما فعذرهما بالجهل.
 والمدينة حرم ما بين الحرتين شرقاً وغرباً، وما بين عير إلى ثور شمالاً وجنوباً، لا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها) رواه مسلم. العضاه كل شجر له شوك.
 والإحداث فيها وإيواء المحدثين وترويع أهلها من المحرمات العظيمة في الصحيحين من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (المدينة حرم ما بين عور إلى ثور فمن أحدث فيها حدثاًَ أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل) متفق عليه
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد هذه البلدة بسوء يعني المدينة أذابه الله كما يذوب الملح في الماء) رواه مسلم.
 وإذا كان الحلف بالله كذباً إثماً عظيماً فهو عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إثماً عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من حلف على منبري آثما تبوأ مقعده من النار" رواه مالك في الموطأ. وختاماً:
أوصي إخواني زوار المدينة النبوية أن يستغلوا بقاءهم فيها بالصلاة في المسجد النبوي، والاشتغال بالطاعات، والحرص على مجالس علماء السنة والاستفادة منهم، كما أوصي أخواتي المؤمنات بلزوم الحجاب الشرعي وهو تغطية وجهها وسائر بدنها عن الرجال الأجانب، و البعد عن أسباب الفتنة من التبرج والسفور ومزاحمة الرجال في الأسواق، وإذا خرجت إلى المسجد أو إلى السوق فلتلبس لباس الحشمة والوقار والحياء. كما عليها أن تجتنب زيارة القبور كما تقدم التنبيه عليه.
وعلى العاملين في تزوير الغرباء أن يتقوا الله تعالى وأن يتفقهوا في الدين وأن يلزموا السنة النبوية في أقوالهم وأفعالهم وأن يبتعدوا عن البدع والمحدثات فإن العوام والجهلة يثقون فيهم ويتابعونهم على ما يقولون وما يفعلون فالمسوؤولية عظيمة فإن من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً.
أخي زائر المدينة النبوية:
من لا يشكر الناس لا يشكر الله كما ثبت في الحديث ، ومن هذا المنطلق فإذا شاهدت ما عليه المسجد النبوي من حسن العمارة والنظافة والرعاية وما عليه مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام من العناية وتوفر الخدمات والأمن والرغد فاشكر الله على ذلك ، ثم اشكر حكومة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله على ماتوليه من عناية فائقة بشؤون الحرمين الشريفين وسهر على راحة قاصديها من مشارق الأرض ومغاربها فهذه من أعظم مناقبها زادها الله شرفاً ورفعة وتوفيقاً.
والحمد لله رب العالمين.

منقول عن :
علي بن يحيى الحدادي
سالم أبو بكر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2006, 05:22 PM   #2
محمد مصطفى
مشرف منتدى الكتاب والكتيبات ومنتدى الأبحاث والمقالات
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
الدولة: السعودية
المشاركات: 919
       
محمد مصطفى is on a distinguished road
الأخ سالم والأخ علي الحدادي بالنسبة لزيارة النساء للقبور مسألة خلافية والصحيح فيها الجواز إذا خلت من الموانع الشرعية من تبرج أو نياحة أو اختلاط وهذه الموانع ممنوعة في كل زمان ومكان أصلاً سواء في الزيارة أو في غيرها ، وكذلك إلحاقك قبر النبي صلى الله عليه وصاحبيه في المنع غير صحيح لأن الذين قالوا بكراهة زيارة النسا للقبور استثنوا من تلك الكراهة زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه وقالوا لأنها من أعظم القربات ويستوي فيها الرجال والنساء وستجد ذلك مفصلاً في البحث الآتي إن شاء الله تعالى وأما حديث لعن الله زوات القبور الذي ذكرته كدليل على المنع فقد رواه الترمذي وقال بعد ه : وهذا اللعن كان قبل الرخصة التي في حديث بريدة " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ، ومما يدل على الجواز حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ما ذا نقول إذا نحن زرنا القبور ؟ فقال قولوا السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وحديث أنس بن مالك المتفق عليه في قصة المرأة التي كانت تبكي عند القبر فقال لها اتق الله واصبري فقالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي . الحديث فأقرها على زيارة القبر وأنكر عليها البكاء والجزع عند المصيبة وحديث فاطمة أنها كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة رواه الحاكم وصححه وقال : بعده وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة . وحديث عائشة في زيارتها قبر أخيها إلى غير ذلك من الأدلة ، قلت : وعندي في هذه المسألة بحث وذكرت هذه النصوص كاملة ومذاهب العلماء وقارنت بينها ورجحت ما هو الراجح عندي بالدليل وسميته ( الإنصال لما في زيارة النساء للقبور من الخلاف ) وموجود منزل في هذا الموقع كاملاً بمتنه وهوامشه ، وستجد فيه مذاهب العلماء وأدلتهم مفصلة إن شاء الله تعالى ، ولعل من المناسب أن ننزله لك هنا إلا أن الهوامش قد لا تظهر وإليك هو

الإنصاف * لما في زيارة النساء للقبور من الخلاف

تأليف : أبي عبد الله محمد بن
محمد المصطفى
المدينة النبوية ،
مكتبة المسجد النبوي
قسم الإفتاء والإرشاد ،
والبحث والترجمة
gs
1425 هـ


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله  القائل : ( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموت والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ( ) .
قال الله تعالى :  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً  ( سورة النساء: آية 1) ، وقال تعالى :  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً 
(سورة الأحزاب:آيتا 70 -71) .
تمهيد :
وبعد فإن أوجب الواجبات على الإنسان أن يعبد الله عز وجل بما شرع ، ويوحده في أسمائه وصفاته ولا يشرك به أحداً ، وبهذا بعث الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ،وأنزل الكتب وحذر مما أصاب الأمم السابقة من داء الشرك الذي أوردهم المهالك أوجب على المشرك النار وعدم الغفران ، وأول ما استطاع الشيطان إدخال الشرك على عبادة الله هو تعظيم الأموات والتوسل بهم ورؤية ثماثيلهم والخضوع لهم ثم سؤال الحاجات منهم والسجود على قبورهم إلي أن جعلوهم آلهة يعبدون من دون الله ، فالواجب على المسلم الحرص على دينه وأن يعبد الله بما شرع ، قال الحسن البصري : رأس مال المسلم دينه فلا يخلفه في الرحال ولا يأتمن عليه الرجال ، ( 1)
وقال ابن شهاب الزهري من الله الرسالة ، وعلى رسوله  البلاغ ، وعلينا التسليم ، ( 2)
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله : اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين ( 3 ) .
قال سهل بن عبد الله :النجاة في ثلاثة :
(1- أكل الحلال ، 2- أداء الفرائض ، 3- الاقتداء بالنبي  ) ( 4)
قال ابن عمر  لرجل سأله عن العلم : فقال ( إن العلم كثير ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس ، خميص البطن من أموالهم ،كاف اللسان عن أعراضهم ، لازماً لجماعتهم ، فافعل ) ( 5) .
فالواجب على المسلم اتباع الكتاب والسنة ، والبحث عن وسائل النجاة ، أسأل الله عز وجل النجاة في الدنيا والآخرة ، وأن يعز الإسلام والمسلمين وأن يذل الشرك والمشركين . وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم إنه على كل شيء قدير .
والذي نحن بصدده هنا هي مسألة زيارة النساء للقبور وهي مسألة فقهية بحتة ولكن من كثرة ما يرتكب فيها بعض عوام الناس من المخالفات من إعطاء حق الخالق للمخلوق ، من دعائهم النبي  ، أو الأموات ، والاستغاثة بهم من دون الله ، أصبح من العلماء من يدخلها في مسائل العقيدة ،
وقد حذر النبي e من الغلو في القبور بقوله : لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، تقول عائشة رضي الله عنها يحذر مثل الذي فعلو ( 1 ).
وبعد فهذا تلخيص لأقوال العلماء رحمهم الله في مسألة زيارة النساء للقبور ، وسميته بالإنصاف لما في زيارة النساء للقبور من الخلاف ، أسأل الله عز وجل أن يفقهنا في دينه ، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه على كل شيء قدير.
اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على أربعة أقوال :
القول الأول : أن زيارة النساء للقبور مثل الرجال مندوبة ما لم تترتب عليها موانع شرعية من نياحة ، أو تبرج ، أو اختلاط ، أو خوف فتنة ، وهو : مذهب أبي حنيفة ( ) ، والمشهور والصحيح من مذهبي مالك ( ) ، والشافعي( ) ، ورواية عن أحمد ( ) .
القول الثاني : تكره زيارة النساء للقبور : وهو قول في المذهب المالكي( ) ، والشافعي( ) ، ورواية عن أحمد ( ) إلا أن بعض الشافعية والحنابلة استثنوا من تلك الكراهة قبر الرسول  وصاحبيه قالوا : فزيارتهم سنة مسنونة ، ومن أعظم القربات للرجال والنساء ، وألحق بهم بعض الشافعية : قبور بقية الأنبياء ، والصالحين ، والشهداء ، والعلماء ، والأولياء ، والأقارب قال الخطيب الشربيني ، والدمياطي من الشافعية : وذلك في غير زيارة قبر سيد المرسلين  أما زيارته فمن أعظم القربات للرجال والنساء ، ويلحق بذلك قبور بقية الأنبياء ، والصالحين ، والشهداء ، والعلماء ، والأولياء ، والأقارب فتسن زيارتها للرجال والنساء ( ) ، قال ابن مفلح ، والبهوتي من الحنابلة : ويستثنى من تلك الكراهة زيارة قبر النبي  وصاحبيه ( ) .
القول الثالث : تباح الزيارة للقواعد وتحرم على الشواب اللاتي يخشى منهن الفتنة :وهو قول : في المذهب المالكي ( ) .
القول الرابع : أن زيارة القبور فرض ولو مرة في العمر على الرجال والنساء لا فرق بينهما وهو مذهب : الظاهرية ، قال ابن حزم : مسألة ونستحب زيارة القبور وهو فرض ولو مرة الرجال والنساء في ذلك سواء ( ) .
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي :
الدليل الأول : عن عائشة رضي الله عنها قالت : كيف أقول لهم يا رسول الله قال :قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ( ) .
الدليل الثاني : عن أنس بن مالك  قال : مر النبي  بامرأة تبكي عند قبر فقال : اتقي الله واصبري قالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها : إنه النبي  فأتت باب النبي  فلم تجد عنده بوابين فقالت : لم أعرفك فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى ( ) .
الدليل الثالث :
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه  قال :قال رسول الله  : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وترغب في الآخرة ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً ( ) .
الدليل الرابع :
عن علي بن الحسين عن أبيه أن فاطمة بنت النبي  رضي الله عنها كانت تزور قبر عمها حمزة بن عبد المطلب  كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ( ) .
الدليل الخامس :
عن عبد الله بن أبي مليكة قال :توفي عبد الرحمن بن أبي بكر  بحبشي قال : فحمل إلى مكة فدفن فيها فلما قدمت عائشة أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت : وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معا .
ثم قالت :والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ولو شهدتك ما زرتك( )
وجه الدلالة :
دلت هذه الأحاديث على أن زيارة النساء للقبور مستحبة مثل الرجال وأن النهي الوارد في ذلك منسوخ بأحاديث الأمر بزيارة القبور ، ومما يدل على ذلك تعليمه  لعائشة دعاء زيارة القبور على ما في حديث عائشة المتقدم عند مسلم وغيره ، وكذلك إقراره  للمرأة المصابة على ما في حديث أنس بن مالك  فإنه أنكر عليها البكاء عند المصيبة وأقرها على زيارتها للقبر ، وكذلك أمره  بقوله :كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فهذا عام يتناول الرجال والنساء على السواء ، وكذلك من الناحية العملية زيارة عائشة رضي الله عنها قبر أخيها عبد الرحمن ، وزيارة فاطمة رضي الله عنها قبر عمها حمزة  ، قال عبد الله بن أبي مليكة : أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها : يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها : أليس كان رسول الله  نهى عن زيارة القبور ؟ قالت : نعـم كان نهى ثم أمر بزيارتها ( ) .
قال الترمذي عقب حديث لعن رسول الله  زوارات القبور : وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي  في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء ( ) . وقال ابن عبد البر : قال بعضهم : كان النهي عن زيارة القبور عاماً للرجال والنساء ثم ورد النسخ كذلك بالإباحة عاماً أيضا فدخل في ذلك الرجال والنساء ( ) .
قال أبو عمر ابن عبد البر : ممكن أن يكون هذا قبل الإباحة وتوقى ذلك للنساء المتجالات أحب إلي فأما الشواب فلا تؤمن الفتنة عليهن وبهن حيث
خرجن ولا شيء للمرأة أفضل من لزوم قعر بيتها ( ) .
وقال الحاكم : وهذه الأحاديث المروية في النهي عن زيارة القبور منسوخة والناسخ لها حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي  قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ( ) .
وقال الحاكم أيضاً : عقب رواية زيارة فاطمة رضي الله عنها لقبر عمها حمزة  : وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة وصلى الله على محمد وآله أجمعين ( )
قلت : وقد رويت زيارة قبر النبي  وصاحبيه عن جماعة من الصحابة :
قال الشوكاني : وقد رويت زيارته  عن جماعة من الصحابة منهم بلال عند ابن عساكر بسند جيد وابن عمر عند مالك في الموطأ وأبو أيوب عند أحمد وأنس ذكره عياض في الشفاء وعمر عند البزار وعلي عليه السلام عند الدارقطني وغير هؤلاء ولكنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل لذلك إلا عن بلال لأنه روى عنه أنه رأى النبي  وهو بدارياً يقول له ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني روى ذلك ابن عساكر ( ) .
وقال النووي : اعلم أن زيارة قبر رسول الله  من أهم القربات وأنجح المساعي ( ) .
وقال الحافظ ابن حجر : الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي  وما نقل عن مالك أنه كره أن يقول : زرت قبر النبي  وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع والله الهادي إلى الصواب ( ) .
استدل أصحاب القول الثاني بما يأتي :
الدليل الأول :
عن أبي هريرة  أن رسول الله  لعن زوارات القبور( ) .
الدليل الثاني :
عن ابن عباس  قال : لعن رسول الله  زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ( ) .

الدليل الثالث :
عن عبد الله بن عمرو بن العاص  أن رسول الله  أبصر امرأة منصرفة من جنازة فسألها من أين جئت ؟ فقالت : من تعزية أهل هذا الميت فقال رسول الله  : لعلك بلغت معهم الكدى قالت : معاذ الله أن أكون بلغتها وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر فقال : لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ( ) .
الدليل الرابع :
عن أم عطية رضي الله عنها قالت : نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا( ) .
الدليل الخامس :
عن علي  قال : خرج رسول الله  فإذا نسوة جلوس فقال : ما يجلسكن ؟ قلن ننتظر الجنازة قال : هل تغسلن ؟ قلن لا قال : هل تحملن ؟ قلن لا قال : هل تدلين فيمن يدلي ؟ قلن لا قال : فارجعن مأزورات غير مأجورات( ) .
وجه الدلالة :
دلت هذه الأحاديث على نهي النساء عن زيارة القبور واتباع الجنائز .
قال الترمذي : قال بعضهم : إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن ( ) . وقال ابن عبد البر : قال آخرون : إنما ورد النسخ في زيارة القبور للنساء لا للرجال لأن رسول الله  لعن زوارات القبور ، ونحن على يقين من تحريم زيارة النساء للقبور بذلك ولسنا على يقين من الإباحة لهن لأنه ممكن أن تكون الزيارة أبيحت للرجال دونهن للقصد في ذلك باللعن إليهن ( ) .
وقال الشوكاني : ويجمع بين الأدلة بأن المنع لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح وغيره والإذن لمن لم تفعل ذلك ( ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : وإذا قيل مفسدة الاتباع للجنائز أعظم من مفسدة الزيارة لأن المصيبة حديثة وفي ذلك أذى للميت وفتنة للحى بأصواتهن وصورهن قيل ومطلق الاتباع أعظم من مصلحة الزيارة لأن في ذلك الصلاة عليه التى هي أعظم من مجرد الدعاء ولأن المقصود بالاتباع الحمل والدفن والصلاة فرض على الكفاية وليس شيء من الزيارة فرضاً على الكفاية وذلك الفرض يشترك فيه الرجال والنساء بحيث لو مات رجل وليس عنده إلا نساء لكان حمله ودفنه والصلاة عليه فرضاً عليهن وفى تغسيلهن للرجال نزاع وتفصيل وكذلك إذا تعذر غسل الميت هل ييمم فيه نزاع معروف وهو قولان فى مذهب أحمد وغيره فإذا كان النساء منهيات عما جنسه فرض على الكفاية ومصلحته أعظم إذا قام به الرجال فما ليس بفرض على أحد أولى ، وقول القائل مفسدة التشييع أعظم ممنوع بل إذا رخص للمرأة فى الزيارة كان ذلك مظنة تكرير ذلك فتعظم فيه المفسدة ويتجدد الجزع والأذى للميت فكان ذلك مظنة قصد الرجال لهن والافتتان بهن كما هو الواقع فى كثير من الأمصار فإنه يقع بسبب زيارة النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما لا يقع شيء منه عند اتباع الجنائز ، وهذا كله يبين أن جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن وأن نهي الاتباع إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي تحريم وذلك أن نهي المرأة عن الاتباع قد يتعذر لفرط الجزع كما يتعذر تسكينهن لفرط الجزع أيضا فإذا خفف هذه القوة المقتضى لم يلزم تخفيف ما لايقوى المقتضى فيه وإذا عفا الله تعالى للعبد عما لا يمكن تركه الا بمشقة عظيمة لم يلزم أن يعفو له عما يمكنه تركه بدون هذه المشقة الواجبة ( ) . وقال ابن القيم : وأما النساء فإن هذه المصلحة وإن كانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة ، وكذلك اتباعهن الجنازة وزر لا أجر لهن فيه إذ لا مصلحة لهن ولا للميت في اتباعهن لها بل فيه مفسدة للحي والميت ( ) .
استدل أصحاب الثالث : بأن النساء الشابات لا تؤمن عليهن الفتنة وبهن حيث خرجن ولا شيء للمرأة أفضل من لزوم قعر بيتها ، وأما القواعد منهن فمرخص لها إذا أمنت الفتنة( ) . استدل أصحاب القول الرابع بما استدل به أصحاب القول الأول إلا أنهم حملوا الأمر بزيارة القبور في قوله : ( فزوروها ) على الوجوب .

المناقشة والترجيح :
بعد النظر في أدلة أصحاب هذه الأقوال الأربعة تبين لي ما يأتي :
الأول : أنما استدل به أصحاب القول الأول صحيح صريح ، وهو نص في محل النزاع . ومن أصرح شيء في ذلك تعليمه  لعائشة دعاء زيارة القبور على ما في حديث عائشة المتقدم عند مسلم وغيره ، وكذلك إقراره  للمرأة المصابة على ما في حديث أنس بن مالك  فإنه أنكر عليها البكاء عند المصيبة وأقرها على زيارتها للقبر ، وكذلك أمره  بقوله : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها على ما في حديث عبد الله بن بريدة وغيره فهذا عام يتناول الرجال والنساء على السواء ، وكذلك من الناحية العملية زيارة عائشة رضي الله عنها قبر أخيها عبد الرحمن ، وزيارة فاطمة رضي الله عنها قبر عمها حمزة  ، قال عبد الله بن أبي مليكة : أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها : يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها أليس كان رسول الله  نهى عن زيارة القبور ؟ قالت : نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها ( )
قال الترمذي : عقب حديث لعن رسول الله  زوارات القبور : وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي  في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء ( ) . وقال ابن عبد البر : قال بعضهم كان النهي عن زيارة القبور عاماً للرجال والنساء ثم ورد النسخ كذلك بالإباحة عاماً أيضا فدخل في ذلك الرجال والنساء ( ) .
وقال أبو عمر ابن عبد البر : ممكن أن يكون هذا قبل الإباحة وتوقى ذلك للنساء المتجالات أحب إلي فأما الشواب فلا تؤمن الفتنة عليهن وبهن حيث
خرجن ولا شيء للمرأة أفضل من لزوم قعر بيتها ( ) .
وقال الحاكم : وهذه الأحاديث المروية في النهي عن زيارة القبور منسوخة والناسخ لها حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي  قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ( ) ، وقال الحاكم أيضاً : عقب رواية زيارة فاطمة رضي الله عنها لقبر عمها حمزة  : وقد استقصيت في الحث على زيارة القبور تحرياً للمشاركة في الترغيب وليعلم الشحيح بذنبه أنها سنة مسنونة وصلى الله على محمد وآله أجمعين ( ) . وأما زيارة قبر النبي  فالإجماع منعقد على مشروعيتها وفضلها ، قال النووي : اعلم أن زيارة قبر رسول الله  من أهم القربات وأنجح المساعي ( ) .
وقال الحافظ ابن حجر : الإجماع على مشروعية زيارة قبر النبي  وما نقل عن مالك أنه كره أن يقول : زرت قبر النبي  وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه بأنه كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع والله الهادي إلى الصواب ( ) . الثاني : أنما استدل به أصحاب الثاني لم يصح منه إلا حديث أبي هريرة  في لعن زوارات القبور ، وحديث أم عطية في النهي عن اتباع الجنائز ، أما حديث أبي هريرة  فعلى قول أكثر العلماء أنه منسوخ بحديث الإذن في الزيارة كما تقدم ، وأن هذا اللعن كان قبل الرخصة التي في حديث عبد الله بن بريدة  المتقدم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ويحتمل أن المراد به المكثرات من الزيارة كما يدل على ذلك لفظ زوارات بصغة المبالغة . قال القرطبي : هذا اللعن إنما هو : للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك فقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء ( ) .
وقال الشوكاني : وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر ( ) .

وأما ما قاله الشيخان ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله : من أن زيارة النساء للقبور يترتب عليها من المفاسد والفواحش من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والفساد الذي لا سبيل لدفعه إلا بمنعهن ( ) .
التعقيب : قلت : هذه المفاسد وجودها ليس مطرداً فلا يمنع حكم شرعي بما ليس مطرداً لأنها قد لا توجد ولأن الأصل السلامة من جميع العوارض ، وإذا وجد عارض من هذه العوارض فالممنوع هو هذا العارض المانع من الزيارة وليس نفس الزيارة ، وأيضاً هذه الموانع من فتنة أو نياحة أو تبرج أو اختلاط ممنوعة باتفاق العلماء سواء في وقت الزيارة أو في غيرها ، وكل العلماء القائلون بجواز زيارة النساء للقبور يشترطون انتفاء هذه الموانع من نياحة وتبرج واختلاط أو أي فتنة كما تقدم . قال الشوكاني : ويجمع بين الأدلة بأن المنع لمن كانت تفعل في الزيارة ما لا يجوز من نوح وغيره والإذن لمن لم تفعل ذلك ( ) .
الثالث : أنما استدل به أصحاب القول الثالث بالترخيص للقواعد فإنه لا ينضبط لأن لكل ساقطة لاقطة ، وهو من محترزات أصحاب القول الأول لأن الضابط : هو انتفاء الموانع من نياحة ، أو تبرج ، أو اختلاط ، أو فتنة سواء للقواعد أو الشابات .
قال القرطبي : زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء مختلف فيه للنساء أما الشواب فحرام عليهن الخروج ، وأما القواعد فمباح لهن ذلك وجائز لجميعهن ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال ولا يختلف في هذا إن شاء الله وعلى هذا المعنى يكون قوله زوروا القبور عاماً وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من إجتماع الرجال والنساء فلا يحل ولا يجوز فبينا الرجل يخرج ليعتبر فيقع بصره على امرأة فيفتتن وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزوراً غير مأجور ( ) .
الرابع : أنما استدل به أصحاب القول الرابع هو نفس ما استدل به أصحاب القول الأول : إلا أنهم حملوا الأمر بزيارة القبور في قوله  : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ) على الوجوب كما هو الأصل عندهم في صيغة الأمر .
قال القرطبي : قال العلماء : ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات وموتم البنين والبنات ويواظب على مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين بها على دواء دائه ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت وانجلت به قساوة قلبه فذاك وإن عظم عليه ران قلبه واستحكمت فيه دواعي الذنب فإن مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير وقائم له مقام التخويف والتحذير وفي مشاهدة من أحتضر وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة فلذلك كان أبلغ من الأول ، فأما الاعتبار بحال المحتضرين فغير ممكن في كل الأوقات وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات وأما زيارة القبور فوجودها أسرع والانتفاع بها أليق وأجدر فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة ونعوذ بالله من ذلك بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى وإصلاح فساد قلبه أو نفع الميت بدعائه له ، ويتجنب المشي على المقابر والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً وأتاه من تلقاء وجهه لأنه في زيارته كمخاطبته حياً ولو خاطبه حياً لكان الأدب إستقباله بوجهه فكذلك ها هنا ثم يعتبر بمن صار تحت التراب وأنقطع عن الأهل والأحباب بعد أن قاد الجيوش والعساكر ونافس الأصحاب والعشائر وجمع الأموال والذخائر فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه وهول لم يرتقبه فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال كيف انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم وافترقت في القبور أجزاؤهم وترمل من بعدهم نساؤهم وشمل ذل اليتم أولادهم واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم وليتذكر ترددهم في المآرب وحرصهم على نيل المطالب وانخداعهم لمواتات الأسباب وركونهم إلى الصحة والشباب وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كغفلتهم وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم وليحضر بقلبه ذكر من كان متردداً في أغراضه وكيف تهدمت رجلاه وكان يتلذذ بالنظر إلى ما حوله وقد سالت عيناه ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه ويضحك لمواتات دهره وقد أبلى التراب أسنانه وليتحقق أن حاله كحاله ومآله كمآله وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية ويقبل على الأعمال الأخروية فيزهد في دنياه ويقبل على طاعة مولاه ويلين قلبه وتخشع جوارحه ( ) . قلت : لا شك أن الاتعاظ والاعتبار بزيارة القبور يحتاج إليها الرجال والنساء على السواء ، فلا يختص بأحدهما دون الآخر إلا بدليل شرعي ثابت ، والخطاب في قوله : ( فزوروها ) موجه لعامة المكلفين من المسلمين من الرجال والنساء ، كما يعمهم الخطاب في جميع التكاليف من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرهم فكذلك هنا في زيارة القبور .
وبهذا يتبين لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن زيارة النساء للقبور جائزة ومستحبة مثل الرجال ما لم تترتب عليها موانع شرعية من نياحة ، أو تبرج ، أو اختلاط ، أو غير ذلك من المخالفات للأدلة التي استدلوا به والله تعالى أعلم .
وإلى هنا انتهى ما أردت جمعه من أحكام زيارة النساء للقبور ومذاهب العلماء في ذلك وأدلتهم ، والذي سميته بالإنصاف لما في زيارة النساء للقبور من الخلاف ، أسأل الله عز وجل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ، وأن ينفع به من قرأه إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .
[center]جمعه وكتبه أبو عبد الله :
محمد بن محمد المصطفى
مكتبة المسجد النبوي ،
قسم الإفتاء والإرشاد ، والبحث والترجمة ،
المدينة النبوية في 30 / 6 / 1425 هـ

آخر تعديل بواسطة محمد مصطفى ، 21-01-2006 الساعة 05:37 AM.
محمد مصطفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-01-2006, 10:19 PM   #3
سالم أبو بكر
رحمه الله تعالى
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 251
       
سالم أبو بكر is on a distinguished road
كشفُ السُتور في نهي النساء عن زيارة القبور
للشيخ حماد الأنصاري رحمه الله.


الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعـد:

فلما كان حكم زيارة النساء للقبور من المسائل المختلف فيها بين العلماء ما بين مبيح ومانع ومفصل، والحاجة إلى معرفة حكم اللّه فيها تهم الجميع ، رأيت من الواجب علي أداءً للنصيحة للخاصة والعامة بيان الحق الذي يجب أن يدين به كل مسلم غيور. بذكر النصوص الصحيحة المانعة من زيارة النساء للقبور على الإطلاق، مبيناً أن الاستدلال على الجواز برواية "لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زوارات القبور" غير مسلم به، كما أن تضعيف رواية "لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زائرات القبور" ليس صحيحاً؛ لما سأذكره عن أئمة الشأن الذين يجب الرجوع إليهم في مثل هذا الميدان. هذا وقد سميت هذه العجالة " كشف الستور عن حكم زيارة النساء للقبور" مرتباً لها على العناوين التالية:

1- اختلاف العلماء في هذه المسألة.

2- المخرجون لأحاديث اللعن إجمالاً.

3- تفصيل روايات المخرجين .

4- سند حديث ( زائرات ) بطريقيه.

5- الكلام على سندي هذا الحديث .

6- ضبط زاي (زوارات).

7- تفصيل أدلة المنع.

8- أدلة المجيزين والجواب عنها.

9- نقل جملة من كلام أئمة التحقيق في هذه المسألة.

10- خاتمة: في أن هدي السلف في الاتباع ومجانبة الابتداع.

والآن الشروع في المقصود ومن اللّه المدد المزيد.


1- اختلاف العلماء في هذه المسألة:

اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال: وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد رحمه الله:

أولاً: الكراهة من غير تحريم كما هو منصوص الإمام أحمد رحمه اللّه في إحدى الروايات عنه، واستدل له بحديث أم عطية المتفق عليه "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا" وإليه ذهب أكثر الشافعية وبعض الحنفية.

ثانياً: أنها مباحة لهن غير مكروهة، وبه قال أكثر الحنفية والمالكية وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. واستدل له بحديث مسلم عن بريدة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". وبحديث عائشة في زيارة أخيها عبد الرحمن؛ وبحديثها أيضا عند مسلم "ما أقول لهم؟ قال قولي" الحديث. وبحديث أنس رضي اللّه عنه "مر النبي صلى اللّه عليه وسلم بامرأة تبكى عند قبر" الحديث.

ثالثا: التحريم لأحاديث اللعن وغيرها مما يعضدها وهو مذهب بعض المالكية والشافعية والحنفية، وإليه ذهب أكثر أهل الحديث وهو الرواية الثالثة عن الإمام أحمد رحمه اللّه. كما حكاها العلامة علي بن سليمان المرداوي في كتابه (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل) قال ما نصه: "وعنه أي عن الإمام أحمد رواية ثالثة: يحرم كما لو علمت بأنه يقع منها محرم، ذكره المجد واختار هذه الرواية بعض الأصحاب، وحكاها ابن تميم وجها. اهـ

قلت: وهو اختيار شيخ الإسلام أبي العباس بن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم والنووي في مجموعه والشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب وكثير من أئمة التحقيق الآتـي ذكر أقوالهم بعد إن شاء اللّه تعالى.

واعلم أن القائل بالإباحة مقيد لها بما إذا لم تشتمل زيارة النساء للقبور على ما يفعله كثير من نساء زماننا من المنكر قولاً وفعلاً، بل ما يفعله كثير من جهلة الرجال أيضا، فلا خلاف إذاً في الحرمة كما لا يخفى على المطلع الخبير إذا حصل ما ذكر.

وهذه مذاهب العلماء في هذه المسألة. وقد ذهب بعض أَهل زماننا إلى جواز زيارة النساء للقبور ما لم تتكرر محتجا برواية "لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زوارات القبور" على أنها للمبالغة مضعفاً رواية "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور" تقليداً لمن فهم ذلك قبله من غير تحقيق، وهو خلاف لا يعتد به إذ ليس له حظ من نظرٍ وقد قيل:

إلا خـلاف له حـظ من النـظر

وليـس كل خلاف جاء معتـبراً

أي من نظر صحيح وسيأتي الجواب عن أدلة الجميع إن شاء اللّه تعالى غير منكرين ما صح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، بل كما قال العلامة شمس الدين بن القيم رحمه اللّه تعالى: "ندين اللّه بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نجعل بعضه لنا وبعضه علينا، فنقر ما لنا على ظاهره ونتأول ما علينا على خلاف ظاهره، بل الكل لنا لا نفرق بين شيء من سننه ، بل نتلقاها كلها بالقبول ونقابلها بالسمع والطاعة، ونتبعها أين توجهت ركائبها وننزل معها أين نزلت مضاربها، فليس الشأن في الأخذ ببعض سنن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وترك بعضها، بل الشأن في الأخذ بجملتها وتنزيل كل شيء منها منزلته ووضعه بموضعه والله المستعان وعليه التكلان".


2- المخرجون لأحاديث اللعن إجمالاً:

1- أخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه حديث النهي عن زيارة النساء للقبور من ثلاثة طرق:

أولاً: من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه.

ثانياً: من طريق أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما.

ثالثاً: من طريق عبد الرحمن بن حسان عن أبيه رضي اللّه عنهما.

2- وخرجه أبو داود 3- والنسائي 4- وأبو داود الطيالسي عن ابن عباس فقط.

وكذلك 5- خرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة وابن عباس ، 6- والحاكم عن حسان بن ثابت رضي اللّه عنه.


3- تفصيل روايات المخرجين:

أما الإمام أحمد فقد رواه بلفظين:

أولاً: رواه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه بلفظ "إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعن زوارات القبور".

وأيضاً: عن حسان مثله.

ثانيا: عن ابن عباس بلفظ "لعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج".

وأما أبو داود والنسائي وأبو داود الطيالسي فقد أخرجوه كلهم عن ابن عباس مثل لفظ الإمام أحمد المتقدم عنه. وكذلك ابن حبان فقد رواه عن ا بن عباس وأبي هريرة مثله. وأما الترمذي فقد رواه من طرق الإمام أحمد الثلاثة المتقدمة ولفظه عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور" وعن أبي هريرة وحسان بلفظ " لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زوارات القبور". بعد أن ترجم لها بقوله: باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء, ثم قال: هذا حديث حسن صحيح وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى اللّه عليه وسلم فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن.

ورواه أيضا ابن ماجه في سننه من الطرق الثلاثة المتقدمة عند الإمامين أحمد والترمذي كلها بلفظ "لعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم زُوَّارات القبور", بعد أن بوب لها بقوله: باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور, وقال في الزوائد: إسناد حديث حسان بن ثابت صحيح ورجاله ثقات.

فتبين من هذا أن لفظ "لعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم زوارات القبور" جاء من الطرق الثلاثة المتقدمة أعني : عن ابن عباس، وثانيا عن أبي هريرة وثالثا عن حسان بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين.

وأن لفظ "لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور" جاء من طريقين.

أولاً: عن ابن عباس عند الإمام أحمد وأبى داود والنسائي والترمذي وابن حبان وأبي داود الطيالسي.

وثانيا: عن أبي هريرة عند ابن حبان والله أعلم.


4- سند حديث "زائرات" بطريقيه:

وسند الجميع عن ابن عباس ما يلي:

قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا يحيى عن شعبة حدثنا محمد بن جحادة عن أبي صالح عن ابن عباس فذكره.

ومثله بإسناده عند من تقدمت الإشارة إليهم, إلا أن ابن حبان رواه أيضا بسند آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه فقال: أخبرنا محمد بن عبد اللّه بن الجنيد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: "لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" فهذا الحديث روي عن كل من أبي هريرة وابن عباس رضي اللّه عنهم بلفظ "لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زوارات القبور"، وبلفظ "لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور"، كما صرح به الترمذي في جامعه، وابن ماجه في سننه، فلهذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لكثرة طرقه، وقال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه اللّه تعالى: هذا مع أنه ليس في الإسنادين من يتهم بالكذب ومثل هذا حجة بلا ريب، وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي ، فإنه جعل الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن شاذاً، وهذا الحديث تعددت طرقه وليس فيها متهم ولا خالفه أَحد من الثقات، هذا لو كان عن صاحب واحد فكيف إذا كـان هذا رواه عن صاحب وذاك عن آخر فهذا كله يبين أن الحديث في الأصل معروف.


5- الكلام على سند هذا الحديث:

1- وأما أبو صالح الراوي عن ابن عباس، فقد اختلف في اسمه على قولين:

القول الأول: أنه ميزان البصري أبو صالح، وبهذا جـزم ابن حبان في الصحيح في النوع السادس من الثاني وفى التاسع والمائة من الثاني أيضا بعد أن أورد هذا الحديث من رواية عبد الوارث عن محمد بن جحادة، وأقره ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود وقوّى هذا القول بأنه (ميزان) ولكن صحف في طبعة مختصر سنن أبي داود بلفظ: (مهران) والصحيح أنه (ميزان) كما في تهذيب التهذيب لابن حجر. وميزان هذا قال فيه يحيى بن معين- وهو من أشد الناس مقالة في الرجال-: "إنه ثقة مأمون". وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحاكم في الصحيح: "هو ثقة". ولم يذكره المزي ولا الخلاصة ولا الميزان ولا لسانه. وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: "إن أبا صالح ميزان روى الترمذي عن طريقه في كتاب الجنائز من طريق عبد الوارث بن سعيد عن محمد بن جحـادة عن أيى صالح عن ابن عباس" يشير إلى هذا الحديث.

القول الثاني: أن أبا صالح هذا هو (باذام مولى أم هانئ) ويقال بالنون (باذان) وجزم بهذا الحاكم وعبد الحق الإشبيلي في الأحكام وابن القطان وابن عساكر والمنذري وابن دحية وغيرهم قاله في التهذيب.

فعلى كلا القولين فإن الحديث برواية "لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زائرات القبور" حديث صحيح سواء كان من رواية (ميزان) أو من رواية (باذام مولى أُم هانئ ) فقد قال أبو حـاتم في الجرح والتعديل: "لم أر أحداً من أَصحـابنا ترك أبا صالح مولى أم هانئ وما سمعت أحداً من الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه سعيد ولا زائدة ولا عبد اللّه بن عثمان", وقال يحيى بن معين: "أبو صالح مولى أُم هانئ ليس به بَأس فإذا روى عنه الكلبي فليس بشيء وإذا روى عنه غير الكلبي فليس به بأس، لأن الكلبي يحدث به مرة من رأيه ومرة عن أبي صالح" اهـ. وهذا واللّه أعلم هو أعدل الأقوال في أمر أبي صالح مولى أُم هانئ كمـا أشار إلى ذلك العلامة المحقق الشيخ أحمد شاكر, قال في حـاشيته على مسند الإمام أحمد: "والحق أن أبا صالح مولى أم هانئ ثقة ليس لمن ضعفه حجة وإنمـا تكلموا فيه من أجل التفسير الكثير المروي عنه والحمل في ذلك على تلميذه محمد بن السائب الكلبي ودعوى ابن حبان أنه لم يسمع من ابن عبا س غلط عجيب، فإن أبا صالح تابعي قديم روى عمن هو أقدم من ابن عباس كأبي هريرة وعلى بن أبي طالب وأم هانئ واللّه أعلم".

2- الطريق الثاني: عن أبى هريرة رضي اللّه عنه قال ابن حبان: أخبرنا محمد بن عبد اللّه بن الجنيد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنـا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة فذكر الحديث. وعمر هذا هو: عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف أخو مسلم مديني الأصل، قال أبو حـاتم: "هو عندي صالح صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به يخـالف في بعض الشيء". وقال الذهبي: صحـح له الترمذي حديث "لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زوارات القبور"، فنـاقشه عبد الحق وقال: "عمر ضعيف عندهم" - فأسرف عبد الحق. وقال ابن معين في رواية أحمد بن أبى خيثمة عنه:" ليس به بأس" وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ في التقريب:"صدوق يخطئ مات سنة 132 هـ".

وبكلام الحافظ ابن حـجر هذا عرفنا أن عمر المذكور وإن كـان يخطئ إذا انفرد كما يشير إليه كلام الحافظ ، ولكن مع وجود طريق آخر لهذا الحديث عن (ميزان البصري) على الصحيح وعن مولى أم هانئ على قول يتبين أن عمر في هذا الحديث لم يخطئ فصح على هذا تصحيح الترمذي لهذا الحديث كما صرح بتصحيح الترمذي له الذهبي وبإسراف الإشبيلي في تضعيفه. فتبين من هذا صحة هذا الحديث من غير مدافعة والله أعلم.


6- ضبط زاي زوارات:

هذا مع أن رواية "لعن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم زوارات القبور" هي بمعنى زائرات لأن زوَّارات بضم الزاي المعجمة كما قاله الجلال المحلي في شرح المنهاج والسيوطي وأقره السندي والمناوي وصاحب تنقيب الرواة شرح المشكـاة قال هؤلاء: "الدائر على الألسنة ضم الزاي من زوارات، جمع زوار جمع زائرة سماعا وزائر قياساً. وقيل زوّارات للمبالغة فلا يقتضي وقوع اللعن على وقوع الزيارة إلا نادراً. ونوزع بأنه إنما قابل المقابلة بجميع القبور، ومن ثم جاء في رواية أبي داود زائرات بلا مبالغة" انتهى. فعلى هذا الضبط فهي بمعنى زائرات لا للمبالغة كما ظنه كثير من طلبة العلم فصيغة المبالغة بفتح الزاي لا بضمها، كما أن الصيغة الدالة على النسب بالفتح أيضا كقوله عز وجل: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} وذلك معلوم عند أهل التصريف قال ابن مالك في ألفيته:

بكثرة عن فـاعل بـديـل

فعّال أو مِفعَال أو فـعُـول

وقال في النسب:

في نسب أَغنى عن اليا فقبل

ومع فاعـل وفعَّـال فعـل

فيكون معنى زوّارات القبور: ذوات زيارة القبور على أن الصيغة للنسب. فاتفقت الروايتان على منع النساء من زيارة القبور مطلقاً. فعلى هذا فليس في هذه الرواية دليل على جواز زيارة النساء للقبور إن لم تتكرر، كما يقول به بعض الناس، مع أن صحة رواية "زائرات" كما تقدم نص صريح في أن زوّارات ليست للمبالغة. بل إما أن تكون هذه الصيغة على ما تقدم من أنها بالضم وإما أن تكون للنسب توفيقاً بين الدليلين فإن الجمع بين الدليلين متى أمكن فهو أولى من طرح أحدهما أو دعوى التعارض بينهما، قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: "وإذا كـانت زيارة النساء للقبور مظنة وسبباً للأمور المحرمة والحكمة هنا غير مضبوطة فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع" إلى آخر ما سيأتي من كلامه إن شاء اللّه تعالى.

فإذا استقر وضوح دلالة هذا الحديث على المنع مطلقا وأن اختلاف اللفظين لفظي ليس بينهما فارق على ما ذكرنا فاعلم أن هناك نصوصاً صحيحة تؤيد ما أسلفناه دافعة لتأويـل سنة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى مالا يحتمله النص إلا بتكلف ظاهر، مقررة لذلك المعنى العظيم وتلك القاعدة الشرعية الكبرى التي أجمعت عليها الأمة، وذلك أن سد الذرائع مطلوب ومقدم على جلب المنافع قال الله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}, وفي الحديث الصحيح "ولولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم" مع العلم أنه ليس هناك مصلحة راجحة في زيارتها للقبور كما هو الحـال بالنسبة للرجال والله أعلم.


7- تفصيل أدلة المنع:

أولاً: ما تقدم عن ثلاثة من سادات أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مخبرين عنه بلعنه زائرات القبور، وهو إما خبر عن اللّه فهو خبر صدق, وإما دعاء من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فيا ويل من دعا عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهذا اللعن مفيد لحكمين هما: التحريم والوعيد فهذا الوعيد الشديد دليل على أن زيارة النساء للقبور محرمة بل وكبيرة من الكبائر، لأن معنى اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة اللّه تعالى. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)- ما نصه: "إن العلماء متفقون على وجوب العمل بأحاديث الوعيد فيما اقتضته من التحريم، وإنما خـالف بعضهم في العمل بآحادها في الوعيد خاصة، فأما بالتحريم فليس فيه خلاف معتد به" إلى أن قال: "بـل إذا كان في الحديث وعيد كـان ذلك أبلغ في اقتضاء التحريم على ما تعرفه القلوب".

ثانيا: روى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والنسائي في سننهما، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك من حديث ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبُلى عن عبد الله بن عمرو قال: "قبرنا مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يوماً، فلما فرغنا انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وانصرفنا معه، فلما حاذينـا به وتوسط الطريق إذا نحن بامرأة مقبلة، فلما دنت إذا هي فاطمة فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: يا رسول اللّه رحمت على أهل هذا الميت ميتهم، فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فلعلك بلغت الكُدَى - يعني: المقابر، بضم الكاف وفتح الدال المهملة مقصورا- قالت: معاذ اللّه وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. قال: لو بلغت معهم الكُدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك. فسألت ربيعة عن الكُدى فقال: القبور".

ثالثا: روى ابن ماجه والبيهقي عن علي رضي الله عنه قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة. قال: هل تغسلن ؟ قلن: لا، قال: هل تدلين فيمن يدلى؟ قلن: لا، قال فارجعن مأزورات غير مأجورات". وهذا كما قال الإمام ابن القيم رحمه اللّه تعالى "يدل على أن اتباعهن الجنائز وزر لا أجر لهن فيه إذ لا مصلحة لهن ولا للميت في اتباعهن لها، بل فيه مفسدة للحي والميت" اهـ.

رابعاً: روى البخـاري ومسلم وأحمد وابن جرير وأبو يعلى الموصلي والطبراني عن أم عطية قالت: "لما قدم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت وفيه ونهانا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا".

والدلالة من الأحاديث الثلاثة المتأخرة- على منع النساء من زيارة القبور- ظاهرة، إذ في منعهن من اتباع الجنائز دليل على منعهن من زيارة المقابر، والعلة بين الحكمين مشتركة وسيأتي ما يشد المنع ويؤيده.

وفى حديثي عبد اللّه بن عمر وعلي رضي الله عنهم دليل على أن نهي النساء عن اتباع الجنائز في حديث أم عطية نهي تحريم لا نهي تنزيه كما قال به بعض أهل العلم رحمهم اللّه تعالى. وقد رأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نساءً في جنازة فطردهن وقال: "واللّه لأرجـع إن لم ترجعن وحصبهن بالحجارة" ، ذكره ابن الحاج في المدخل واللّه أعلم.


8- أدلة المجيزين والجواب عنها:

استدل المجيزون لزيارة النساء للقبور بما يلي:

أولاً: بحديث أم عطية المتفق عليه قال البخاري في صحيحه: حدتنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان عن خـالد عن أم الهذيل عن أم عطية رضي اللّه عنها قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا".

ثانياً: حديث أنس عند البخاري قال في صحيحه: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "مر النبي صلى اللّه عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتق الله واصبري، قالت : إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها إنه النبي صلى اللّه عليه وسلم فأتت النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت:لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى".

ثالثاً: حديث بريدة عند مسلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور. فزوروها فإنها تذكر الموت".

رابعاً: حديث عائشة عند مسلم والنسائي وفيه قالت: "كيف أقول لهم يا رسول اللّه؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين" الحديث.

خامساً: حديث عبد اللّه بن أبي مليكة عند الترمذي في زيارة عائشة رضي اللّه عنها قبر أخيها عبد الرحمن بن أبى بكر قال ابن أبي مليكة: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبشى ، فحمل إلى مكة فدفن فيها فلما قدمت عائشة رضي اللّه عنها أتت قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فذكر الحديث وفيه أنها قالت: "لو شهدتك لما زرتك".

سادساً: رواية البيهقي عن بسطام بن مسلم عن أَبي التياح يزيد بن حميد عن عبد اللّه بن أبي مليكة " أن عائشة رضي الله عنها أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت ؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كـان نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت: كان نهى ثم أمر بزيارتها".

سابعاً: ما رواه الحاكم في مستدركه قال: حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران- حدثنا تميم بن محمد، حدثنا أبو مصعب الزهري، حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني سليمان بن داود عن جعفر بن محمد عن أَبيه عن علي بن الحسين عن أبيه أن فـاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده.

قال الحاكم: "رواته عن آخرهم ثقات", وتعقبه الذهبي في تلخيصه فقال: "هذا منكر جداً وسليمان ضعيف".

هذه جملة ما استدلوا به على الجواز وقد أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية وفصّل الجواب عنها في كثير من كتبه، كما استوفى ذكرها والجواب عنها شمس الدين بن القيم- رحمه اللّه تعالى- وذلك في تهذيبه لسنن أبي داود ونحن إن شاء الله نلخص ما ذكره هذان الإمامان وما ذكره غيرهما مع ما يفتح الله به علينا في هذا المقام واللّه المستعان.

أما حديث أم عطية رضي اللّه عنها: فمحل استدلالهم من قولها "ولم يعزم علينا"، والجواب عنه كما قال الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه اللّه قال ما نصه: "وأما قول أم عطية: (ولم يعزم علينـا) فقد يكون مرادها لم يؤكد النهي وهذا يقتضي التحريم وقد تكون هي ظنت أنه ليس بنهي تحريم، والحجة في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لا في ظن غيره". وقال ابن القيم رحمه اللّه تعالى: "وأما قول أُم عطية فهو حجة للمنع وقولها ولم يعزم علينا إنما نفت فيه وصف النهي وهو النهي المؤكد بالعزيمة وليس ذلك شرطاً في اقتضاء التحريم بل مجرد النهي كـاف، ولما نهاهن انتهين لطواعيتهن للّه ولرسوله صلى الله عليه وسلم فاستغنين عن العزيمة عليهن, وأم عطية لم تشهد في ذلك النهي وقد دلت أحاديث لعنة الزائرات على العزيمة فهي مثبتة للعزيمة فيجـب تقديمها".

قلت: وفي حديثي عبد اللّه بن عمرو وعلي رضي اللّه عنهم المتقدم ذكرهما ما يدل على أن نهيهن عن اتباع الجنائز نهي تحريم لا تنزيه، وفي ذلك دليل واضح على منعهن من زيارة القبور إذ العلة بين الحكمين مشتركة فصح أن الاستدلال به في جانب المنع أولى وأَرجح واللّه أعلم.

وأما حديث أنس عند البخاري: "مر النبي صلى اللّه عليه وسلم بامرأَة تبكي عند قبر على صبي لها، فقال: اتق اللّه واصبري" الحديث؛ فهو كذلك حجة للمنع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرها بل أمرها بتقوى الله التي هي فعل ما أَمر به وترك ما نهى عنه ومن جملتها النهي عن زيارة النساء للقبور وقال لها: "اصبري" ومعلوم أن مجيئها للقبر وبكاءها مناف للصبر، فلما أبت أن تقبل منه لأنها لم تعرفه انصرف عنها، فلما علمت أنه صلى الله عليه وسلم هو الآمر لها جاءته تعتذر إليه من مخـالفة أمره . فأي دليل في هذا الحديث على جواز زيارة النساء للقبور ؟ ومع هذا فلا يعلم أن هذه القضية كـانت بعد لعنه صلى اللّه عليه وسلم زائرات القبور، ونحن نقول إما أن تكون دالة على الجواز فلا دلالة على تأخرها عن أحـاديث المنع، أو تكون دالة على المنع لأمرها بتقوى اللّه فلا دلالة فيها على الجواز، وعلى كلا التقديرين فلا تعارض هذه القضية أحاديث المنع ولا يمكن دعوى نسخها بها والله أعلم.

وأَما حديث بريدة رضي اللّه عنه: فقد قال المجيزون: إن هذا الخطاب يتناول النساء بعمومه، بل هن المراد به فإنه إنما علم نهيه عن زيارتها للنساء دون الرجال وهذا صريح في النسخ لأنه قد صرح فيه بتقديم النهي ولا ريب في أن المنهي عن زيارة القبور هو المأذون له فيها والنساء قد نهين عنها فيتناولهن الإذن.

والجواب عن هذا: أَن الصيغة في هذا الحديث هي خطاب للذكور, والنساء وإن دخلن فيه تغليباً فهذا حيث لا يكون دليل صريح يقتضي عدم دخولهن, وأَما حديث التحريم فمن أظهر القرائن على عدم دخولهن في خطاب الذكور، وقد كـان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام قد نهي عن زيارة القبور صيانة لجانب التوحيد وقطعاً للتعلق بالأموات وسدا لذريعة الشرك، التي أصلها تعظيم القبور وعبادتها كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "فلما تمكن التوحيد من قلوبهم واضمحل الشرك واستقر الدين أذن في زيارة يحصل بها مزيد الإيمان وتذكير ما خلق العبد له من دار البقاء فأذن حينئذٍ فيها فكان نهيه عنها للمصلحة وإذنه فيها للمصلحة. وأما النساء فإن هذه المصلحة وإن كـانت مطلوبة منهن لكن ما يقارن زيارتهن من المفاسد التي يعلمها الخاص والعام من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والفساد الذي لا سبيل إلى دفعه إلا بمنعهن منها أعظم مفسدة من مصلحة يسيرة تحصل لهن بالزيارة، والشريعة مبناها على تحريم الفعل إذا كـانت مفسدته أرجـح من مصلحته، ورجحان هذه المفسدة لا خفاء به، فمنعهن من الزيارة من محاسن الشريعة". اهـ، من كلام ابن القيم ملخصاً.

وقال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى: "إن الخطاب في الإذن في قوله: فـزوروها لم يتناول النساء فلا يدخلن في الحكم الناسخ، والعام إذا عرف أنه بعد الخاص لم يكن ناسخـا له عند الجمهور فكيف إذا لم يعلم أن هذا العام بعد الخاص، إذ قد يكون قوله: "لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم زوارات القبور" بعد إذنه للرجال في الزيارة يدل على ذلك أنه قرنه بالمتخذين عليها المساجد والسرج ، ومعلوم أن اتخـاذها المنهي عنه محكم كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة والصحيح أَن النساء لم يدخلن في الإذن في زيارة القبور لعدة أوجه:

الأول: أن قوله صلى اللّه عليه وسلم "فزوروها" صيغة تذكير وصيغة التذكير إنما تناول الرجال بالوضع وقد تتناول النساء أيضا على سبيل التغليب لكن هذا فيه قولان.

الثاني: أَن النبي صلى اللّه عليه وسلم علل الإذن للرجال بأن ذلك يذكر الموت ويرقق القلب ويدمع العين ومعلوم أن المرأة إذا فتح لها هذا الباب أخرجها إلى الجزع والندب والنياحة لما فيها من الضعف وقلة الصبر، وإذا كانت زيارة النساء مظنة وسبباً للأمور المحرمة والحكمة هنا غير مضبوطة فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كـانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب سدا للذريعة كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة وكما حرمت الخلوة بالأجنبية وليس في ذلك من المصلحة ما يعارض هذه المفسدة فانه ليس في ذلك إلا دعاؤها للميت وذلك ممكن في بيتها", إلى أن قال رحمه اللّه: "إن قوله صلى اللّه عليه وسلم "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان" معلوم أنه أدل على العموم من صيغة التذكير المتقدمة فإن لفظ (من) يتناول الرجال والنساء باتفاق الناس، وقد علم بالأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لنهي النبي صلى اللّه عليه وسلم لهن عن اتباع الجنائز فإذا لم يدخلن في هذا العموم فكذلك لا يدخلن في العموم المتقدم بطريق الأولى... فإذا كان النساء لم يدخلن في عموم اتباع الجنائز مع ما في ذلك من الصلاة على الميت فأن لا يدخلن في زيارة القبور التي غايتها دون الصلاة عليه بطريق الأولى، وعلى هذا فيكون الإذن في زيارة القبور مخصوصاً بالرجال، وخص بلعنه صلى الله عليه وسلم زائرات القبور فيكون من العام المخصوص" اهـ وبمثل هذا قال العلامة النووي في شرح مسلم: "هذا من الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأَجمع على أن زيارتها سنة لهم، أما النساء ففيهن خلاف لأصحابنا وقدمنا أن مَنْ منعهن قال: النساء لا يدخلن في خطاب الرجال وهو الصحيح عند الأصوليين" اهـ. منه بلفظه.

وأما حديث عائشة: عند مسلم والنسائي الذي فيه قالت: "كيف أقول لهم" الحديث فالجواب عنه من وجوه:

أولها: حمل سؤالها للرسول صلى الله عليه وسلم وتعليمه إياها على ما إذا اجتازت بقبر في طريقها بدون قصد للزيارة، ولفظ الحديث ليس فيه تصريح بالزيارة عند من خرّجه بل قالت: ماذا أقول لهم؟ ولذلك صرح العلماء- رحمهم اللّه تعالى- بأنه يجوز لها أن تدعو بهذا الدعاء في هذه الحـال، بل ولا تسمى زائرة والحـالة هذه، فكأنها رضي اللّه عنها قالت ماذا أقول إذا جـزت بقبر في الطريق فقال: "قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين" الحديث.. ولا أدل على ذلك من قولها في زيارتها لأخيها عبد الرحمن "لو شهدتك لما زرتك" وإلا لما كان لقولها هذا كبير معنى، وإن في حمل الحديث على هذا جمعاً بينه وبين أدلة المنع ودفعاً للتعارض عن سنة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فإن الجمع بين الدليلين متى أمكن فهو أولى من طرح أحدهما أو دعوى التعارض بينهما قال صاحب مراقي السعود في ذلك:

إلا فللأخـير نسخ بينـا

والجمع واجب متى ما أمكنا

وثانيها: أن حديث عائشة هذا يحتمل احتمالاً قوياً أَنه كـان على البراءة الأصلية ثم نقل عنها إلى التحريم العام فنسخ نهي الرجال عن الزيارة وبقي نهي النساء على عمومه كما أشار إلى ذلك المنذري رضي اللّه عنه بقوله: قد كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور نهيا عاماً للرجال والنساء ثم أذن للرجال في زيارتها واستمر النهي في حق النساء لورود ما يقتضي تخصيصهن في ذلك الحكم من أحاديث اللعن وغيرها".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى: وقد قرن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لعننة الزائرات بلعنة المتخذين عليها المساجد والسرج، ومعلوم أَن اتخاذ المساجد والسرج، لم يقل أحد من العلماء بجوازه فكذلك ما قرن به من لعنة الزائرات واللّه أعلم.

والثالث: أن عائشة رضي اللّه عنها ليست كغيرها من النساء لمـا تحلت به من الآداب اللائقة بزيارة القبور لقوة إيمانها وعظيم صبرها وكمال عقلها ووفور فضلها، قال اللّه تعالى في عموم نسـاء النبي صلى الله عليه وسلم {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} (الأحـزاب / 33) وقال عليه الصلاة والسلام: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية وأن فضل عائشة على النسـاء كفضل الثريد على سائر الطعام" أما غيرها من النساء فإنه لا يؤمن ممن زارت القبر لجهالتها وضعف عزيمتها وقرب جزعها أن ترتكب شيئا من المحظورات كالنياحة والجزع والتعديد خصوصا في زماننا هذا الذي انضم إلى ما ذكر كثرة تبرج النساء وارتكابهن فتنة العري والتبرج والاختلاط ، ومن له غيرة في الدين و بصيرة بقواعد الشريعة عرف وجاهة ما ذكر واللّه المستعان.

الرابـع: حمل سؤالها للرسول صلى الله عليه وسلم وتعليمه إياها على أنها مبلغة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومثل هذا في السنة كثير في تعلمها وأخذها من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما تخبر به أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رضوان اللّه عليهم مع عدم شرعيته في حق النساء. قال الزركشي- في الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة- أخرج مسلم عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه كان قاعداً عند عبد الله بن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبد اللّه بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة إنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: "من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها نم تبعها حتى تدفن كان له قيراطـان من أجر كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها تم رجع كـان له من الأجر مثل أحد" فـأرسل ابن عمر خباباً إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجـع إليه فيخبره بما قـالت. وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجـع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة. فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض وقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة" اهـ.

وقد لاح لك مما تقدم من الأحاديث الصحيحة أن هذا العموم لم يتناول النساء لورود النهي الخـاص من النبي صلى اللّه عليه وسلم عن اتباعهن الجنائز فكذلك ما هنا فـاحفظ ذلك وكن به حفيا وتدبر بعين البصير بمرامي الشريعة وقواعدها فسيظهر لك بمعونة الله صحة ما ذكرناه ورجحان ما أبديناه ولا حوله ولا قوة إلا بالله.

وخلاصة القول أن في حمل الحديث على أحد الوجوه المذكورة جمعاً بعين الأحاديث وتأليفاً لسنن كثيرة نذكر فيها ما يلي:

أولاً: موافقته للنهي الخاص من النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور كما في أحاديث اللعن وما في معناها كحديثي عبد اللّه بن عمرو وعلي رضي الله عنهم.

ثانياً: أن في حمل الحديث على ذلك جمعاً بينه وبين قولها المتأخر قطعاً على ذلك - لو شهدتك لما زرتك- وإلا لما كان في قولها هذا كبير معنى.

ثالثاً: موافقته لحـال الصحابة رضوان اللّه عليهم حيث لم ينقل فيما نعلم أَن نساءهم كن يزرن المقابر، ولو كان شيء من ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا سائر سيرهم وما جرى بينهم من القضايا والمناظرات في الأحكـام الشرعية، فلما لم ينقل إلينا شيء من ذلك دل على أنهم آمنوا بالنهي وأقروه على ظاهره كما جاء من غير بحث ولا نظر، وهذا هو مذهب أهل الحديث وأئمة التحقيق كثر اللّه سوادهم، قال الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه اللّه : "وما علمنا أن أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة القبور ولا كان النساء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال" اهـ بلفظه.

رابعاً: أن المحرم لا بد أن يشتمل على مفسدة محضة أو راجحة وزيـارة النساء للقبور تشتمل على مفاسد كثيرة في الغالب فالتحريم إذاً ألصق بأصول الفرع ومقاصده.

خامساً: أن أحـاديث النهي تضمنت حكماً منطوقاً به، وحديث عائشة عند مسلم صحيح غير صريح فيما استدل به عليه، إذ لم تقل ماذا أقول إذا زرت القبور بل قالت ما أقول لهم، وهذا يحتمل الزيارة وغيرها. قال أبو بكر الحازمي في كـتابه الاعتبار: "الوجه الثالث والثلاثون من وجوه الترجيح أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً به وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملاً" اهـ. أي فيجب تقديم ما هو منطوق به.

سادساً: أن عامة العلماء قد رجحوا الدليل الحـاظر كـحديث اللعن في هذا المقام على دليل الإباحة كحديث عائشة عند مسلم على احتماله، فمن ادعى بعد ذلك أنه أبيح بعد المنع فعليه البيان لاسيما وقد ذكر هذا الوعيد الشديد في جانب المنع فالمسألة إذاً لا مسرح فيها للاجتهاد واللّه أعلم.

سابعاً: أن مما يرجـح به أحد الحديثين على الآخر كثرة العدد في أحد الجـانبين وهى مؤثرة في باب الرواية لأنها تقرب مما يوجب العلم وهو التواتر كما حكى ذلك الحافظ أبو بكر الحازمي في اعتباره.

قلت: وقد لاح لك مما تقدم أن عدد جانب المنع أكثر والاستدلال بها أظهر وباللّه التوفيق.

والجواب عن حديثها في زيارتها لأخيها عبد الرحمن هو كما قال الحافظ بن القيم في تهذيب السنن: "إن المحفوظ في هذا الحديث حديث الترمذي مع ما فيه، وعائشة إنما قدمت مكة للحـج فمرت على قبر أخيها في طريقها فوقفت عليه وهذا لا بأس به، إنما الكلام في قصدها الخروج لزيارة القبور ولو قدر أنها عدلت إليه وقصدت زيارته فهي قد قالت: "لو شهدتك لما زرتك" وهذا يدل بالصراحة أن من المستقر المعلوم عندها أن النساء لا يشرع لهن زيارة القبور وإلا لم يكن في قولها ذلك معنى" اهـ.

وأما رواية الحاكم التي فيها أن عائشة قالت لمن سألها نهى عنها ثم أمر بزيارتها فقد قال الإمام تقي الدين بن تيمية: "لا حجة في حديث عائشة هذا، فإن المحتج عليها احتج بالنهي العام فدفعت ذلك بأن النهي منسوخ وهو كما قالت رضى اللّه عنها ولم يذكر لها المحتج النهي المختص بالنساء الذي فيه لعنهن على الزيارة يبين ذلك قولها قد أمر بزيارتها فهذا يبين أنه أمر بها أمراً يقتضي الاستحباب، والاستحباب إنما هو ثابت للرجال خاصة ولكن عائشة بينت أن أمره الثاني نسخ نهيه الأول فلم يصلح أن يحتج به, وهو أن النساء على أصل الإباحة، ولو كانت عائشة تعتقد أن النساء مأمورات بزيارة القبور لكانت تفعل ذلك كما يفعله الرجل ولم تقل لأخيها لما زرتك". وقال ابن القيم رحمه اللّه في هذه الرواية: إنها من رواية بسطام بن مسلم، ولا صح فإن عائشة رضي اللّه عنها تأولت ما تأول غيرها من دخول النساء في الإذن، والحجة في قول المعصوم لا في تأويل الراوي، وتأويل الراوي إنما يكون مقبولاً حيث لا يعارضه ما هو أقوى منه وهذا الحديث قد عارضه أحاديث منع زيارة النساء للقبور" اهـ.

(تنبيـه): قول ابن القيم رحمه اللّه تعالى إن هذا الحديث من رواية بسطام ابن مسلم ولو صح قـد يفهم منه أن هذا الحديث ضعيف من جهة بسطام هذا وليس الأمر كما يظن بل بسطام بن مسلم ثقة كما قال الحافظ في التقريب: "بسطام بن مسلم بن نمير العوذي بفتح المهملة وبسكون الواو، بصري ثقة من السابعة" اهـ. وقال أحمد: "صالح الحديث ليس به بأس", وقال ابن معين وأبو زرعة: "ثقة" والله أعلم.

وأما ما رواه الحاكم أن فاطمة بنت محمد صلى اللّه عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة الحديث. فهو حديث ضعيف منكر كما قاله الذهبي في تلخيصه وتضعيفه من سليمان بن داود وقال البيهقي في سننه الكبرى بعد سياقه لهذا الحديث: "إن حديث فاطمة رضي اللّه عنها في زيارتها قبر عمها حمزة منقطع" اهـ.

وقال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في سبل السلام بشرح بلوغ المرام- ما نصه: "وما أخرجه الحاكم من حديث علي بن الحسين أن فاطمة رضي الله عنها كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده. قلت: وهو حديث مرسل فإن علي بن الحسين لم يدرك فاطمة بنت محمد صلى اللّه عليه وسلم، وعموم ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان مرسلاً: "من زار قبر الوالدين أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب باراً" " اهـ.

فهذا الحديث كما رأيت قد رمي بالضعف والنكارة والانقطاع والإرسال فلا يكون مثل هذا حجة في الدين واللّه أعلم.


9- نقل جملة من كلام أئمة التحقيق في هذه المسألة:

قال أبو العباس على بن محمد بن عباس البعلي الحنبلي في ترتيبه اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه- ما نصه: "ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم فيه قولان: وظاهر كلام أبى العباس ترجيح التحريم لاحتجاجه بلعن النبي صلى اللّه عليه وسلم زائرات القبور وتصحيحه إياه، ورواه الإمام أحمد و ابن ماجه والترمذي وصححه وأنه لا يصح ادعاء النسخ بل هو باق على حكمه، والمرأة لا يشرع لها الزيارة الشرعية ولا غيرها اللهم إلا إذا اجتازت بقبر في طريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن" اهـ.

وقال صاحب المهذب: "ولا يجوز للنساء زيارة القبور لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور".

وقال السيوطي في كتابه زهر الربى على المجتبى للنسائي عند الحديث المتكلم عليه في النهي: "وبقين أي النساء تحت النهي لقلة صبرهن وكثرة جـزعهن". قال السندي: "وهو الأقرب لتخصيصهن بالذكر" والله أعلم. وقال ا بن حجر الهيثمي الشافعي في كتابه الزواجر ما نصه: "الكبيرة الحادية والثانية والثالثة والعشرون بعد المائة اتخاذ المساجد أو السرج على القبور وزيارة النساء لها، وتشييعهن الجنائز" فساق حديث ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر ثم قال: "تنبيه: عد هذه الثلاثة هو صريح الحديث الأول في الأولين لما فيه من لعن فاعلها وصريح الحديث الثاني في الثانية وظاهر حديث فاطمة في الثالثة بل صريح رواية النسائي: ما رأيتن الجنة إلى آخره. ولم أر من عد شيئاً من ذلك بل كلام أصحابنا في الثلاثة مصرح بكراهتها دون حرمتها فضلاً عن كونها كبيرة فليحمل كون هذه كبائر على ما إذا عظمت مفاسدها كما يفعل كثير من النساء من الخروج إلى المقابر وخلف الجنائز بهيئة قبيحة جداً إما لاقترانها بالنياحة وغيرها أو بالزينة عند زيارة القبور بحيث يخشى منها الفتنة.." إلى آخر كلامه رحمه اللّه تعالى.

قلت: وقد تقدم كلام النووي رحمه اللّه -وهو من كبار الشافعية- مصرحا بالتحريم وأما حمل ابن حجر الهيثمي التحريم على ما إذا عظمت الفتنة فهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم فيما نعلم وقد صرح بذلك غير واحد، وأما بدون اقتران ذلك فتبين لك مما تقدم ومما يأتي أن مقتضى نصوص الشريعة وقواعدها التحريم وما أحسن ما قاله العيني رحمه اللّه تعالى: "إن زيارة القبور مكروهة للنساء بل حرام في هذا الزمان ولاسيما نساء مصر لأن خروجهن على وجه الفساد والفتنة وإنما رخص في الزيارة لتذكر أمر الآخرة وللاعتبار بمن مضى وللتزهيد في الدنيا" قاله صاحب عون المعبود نقلاً عنه.

وهذا قاله العيني في نساء مصر القرن التاسع فكيف لو رأى هو وأمثاله من الغيورين على الإسلام نساء القرن الرابع عشر وما يرتكبنه من التبرج والسفور وفتنة العري والاختلاط لما تردد هو وأمثاله في منعهن من الزيارة قولاً واحداً والله أعلم.

وقال الساعاتي في الفتح الرباني: "قال صاحب المدخل المالكي: قد اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال: أولاً المنع مطلقاً. ثانياً الجواز على ما يعلم في الشرع من الستر والتحفظ عكس ما يفعل اليوم. ثالثاً: يفرق بين الشابة والمنجـالة أي العجوز-. ثم قال: اعلم أن الخلاف في نساء ذلك الزمان أما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ اللّه أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة في الدين بجوازه".

وقال العلامة صديق بن حسان البخاري في كتابه حسن الأسوة: "الراجـح نهي النساء عن زيارة القبور وإليه ذهب عصابة أهل الحديث كثر اللّه سوادهم". وقال صاحب المرعاة: "قال أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي: النهى ورد خاصا بالنساء والإباحة لفظها عام والعام لا ينسخ الخاص بل الخاص حـاكم عليه ومقيد له".

وقد سئل سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف عن حكم وقوف النساء -عند دخولهن المسجد النبوي الشريف- على قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأجاب رحمه اللّه بفتوى قال فيها بعد أن ذكر أحاديث اللعن: "إن التعبير برواية زائرات القبور يدل على عدم تخصيص النهى بالإكثار من الزيارة كما توهمه بعضهم من التعبير في الروايات الأخرى بلفظ "زوّارات القبور" ثم قال بعد أَن ذكر تحقيقاً جلياً في المسألة "والخلاصة: أنه لا يجوز للنساء قصد القبور بحالة ولا يدخلن في عموم الإذن بل الإذن خاص بالرجال والله أعلم".

قلت: فالقول بالتحريم مطلقاً هو القول الذي ندين اللّه به ولا نعتقد سواه، إذ هو الموافق لأمر رسول اللّه ونهيه وقواعد شريعته ومصالح أمته فأما موافقته لأمره فإنه صلى اللّه عليه وسلم حكم على المرأة التي تبكي عند قبر على صبي لها بمنافاة ذلك للصبر والتقوى فأمرها بقوله لها: "اتق اللّه واصبري" فهذا موافق لأمره, وأما موافقته لنهيه فلقوله: "لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زائرات القبور" فاجتمع في هذه المسألة أبلغ الطرق لإثبات هذا الحكم من أمره ونهيه صلى اللّه عليه وسلم. وأما موافقته لقواعد شريعته ومصالح أُمته فمن وجوه عديدة نذكر منها ما يلي:

أولاً: من المستقر المعلوم من قواعد الشريعة المطهرة: أن درء المفاسد مغلب على جلب المنافع لاسيما عند عظمة المفاسد كـالحالة هذه إذ ليس في زيارة النساء للمقابر أي مصلحة راجحة كما هي في حق الرجال،والخروج في حقهن لا يكون إلا لحـاجة فكيف يقدم ما ليس بواجب على الواجب بـل كيف إذا لم يكن مشروعاً.

ثانيا: إن النساء ناقصات عقل ودين مع ضعف صبرهن وكثرة جـزعهن ومن جراء هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجزع المؤدي إلى لطم الخدود وشق الجيوب وزيارتهن مجددة للحزن والبكاء والنوح على ما جرت به عادتهن الناتجة من نقصان الدين والعقل وقلة الصبر وكثرة الجزع فلو لم تحرم زيارة النساء للقبور إلا من هذا الباب لكفى فكيف إذا ترتب عليها من المخالفات الباطلة مالا يخفى على كل من شهد ما يقع منهن في زماننا هذا من تبرج بـزينة واختلاط وغير ذلك مما أنكره الشرع.

ثالثاً: إن حرمة التبرج والاختلاط- معلوم بـالضرورة من الدين والعقل السليم.فخروج المرأة من بيتها لغير ضرورة يؤدي في الغالب إلى ارتكـاب هذه الممنوعات شرعا بل والى ترك ما هو أهم من إحصانها وقرارها في بيتها والقيام بحقوق زوجها كما قال اللّه عز وجل {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} بل يؤدي إلى أعظم مما تقدم من وقوع اللعنة عليها على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ومن شهد ما يقع في عصرنا هذا عند مـزارات قبور الصالحين وغيرهم لاسيما عند قبر النبي صلى اللّه عليه وسلم وصاحبيه علم غاية العلم أن ما ذكرناه من المفاسد المترتبة على فتح هذا الباب أمر واقـع لا يحتمل الشك والارتياب وأن منعهن من زيارة القبور هو مقتضى شرعه وحـكمه ومن محاسن شريعته. وكـم من مسائل منعها الشارع لا لذاتها ولكن لما يتوصل إليه بأسبابها من ذلك نهيه عن تجصيص القبور وتشريفها والبناء عليها وعن الصلاة إليها وعندها وعن شد الرحال إليها- كل ذلك لئلا يكون ذريعة إلى اتخاذها أوثانا,ً وهذا التحريم عام في حق من قصد ومن لم يقصد، كل ذلك حماية لجناب التوحيد وسلامة الفطرة، والمحافظة على ذلك معروفة بطبيعة العقائد الإسلامية واللّه المستعان.


خاتمة في أن هدي السلف في الاتباع ومجانبة الابتداع:

لا يخفى على كل من كان هدفه التمسك بآداب شريعة الإسلام أن الخير كله في اتباع السلف وأن الشر في ابتداع الخالفين، فمن ثم لما لم ينقل عن القرون المشهود لها بالخير أن نساءهم يزرن المقابر تيقنـا يقينا لا يساوره شك أنهم فهموا المنع من الشارع من غير قيد، ومن المعلوم أيضا لما هم عليه من قوة التمسك بالسنة والولوع بها ومن الورع وحب التسابق إلى الخير وتبليغ ما جاء عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، أنه لو كـانت زيارة النساء خيراً لسبقونا إليها ولنقل عنهم جوازها كما نقل عنهم منعها على لسان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .وقد قال الأول:

والحـق يعـرفـه ذوو الألـبـاب

والحـق أَبـلج لا تزيـغ سبـيلـه

فلنفعل كما فعلوا وليسعنا ما وسعهم من الاستغناء بما أحـل الله عما حرمه فما أحسن الاقتصار على الطريقة المأثورة عن سلف هذه الأمة فإنهم كانوا أعلم بشريعة اللّه وأقوى تعظيما لأوامره وأوامر رسوله من سائر الأمم، ومن ظن أن في قدرته وإمكانه أن يفوقهم في تعظيم أوامره فقد خاب ظنه ورجـع بخفي حنين فواللّه لو أنفق أحدنا مثل أحدٍ ذهباً لما بلغ مد واحد منهم ولا نصيفه كما ورد عنه ذلك عليه الصلاة والسلام ويذكر أن الإمام مالكاً رحمه الله كثيراً ما ينشد:

وشـر الأمور المحدثـات البـدائـع

وخـير أمور الديـن ما كـان سنـة

فما من بدعة تحدث في الإسلام إلا ويرفع في مقابلتها سنة من سنن الهدى، وحسبك في وجوب الاتباع والتحذير من الابتداع ما رواه المقدسي في المختارة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "إن اللّه حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته".

وساق الشاطبي في الاعتصام من حديث: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلا" وهذا الحديث في سياق العموم فيشمل كل حدث أحدث فيها مما ينافي الشرع، والبدع من أقبح الحدث وهو وإن كان مختصاً بالمدينة فغيرها أيضا يدخل في المعنى... ويروى عن أبي أويس الخولاني أنه قال: "لأن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع إطفاءها أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها".

وقال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وعليكم بالأمر العتيق". وكان السلف يقولون: "احذروا من الناس صنفين: صاحب فتنة فتنهُ هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه". وقال أبو عمير عيسى بن محمد النحاس في صفة الإمام أحمد رحمه اللّه: "عن الدنيا ما كان أصبره وبالماضين ما كان أشبهه وبالصالحين ما كان ألحقه، أتته البدع فنفاها والدنيا فأباها، وخصه اللّه بنصرة دينه والقيام بحفظ سنته ورضيه لإقامة حجته ونصر كلامه حين عجز عنه الناس".

ويروى عن الإمام مالك رحمه الله: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها فما لم يكن يومئذٍ ديناً لا يكون اليوم ديناً".

وإلى هنا انتهى ما أردنا جمعه وكان ذلك في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم جعلها الله آمنة مطمئنة وسائر بلاد المسلمين والحمد لله الذي بتوفيقه تتم الصالحات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم...

آخر تعديل بواسطة سالم أبو بكر ، 22-01-2006 الساعة 04:43 PM.
سالم أبو بكر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-10-2009, 10:31 AM   #4
خزامي
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 299
خزامي is on a distinguished road
للإفادة
خزامي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-12-2013, 05:10 AM   #5
الهاشمي10
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
المشاركات: 23
الهاشمي10 is on a distinguished road
اللهم اغفر لعبدك سالم ابوبكر وادخلة الجنة برحمتك
فإنه عاش محرب لأهل البدع وناصرا لتوحيدك يارب العالمين
الي مشرفين المنتدي الا يستحق الموضوع التثبيت
فإن صديقكم الان في اشد الحاجه للأعمال الصالحه
الهاشمي10 غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-12-2013, 08:52 AM   #6
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,477
       
محب الإسلام is on a distinguished road
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الهاشمي10 مشاهدة المشاركة
اللهم اغفر لعبدك سالم ابوبكر وادخلة الجنة برحمتك
فإنه عاش محرب لأهل البدع وناصرا لتوحيدك يارب العالمين
الي مشرفين المنتدي الا يستحق الموضوع التثبيت
فإن صديقكم الان في اشد الحاجه للأعمال الصالحه
آمين
__________________
((لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [التوبة - 128]
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
إلى زوار المدينة النبوية أحكام وآداب مشرفة المنتديات النسائية منتدى الحـــج والعــمـرة والـزيـارة 3 20-09-2014 11:39 AM
أحكام وآداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه محمد مصطفى منتدى الحـــج والعــمـرة والـزيـارة 13 26-09-2011 04:04 PM
حمّل رسالة [ العيد أحكام وآداب] سبل السلام منتدى شهــر رمـضـــــــــان 0 17-09-2009 09:31 AM
الزيارة أحكام وآداب - 6/5/1422 - الثبيتي محب الإسلام تلاوات وخطب المسجد النبوي 0 07-06-2008 09:50 PM
حرم المدينة النبوية محب الإسلام منتدى الكـتـاب والكـتـيـبـات 0 25-10-2005 04:10 PM


الساعة الآن 01:30 PM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع