العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات ما يتعلق بالأبحاث والمقالات العلمية ..

كاتب الموضوع مشرفة المنتديات النسائية مشاركات 1 المشاهدات 7182  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-05-2008, 05:59 PM   #1
مشرفة المنتديات النسائية
مشرفة المنتديات النسائية ، Forum For Foreign Language
 
الصورة الرمزية مشرفة المنتديات النسائية
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 5,209
مشرفة المنتديات النسائية is on a distinguished road
كتب وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ

قال ـ تعالى ـ في سورة آل عمران:
( .. وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79).

معنى الربّاني
الربُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدِّ التمام. ولا يقال الربُّ مطلقاً إلا لله ـ تعالى ـ المتكفل بمصلحة الموجودات، ويقال: ربُّ الدار، وربُّ الفرس، لصاحبهما، وعلى ذلك قول الله ـ تعالى ـ:

(اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فأنساه الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) [سورة يوسف].


والربّانيون واحدهم ربّاني منسوب إلى الربِّ، قال شيخ المفسرين السلفي ابن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ(210هـ): "وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع ربّاني، وأن الربّاني المنسوب إلى الربّان: الذي يربِّ الناس، وهو الذي يصلح أمورهم ويربّها، ويقوم بها".

وقال السمعاني ـ رحمه الله ـ: والرباني من طريق المعنى: "هو أن يكون على دين الرب، وعلى طريق الرب". وقال القرطبي في "الجامع": "والربّاني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور".

وقال الشيخ السلفي الربّاني ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ: "الربّاني هو الذي يربي الناس على شريعة الله بالعلم والدعوة والعبادة والمعاملة، فالربّاني منسوب إلى التربية وإلى الربوبية، فباعتباره مضافاً إلى الله ربوبية، وباعتباره مضافاً إلى الإصلاح تربية".




صفات أساسية في الرباني

1- الربّاني: (المصلح الذي يعمل بعلمه).

روى ابن سعد في "الطبقات" بسند صحيح، عن التابعي الجليل أبو عبد الرحمن السلمي: "إنا أخذنا هذا القرآن عن قومٍ ـ كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما، ـ رضي الله عنهم ـ أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهنَّ إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهنَّ، فكنا أن نتعلم القرآن والعمل به، وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز ها هنا ـ ووضع يده على الحلق ـ". [التصفية والتربية: الشيخ علي الحلبي (ص:109-110)].


وقال أبو عمر الزاهد: سألت ثعلباً عن هذا الحرف ـ وهو الربّاني ـ؟ فقال: سألت ابن الأعرابي فقال: إذا كان الرجل عالماً عاملاً معلماً قيل له: الربّاني، فإن خَرَمَ عن خصلة منها لم يقل له ربّاني".[كتاب"الفقيه والتفقه" للخطيب البغدادي،1/51].


وقال القرطبي ـ رحمه الله ـ: فمعنى الربّاني: "العالم بدين الربّ الذي يعمل بعلمه، لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم".

قلت: فالربّاني أسوة وقدوة يربّي الناس على منهج النبوة والسلف، يبدأ بهم متدرجاً إلى أن يصل بهم في التربية مبلغ الرجال الذين يشبهون الصحابة سمتاً وهدياً.


والربّاني يشغل الوظيفة التي شغلها الأنبياء، فهي وظيفة سامية عالية الدرجة.

"لا توجد في الإسلام وظيفة أشرف قدراً، وأسمى منزلة، وأرحب أفقاً، وأثقل تبعة، وأوثق عهداً، وأعظم أجراً عند الله من وظيفة العالم الديني، ذلك لأنه وارث لمقام النبوة، وآخذ بأهم تكاليفها وهو الدعوة إلى الله، وتوجيه خلقه إليه، وتزكيتهم وتعليمهم وترويضهم على الحق حتى يفهموه ويقبلوه، ثم يعملوا به، ويعملوا له. من كتاب "وظيفة علماء الدين" للشيخ محمد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ].

2- الربّاني: (العالم، الفقيه، الحكيم).

قال أبو رزين فيما أخرجه ابن جرير: "الربّاني هو العالم الحكيم"، ونقل القرطبي قول أبو عبيدة: سمعت عالماً يقول: "الربّاني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمة وما كان وما يكون". وقال ابن كثير: قال ابن عباس وغير واحد: أي:
حكماء علماء حلماء.

وقال الحسن وغير واحد: فقهاء.


ولقمان من الربّانيين الحكماء قال ـ تعالى ـ: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) [ سورة لقمان]، ومن تدبر حكمة لقمان وجد في موعظته التدرج في التربية حيث بدأ بالتوحيد ومسائل الإيمان، وحث على طلب العلم النافع من الكتاب والسنة بفهم سلفي، وأمر أن يُعبد الله وفق ما نصت عليه النصوص الصحيحة التي أوحى بها الله، وأمر بالتحلي بالأخلاق الحسنة، ودعا إلى الله على بصيرة بفقه وحكمة؛ ومن فروعها معرفة الرجال.


وقد عرَّف أبو العالية الحكمة بقوله: "الكتاب والفهم". وقال ابن ميلق فيما نقله البقاعي في "نظم الدرر": الحكمة؛ مدارها على إصابة الحق والصواب في القول والعمل.


وقد جاء في سورة لقمان ما يبين خطورة الجدال بغير علم، وأنه ضد الحكمة

فقال ـ تعالى ـ: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتَابٍ مُنِيرٍ

(20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ[/color](21).

3- الربّانيون أكابر الناس والبركة معهم.

وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن البركة مع الربانيين بقوله: "البركة مع أكابركم". [ الصحيحة (1778)]، وعليه فلا يفلح من كان على خلافهم، بل يكون من خالفهم ممن نسب نفسه إلى أهل العلم من الأصاغر؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر" ذكره ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً [الصحيحة (695)].

وقد ذكر أبو عبيد في تأويل هذا الخبر عن ابن المبارك أنه كان يذهب بالأصاغر إلى أهل البدع، ولا يذهب إلى السن.

وقال المناوي ـ رحمه الله ـ: "البركة مع أكابركم المجربين للأمور، المحافظين على تكثير الأجور، فجالسوهم لتقتدوا برأيهم، وتهتدوا بهديهم، أو المراد: من له منصب العلم، وإن صغر سنه، فيجب إجلالهم حفظا لحرمة ما منحهم الحق سبحانه".


قلت: وما صار الربّانيون أكابر الناس إلا لأنهم أخلصوا للربِّ متعبدين له، وأمروا غيرهم بعبادة الله على الوجه الصحيح المعتبر في الكتاب والسنة، وأمروا الناس باتباع هدي السلف الصالح.

وأقول: هل قال أحد من الأنبياء والرسل (كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟ أبداً حاشا أن يقول أحد منهم هذا. إن هذا القول يتنافى مع حقيقة إخلاصهم لله في العبادة. قال ابن كثير: وإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الحسن البصري: "لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته".

فقوله ـ تعالى ـ في مطلع الآية: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال الشيخ الربّاني محمد صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ:


"هذا لا يمكن؛ لأن من آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة إنما جاء لضد هذه الأشياء، ليمحق هذا الشيء، لا ليدعو الناس إليه".


فالأنبياء والرسل أمروا الناس فقالوا: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) كوناً شرعياً، قال شيخنا ابن عثيمين: "لا يملك أن يقول لهم كونوا كوناً قدرياً، لكن يملك أن يأمرهم شرعاً بأن يكونوا ربّانيين".

والربّانيون صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وفهموا الجهاد الواسع فجاهدوا في جميع ميادينه، فهم لله الحمد على علم وفقه وحكمة وورع، قال الشيخ محمد البشير: "فوضع الله القبول في كلامهم عند الخاصة والعامة، وإن القبول جزاء من الله على الإخلاص يجعله لعباده المخلصين".


ثم قال: "وقبول الكلام من العالم الديني الذي لا يملك إلا السلاح الروحي، هو الفارق الأكبر بين صولة العلم وصولة الملك، وهو الذي أخضع صولة الخلافة في عنفوانها لأحمد بن حنبل، وأخضع الملك في رعونتها لأحمد بن عبد السلام ـ شيخ الإسلام بن تيمية ـ، وإن موقف هذين الإمامين من الباطل لعبرة للعلماء لو كانوا يعتبرون، وإن في عاقبتهما الحميدة لآية من الله على تحقيق وعده بالنصر لمن ينصره".

4- الربّانيون فوق العلماء والأمراء.

أخرج ابن جرير عن مجاهد قوله في الربانيين: "الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار".


وقال الشيخ محمد البشير ـ رحمه الله ـ: وكانوا ملوكاً على الملوك، واقفين لهم بالمرصاد، لا يقرونهم على باطل ولا منكر، ولا يسكتون على مخالفة صريحة للدين، ولا يتساهلون معهم في حق الله، ولا يترضونهم فيما يسخط الله".

قلت: كل هذا يفعلونه في علاقتهم مع الآخرين بفقه وحكمة ووفق الضوابط والأحكام الشرعية يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخافون في الله لومة لائم.

قال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: "لقد أدركت بالمدينة أقواماً لو استسقى بهم القطر لسقوا، وقد سمعوا من العلم والحديث شيئا كثيراً، وما أخذت عن واحد منهم، وذلك أنهم كانوا قد ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن يعني الحديث والفتيا يحتاج إلى رجل معه تقى، وورع، وصيانة، وإتقان، وعلم، وفهم، ويعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غداً يوم القيامة، فأما الزهد بلا إتقان ولا معرفة فلا ينتفع به، وليس هو بحجة ولا يحمل عنهم العلم".

وقال ابن وهب أيضاً: نظر مالك إلى العطان بن خالد فقال: "بلغني أنكم تأخذون من هذا! فقلت: بلى، فقال: ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء".

[إسعاف المبطأ برجـال الموطأ (صفحة:4) للسيوطي].


"فالعالم الربَّاني هو الذي لا زيادة على فضله لفاضل، ولا منزلة فوق منزلته لمجتهد، وقد دخل في الوصف له بأنه ربَّاني وصفه بالصفات التي يقتضيها العلم لأهله، ويمنع وصفه بما خالفها. ومعنى الربَّاني في اللغة: الرفيع الدرجة في العلم العالي المنزلة فيه، وعلى ذلك حملوا قول الله ـ تعالى ـ: (لَوْلا يَنْهَاهُمْ الربَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ) وقوله ـ تعالى ـ: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ).[كتاب "الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي(1/51)].

5- الربّاني بصير بالسياسة.

قال النحاس معلِّقاً على قول مجاهد: "الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار"، وهو قول حسن، لأن الأحبار هم العلماء، والربّاني: الذي يجمع إلى العلم البصر بالسياسة.
قلت: والمقصود بالسياسة: السياسة الشرعية المحكومة بالضوابط والأحكام الربّانية، وهي كما قال النووي في "شرح مسلم": "القيام على الشيء بما يصلحه".

وقد جاء ذكرها في السنة النبوية ففي الصحيحين عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي". وقال العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ ـ رحمه الله ـ: "كثير من الناس ـ ممن لم يقرؤوا القرآن، أو لم يتدبروا آياته ـ يظنون أن كتاب الله ـ تعالى ـ خال من الآيات السياسية، ومن الأمور التي إذا روعيت تكون سبباً لحياة أمة بعد موتها، ولعزتها بعد هوانها، ولكثرتها بعد قلتها، ولغناها بعد فقرها، ولاستعادة ما كان لها من مجد وما سلف من حول وطول. في حين أن كتاب الله فيه تبيان كل شيء؛ فيه كل ما يعود على المجتمع البشري بالسعادة في معاشه، في دنياه وآخرته". [مجلة "الفتح" المصرية ـ نقل عنها الشيخ مشهور في كتابه "السياسة التي يريدها السلفيون"].


وابن جرير ـ رحمه الله ـ عرَّف بصيرة الربّاني بالسياسة بعد أن أخرج أقوال السلف في معنى (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) قال: والربّاني: هو المنسوب إلى من كان بالصفة التي وصفت، وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين، يربِّ أمور الناس بتعليمه إياهم الخير، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم، وكان كذلك الحكيم التقي لله، والوالي الذي يلي أمور الناس، على المنهاج الذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق بالقيام فيهم، بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النفع عليهم في دينهم ودنياهم، وكانوا جميعاً مستحقين أنهم ممن دخل في قوله ـ عز وجل ـ (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ)، فالربّانيون إذاً: هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: "وهم فوق الأحبار، لأن الأحبار هم العلماء"، والربّاني: الجامع إلى العلم والفقه؛ البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم".


وفي قوله ـ تعالى ـ: (بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ) قال الضحاك: "حق على من تعلم


القرآن أن يكون فقيهاً، وقال ابن كثير: تعلِّمون: أي تفهِّمون، وقوله:

(وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) أي: تحفظون ألفاظه.

وقال الشيخ ابن عثيمين: "الباء هنا للسببية، أي: بسبب تعليمكم الكتاب
(بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ) لأن الذي يعلم الكتاب مربٍّ.

ولهذا كلما كثر الطلبة عند شخص كثرت تربيته للناس؛ لأن المفروض في المعلم أن لا يكون معلماً للناس تعليماً نظرياً جدلياً؛ لأن هذا يمكن أن يدركوه بالكتب، لكنه ينبغي أن يعلمهم تعليماً نظرياً وتعليماً تربوياً، وهذا هو هدي النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وأصحابه، إذا نظرنا إلى السيرة النبوية وجدنا كيف كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم الناس تعليماً مقروناً بالتربية مصحوباً بها، وإذا تأملنا سيرة الخلفاء الراشدين وجدناها كذلك، فلننظر مثلاً إلى سيرة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فقد رفع عقوبة الخمر إلى ثمانين ليردع الناس.

فالحقيقة أن المعلم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علماً فحسب، ولكن الذي يملأ أفكارهم أو أذهانهم علماً وأخلاقهم تربية.


قال الحافظ ابن حجر: "والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمِّرهم في البلاد أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين ـ فقط ـ بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة، مع اجتناب ما يخالف الشرع منها". [ فتح الباري (13/211)].


فمن طعن بعلمائنا السلفيين أنهم لا يفهمون "بالسياسة"، أو أنهم "مسيَّسون"، إي: أنهم ألعوبة بيد غيرهم، فأقول ردّاً على هؤلاء: الربّانيون هم أكثر الناس ولله الحمد؛ معرفة بالسياسة، وعندهم بصيرة نافذة، قال الشيخ محمد البشير: "أرأيت لو كان علماء الدين قائمين بواجب التذكير بالقرآن، مؤدين لأمانة الله، راعين لعهده في أمة محمد، أكانت الأمة الإسلامية تصل إلى هذه الدركة التي لم تصل إليها أمة؟ فهي كثيرة العدد تبلغ مئات الملايين، ولكنها غثاء كغثاء السيل".


ثم قال: "إن علماء القرون المتأخرة ركبتهم عادة من الزهو الكاذب والدعوى الفارغة، فجرتهم إلى آداب خصوصية". وذكر ـ رحمه الله ـ من هذه الآداب: لزوم البيوت أو المساجد كما يلزم التاجر متجره ينتظرون أن يأتيهم الناس، يتوكؤون في ذلك بكلمة إن صدقت في زمان فإنها لا تصدق في كل زمان وهي: "إن العلم يؤتى ولا يأتي".

قلت: مع فارق معاكس في الشطط، فهم على خلاف الفريق الأول الجامدون الذين اكتفوا بالزوايا دروشة، أو في كليات الشريعة خلطاً. فتحركوا بالخروج وهو خروج باطل لسببين:
الأول: أن هذا الخروج بدعة محدثة اعترفوا هم باستحداثه منذ إنشاء جماعة الدعوة والتبليغ.
الثاني: أن هذا الخروج لا داعي له بسبب ما عندهم من جهل بكلمة التوحيد، فإن رؤوسهم عدا عن أتباعهم في معظم المناطق التي ينتشرون بها لا تعرف معنى التوحيد الذي جاءت به الرسل والأنبياء.


وهناك فريق آخر تحمس سياسة للوصول إلى الحكم؛ من باب أن يكون الحكم بما أنزل الله، فلم يوفقوا ولن يوفقوا لسببين:

الأول: إذا أرادوا السياسة الشرعية فليس منهجهم منها في شيء.
الثاني: إذا أرادوا السياسة التي عليها الساسة فهذا مناقض لإعلانهم.

6- الربّانيون هم أهل الذكر، ومن الواجب الرجوع إليهم بالسؤال.

قال ابن كثير: قال الضحاك: "حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً"، وقد جاء اقتران الربّاني مع الأنبياء في سورة النحل على اعتبار ما عندهم جميعاً من الخير والبيان، فالنحل يصنع عسلاً، والعسل شفاء قال ـ تعالى ـ في السورة:
(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)، وكذلك الربّاني يفعل ما يفعله الأنبياء لأنه وارث لهم، قال ـ تعالى ـ في السورة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ(43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(44).


وجاء اقتران الربَّاني مع الأنبياء في سورة الأنبياء فقال ـ تعالى ـ: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ(7) على اعتبار بشريتهم وأنهم من الناس، قال ـ تعالى ـ في الآية التالية: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ(8)، قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: أي بل قد كانوا أجساداً يأكلون الطعام".


وعليه فلا يجوز الغلو في الأنبياء وغيرهم من الأولياء بحيث يسألون من دون الله، أو يعبدون من دون الله ـ تعالى ـ.


فمن تدبر كتاب الله ـ تعالى ـ ووقف على معانيه الصحيحة المسندة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو الصحيحة المسندة عن صحابته ـ رضوان الله عنهم ـ تحصل على البصيرة، ومن تحصل على البصيرة كان حكيماً عليماً. فعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "إن لله أهلين من الناس". قالوا : من هم يا رسول الله؟ قال: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته". [رواه النسائي، وابن ماجه، وغيرهما وهو في "صحيح الجامع" (2165)].


ولا شك أن أهل الله وخاصته هم أهل الذكر ومن تبعهم على منهاج النبوة والسلف، فقد صح عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : "خياركم ـ وفي رواية ـ خيركم من تعلم القرآن وعلمه".[ الصحيحة (1173)].


قال بعض العارفين: إن الناس لما حفظوا قواعد التجويد شغلوا عن الخشوع في التلاوة.

فكتاب الله ـ تعالى ـ يحتاج إلى التدبر والتعلم والتفقه، من أجل العمل به، لا الوقوف فحسب عند قواعد التجويد، أو عند الحفظ دون دراية، فالله ـ تعالى ـ يقول:

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24).[في سورة محمد


فتعلم القرآن وتعليمه فيه نفع كبير للأمة، فعلى المسلمين الاهتمام بتعلم القرآن كما نزل لفظاً ومعناً، علماً وعملاً، وإلا كان شأنهم شأن أهل الكتاب الذين غلوا في دينهم فابتدعوا في معاني كتبهم ما لم ينزل به الله سلطاناً، بل تجاوزوا الحد فلعبوا تحريفاً في ألفاظه، وما شأن المبتدعة في أمة محمد إلا شأن هؤلاء الماضين من أهل الكتاب تلاعبوا في معاني كتاب الله وحملوه ما لم يحتمل فضلوا وأضلوا، فكان منهم: المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، والصوفية، والخوارج، والشيعة، والجبرية، والقدرية، والجهمية، والمرجئة، وغيرهم من أهل الضلال. لذلك جاء أمر الرسل والأنبياء (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) من باب الحفاظ على منهاج الرب، والربّانيون بعد الرسل والأنبياء أولى الناس بالدفاع عن دين الرب ـ عز وجل ـ وكشف فرية المبتدعة وأهل الأهواء.

7- الربّاني قائد؛ ميدانه النفوس.

قال الشيخ محمد البشير ـ رحمه الله ـ: "فالعالم بمفهومه الديني في الإسلام قائد؛ ميدانه النفوس، وسلاحه الكتاب والسنة، وتفسيرهما العملي من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفعل أصحابه، وعونه الأكبر على الانتصار في هذا الميدان أن ينسى نفسه، ويذوب في المعاني السامية التي جاء بها الإسلام، وأن يطرح حظوظها وشهواتها من الاعتبار، وأن يكون حظه من ميراث النبوة أن يزكي ويعلم، وأن يقول الحق بلسانه، ويحققه بجوارحه، وأن ينصره إذا خذله الناس، وأن يجاهد في سبيله بكل ما آتاه الله من قوة، أما الوسيلة الكبرى في نجاحه في هذه القيادة فهي أن يبدأ بنفسه في نقطة الأمر والنهي".


هشام بن فهمي العارف

المسجد الأقصي
__________________
=========


إذا أردت أن تدخل الجنة اضغط هنا

برنامج رائع للدعوة بدون جهد او عناء

احتفظوا به في المفضلة وأرسلوه لمن تريدون دعوته باي لغة كانت

http://www.newmuslim-guide.com/ar/languages


Save

آخر تعديل بواسطة مشرفة المنتديات النسائية ، 02-05-2008 الساعة 09:18 PM.
مشرفة المنتديات النسائية غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 17-03-2014, 11:59 PM   #2
ام حمد
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Dec 2012
المشاركات: 108
       
ام حمد is on a distinguished road
جزاك الله كل الخير
ام حمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع


الساعة الآن 07:16 PM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع