العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات ما يتعلق بالأبحاث والمقالات العلمية ..

كاتب الموضوع زياني مشاركات 0 المشاهدات 3581  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-08-2009, 01:47 PM   #1
زياني
عضو
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: الجزائر
المشاركات: 48
       
زياني is on a distinguished road
كتب استحباب الدعاء ورفع اليدين بعد الصلاة ج 3

بسم الله وبعد:
فهذا الجزء الثالث من هذا المبحث وبالله التوفيق
الدليل الرابع والعشرون: قال البغوي في تفسيره عند قوله تعالى عن يعقوب (سوف): قال أكثر المفسرين:" أخر الدعاء إلى السحر وهو الوقت الذي يقول الله تعالى:هل من داع فأستجيب له، فلما انتهى إلى الموعد قام إلى الصلاة بالسحر فلما فرغ منها رفع يديه إلى الله عز وجل وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف"، فهذا نبي الله يعقوب رفع يديه في الدعاء بعد الصلاة كما قاله البغوي ونقله عن أكثر المفسرين, فدل هذا على أن رفع اليدين كان أمرا متقررا بينهم، وإنما أخر نبي الله يعقوب الدعاء إلى السحر لأنه وقت نزول الرب عز وجل من على عرشه إلى سمائه، وهذا الزمان من مظان القبول وإجابة الدعاء، وبتأخير يعقوب عليه السلام الدعاء إلى ما بعد السحر مطلقا قال ابن مسعود رضي الله عنه، وفسره طاوس بسحر ليلة الجمعة، وقال الطبري حدثني المثنى ثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي ثنا الوليد أخبرنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (سوف أستغفر لكم ربي) يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، وهو قول أخي يعقوب لبنيه"، قال: حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم أخبرنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قال أخي يعقوب:(سوف أستغفر لكم ربي)، يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة"، قبل العلماء عنعنة ابن جريج عن عطاء لأنه من ألزم الناس له، وأكثرهم عنه رواية، ومع ذلك فقد توبع، فروى هذا الحديث محمد بن إبراهيم القرشي حدثني أبو صالح عن عكرمة عن ابن عباس ومحمد وأبو صالح مجهولان، وقد توبعا.
الدليل الخامس والعشرون: وليس بصريح، قال الأزرقي في أخبار مكة: باب ما جاء في الصلاة في وجه الكعبة،حدثني جدي، هو أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، ثنا داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن محمد بن عباد عن جعفر عن ابن السائب أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح في وجه الكعبة حذو الطرقة البيضاء ثم رفع يديه، فقال:« هذه القبلة»، وهذا الرفع للإشارة، لكنها لا تكون برفع اليدين معا، فيحتمل أن يكون قد دعا بعد ذلك على عادته والله أعلم.
الدليل السادس والعشرون:خرجه البخاري في الصحيح, باب كيف كانت يمين النبيصلى الله عليه وسلمعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل عاملا، فجاءه العامل حين فرغ من عمله، فقال: يا رسول الله هذا لكم وهذا أهدي لي...وفيه:" ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية بعد الصلاة"، ولابن حبان:"بعد الظهر"، فصعد المنبر فتشهد وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فما بال العامل نستعمله فيأتينا فيقول: هذا من عملكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أمه فينظر هل يهدى له أم لا... قال أبو حميد: ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده حتى إنا لننظر إلى عفرة إبطيه " زاد مسلم: "اللهم هل بلغت، مرتين"، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلمصلى الظهر ثم قام على المنبر فخطب وأوجز ثم رفع يديه.
الدليل السابع والعشرون:حديث غدير خم المتواتر لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحج ونزل بغدير خم ثم صلى فدعا لعلي، وقد روى هذا الحديث العشرات من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الألباني بعض طرق هذا الحديث في الصحيحة(4/330) ثم قال: وقد ذكرت وخرجت ما تيسر لي منها مما يقطع الواقف عليها بعد تحقيق الكلام على أسانيدها بصحة الحديث يقينا، وإلا فهي كثيرة جدا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، قال الحافظ ابن حجر: منها صحاح و منها حسان، قال الألباني: وجملة القول أن حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه، بل الأول منه متواتر عنه صلى الله عليه وسلم كما ظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه ، وما ذكرت منها كفاية" وسنقتصر منها ههنا على ما يدل على الدعاء ورفع اليدين بعد الصلاة، فأما ما جاء منها في الدعاء وصيغته، فقد قال عَبْد اللَّه (1/118) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ الْأَوْدِي نا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قَالَا:" نَشَدَ عَلِيٌّ النَّاسَ فِي الرَّحَبَةِ مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ إِلَّا قَامَ، قَال: فَقَامَ مِنْ قِبَلِ سَعِيدٍ سِتَّةٌ وَمِنْ قِبَلِ زَيْدٍ سِتَّةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ: "أَلَيْسَ اللَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ"، وقال عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرٍو ذِي مُرٍّ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ يَعْنِي عَنْ سَعِيدٍ وَزَيْدٍ، وَزَادَ فِيهِ:" وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ"، ورواه عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنْ عَمْرٍو ذِي مُرٍّ قَال سَمِعْت عَلِيًّا يَنْشُدُ النَّاسَ فِي الرَّحْبَةِ مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ إلَّا قَامَ، فَقَامَ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَإِنَّ عَلِيًّا مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَأَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ، وَأَعِنْ مَنْ أَعَانَهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصْرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ"، ورواه إِسْحَاقُ بن إِسْمَاعِيل ثَنَا حَبِيبُ بن حَبِيبٍ أَخُو حَمْزَةَ الزَّيَّاتُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بن ذِي مَرٍّ وَزَيْدِ بن أَرْقَمَ قَالا مثله بزيادة:"وَانْصُر مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ"، وقال عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنَا عَلِيٌّ نَا شَرِيكٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ"، سمعه حبيب من أبي الطفيل لما دخل عليه، وفي خبره وخبر غيره ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي فرفعا أيديهما عند هذا الدعاء، فقال أبو الطاهر في جزئه: ثنا القاسم بن زكريا بن يحيى ثنا يوسف بن موسى ثنا عبيد الله بن موسى نا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه أنه دخل على أبي الطفيل ومعه حبيب بن أبي ثابت ومجاهد وناس من أصحابه، فقال أبو الطفيل حدثني زيد بن أرقم:" أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بين مكة والمدينة عند سمرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما تحت السمرات، ثم راح عشيه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا ما اتبعتموهما كتاب الله عز وجل وأهل بيتي عترتي، ثم قال:ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالها ثلاث مرات، قال الناس بلى، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه، ثم أخذ بيده فرفعها"، قال يحيى: "وكان الناس يجيئون إلى أبي فيقولون إن حبيب بن أبي ثابت يقول: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"، قال: إني قد سمعت ما سمعوا ولكن قد نسيت"، وقال الهيثمي في المجمع:" عن زيد بن أرقم قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشجرات فقم ما تحتها ورش ثم خطبنا فوالله ما من شيء يكون إلى يوم الساعة إلا قد أخبرنا به يومئذ، ثم قال:" يا أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟ قلنا: الله ورسوله أولى بنا من أنفسنا، قال: فمن كنت مولاه فهذا مولاه، يعني عليا، ثم أخذ بيده فبسطها ثم قال:" اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"،قال:" رواه الطبراني وفيه حبيب بن خلاد الأنصاري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات"، وقد جاء من طرق أخرى ما يدل على أن هذا الدعاء كان بعد الصلاة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي ثم رفعا أيديهما إلى العلي الأعلى لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعلي، فخرج ابن ماجة 116 من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال:" أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي فقال:ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى، قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه اللهم عاد من عاداه"، صححه الألباني لغيره، وقال في الصحيحة:" رجاله ثقات رجال مسلم غير علي بن زيد وهو ابن جدعان وهو ضعيف، وله طريق ثانية عن البراء تقدم ذكرها"، وقال أحمد (4/281) حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ:كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا بِغَدِيرِ خُمٍّ فَنُودِيَ فِينَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ وَكُسِحَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم؟ قَالُوا بَلَى, قَالَ: أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ"، قَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ النَّبِي صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ"، وقال أبو بكر (7/503) حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أخبرنا علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء قال:" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قال فنزلنا بغدير خم قال فنودي الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فصلى الظهر، فأخذ بيد علي فقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا بلى، قال: فأخذ بيد علي فقال:" اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"، توبع علي بن زيد متابعة تامة، فقال الحافظ أبو يعلى الموصلي ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد وأبي هارون عن عدي بن ثابت عن البراء به، ورواه التبوذكي عن حماد، وله شاهد آخر بإسناد صحيح خرجه أحمد في مسنده قال (4/372) ثنا سفيان ثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبى عبيد عن ميمون أبي عبد الله قال قال زيد بن أرقم وأنا أسمع:" نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بواد يقال له وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاها بهجير، قال: فخطبنا وظلل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب على شجرة سمرة من الشمس، فقال: ألستم تعلمون أو لستم تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فمن كنت مولاه فإن عليا مولاه، اللهم عاد من عاداه ووال من والاه"، وقال في فضائل الصحابة حَدَّثَنَا عَفَّانُ ثنا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَال: قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فذكره، فإن قال قائل: هذا إسناد ضعيف لجهالة أبي عبيد، فقد قال عنه الحافظ في تعجيل المنفعة: ما عرفت من هو أبو عبيد هذا، قيل له: قد عرفه الحافظ ابن كثير ووثقه وصحح حديثه، فقال في البداية والنهاية (5/212):" هذا إسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن"، وكذا روى عنه شعبة وهو لا يروي إلا عن الثقات، ولهذا الحديث شاهد آخر خرجه الطبراني في الكبير (3/180) من طريقين عن زيد بن الحسن الأنماطي ثنا معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال:" لما صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع نهى أصحابه عن شجرات بالبطحاء متقاربات أن ينزلوا تحتهن ثم بعث إليهن فقم ما تحتهن من الشوك وعمد إليهن فصلى تحتهن ثم قام...، وفيه:" قالوا: بلى نشهد بذلك، قال:اللهم اشهد، ثم قال: أيها الناس إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه ـ فعلي مولاه ـ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"، اختلف في هذا الإسناد على أبي الطفيل، فرواه عنه معروف عن حذيفة، ورواه حسان بن إبراهيم ثنا محمد بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي الطفيل عن ابن واثلة أنه سمع زيد بن أرقم نحوه، ورواه عبيد الله بن موسى نا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه أنه دخل على أبي الطفيل فقال أبو الطفيل حدثني زيد بن أرقم به ، ورواه عباس بن عبد الله حدثنا سليمان بن قرة عن سلمة بن كهيل حدثنا أبو الطفيل أنه سمع زيد بن أرقم نحوه، ورواه الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، ورواه جماعة عن زيد منهم أبو الضحى، خرج رواياتهم الطبراني في الكبير، وقال ضمنها: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ثَنَا ضِرَارُ بن صُرَدٍ ثنَا عَلِيُّ بن عَابِسٍ عَنِ الْحَسَنِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ عنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ زَيْدِ بن أَرْقَمَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ"، ومما مضى من أحاديث يتبين لك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا لعلي رضي الله عنه بهذه الدعوات بعد الصلاة، وقد جاء من طرق أخرى أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه في هذا الدعاء مع العلم بأن القصة واحدة: فقال البخاري في تاريخه من ترجمة سهم: حدثني يوسف بن راشد نا علي بن قادم الخزاعي نا إسرائيل عن عبد الله بن شريك عن سهم بن حصين الأسدي: قدمت مكة أنا وعبد الله بن علقمة، قال ابن شريك: وكان علقمة سبابا لعلي، فقلت: هل لك في هذا ؟ يعني أبا سعيد الخدري، فقلت ـ لأبي سعيد ـ: هل سمعت لعلي منقبة؟ قال:نعم، فإذا حدثتك فسل المهاجرين والأنصار وقريشا،" قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم فأبلغ فقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ادن يا علي، فدنا، فرفع يده، ورفع النبي صلى الله عليه وسلم يده حتى نظرت إلى بياض إبطيه فقال:« من كنت مولاه فعلي مولاه»، قال: سمعته أذناي"، قال ابن شريك: فقدم عبد الله بن علقمة وسهم، فلما صلينا الفجر قام ابن علقمة فقال:« أتوب إلى الله من سب علي»، ورواه أحمد بن يحيى بن زكريا نا علي بن قادم نا إسرائيل عن عبد الله بن شريك عن سهم بن حصين الأسدي بلفظ:"... فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه حتى نظرت إلى بياض آباطهما وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه ثلاث مرات"، قال البخاري: سهم مجهول، وقد وثقه ابن حبان، وجاء هذا الحديث على وجه آخر مطولا وفيه متابعة تامة لسهم من رجل مثله: فقال الهيثم بن كليب في مسنده حدثنا أحمد بن شداد الترمذي نا علي بن قادم نا إسرائيل عن عبد الله بن شريك عن الحارث بن مالك قال: أتيت مكة فلقيت سعد بن أبي وقاص فقلت: هل سمعت لعلي منقبة؟ قال: شهدت له أربعا لأن يكن لي واحدة منهن أحب إلي من الدنيا...، فذكر الثلاثة وقال: "...والرابعة يوم غدير خم، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبلغ ثم قال: « يا أيها الناس، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات؟ قالوا:بلى، قال: ادن يا علي ، فرفع يده، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده حتى نظرت إلى بياض إبطيه فقال:« من كنت مولاه ، فعلي مولاه»، حتى قالها ثلاث مرات، خرجه ابن أبي عاصم في السنة مختصرا له قال: ثنا أبو مسعود ثنا علي بن قادم ثنا إسرائيل عن عبد الله بن شريك عن الحارث بن مالك عن سعد بن أبي وقاص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من كنت مولاه فعلي مولاه"، فيحتمل أن يكون ابن شريك قد روى هذا الحديث عن سهم والحارث معا على الوجهين والله أعلم، وجاء شاهد رفع اليدين في طرق أخرى: فقال الطبراني في الشاميين 2128 حدثنا مطلب بن شعيب ثنا عبد الله بن صالح حدثني ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة وبكر بن سوادة عن قبيصة بن ذؤيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بخم فتنحى الناس عنه ونزل معه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فشق على النبي صلى الله عليه وسلم تأخر الناس عنه فأمر عليا فجمعهم فلما اجتمعوا قام فيهم وهو متوسد علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:" أيها الناس إني قد كرهت تخلفكم وتنحيكم عني حتى خيل إلي أنه ليس من شجرة أبغض إليكم من شجرة تلين"، ثم قال: لكن علي بن أبي طالب أنزله مني بمنزلتي منه، فرضي الله عنه كما أنا عنه راض، فإنه لا يختار على قربي وصحبتي شيئا، ثم رفع يديه فقال:اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"، تابعه أبو يعلى قال ثنا شهر بن زنجلة الرازي نا عبد الله بن صالح نا ابن لهيعة به، خرجه عنه ابن عساكر، وعبد الله بن صالح ممن قيل فيه أنه روى عن ابن لهيعة قبل الإختلاط، وقد مضى لحديثه شواهد كثيرة.
الدليل الثامن والعشرون:قال الإمام أحمد (3/393) ثنا حسين ثنا ابن أبي ذئب عن رجل من بني سلمة عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد يعني الأحزاب فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدا يدعو عليهم ولم يصل، قال: ثم جاء ودعا عليهم وصلى". هذا حديث رجاله ثقات إلا التابعي فهو مبهم وقد توبع ، وفي هذا الحديث مسألتان، أولاهما كون النبي صلى الله عليه وسلم قدم مسجد الأحزاب فدعا فيه رافعا يديه ولم يصل، والثانية كونه قدم المسجد ودعا فيه وصلى، والواو للعطف، وهذا يعني أنه رفع يديه في مقدمه الثاني، وإنما سكت عليه لدلالة الأول عليه، مثل قوله تعالى:{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن}أي كذلك ثلاثة أشهر، ومثل هذا كثير معلوم، ثم وجدت ذلك صريحا فيما خرجه أبو داود في مسنده قال حدثنا ابن أبي ذئب عن رجل من بني سلمة عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما أصابه الكرب يوم الأحزاب ألقى رداءه وقام متجردا ورفع يديه مدا ودعا ولم يصل، قال: ثم أتانا ففعل مثل ذلك وصلى"، يعني أنه رفع يديه مثل ذلك ودعا وصلى، والواو في الحديث ليست للترتيب، ومن المعلوم أن أول ما كان يبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخوله المسجد هو صلاة الركعتين، ثم الدعاء بعد ذلك، وقد جاء ذلك صريحا فيما صح من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر بمسجد بني معاوية، فدخل فركع فيه ركعتين ثم قام فناجى ربه ثم انصرف"، مسجد بني معاوية هذا هو نفسه مسجد الأحزاب، ويُسمى بمسجد الفتح أيضا كما سيأتي، وخرج ابن شبة في تاريخه(1/59) قال حدثنا أبو غسان عن ابن أبي يحيى عن الحارث بن الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ فصلى أسفل من الجبل يوم الأحزاب، ثم صعد فدعا على الجبل"، وجاء من وجه آخر صريح فيما قاله الواقدي في مغازيه: وَكَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يُحَدّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم علَى الْجَبَلِ الّذِي عَلَيْهِ الْمَسْجِدُ فَدَعَا فِي إزَارٍ وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدّا، ثُمّ جَاءَهُ مَرّةً أُخْرَى فَصَلّى وَدَعَا"، أي مثلما دعا آنفا رافعا يديه، والفاء هنا للترتيب،وقال ابن شبة حدثنا أبو غسان عن الواقدي عن ابن أبي ذئب عن رجل من بني سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد المرتفع ورفع يديه مدا ".الواقدي مختلف فيه وهو حجة في السير والمغازي وقد توبع كما مضى، ولهذا الحديث شاهد آخر، قال السمهودي:" وعن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مسجد الفتح فخطا خطوة ثم الخطوة الثانية ثم قام ورفع يديه إلى الله تعالى حتى رئي بياض أبطيه فدعا حتى سقط رداؤه عن ظهره فلم يرفعه حتى دعا كثيرا ثم انصرف"، وقد مضى آنفا أن هذا الرفع كان بعد الصلاة، وقد جاء الدعاء في مسجد الأحزاب من غير ما وجه:
قال البخاري في الأدب المفرد حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا سفيان بن حمزة حدثني كثير بن زيد عن عبد الرحمن بن كعب سمعت جابر بن عبد الله يقول:" دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد مسجد الفتح يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ، فاستجيب له بين الصلاتين من يوم الأربعاء"، قال جابر:لم ينزل بي أمر مهم غائظ إلا توخيت تلك الساعةفدعوت الله فيه بين الصلاتين يوم الأربعاء في تلك الساعة إلا عرفت الإجابة"، حسنه الألباني، وقد رواه جماعة عن كثير بن زيد وفيه لين، قال أحمد(3/332) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ َثَنَا كَثِيرٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَنِي جَابِرٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَعَا فِي مَسْجِدِ الْفَتْحِ ثَلَاثًا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ"، قَالَ جَابِرٌ: فَلَمْ يَنْزِلْ بِي أَمْرٌ مُهِمٌّ غَلِيظٌ إِلَّا تَوَخَّيْتُ تِلْكَ السَّاعَةَ فَأَدْعُو فِيهَا فَأَعْرِفُ الْإِجَابَةَ، وقال ابن سعد(2/73) نا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي البصري نا كثير بن زيد فذكر مثله، وقد توبع كثير بن زيد:
قال ابن شبة: قال ـ أبو غسان ـ وأخبرني عبد العزيز عن سعد بن معاذ الديناري عن ابن أبي عتيق عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الأعلى يوم الاثنين ويوم الثلاثاء، واستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين".
قال ابن شبة:نا أبوغسان عن ابن أبي يحيى عن سلمة بن أبي يزيد عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد على موضع مسجد الفتح وحمد الله ودعا عليه وعرض أصحابه وهو عليه".
قال ابن شبة وحدثنا أبو غسان عن ابن أبي يحيى عن خالد بن رباح عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يوم الإثنين في مسجد الفتح، واستجيب له عشية الأربعاء بين الصلاتين", قال أبو غسان: وسمعت غير واحد ممن يوثق به يذكر أن الموضع الذي دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجبل، هو اليوم إلى الأسطوانة الوسطى الشارعة في رحبة المسجد الأعلى". قال السمهودي: ورواه يحيى عن هارون بن بكير عن أبيه عن جدّه، قال يحيى: فدخلت مع الحسين بن عبد الله مسجد الفتح فلما بلغ الأسطوانة الوسطى من المسجد قال هذا موضع مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعا فيه على الأحزاب، وكان يصلي فيه إذا جاء مسجد الفتح"،
قال ابن شبة قال أبو غسان أخبرني عبد العزيز بن عمران عن كثير بن زيد عن المطلب بن حنطب قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الأعلى على الجبل، يوم الإثنين ويوم الثلاثاء، واستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين".
قال ابن شبة حدثنا أبو غسان عن الواقدي عن ابن أبي ذئب عن رجل من بني سلمة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد المرتفع ورفع يديه مدا ".
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في هذا المسجد ثم الدعاء فيه في أحاديث كثيرة جدا:
قال الواقدي: وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ:" صَلّى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخَرِيقِ الْقَابِلِ الصّابّ عَلَى أَرْضِ بَنِي النّضِيرِ وَهُوَ الْيَوْمَ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ الّذِي بِأَسْفَلَ الْجَبَلِ"، قال: وَيُقَالُ إنّهُ صَلّى فِي تِلْكَ الْمَسَاجِدِ كُلّهَا الّتِي حَوْلَ الْمَسْجِدِ الّذِي فَوْقَ الْجَبَلِ، وَهَذَا أَثْبَتُ الْأَحَادِيثِ"، وقال ابن شبة في تاريخه(1/58) باب ذكر المساجد والمواضع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا أبو غسان عن ابن أبي يحيى عن محمد بن إبراهيم عن رافع بن خديج: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الجرار على يمينك لازقا بالجبل"، وقال ابن شبة حدثنا أبو غسان عن ابن أبي يحيى عن أسيد بن أبي أسيد عن أشياخهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح، وصلى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل على الطريق حتى مصعد الجبل"،
قال ابن شبة: قال ـ أبوغسان ـ وأخبرني عبد العزيز عن محمد بن موسى عن عمارة بن أبي اليسر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الأسفل. وعن ابن أبي يحيى عن الفضل بن مبشر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم على الجبل الذي عليه مسجد الفتح من ناحية الغرب، وصلى من وراء المسجد"، ويسمى بمسجد بني معاوية والفتح أيضا، قال ذلك السمهودي في الوفا من باب:" مسجد الفتح والمساجد التي في قبلته" قال: وتعرف اليوم كلها بمساجد الفتح، الأول المرتفع على قطعة من جبل سلع في المغرب يصعد إليه بدرجتين شمالية وشرقية، وهو المراد بمسجد الفتح عند الإطلاق، ويقال له أيضا مسجد الأحزاب الأعلى، ثم ذكر الأحاديث الماضية، والأدعية التي تقال في هذا المسجد ثم قال:"...وتسمية هذا المسجد بمسجد الفتح لأن الاستجابة وقعت به، وجاء حذيفة بخبر رجوع الأحزاب ليلا به ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد فتح الله عز وجل لهم ونصرهم وأقر أعينهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لهم أبشروا بفتح الله ونصره كما في مغازي ابن عقبة، وقول ابن جبير إن سورة الفتح أنزلت به لا أصل له"، قال:"...ولابن زبالة عن معاذ بن سعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح الذي على الجبل وفي المساجد التي حوله"، قال السمهودي:"وهو ظاهر في أنها ثلاثةٌ غيرُه، إذ هي أقل الجمع، وبه صرح ابن النجار حيث ذكر المسجد الأعلى وإنه يصعد إليه بدرج ثم قال: "وعن يمينه في الوادي نخل كثير ويعرف ذلك الموضع بالسيح ومساجد حوله وهي ثلاثة قبله"، وقال المطري:" إنهما في قبلة مسجد الفتح تحته، يعرف الأول منهما أي مما يلي المسجد الأعلى" بمسجد سلمان الفارسي"، والثاني الذي يلي القبلة يعني قبلة مسجد سلمان يعرف بمسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والثالث الذي ذكره ابن النجار لم يبق له أثر"، وقال السمهودي فصل:" مسجد الإجابة" لبني معاوية بن مالك بن عوف من الأوس كما سبق في الثاني من الباب الثالث أخذا من صريح كلام ابن زبالة وربما وهم المطري في جعله لبني مالك ابن النجار...قال:"وفي صحيح مسلم من حديث عامر بن سعد عن أبيه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية إذ مر بمسجد بني معاوية دخل فركع ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا...، قال:"ولابن شبة بسند جيد وهو في الموطإ عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك قال: جاءنا عبد الله بن عمر في بني معاوية وهي قرية من قرى الأنصار فقال تدرون أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجدكم هذا ؟ فقلت نعم ...قال: فيتحرّ ذلك مع الدعاء كما قال ابن النجار"، وكذا قال العيني والحافظ ابن حجر في الفتح من تبويب البخاري بَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، قالا:"وَمَسْجِد بَنِي مُعَاوِيَة وَيُعْرَفُ بِمَسْجِد الْإِجَابَة وَمَسْجِد الْفَتْح قَرِيب مِنْ جَبَلِ سَلْع"، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى فيه ركعتين ثم دعا، خرج ذلك مسلم في صحيحه(2890) من حديث ابن نمير ومروان بن معاوية الفرازي عن عثمان بن حكيم أخبرنا عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال صلى الله عليه وسلم سألت ربي ثلاثا فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها"، فهذا رسول الله قد صلى في مسجد الفتح ركعتين ثم دعا، وقد جاء بلفظ أصرح من هذا خرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه فدعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال:...، والفاء للتعقيب والترتيب، وقد جاء بلفظ:"ثم"، قال البزار حدثنا يوسف بن موسى نا يعلى بن عبيد نا عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا بمسجد بني معاوية فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين فصلينا معه، ثم دعا ربه طويلا ثم قال: إني سألت ربي ثلاثا..،تابعه عبد الواحد عن عثمان، وقد جاء بلفظ أصرح من هذا، فقال أبو يعلى في مسنده (2/84) 734 حدثنا زهير ثنا مروان بن معاوية الفرازي عن عثمان بن حكيم أخبرنا عامر بن سعد عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بمسجد بني معاوية فدخل فركع فيه ركعتين، ثم قام فناجى ربه وانصرف فقال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتن ومنعني واحدة: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق ولا بالسنة فأعطانيهما وسألته أن لا يجعل بأسهو بينهم فمنعنيها"، هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بعد الصلاة يدعو، وقال المفضل في فضائل المدينة: باب ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني معاوية ثنا محمد بن المقريء وعبد الجبار بن العلا الأنصاري قالا ثنا مروان الفزاري ثنا عثمان بن حكيم أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بمسجد بني معاوية فدخل المسجد فركع فيه ركعتين ثم قام يناجي ربه عز وجل ثم انصرف الى أصحابه فقال:سألت الله تبارك وتعالى ثلاثا فأعطاني اثنتين...مثله، وقال ابن شبة في تاريخه (1/68) حدثنا هارون بن معروف ثنا مروان بن معاوية ثنا عثمان بن حكيم الأنصاري نا عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر بمسجد بني معاوية، فدخل فركع فيه ركعتين، ثم قام فناجى ربه، ثم انصرف"، وقد مضى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه مدا عندما دعا في هذا المسجد، وروى مَالِك في موطئه من باب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي بَنِي مُعَاوِيَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَسْجِدِكُمْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ لَهُ نَعَمْ وَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهُ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الثَّلَاثُ الَّتِي دَعَا بِهِنَّ فِيهِ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَأَخْبِرْنِي بِهِنَّ فَقُلْتُ دَعَا بِأَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَا يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ فَأُعْطِيَهُمَا وَدَعَا بِأَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمُنِعَهَا"، قال الحاكم:«هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه »، وقد اختلف في إسناده على مالك، فزاد بعضهم فيه جابر بن عتيك، ورواه الأكثرون عن مالك بهذا الإسناد، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر وغيره عن عبد الله به وهي متابعة تامة للإمام مالك، وقد صحح ابن عبد البر في التمهيد هذا الطريق فقال:"رواية يحيى هذه أولى بالصواب عندي إن شاء الله والله أعلم من رواية القعنبي ومطرف، لمتابعة ابن وهب ومعن وأكثر الرواة له على ذلك، وحسبك بإتقان ابن وهب ومعن وقد صحح البخاري وأبو حاتم الرازي سماع عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك من ابن عمر".
الدليل التاسع والعشرون: أن أبا بكر ذكر في المصنف:"باب الرجل يدعو وهو قائم من كرهه"، و: باب فيمن رخص فيه، وهذا بعد الصلاة، ثم ذكر الخلاف في هذه المسالة، فكره بعض السلف الدعاء قائما بعد الصلاة مع رفع الأيدي، وأجاز ذلك آخرون، ويفهم من هذا أنهم لم يختلفوا في استحباب الدعاء بعد الصلاة جلوسا، إنما أنكر بعضهم الدعاء بعد الصلاة قياما فقط تشبها باليهود، وأجاز ذلك آخرون، منهم الفاضل ابن الفاضل عبد الله بن عمر الذي سيأتي عنه رفع اليدين بعد الصلاة، قال أبو بكر(2/231) حدثنا عباد بن عوام عن جميل بن زيد قال رأيت ابن عمر دخل البيت فصلى ركعتين ثم تحول فصلى ركعتين مما يلي الركن ثم خرجت وتركته قائما يدعو ويكبر"، ومضى من حديثعامر بن سعد عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بمسجد بني معاوية فدخل فركع فيه ركعتين، ثم قام فناجى ربه وانصرف فقال: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، الحديث.
الدليل الثلاثون: وهو استدلال مركب من آية وحديثين إذ كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلممتكاملان بعضهما يفسر بعضا ويبينه:
فقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم من صلاته استغفر الله تعالى ثلاثا، وقال الطبراني في الدعاء: باب فضل الاستغفار في أدبار الصلوات، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي ثنا مسلم بن عمرو الحذاء المديني ثنا عبد الله بن نافع عن سليمان بن يزيد الكعبي عن المقبري عن أبي هريرة عن علي بن أبي طالب حدثني أبو بكر رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ما من عبد يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذنبه إلا غفر الله له"، سليمان بن يزيد ضعيف وقد توبع، قال الطبراني حدثنا أبو مسلم ثنا حجاج بن نصير ثنا المعارك بن عباد العبدي ثنا عبد الله بن سعيد المقبري حدثني جدي قال سمعت علي بن أبي طالب قال حدثني أبو بكر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله، وقال البزار: حدثنا الحارث بن الخضر العطار ثنا سعد بن أبي سعيد المقبري عن أخيه عبدالله بن سعيد عن جده أبي سعيد المقبري قال: سمعت علي بن أبي طالب يحدث عن أبي بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يأتي المسجد فيصلي فيه ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له»، وحدثناه أبو كريب ثنا أبو معاوية ثنا عبد الله بن سعيد عن جده أبي سعيد المقبري قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول صلى الله عليه وسلم ثم ذكر نحوه. قال البزار: وسعد بن سعيد وعبد الله بن سعيد حديثهما فيه لين وقد حدث عنهما جماعة وعن كل واحد منهما، وإنما نكتب من حديثهما ما كان قد روي عن رسول الله صلى عليه وسلم وإن كان بغير ذلك الإسناد، وهذا الكلام قد رواه أسماء بن الحكم عن علي عن أبي بكر، ثم قال: حدثنا به محمد بن المثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عن علي بن ربيعة عن أسماء أو أبي أسماء - شعبة شك - عن علي قال: كنت امرأ إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني،وإذا حدثني عنه أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يأتي المسجد فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له»، قال: وهذا الحديث رواه شعبة ومسعر وسفيان الثوري وشريك وأبو عوانة وقيس بن الربيع ولا نعلم أحدا شك في أسماء أو أبي أسماء إلا شعبة، حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي ثنا وكيع بن الجراح ثنا مسعر وسفيان عن عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء بن الحكم عن علي عن أبي بكر، رفعه سفيان، وأما مسعر فلم يرفعه وذكر نحوه"، وحدثنا عبد الواحد بن غياث ثنا أبو عوانة عن عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث شعبة، وحدثنا الفضل بن سهل ثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة عن أسماء بن الحكم عن علي عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث شعبة. قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذين الوجهين، وقول علي: كنت امرأ إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، إنما رواه أسماء بن الحكم وأسماء مجهول لم يحدث بغير هذا الحديث، ولم يحدث عنه إلا علي بن ربيعة"، وقال في موضع آخر:" والإسنادان جميعا معلولان، أما أسماء بن الحكم فرجل مجهول لم يحدث بغير هذا الحديث ولم يحدث عنه غير علي بن ربيعة، ولا يحتج بكل ما كان هكذا من الأحاديث على أن شعبة قد شك في اسمه، وأما عبدالله بن سعيد فرجل منكر الحديث لا يختلف أهل العلم بالنقل في ضعف حديثه، فلا يجب أن يتخذ حجة فيما ينفرد به وما يشاركه الثقات فقد استغنينا برواية الثقات عن روايته"، لكن عبد الله بن سعيد لم يتفرد به، فقد تابعه كل من سليمان بن يزيد كما مضى عند الطبراني، وقال البيهقي في شعبه وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي الإسفرايني نا أبو سهل بن زياد القطان نا محمد بن الحسين بن أبي الحنين الكوفي نا إسماعيل بن أبي أويس نا عبد الله بن نافع الصائغ المكي عن أبي المثنى المازني سليمان بن يزيد عن المقبري عن علي بن أبي طالب فذكره، قال الدارقطني: وروى هذا الحديث أبو المثنى سليمان بن يزيد واختلف عنه، فحدث به عبد الله بن حمزة الزبيري عن عبد الله بن نافع الصائغ عن أبي المثنى عن المغيرة بن علي عن علي عن أبي بكر ووهم فيه، وإنما رواه أبو المثنى عن المقبري"، وقد مضت روايته، وأما طريق أسماء فسبقت وخرجها أبو داود في سننه من بَاب مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَلَّمَ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ قَالَ وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ{ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ }"، وقال أحمد حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَسْمَاءَ أَوْ ابْنِ أَسْمَاءَ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ فذكر نحوه، وقال الطبراني في الدعاء: باب فضل الاستغفار في أدبار الصلوات، حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا مسلم بن إبراهيم حوحدثنا معاذ بن المثنى ثنا أبو الوليد حوحدثنا أبو مسلم ثنا حجاج بن نصير حوحدثنا أبو زرعة وجعفر القلانسي قالا ثنا آدم بن أبي إياس قالوا ثنا شعبة عن عثمان بن المغيرة سمعت علي بن ربيعة يحدث عن أسماء أو أبي اسماء عن علي رضي الله عنه قال كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا نفعني الله بما شاء، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلمقال:" من أصاب ذنبا فأراد أن يتوب منه فليتوضأ ثم ليصل ركعتين ثم ليدع الله تعالى فإن الله عز وجل يستجيب له، ثم تلا هذه الآية (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما) (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم) الآية"، ثم خرجه الطبراني من طرق عن سفيان الثوري ومسعر وقيس بن الربيع وأبي عوانة وشريك بن عبد الله النخعي وقيس بن الربيع الأسدي كلهم عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن علي بن ربيعة الأسدي عن أسماء بن الحكم الفزاري قال سمعت عليا رضي الله عنه يقول:" كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم علما نفعني الله عز وجل بما شاء منه فإذا حدثني عنه غيره استحلفته فإذا حلف صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من عبد مسلم يذنب ذنب ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله عز وجل إلا غفر له"، واللفظ لحديث الثوري والآخرون نحوه، كذا رواه الحفاظ عن عثمان بن المغيرة، وخالفهم علي بن عابس فجعله عن ربيعة بن ناجذ ووهم فيه، قال الطبراني حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا أصبغ بن الفرج ثنا ابن وهب عن علي بن عباس عن عثمان بن المغيرة عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجذ قال قال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني وإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد يذنب ذنبا فيتوضأ فيحسن وضوءه ثم يأتي المسجد فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له"، والصواب ما رواه الجمع الكبير عن عثمان عن أسماء بن الحكم، وقال ابن عدي في الكامل من ترجمة أسماء:" وهذا الحديث مداره على عثمان بن المغيرة رواه عنه غير ما ذكرت الثوري وشعبة وزائدة وإسرائيل وغيرهم"، وقال العقيلي: وحدثني عبد الله بن الحسن عن على بن المديني قال: قد روى عثمان بن المغيرة أحاديث منكرة من حديث أبي عوانة"، لأنه زاد ذكر الإستحلاف والله أعلم، وقد توبع عثمان بن المغيرة، قال الطبراني: حدثنا أحمد بن القاسم الجوهري ثنا عمي عيسى بن المساور ثنا مروان بن معاوية ثنا معاوية بن أبي العباس القيسي عن علي بن ربيعة الأسدي عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب عن أبي بكر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله"، وقال ابن عدي:" قد روي عن غير عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة حدثناه عبد الله بن أبي داود حدثني أيوب الوزان حدثنا مروان حدثنا معاوية بن أبي العباس القيسي عن علي بن ربيعة الأسدي عن أسماء بن الحكم الفزاري قال قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان الرجل إذا حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث استحلفته فإذا حلف لي صدقته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه قال:" ما من عبد يذنب ذنبا ويصلي ركعتين ثم يستغفر منه إلا غفر له"، قال ابن عدي: وهذا الحديث طريقه حسن، وأرجو أن يكون صحيحا، قال: وأسماء بن الحكم هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث ولعل له حديثا آخر"، وإنما حسن حديثه لشواهده، لأن أسماء بن الحكم قد قال عنه البزار: مجهول، وقال عنه البخاري: لم يرو عنه إلا هذا الحديث وحديث آخر لم يتابع عليه"، وقال العقيلي في الضعفاء:" وهذا حديث لا يتابع عليه أسماء وقد روى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم عن بعض فلم يحلف بعضهم بعضا، قال: وحدثني عبد الله بن الحسن عن علي بن المديني قال: قد روى عثمان بن المغيرة أحاديث منكرة من حديث أبي عوانة"، وذكره بن الجارود في الضعفاء، وقال ابن عدي: وأسماء بن الحكم هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث"، وقال المزي: وله متابعات، لكن قال ابن حجر في التهذيب:"والمتابعات التي ذكرها لا تشد هذا الحديث شيئا لأنها ضعيفة جدا ولعل البخاري إنما أراد بعدم المتابعة في الاستحلاف أو الحديث الآخر الذي أشار إليه"، وقال مكي بن هارون الزنجاري: أسماء بن الحكم الفزاري لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقال موسى بن هارون: أسماء ليس بمجهول لأنه روى عنه علي بن ربيعة والركين بن الربيع"، لكن هذا يرفع من جهالة عينه فقط لا حاله، ووثقه العجلي وهو ممن يوثق المجاهيل، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ، وقال ابن حجر: صدوق، وقد حسن هذا الحديث ابن عدي والترمذي والذهبي وابن حجر والألباني، ولم يتفرد به أسماء بن الحكم فقد تابعه عليه المقبري كما مضى، ورواه أبو إسحاق واختلف عليه فيه، قال الطبراني:حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل ثنا إبراهيم بن راشد الآدمي ثنا داود بن مهران الدباغ ثنا عمر بن يزيد عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله، وقال الدارقطني في علله:" روى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي، واختلف عنه فرواه عبد الوهاب بن الضحاك العرضي عن إسماعيل بن عياش عن أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق الهمداني قال: سمعت علي بن أبي طالب عن أبي بكر، وخالفه عبد الوهاب بن نجدة عن إسماعيل فقال فيه: عن أبي إسحاق عن الحارث أو غيره عن علي عن أبي بكر، وخالفهم موسى بن محمد بن عطاء، رواه عن إسماعيل بن عياش عن شعبة بن الحجاج عن أبي إسحاق عن علي عن أبي بكر، لم يذكر بينهما أحدا"، وموسى هذا متروك الحديث مقدسي يعرف بأبي طاهر المقدسي، قال: ورواه داود بن مهران الدباغ عن عمر بن يزيد قاضي المدائن عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي عن أبي بكر، وخالفه الفرج بن اليمان، رواه عن عمر بن يزيد عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي عن أبي بكر، ثم قال: وأحسنها إسنادا وأصحها ما رواه الثوري ومسعر ومن تابعهما عن عثمان بن المغيرة"، وقد ذكرنا آنفا من حسن هذا الحديث، وله شاهد جيد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، قال الطبراني باب فضل الاستغفار في أدبار الصلوات، حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا مسلم بن إبراهيم ح وحدثنا محمد بن النضر الأزدي ثنا خالد بن خداش ح وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا سعيد بن أبي الربيع السمان قالوا ثنا صدقة بن أبي سهل الهنائي ثنا كثير أبو الفضل الطفاوي حدثني يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أتيت أبا الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه فقال: يا ابن أخي ما عناك إلى هذا البلد وما أعملك إليه؟ قلت: ما عناني وما أعملني إلا ما كان بينك وبين أبي، فقال: أقعدوني، فأخذت بيده فأقعدته وقعدت خلف ظهره وتساند إلي ثم قال: بئس ساعة الكذب هذه، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربع ركعات مكتوبة أو غير مكتوبة يحسن فيها الركوع والسجود ثم يستغفر الله إلا غفر الله له"، وقال ابن أبي عاصم في المثاني: حدثنا أبو كامل الفضل بن الحسين نا صدقة بن أبي سهل فذكر مثله، وهذا اللفظ فيه التسوية بين النافلة والفريضة في الدعاء والإستغفار بعد الصلاة، وفي إسناده صدقة بن سهل وهو أبو سهل الهنائي وثقه ابن حبان، وقال الذهبي في الميزان: روى الكوسج عن ابن معين: ثقة، وكذا نقل الحسيني، ويُقال أن الذي وثقه ابن معين شخص آخر، ورواية الطبراني عن جماعة من الثقات تدل على أنهما واحد وكلهم لقبوه بالهنائي وهو نفسه الذي يروي عن ابن سيرين وهو ثقة، وأما كثير بن يسار فقد روى عنه جمع من الثقات، وقال عنه ابن حجر في التعجيل: بل هو معروف، وقال في اللسان: وقد ذكره البخاري في تاريخه بالحديث الذي أخرج له البزار وقال: أثنى عليه سعيد بن عامر خيرا"، وقال أيضا:" فهؤلاء عشرة أنفس رووا عنه ثناء سعيد بن عامر فكيف لا يكون معروفا"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقد تابعه على هذا الحديث سلمان الأغر فرواه بزيادة رفع اليدين وأن الأفضل أن تكون الصلاة والدعاء في بقعة خالية ورفيعة، فقال عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كل شيء يتكلمه ابن آدم فإن مكتوب عليه، فإذا أخطأ الخطيئة وأحب أن يتوب إلى الله عز وجل فليأت بقعة رفيعة فليمدد يديه إلى السماء ثم يقول: إني أتوب إليك منها لا أرجع إليها أبدا فإنه يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك"، ورواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلمقال:" ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى براز من الأرض فصلى فيه ركعتين واستغفر الله من ذلك الذنب إلا غفر الله له"، وله شاهد آخر خرجه إسحاق في مسنده قال: حدثنا النضر بن شميل أنا أبو قرة الأسدي سمعت سعيد بن المسيب يحدث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:« ما من امرئ يأتي فضاءا من الأرض فيصلي به الضحى ركعتين ثم يقول: اللهم لك الحمد، أصبحت عبدك على عهدك ووعدك ، أنت خلقتني ولم أك شيئا، أستغفرك لذنبي، فإنه قد أرهقتني ذنوبي، وأحاطت بي إلا أن تغفرها لي، فاغفرها يا أرحم الراحمين، إلا غفر الله له في ذلك المقعد ذنبه، وإن كان مثل زبد البحر"، ذكره ابن حجر في المطالب، وقال البوصيري: رواه إسحاق بن راهويه بسند فيه أبوقرة الأسدي، قال فيه ابن خزيمة: لا أعرفه بعدالة ولا جرح، وباقي رجال الإسناد رجال الصحيح"، وأبو قرة صحح له الحاكم وقد روى عنه اثنان، وقال ابن حجر: مجهول، وقد مر ذكر بعض شواهده لكن من غير تقييد هذا الدعاء بصلاة الضحى، بل في دبر كل صلاة كما مضى من حديث أبي الدرداء، وله شاهد آخر جيد،قال الطبراني في الدعاء:1/23 حدثنا يوسف القاضي ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان النميري عن موسى بن عقبة حدثني عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كل شيء يتكلمه ابن آدم فإنه مكتوب عليه، فإذا أخطأ الخطيئة وأحب أن يتوب إلى الله عز وجل فليأت بقعة رفيعة فليمدد يديه إلى السماء ثم يقول: إني أتوب إليك منها لا أرجع إليها أبدا فإنه يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك"، هذا حديث حسن صحيح، يوسف هو ابن يعقوب القاضي من بني حماد بن زيد ثقة من أروى الناس عن المقدمي، وتقدم الكلام على فضيل بن سليمان، وقال الحاكم (1/516 و4/261) حدثنا علي بن حمشاد العدل ثنا أبو المثنى العنبري ومحمد بن أيوب البجلي قالا: ثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي ثنا فضيل بن سليمان النميري ثنا موسى بن عقبة ثنا عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:" كل شيء يتكلم به ابن آدم فإنه مكتوب عليه فإذا أخطأ خطيئة فأحب أن يتوب إلى الله فليأت رفيعه فليمد يديه إلى الله عز و جل ثم يقول: اللهم إني أتوب إليك منها لا أرجع إليها أبدا فإنه يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك"، قال الحاكم:هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وخرجه البيهقي في الكبرى (10/154) من طريق محمد بن أبي بكر ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة به، وقد سبق من أوجه أخر أن هذا الدعاء والإستغفار مع مد اليدين يكون بعد الصلاة، يؤيد ذلك ما قاله البيهقي في شعب الإيمان (5/402) من الباب السابع والأربعين وهو باب في معالجة كل ذنب بالتوبة: أخبرنا علي بن محمد المقرئ أنا الحسن بن محمد بن إسحاق نا يوسف بن يعقوب نا محمد بن أبي بكر نا فضيل بن سليمان ح وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ نا علي بن حمشاذ نا أبو المثنى العنبري ومحمد بن أيوب قالا نا عبد الرحمن بن المبارك نا فضيل بن سليمان النميري عن موسى بن عقبة ثني عبيد الله بن سلمان الأغر عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" كل شيء يتكلم به ابن آدم فإنه مكتوب عليه فإذا أخطأ خطيئة وأحب أن يتوب إلى الله عز وجل فليأت بقعة رفيعة فليمد يده إلى الله عز وجل ثم يقول: إني أتوب إليك منها لا أرجع إليها أبدا يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك"، قال البيهقي: وروي ذلك عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ نا أبو العباس هو الأصم نا أحمد بن عبد الجبار نا حفص بن غياث عن أشعث عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أذنب عبد ذنبا ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى براز من الأرض فصلى فيه ركعتين واستغفر الله من ذلك الذنب إلا غفر الله له"، فجعلهما البيهقي حديثا واحدا أحدهما يببين صاحبه ويفسره، وقد سبق ذكر الشواهد لحديث الحسن هذا والحمد لله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه كان يستغفر ربه بعد السلام، وفي مجموع هذه الأحاديث ترغيبٌ للتائب أن يصلي ركعتين في مكان بارز رفيع ثم يستغفر ربه تعالى ويمد يديه إليه ويدعوه.
الدليل الحادي والثلاثون: وهو دليل مركب من حديثين أحدهما يفسر صاحبه، وإنما تفسر السنة بالسنة، فخرج البخاري في الصحيح من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ:" إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ...الحديث، قال ابن حجر في الفتح: التَّقْيِيد بِرَكْعَتَيْنِ خَاصّ بِحَدِيثِ جَابِر"، وقد رواه أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اكتم الخطبة، ثم توضأ فأحسن وضوءك، ثم صل ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجده، ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب..."، قال ابن حجر:" وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَقْتَصِر عَلَى رَكْعَة وَاحِدَة لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَيَكُون ذِكْرهمَا عَلَى سَبِيل التَّنْبِيه بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، فَلَوْ صَلَّى أَكْثَر مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَجْزَأَ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ يُشْتَرَط إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَلِّم مِنْ كُلّ رَكْعَتَيْنِ لِيَحْصُل مُسَمَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَا يُجْزِئ لَوْ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا بِتَسْلِيمَةٍ، وَكَلَام النَّوَوِيّ يُشْعِر بِالْإِجْزَاءِ"، أما عن وقت الدعاء فقد قال القرطبي في أحكام القرآن عند قوله تعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار): يدعو بهذا الدعاء بعد السلام"، وكذا ذكر أبو حامد وزاد استحباب رفع اليدين، وفي حاشية الدسوقي قال: ثُمَّ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهُمَا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ نَحْوَ الثَّلَاثِ مَرَّاتٍ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك...، وقال ابن تيمية كما في المجموع: يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَغَيْرِهَا قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَالدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ"، وقد جاء دليل خاص يؤيد استحباب رفع اليدين وظهرهما إلى وجهه في الدعاء بعد صلاة الإستخارة، أما في غيرها فيُدعى الله ببطون الأكف، وإنما تُرفع الأيدي بعد السلام لا قبله، قال أبو بكر في مصنفه (7/64) حدثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن العباس بن ذريح عن ابن عباس قال: الإخلاص هكذا - وأشار بإصبعه، والدعاء هكذا يشير ببطون كفيه، والاستخارة هكذا - ورفع يديه وولى ظهرهما وجهه"، هذا حديث حسن، وكذلك رواه ابن عيينة موقوفا، ففي العلل لابن أبي حاتم:" سُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الإِخْلاصُ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصْبُعِهِ، وَالدُّعَاءُ هَكَذَا، يَعْنِي بِبَطْنِ كَفَّيْهِ، وَالاسْتِخَارَةُ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَوَلَّى ظُهُورَهُمَا وَجْهَهُ"، قال ابن أبي حاتم: وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ موقوفا، قَال:" وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"، وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: ابْنُ عُيَيْنَةَ أَحْفَظُهُمْ كُلِّهِمْ"، وعلى القول بوقف الحديث فإن له حكم الرفع كما هو ظاهر والله أعلم.
الدليل الثاني والثلاثون: وفيه رفع اليدين بعد سجدة الشكر، والسجود جزء من الصلاة، قال أبو داود في سننه: باب ما جاء في سجود الشكر ثنا أحمد بن صالح ثنا ابن أبي فديك ثني موسى بن يعقوب عن ابن عثمان ـ يحيى بن الحسن بن عثمان ـ عن أشعث بن إسحاق بن سعد عن عامر بن سعد عن أبيه قال:" خرجنا مع رسول اللهصلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبا من عزوزا نزل ثم رفع يديه، فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه فدعا الله تعالى ساعة ثم خر ساجدا فمكث طويلا ثم قام فرفع يديه ساعة ثم خر ساجدا، ذكره ثلاث مرات...الحديث، وقال ابن نصر في الصلاة نا محمد بن إسماعيل ثنا عبد الرحمن بن شيبة نا ابن أبي فديك به، يحيى والأشعث مجهولان.
الدليل الثالث والثلاثون:خرجه مسلم في الصحيح بَاب صَلَاةِ الْكُسُوفِ من حديث عَائِشَة رضي الله عنها قَالَتْ:" خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا..." فذكرت صفة صلاته وفيه:" ثم سجد ثم ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ "، قال مسلم: وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ:" إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ"، وحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ:"ثمَ قَالَ:" أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَزَادَ أَيْضًا:" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ:" اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت "، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"... فَإِذَا كَسَفَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُو الله"، فأمر بالصلاة والدعاء، وخرج أبو يوسف ومحمد بن الحسن في الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى حين انكسفت الشمس ركعتين، ثم كان الدعاء حتى تجلت"، لفظ محمد :" ثم صلى ركعتين ثم كان الدعاء حتى انجلت"، قال محمد: وبه نأخذ"،وقد مر أن الدعاء مقرون برفع اليدين.
الدليل الرابع والثلاثون:ما قاله البخاري في الصحيح:" باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به"، ثم ذكر حديث سهل في صلاة أبي بكر رضي الله عنه بالناس فلما قدم النبيصلى الله عليه وسلم أراد أبو بكر الاستئخار، فأشارصلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي، فرفع أبو بكر يديه إلى السماء فحمد الله..."، وثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه في صلاة الكسوف"، فإذا جاز رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل بالشخص، فإنه يجوز الرفع بعد الصلاة من باب أولى كما مر من كلام ثابت البناني وابن القيم وابن خزيمة.
الدليل الخامس والثلاثون:خرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة..، وفي رواية: إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله"، وقد قيل في المعنى أنه كان يشير أحدهم بيده إلى الجانبين إذا سلم، كما هو في رواية لمسلم وغيره، وقيل أنهم كانوا يرفعون أيديهم يدعون في وسط الصلاة ثم نسخ ذلك وقيل لهم:اسكنوا في الصلاة, كما عند أبي داود، وفي رواية:" إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه"، وهذا مقيد في وسط الصلاة، فيُفهم منه جواز الرفع بعدها كما مر من كلام ثابت البناني وابن خزيمة ، ويُجمَع بين حديث جابر في النهي عن الرفع في الصلاة، وبين الحديث الماضي في الجواز، أن رفع الأيدي في الصلاة جائز للأمر الذي ينزل بالمؤمن أو يسره فقط، فهذا لا بأس بالرفع فيه أثناء الصلاة كما بوب البخاري، وما سوى ذلك فمنسوخ ، إذ لا يشرع رفع اليدين في الدعاء وسط الصلاة لكن بعدها كما مضى من كلام ابن خزيمة وابن القيم رحمهما الله تعالى.
وبتوفيق من الله وحده قد أتينا بأكثر من خمس وثلاثين دليل عن أفضل خلق الله محمدصلى الله عليه وسلم، فيها الصحيح وفيها الحسن لذاته، وفيها ما لم أجده بإسناده ولفظه لكن ذكره الثقات من أهل العلم، وفيها من ضعفه يسير يرتقي إلى درجة الحسن لغيره كما هو معلوم، وقد قال إمام الجماعة أحمد بن حنبل:" الحديث الضعيف أحب إلينا من أقوال الرجال"، كيف وفي هذه المسألة أحاديث عامة، وأخر خاصة صحيحة وحسنة، أو ضعيفة يسيرا ترتقي إلى الحسن بمجموعها وكثرتها، أكان يحل لأحد أن يتركها لقول الرجال، ولئن لم تكفهم كل هذه الأحاديث عن سيد الأبرار، وشنعوا علينا بإيرادنا لهذه الأخبار، أو أخرجونا عن منهج السلف الذي ينتحلونه كذبا لاتباعنا لهذه الآثار، فإنا وبتأييد الله سنأتيهم بكلام السلف مشهورا في هذا الباب، ليُعلم أي الفريقين أتبع للسلف، ومن أسعد الناس تمسكا بأقوال السلف.
ذكر ما جاء في رفع اليدين بعد الصلاة عن السلف: روى عبد الرزاق في الجامع(11/315) قال: نا معمرعن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن عن سعيد بن العاص قال:رصدت عمر ليلة فخرج إلى البقيع وذلك في السحر، فأتبعته فأسرع فأسرعت، حتى انتهى إلى البقيع فصلى ثم رفع يديه فقال:«اللهم كبرت سني وضعفت قوتي، وخشيت الانتشار من رعيتي، فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم، فما يزال يقولها حتى أصبح", علي بن زيد فيه ضعف, وروى ابن أبي الدنيا ثنا عبد الله بن عفان ثنا عطاء بن مسلم عن العمري عن خوات بن جبير قال:"أصاب الناس قحط شديد على عهد عمر، فخرج عمر بالناس فصلى بهم ركعتين وخالف بين طرفي ردائه فجعل اليمين على اليسار واليسار على اليمين ثم بسط يديه فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك فما برح مكانه حتى مطروا"، تابعه أبو بكر السلمي عن عطاء، وعطاء والعمري يختلف فيهما.
وجاء رفع اليدين بعد الصلاة عن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه ومعه أنس في صحابة كثيرين: قال البيهقي في الدلائل باب ما جاء في المهاجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم التي أحيا الله تعالى بدعائها ولدها بعد ما مات، وما جاء في الكرامات التي ظهرت على العلاء بن الحضرمي وأصحابه:نا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي ثنا أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق الحافظ ثنا أبو الليث سلم بن معاذ التميمي بدمشق ثنا أبو حمزة إدريس بن يونس ثنا محمد بن يزيد بن سلمة ثنا عيسى بن يونس عن عبد الله بن عون عن أنس فذكر الحديث وفيه:" ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه، قال أنس: وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء والحر شديد فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء"، وذكر دعاءه، هذا الحديث رجاله أئمة ثقات إلا إدريس بن يونس ومحمد بن يزيد، قال الفاسي: لا يعرفان، وقد صحح الدارقطني في العلل (9/190) لابن يونس، وروى أبوعوانة في صحيحه من باب بيان ثواب من أنفق زوجين في سبيل الله عز وجل، حديثا لمحمد بن يزيد بن جدار، وعبد الله بن عون ثقة رأى أنس بن مالك وأدركه وقد قيل لم يسمع منه، وللحديث شواهد أخرى، فقال البيهقي بعد أن خرجه:"وقد روي عن أبي هريرة في قصة العلاء بن الحضرمي واستسقائهم ومشيهم على الماء دون قصة الموت بنحو من هذا، وقال في الدعاء: يا عليم يا حليم يا عظيم يا علي، وهو في الثاني من كتاب التاريخ ، ورواه أيضا محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر عن عبد الملك بن سهم بن منجاب عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي فذكره ببعض معناه، وقال في الدعاء: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم إنا عبيدك، وفي سبيلك نقاتل عدوك، فاسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ، وإذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا، وقال في البحر: فاجعل لنا سبيلا إلى عدوك، وقال في الموت: اخف جثتي ولا تطلع على عورتي أحدا ، فلم يقدر عليه"، قال البيهقي أخبرناه ابن بشران حدثنا الحسين بن صفوان حدثنا ابن أبي الدنيا حدثنا أبو كريب حدثنا ابن فضيل فذكر بعض معناه"، وقد نقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6/155،259) كلام البيهقي ثم قال:" وذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسنادا آخر، وقد أسنده ابن أبي الدنيا عن أبي كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجلي عن عبد الملك بن أخت سهم عن سهم بن منجاب قال: "غزونا مع العلاء بن الحضرمي فذكره"، الصلت وثقه ابن حبان وقد روى عنه اثنان، وعبد الملك هو ابن قدامة، وهو قدامة بن حماطة وثقه ابن حبان وقد توبع، فروى أبو كعب صاحب الحرير عن سعيد الجريري عن أبي السليل ضريب بن نفير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي إلى البحرين تبعته فرأيت منه خصالا ثلاثة لا أدري بأيتهن أعجب: انتهينا إلى شاطئ البحر فقال: سموا الله واقتحموا، فسمينا واقتحمنا فعبرنا وما بل الماء أسفل خفاف إبلنا، فلما قفلنا سرنا معه بفلاة من الأرض وليس معنا ماء فشكونا إليه فصلى ركعتين ثم دعا"،وذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6/328) في ذكر قصة ارتداد أهل البحرين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه ثم ارتدوا، وذكر قصتهم وفيها:"ونودي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلىـ العلاء ـ بالناس فلما قضى الصلاة جثا على ركبتيه وجثا الناس ونصب في الدعاء ورفع يديه وفعل الناس مثله حتى طلعت الشمس وجعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى وهو يجتهد في الدعاء"، وهذا الرفع بحضرة وفعل الصحابة والتابعين، وفي زمن الفاروق عمر أمير المؤمنين، لم ينكر ذلك أحد من المسلمين، بل قد جاء رفع اليدين عن صحابة آخرين:
منهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: فروى عامر الشعبي قال: وفدت سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فاستأذنت عليه، فأذن لها؛ فلما دخلت عليه سلمت؛ فقال لها: كيف أنت يا بنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، فذكر القصة وفيها:" ثم قالت:
صلى الإله على روح تضمنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به ثمناً ... فصار بالحق والإيمان مقرونا
قال: ومن ذلك؟ قالت: علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى؛ قالت: وما أرى عليك منه أثراً؛ قال: بلى، أتيته يوماً في رجل ولاه صدقاتنا، فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين، فوجدته قائماً يصلي فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة وتعطف: ألك حاجة؟ فأخبرته خبر الرجل، فبكى ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا ترك حقك...الخبر، أورده ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد"، ولرفع اليدين شاهدخرجه البيهقي في السنن (8/181) من طريق محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب أن عليا لم يقاتل أهل الجمل حتى دعا الناس ثلاثا...وقال للحسن:" صُب لي ماءا، فصَب له ماءا فتوضأ به ثم صلى ركعتين حتى إذا فرغ رفع يديه ودعا ربه.."، قال البيهقي: "منقطع"، لكن محمد بن عمر معروف بالإرسال عن أهل بيته, فيحتمل أن يكون قد سمع هذا الأثر من بعضهم, وكلهم من الثقات والله أعلم, ثم وجدت لهذا الأثر شاهدا آخر برجال ثقات، ذكره المسعودي في مروج الذهب والعصامي فيسمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي من وقعة الجمل، قالا:" وذكر عن المنذر بن الجارود فيما حدث به أبو خليفة الفَضْلُ بن الْحُبَاب الجمحي عن ابن عائشة عن مَعْن بن عيسى عن المنذر بن الجارود قال: لما قدم علي رضي اللّه عنه البصرة دخل مما يلي الطفَّ، فأتى الزاوية فخرجتُ أنظر إليه، فورد موكب في نحو ألف فارس يتقدّمهم فارس على فرس أشْهَبَ...فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأنصار وغيرهم، ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفاً متنكب قوساً معه راية على فرس أشْقَر َفي نحو ألف فارس، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا خُزَيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، ثم مر بنا فارسٌ آخر على فرس كُمَيْتٍ معتمٌّ بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قَبَاء أبيض مصقول متقلد سيفَا متنكب قوساً في نحو ألف فارس من الناس ومعه راية، فقلت: من هذا؟ فقيل لي: أبو قَتَادة بن ربعي، ثم مر بنا فارس آخر على فرس أشْهَبَ عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلها من بين يديه ومنِ خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفاَ متنكب قوساً معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كأنما قد أقفوا للحساب، أثَرُ السجود قد أثر في جباههم، فقلت: من هذا؟ فقيل: عمار بن ياسر في عدة من الصحابة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم، ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوساً متقلد سيفاً تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغلبُ على تيجانهم الصفرةُ والبياضُ معه راية صفراء، قلت: من هذا؟ قيل: هذا قيس بن سعد بن عبادة في عدة من الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان، ثم مر بنا فارس على فرس أشْهَلَ ما رأينا أحسن منه، عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سَدَلَهَا من بين يديه بلواء، قلت: من هذا؟ قيل: هو عبد اللّه بن العباس في وفده وعدة من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه بالناس بالأولين، قلت: من هذا؟ قيل: عبيد اللّه بن العباس، ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين، قلت: من هذا قيل؟: قثَم بن العباس، أو معبد بن العباس ثم أقبلت المواكب والرايات يقدم بعضها بعضاً، واشتبكت الرماح، ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح والحديد مختلفوا الرايات... وعن يمينه شاب حسن الوجه، وعن يساره شاب حسن الوجه وبين يديه شاب مثلهما قلت: من هؤلاء؟ قيل: هذا علي بن أبي طالب، وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العُظْمى، وهذا الذي خَلْفه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وهؤلاء ولد عَقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم، وهؤلاء المشايخ هم أهل بدر من المهاجرين والأنصار. فساروا وسار علي حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية، فصلى أربع ركعات وعفر خديه على التراب وقد خالط ذلك دموعه ثم رفع يديه يدعو: اللهم ربَّ السموات وما أظلت، والأرضين وما أقلت، ورب العرش العظيم، هذه البصرة أسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين، اللهم إن هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وَبَغَوْا علي ونكثوا بيعتي، اللهم احقن دماء المسلمين..."، ثم كانت وقعة الجمل, وهذا خبر رجاله ثقات، الفضل بن الحباب ثقة كبير كان من المعمرين، له تصانيف مفقودة وهذا النقل من أحد كتبه، وابن عائشة هو عبيد الله بن محمد بن حفص ثقة ولد بعد الأربعين ومئة ومات سنة ثمان وعشرين ومائتين، ومعن بن عيسى مولى أشجع يكنى أبا يحيى مات سنة ثمان وتسعين ومائة، وابن الجارود له ذكر في الإصابة لابن حجر ونقل عن ابن عساكر قوله:" ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولأبيه صحبة"، وقال يعقوب بن سفيان:وكان شهد الجمل مع علي"، وقال ابن سعد والذهبي: كان المنذر بن الجارود سيدا جوادا"، فهذا علي أمير المؤمنين، قد صلى ثم رفع يديه يدعو للمسلمين، بحضرة الألوف من الصحابة والتابعين، لم ينكر ذلك أحد منهم، بل قد جاء الرفع عن غيرهم:
منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه: خرج روايته أبو بكر في المصنف (3/333) قال:نا إسماعيل بن علية عن التيمي عن أبي مجلز قال:" كان مع ابن عمر...فلما صلى العصر وقف بعرفة فجعل يرفع يديه...فلم يزل يفعل ذلك حتى أفاض...قال: ثم صلى بنا الصبح...ولم يقنت قبل الركوع ولا بعده، ثم وقف فذكر من دعائه في هذا الموقف كما فعل في موقفه بالأمس"، وهذا يعني أنه رفع يديه بعد صلاة الصبح كما فعل قبلها بعد العصر، وهذا أثر صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وقد قالالبخاري: قال جابر بن عبد الله: لم يكن أحد ألزم لطريق النبي صلى الله عليه وسلم ولا أتبع من ابن عمر رضي الله عنه"، وقال الفاكهي في أخبار مكة باب ذكر القصص بمكة، وذكر الله والدعاء في المسجد الحرام خلف المقام قال: وكان القاص يقوم في المسجد الحرام بعد صلاة الصبح فيذكر الله تعالى ويدعو ويؤمن الناس وذلك خلف المقام بعد تسليم الإمام، وكان عبيد بن عمير بن قتادة الليثي أول من فعله، ثم هلم جرا، حدثنا حسين بن حسن نا هشيم عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك قال: رأيت ابن عمر رضي الله عنهما عند عبيد بن عمير وعبيد يقص، فرأيت عيني ابن عمر رضي الله عنهما تهرقان دمعا"، وزاد غيره: وهو يقول:« لله درك يا ابن قتادة ماذا تجيء به، أو نحوه، وقال ابن أبي عمر: وكان عبد الرحمن بن القاسم القاص يقص بمكة، ورواه جعفر بن عون قال ثنا يحيى بن سعيد عن القاسم قال رأيت ابن عمر رافعا يديه إلى منكبيه يدعو عند القاص"، تابعه سليمان بن بلال قال: ثنا يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال:" رأيت ابن عمر عند العاص رافعا يديه يدعو حتى تحاذيا منكبه"، ورواه عبد الرزاق (3/220) عن ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد وغيره قال:" رأيت ابن عمر يرفع يديه عند القاص"، قال عبد الرزاق: ورأيته يعني معمرا يفعله"، وقد تقدم أن هذا كان بعد الصلاة.
وجاء الرفع عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه, فذكر ابن كثير في البداية (8/77) وخرجه ابن عساكر في التاريخ (20/346) قال: نا أبو غالب وأبو عبدالله ابنا البنا قالا نا أبو جعفر بن المسلمةنا أبو طاهر المخلص ثنا أحمد بن سليمان ثنا الزبير بن بكار قال وحدثني إبراهيم بن حمزة عن أبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي عن عبد الله بن عون البصري عن محمد بن محمد الزهري عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: إن سعدا رأى جماعة عكوفا على رجل فأدخل رأسه من بين اثنين فإذا هو يسب عليا وطلحة والزبير فنهاه[عن ذلك فلم ينته، فقال: أدعو عليك, فقال الرجل]: تتهددنى كأنك نبي, فانصرف سعد فدخل دار آل فلان فتوضأ ثم قام فصلى ركعتين ثم رفع يديه فقال: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما قد سبق لهم منك سابقة[الحسنى وأنه قد] أسخطك سبه إياهم فاجعله اليوم آية وعبرة..." فاستجاب الله دعاءه، وقد تقصد سعد رضي الله عنه الدعاء ورفع اليدين بعد الصلاة لعلمه بعظم هذا الأمر وأهميته، وهذا خبر رجاله ثقات إلا محمد بن محمد فهو ابن الأسود قيل عنه مستور، لكن قد روى عنه جماعة ووثقه ابن حبان وقال الهيثمي (6/197،136):"ثقة"، وقد توبع، أما ابنا البنا فهما أبو غالب أحمد وأبو عبد الله يحيى ابنا الحسن بن أحمد ثقتان,وابن المسلمة هو محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن ثقة, وأبو طاهر هو محمد بن عبد الرحمن ثقة مصنف, وأحمد بن سليمان هو الطوسي صدوق، راوي كتاب النسب عن الزبير بن بكار وهذا الحديث منه، وقد رواه جماعة عن ابن عون، ورواه ابن علية عن محمد بن الأسود، قال ابن كثير: ورواه حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب فذكر نحوه", وقال الذهبي في السير (1/116):" لهذه الواقعة طرق جمة"، فصح الخبر.
وذكر ابن سعد (5/67) قصة خروج عبد الله بن حنظلة رضي الله عنه على يزيد بن معاوية بعدة أسانيد وفيها:" فلما دنا أهل الشام من وادي القرى صلى عبد الله بن حنظلة بالناس الظهر ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه،... ثم رفع يديه إلى السماء واستقبل القبلة وقال: اللهم إنا بك واثقون، بك آمنا وعليك توكلنا وإليك ألجأنا ظهورنا، ثم نزل".
وقال ابن حمدون والزمخشري في ربيع الأبرار:" نعيت إلى ابن عباس بنت له في طريق مكة، فنزل عن دابته فصلى ركعتين ثم رفع يديه وقال: عورة سترها الله، ومؤونة كفاها الله، وأجر ساقه الله، ثم ركب ومضى"، وحكى بعضهم قال:" لما أخرج ابنُ الزبير ابنَ عباس من مكة إلى الطائف، مر بنعمان فنزل فصلى ركعتين ثم رفع يديه يدعو، فقال: اللهم إنك تعلم أنه لم يك بلدٌ أحب إلي أن أعبدك فيه من البلد الحرام... الخبر ولم أجده.
وقد مر ذكر الرواية عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه أنكر على من رفع يديه وسط الصلاة، وأرشده إلى رفعهما بعد الصلاة، فهؤلاء جماعة كبيرة من الصحابة في حضرة غيرهم من الأصحاب، لم ينكر ذلك أحد منهم، أفلا يكون هذا إجماعا منهم، وها قد جئناهم بكل هذه الآثار الخاصة بعد أن زَُعم أنه لم يأت في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر، ولا عن الصحابة أثر، فليأتوا بضدها، ولو ببعض منها، ثم ليشنعوا علينا إن كانوا صادقين، ويا لله من زمان يُشنع فيه على من أتى بالأخبار النبوية، وبالآثار السلفية، عن خير البرية .
وسنزيدهم بعون الله تعالى من ذكرٍ لرفع اليدين عن التابعين، وعمن بعدهم من أهل الفقه في الدين، أصحاب القرون المفضلين، كلهم على مشروعية رفع اليدين: فمنهم عامر بن عبد الله بن الزبير الذي اقتدى بأبيه، قال ابن سعد: نا معن ثنا مالك قال: "رأيت عامر بن عبد الله بن الزبير يرفع يديه في الدعاء", وقال أبو نعيم في الحلية من ترجمة عامر: نا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن إسحاق السراج ثنا إسماعيل بن أبي الحارث ثنا محمد بن يزيد ثنا معن عن مالك بن أنس قال:" ربما خرج عامر بن عبد الله بن الزبير منصرفاً من العتمة من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعرض له الدعاء قبل أن يصل إلى منزله، فيرفع يديه فما يزال كذلك حتى ينادى بالصبح، فيرجع إلى المسجد يصلى الصبح بوضوء العتمة"، فهذا عامر كان يرفع يديه بعد الإنصراف من صلاة العتمة وهي العشاء، ولا يزال كذلك حتى يصبح، وفي الروض الأنف(4/224) من ذكر غزوة حنين ومقتل أبي عامر الأشعري قال أبو القاسم السهيلي:" وذكِرَ لمالك أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان يدعو إثر كل صلاة ويرفع يديه، فقال: ذلك حسن, ولا أرى أن يرفعهما جدا"، فهذا عامر كان يرفع بعد كل صلاة ، وهو التابعي الكبير، واستحسن فعله مالك الإمام السني الشهير، وبه قال السهيلي، وإنما قال مالك لا يرفع يديه جدا، حتى لا يبالغ في الرفع، لأن المبالغة عنده إنما تكون في الابتهال، أما في المسألة فإنما ترفع اليدين إلى الوجه كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه، وقال الفسوي في تاريخه من باب أخبار عمر بن عبد العزيز ثنا سليمان بن حرب نا جرير بن حازم نا المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة امرأة عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا صلى العشاء قعد في مسجده، ثم رفع يديه فلم يزل رافعا حتى تغلبه عيناه ثم ينتبه"، هذا إسناد صحيح عن أمير المؤمنين عمر، وهو الخليفة الصالح المأمون، وذكر أبو نعيم في الحلية من ترجمته عن الأوزاعي قال:" كان عمر يجلس إلى قاص العامة بعد الصلاة ويرفع يديه إذا رفع"، وهذا بعد الصلاة وبعد الموعظة والله أعلم، وذكر ابن عساكر في تاريخه عن إبراهيم بن سعد قال:" رأيت محمد بن المنكدر يصلي في مقدم المسجد، فإذا انصرف مشى قليلا ثم استقبل القبلة فمد يديه ودعا"، فهذا ابن المنكدر كان يرفع يديه بعد الصلاة، وهو من أعلم التابعين، ومن أهل الفقه في الدين، وقال ابن أبي الدنيا في: مجابو الدعوة (49) ثنا أحمد بن بجير وإسحاق بن إسماعيل وغيرهما قالوا: ثنا محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي:" أن قوما من المهاجرين خرجوا متطوعين في سبيل الله فنفق حمار رجل منهم فأرادوه على أن ينطلق معهم فأبى فانطلق أصحابه مترجلين وتركوه, فقام وتوضأ وصلى، ثم رفع يديه فقال:" اللهم إني خرجت مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك وأشهد أنك تحيي الموتى وأنك تبعث من في القبور اللهم فأحي لي حماري ", هذا إسناد صحيح عن الشعبي, وفيه أنه قام وتوضأ وصلى ثم رفع يديه يدعو، وقد أخر الدعاء إلى ما بعد الصلاة لعظم شأن ذلك، وقد مر ذكر قول ثابت البناني في مشروعية الرفع, وقال ابن القيم في حاذي الأرواح:" فمنهم أبو الصهباء صلة بن أشيم، صلى ليلة إلى السحر ثم رفع يديه وقال اللهم أجرني من النار"،وروى المدائني عن بشر بن عيسى عن أبيه عن الربيع بن شابور مولى بني الحريش قال: أتى هشاماً كتاب خالد، وقدم عليه في ذلك اليوم رسول ليوسف بن عمر، فقرأ هشام كتاب خالد، فلما صلى المغرب نهض فصلى ركعتين ثم رفع يده يدعو"، خرجه عنه ابن جابر في أنساب الأشراف، وقال الزبير بن بكار في جمهرة النسب حدثني خالد بن وضاح قال:" كان مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ربما نزل قصره بالعقيق، فربما صلى في قرارته بالعقيق، ثم عرضت له الدعوة بعد ما ينصرف، فيرفع يديه يدعو، فيذهب الذاهب إلى المدينة فيقضي حاجته ويرجع وهو في دعائه"، وذكر الطبري في تاريخه وابن الأثير وابن الجوزي في وفاة الربيع بن زياد العامري:"..ثم خرج في ثياب بياض في يوم جمعة فقال:يا أيها الناس إني قد مللت الحياة وإني داع بدعوة فأمنوا، ثم رفع يده بعد الصلاة وقال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك عاجلا.."، وهذا بحضرة الناس، وقد سبق ذكر سؤال شعبة لشيخه عبد ربه في احتجاجهما بحديث الرفع بعد الصلاة، بل جعلا صلاة من لم يرفع يديه خداجا ونقصانا، وهذا الحافظ عبد الرزاق قد بوب في مصنفه فقال: باب التسبيح والقول وراء الصلاة، ثم ذكر الأدعية الواردة في هذا الباب ثم قال بعده: باب رفع اليدين في الدعاء، فهذا مبلغ علمنا فيما جاءنا عن أصحاب القرون الثلاثة المفضلة، لم ينقل عن أحد منهم أن هذا الرفع بدعة، ومن ادعى مخالفا في هذا فليُسنده، ومن أي كتب الإسلام أخذ فليبينه، وإلا فليرجع إلى هذه الآثار وفعل السلف الأخيار، فقد سار على هديهم الخلف الأبرار: قال ابن أبي الدنيا في"مجابو الدعوة(64) ثني الحسين بن عبد الرحمن ثني محمد بن سويد أن أهل المدينة قحطوا وكان فيها رجل صالح لازم لمسجد النبي صلى الله عليه وسلمفبينا هم في دعائهم إذا أنا برجل عليه طمران خلقان, فصلى ركعتين أوجز فيهما, ثم بسط يديه إلى الله فقال: يا رب أقسمت عليك إلا أمطرت علينا الساعة", وذكر ابن عساكر في ترجمة إبراهيم بن مطر الكرماني أنه كان من الأبدال، ثم ساق بإسناده عن أبي عبد الله السجستاني قال: "..ثم أذن وصلينا العصر ثم قال قائما يدعو رافعا يديه فسمعت من دعائه..." فذكر الخبر، وجاء الرفع بعد الصلاة عن محارب بن دثار كما ذكر ابن عساكر في ترجمته، وروى وكيع في أخبار القضاة من ترجمته أنه دخل المسجد فصلى أربع ركعات، ثم رفع يديه يدعو..."، وذكر ابن عساكر الرفع عن جماعة أخرى عند ترجمة أيوب بن أبي عائشة ورزام أبي قيس،وذكر أبو نعيم (9/357) عن فتى عابد أنه صلى أربع ركعات... فرفع الفتى يديه يدعو..."، وذكر الرفع عن إبراهيم بن عيسى الزاهد، وذكر ابن الجوزي في الصفوة (4/15) عن عابد آخر أنه صلى ركعتين ثم رفع يديه يدعو, وذكر المقريزي في المواعظ والاعتبار عن صفة صلاة قاص مصر سليمان بن عتر التجيبي...أنه كان يقرأ في الركعة الأولى بالبقرة، والثانية بقل هو الله أحد، ويرفع يديه في القصص إذا دعا...".
ذكر ما جاء في رفع اليدين عن المذاهب الأربعة: لقد اختلف السلف الطيب في مسألة مسح الوجه باليدين بعد رفعهما عند الدعاء أثناء الصلاة وخارجها، فيُفهَم من ذلك أنهم لم يختلفوا في مشروعية الرفع إذا لم يمسح وجهه بيديه، إنما اختلفوا في حكم مسح الوجه فقط, أما المالكية فهم على استحباب رفع اليدين وبطونهما إلى الأرض من دون مد شديد ولا مسح، قال السهيلي:" وذكِرَ لمالك أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان يدعو إثر كل صلاة ويرفع يديه، فقال: ذلك حسن, ولا أرى أن يرفعهما جدا"، وقال ابن العربي المالكي في عارضة الأحوذي من شرحه لحديث"الصلاة مثنى مثنى... وتقنع يديك ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول يا رب يا رب ومن لم يفعل ذلك فهي خداج"، قال:" ويرفع يديه إلى ربه يعني بعد الصلاة، فأما الرفع فقد تقدم ذكره، ولا يكون ببطونهما إلى السماء وإنما ذلك في الدعاء، وقد أنكره مالك وقال: الرفع كله واحد على صفة واحدة بطونهما إلى الأرض، فمن يفعل هكذا فقد تم فرض صلاته بأركانها وفضلها بهيئتها، وغير ذلك نقصان", وأما مذهب الحنابلة: ففي طبقات الحنابلة من ترجمة عمر بن سليمان أبو حفص المؤدب, قال عنه ابن أبي يعلى: صحب إمامنا وروى عنه أشياء منها قال: صليت مع أحمد بن حنبل في شهر رمضان التراويح وكان يصلي به ابن عمير, فلما أوتر رفع يديه إلى ثدييه وما سمعنا من دعائه شيئا", فهذا إمام الجماعة قد رفع يديه بعد الصلاة, وقال المرداوي في الإنصاف (2/173):" فوائد، الأولى: يمسح وجهه بيديه إذا دعا خارج الصلاة عند الإمام أحمد، ذكره الآجري وغيره، ونقل ابن هانئ عن أحمد رفع يديه ولم يمسح، وذكر أبو حفص أنه رخص فيه"، وذكر فقهاء الحنابلة عند مسألة دعاء القنوت، قالوا: ثم يمسح وجهه بيديه إذا فرغ هنا وخارج الصلاة"، ذكره في منار السبيل والمغني والروض المربع وذكر الإمام ابن مفلح الحنبلي في الفروع من جماع الأذكار والدعاء بعد الصلاة:" مسألة: وَيَدْعُو الْإِمَامُ بَعْدَ الذِّكْرِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ،ثم قال: وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فَضْلَ الدُّعَاء مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ عَنْ حَبِيبٍ، وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَفِيهِ:" وَلا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إلا بِإِذْنِهِمْ"، وَالْمُرَادُ وَقْتَ الدُّعَاءِ عَقبَ الصَّلَاةِ بِهِمْ، ذَكَرَهُ فِي الْغُنْيَةِ، ثم نقل عن الحنابلة قولهم هنا: وَمِنْ أَدَبِ الدُّعَاءِ بَسْطُ يَدَيْهِ وَرَفْعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ..، فهذا مذهب الحنابلة وقد استدلوا بعموم النصوص كما ترى، ونفس الشئ مذكور في متن الإقناع وشرحه،وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في المجموع: يَجُوزُ الدُّعَاءُ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَغَيْرِهَا قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَالدُّعَاءُ قَبْلَ السَّلَامِ أَفْضَلُ"، وسئل ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (2/216) عن الدعاء بعد كل صلاة أهو مكروه؟ وعن رفع اليدين؟ فقال:"...هنا شيئان: أحدهما دعاء المصلي المنفرد.. ودعاء المصلي وحده إماما كان أو مأموما،والثاني: دعاء الإمام والمأمونين جميعا، فهذا الثاني لا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله أعقاب المكتوبات..."، ثم ذكر الخلاف في الدعاء الجماعي ثم قال:" وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة.."، فهذا شيخ الإسلام يجيز الرفع بعد الصلاة مستدلا بالعمومات, وقال تلميذه ابن القيم:" فهذا الرفع إن كان في الصلاة فهو منسوخ في شرعنا، وإن كان بعد الصلاة فهو جائز كرفع اليدين في الدعاء إلى الله عز وجل"،وجاء عن الشافعي رفع اليدين مع الإمام جماعة مع رفع الصوت بالدعاء لأجل التعليم، قال ابن الحاج في المدخل منكرا الدعاء الجماعي عقب الصلاة:"وَالسُّنَّةُ الْمَاضِيَةُ أَنْ لَا يَتْرُكَ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ عَقِبَ الصَّلَاة، وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ أَنْ يُثْنِيَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ أَوَّلًا وَلِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ سِرًّا فِي نَفْسِهِ، وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ إذَا كَانَ إمَامًا فِي الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُم، هَكَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَلِّينَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ إخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ، وَلْيَحْذَرُوا جَمِيعًا مِنْ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَبَسْطِ الْأَيْدِي عِنْدَهُ أَعْنِي عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ إنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبِدَعِ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ تَعْلِيمَ الْمَأْمُومِينَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ مَشْرُوعٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَيَجْهَرُ بِذَلِكَ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَتَّى إذَا رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ تَعَلَّمُوا أَمْسَكَ"، وفي تقييدابن الحاج وقوله:" إنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ"، لبيان واضح في إنكاره للدعاء الجماعي فقط، وهي مسألة خلافية، أما الدعاء الفردي فهو سنة اتفاقا، وذكر الشيخ بكر أبو زيد في رسالته مسح الوجه باليدين(78) أن المشهور من مذهب الشافعية استحباب الرفع دون المسح داخل الصلاة، أما خارجها فصرح النووي في المجموع أنه غير مندوب، أما في التحقيق فجزم أنه مندوب، يعني مسح الوجه، وقال في المجموع من باب الرفع عند القنوت: (فرع) في استحباب رفع اليدين في الدعاء خارج الصلاة وبيان جملة من الأحاديث الواردة فيه: اعلم أنه مستحب لما سنذكره إن شاء الله تعالى"، وقال في الحج:" قال أصحابنا: إذا فرغ من الطواف صلى ركعتي الطواف خلف المقام، قال الشافعي والأصحاب: ثم يستحب أن يأتي الملتزم فيلتزمه ويقول هذا الدعاء المذكور في الكتاب... ثم قال: وبأي شيء دعا حصل المستحب، ويأتي بآداب الدعاء السابقة في فصل الوقوف بعرفات من الحمد لله تعالى والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع اليدين وغير ذلك"، وفي إعانة الطالبين للبكري الدمياطي، وهو من كتب الشافعية، قال الفناني الناظم:" وسن ذكر ودعاء سرا عقبها"، يعني عقب الصلاة، ثم ذكر حديث أبي أمامة السابق الذكر في فضل الدعاء دبر كل صلاة، ثم ذكر آداب الدعاء في ذلك، ونقل عن ابن العماد أنه نظمها في شعر وفيه:"... وامدد يديك وسل،...، ثم قال البكري, هو والناظم:" وسُن رفع يديه عند الدعاء، ولو فقدت إحدى يديه، أو كانت بها علة رفع الأخرى"، ثم نقل صفة الرفع عن الكردي والحليمي والغزالي، وأنه يُسن مسح الوجه باليدين عند الفراغ من الدعاء، فهذا مذهب الشافعية يستحبون الرفع حتى في حالة قطع أحد اليدين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلميوم عرفة إذ سقط زمام ناقته فأخذه بيد وبقيت الأخرى مرتفعة إلى العلي الأعلى وهو يدعو، وذكر أبو حامد الغزالي الشافعي في الإحياء من كتاب الحج قال:" ينبغي إذا هم بالخروج أن يصلي ركعتين أولا، فإذا فرغ رفع يديه ودعا الله سبحانه..."، وقد سئل ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى عن رفع اليدين بعد فراغ الخطبتين يوم الجمعة هل هو مستحب أو بدعة؟ فأجاب:"رفع اليدين سنة في كل دعاء خارج الصلاة ونحوها، ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم لم يرفعهما إلا في دعاء الاستسقاء فقد سها سهواً بيناً وغلط غلطاً فاحشاً، وقال البيهقي في الكبرى (2/212):" أما مسح الوجه باليدين عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت, وإن كان يُروَى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة.. قال: وهو مُستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت.."، هذا عن مسح الوجه، وقد ذكر جمع من أهل العلم أن من آداب الدعاء أن يتخير المرء الأوقات الفاضلة التي منها بعد الصلاة، وأن يرفع يديه عند الدعاء، فقال البيهقي في شعب الإيمان (2/43) باب ذكر فصول في الدعاء يحتاج إلى معرفتها منها: أن يدعو في دبر صلواته، ومنها: أن يرفع اليدين حتى يحاذي بهما المنكبين إذا دعا، ومنها: أن يخفض صوته بالدعاء، ومنها: أن يمسح وجهه بيديه إذا فرغ من الدعاء"، وذكر ذلك نفسه النووي في الأذكار وابن الجوزي والمقدسي في منهج القاصدين ومختصره، وقال ابن القيم في الجواب الكافي:" وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي الثلث الأخير من الليل وعند الأذان وبين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم وصادف خشوعا في القلب وانكسارا بين يدي الرب وذلا له وتضرعا ورقة واستقبل الداعي القبلة وكان على طهارة ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ثنى بالصلاة على محمد عبده... فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا"، ومر ذكر كلامه في اجتماع الجيوش الإسلامية إذ قال:"فهذا الرفع إن كان في الصلاة فهو منسوخ في شرعنا، وإن كان بعد الصلاة فهو جائز كرفع اليدين في الدعاء إلى الله عز وجل"، وقال ابن حجر في الفتح من تبويب البخاري:" بَاب يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَعْجَلْ"، قال:" وَمِنْ جُمْلَة آدَاب الدُّعَاء تَحَرِّي الْأَوْقَات الْفَاضِلَة كَالسُّجُودِ وَعِنْد الْأَذَان، وَمِنْهَا تَقْدِيم الْوُضُوء وَالصَّلَاة وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَة وَرَفْع الْيَدَيْنِ وَتَقْدِيم التَّوْبَة، وَالِاعْتِرَاف بِالذَّنْبِ وَالْإِخْلَاص، وَافْتِتَاحه بِالْحَمْدِ وَالثَّنَاء وَالصَّلَاة عَلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَالسُّؤَال بِالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى"، وهذا نص منهم على استحباب الدعاء دبر الصلوات ورفع اليدين في ذلك، وبه قالت الحنفية،وممن صحح رفع اليدين بعد الصلاة أو قال به شعبة وعبد ربه ومالك وأبو حاتم الرازي والعقيلي وابن خزيمة والبيهقي والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن مفلح والسهيلي والصالحي والهيثمي وابن حجر المكي والسيوطي وكل هؤلاء من أئمة أهل الحديث، وقد أجمعت الأمة على أصل رفع اليدين في الدعاء، وقد نقلت كثيرا من تلكم الإجماعات في مبحث رفع اليدين في الدعاء، وقال ابن تيمية كما في بيان تلبيس الجهمية (2/439 ،444):"إن الإشارة إلى الفوق إلى الله في الدعاء باليد والأصبع والعين والرأس... قد تواترت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلمواتفق عليه المسلمون وغير المسلمين..، ثم ذكر عدة أحاديث في رفع اليدين، منها حديث العباس المتقدم في الرفع بعد الصلاة، ثم قال:" وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء فهو في الحديث أكثر من أن يبلغه الإحصاء"، ثم ذكر الأدلة العقلية والفطرية والحسية على الرفع، فهذا شيخ الإسلام قد ذكر أن رفع اليدين في كل دعاء قد اتفق عليه المسلمون وحتى المشركون، فإن لم يكفهم هذا النقل فليستمعوا إلى ما قاله الدارمي في رده على الجهمية (44) إذ قال:" ثم إجماعٌ من الأولين والآخرين، العالمين منهم والجاهلين، أن كل واحد ممن مضى وممن غبر، إذا استغاث بالله تعالى أو دعاه أو سأله يمد يديه وبصره إلى السماء يدعوه منها، ولم يكونوا يدعوه من أسفل منهم من تحت الأرض، ولا من أمامهم ولا من خلفهم ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم إلا من فوق السماء لمعرفتهم بالله أنه فوقهم"، وقال الدارمي أيضا في رده على المريسي (1/228):" وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين، أن الله في السماء وحدوه بذلك، إلا المريسي الضال وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث قد عرفوه بذلك، إذا حزب الصبي شيء يرفع يديه إلى ربه يدعوه في السماء دون ما سواه، فكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية"، وقال ابن خزيمة في التوحيد:" باب ذكر البيان أن الله عز وجل في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه عليه السلام، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم ذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله، إلى أعلاه لا إلى أسفل "، ومر آنفا عن ابن خزيمة أنه استحب رفع اليدين بعد الصلاة، وقال ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية، ذكر قول ابن كلاب: قال:"..لأنك لا تسأل أحدا من الناس عربيا ولا عجميا ولا مؤمنا ولا كافرا، فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء، أفصح أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، ولا يشير إلى غير ذلك من أرض ولاسهل ولا جبل، قال: ولا رأينا أحدا إذا عن له دعاء إلا رافعا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول: في كل مكان"، إلا الجهمية، وفي الباب مئات الناقلين والمقرين بهذا الإجماع كما هو مذكور، وهذا الدارمي وابن خزيمة وابن كلاب وابن القيم مع ابن تيمية وغيرهم كثير، كلهم قد نقل الإجماع عن جميع المسلمين، علماء كانوا أو جاهلين، بل وحتى المشركين، جميعهم على مشروعية رفع اليدين، لله رب العالمين، بينما أنكر ذلك هؤلاء وجعلوه بدعة في أكثر المواضع والأوطان، والله المستعان وعليه التكلان، بل صار رفع اليدين عندهم إلى الرحمان، لمن شعار أهل البدع والخذلان، فلا يرفعون أيديهم إلى الحنان المنان إلا في الإستسقاء أوالقنوت، معطلين سائر المواضع، وقد تتبعنا بعون من الله ومنة في مبحث رفع اليدين كل موضع زعموا أن الرفع فيه بدعة، بينما رفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم يديه، عموما أو خصوصا، ورددنا فيه على شبههم بالأدلة والبراهين من كلام ربنا وسنة نبينا ومن عمل سلفنا، ويا للهّ كم من سنة جعلوها بدعة، وكم من بدعة صيروها سنة ، مخالفين في ذلك إجماع الأمة، بل وسائر الملة، لم يخالف في ذلك إلا الجهمية الكفار، الذين هم أكفر من جميع الكفار، وبئس القومُ قومٌ سلفهم الجهمية الفجار.
هذا وفي الباب أدلة كثيرة جدا تدل بعمومها على مشروعية رفع اليدين عند كل دعاء وفي كل موطن، فمن أنكر الرفع في موطن من المواطن فعليه بالدليل، ومن فرق بين الفريضة والنافلة في رفع اليدين فعليه بالتدليل، إذ لا فرق بين الصلاتين في الأفعال والأوصاف والهيئات، فما ثبت في الفريضة ثبت في النافلة وهكذا العكس، إلا أن يأتي دليل على التفرقة بينهما في أمر من الأمور فيقتصر عليه، بل إن الدعاء بعد الصلاة المكتوبة أسمع كما قال عليه السلام، وقد بوب البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والطبراني وابن السني والبيهقي والهيثمي وابن حجر وغيرهم من أهل الحديث:" باب رفع اليدين في الدعاء"، وهذا لفظٌ للاستغراق، ومعناه: رفع اليدين عند كل دعاء، وهذا من استدلال السلف بالعموم، وفي فتح الباري من تبويب البخاري: "باب انتقام الرب عز وجل من خلقه إذا انتهكت محارمه، ثم ذكر حديث أنس في رفع اليدين في الإستسقاء، عندها قال ابن حجر: "استدل به المصنف في الدعوات على رفع اليدين في كل دعاء"، ونقل المباركفوري عن أهل العلم قالوا:" هَذَا الرَّفْعُ هَكَذَا وَإِنْ كَانَ فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ، وَلِذَلِكَ اِسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاء"، وبنحو هذا ذكر النووي فقال في كتاب الاستسقاء من شرحه لصحيح مسلم:" قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع البلاء كالقحط ونحوه أن يرفع يديه ويجعل ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله، جعل بطن كفيه إلى السماء واحتجوا بعموم هذا الحديث"، وممن ذكر هذا الرافعي وابن حجر والسيوطي في شرح النسائي والشوكاني وصاحب عون المعبود، وهو استدلال منهم بالعموم على رفع اليدين عند كل دعاء، ولا زال السلف والخلف قاطبة يستدلون بالنصوص العامة، ما لم يأت دليل يخصصها، يقولون لنا عموم كذا، ودليلنا عموم حديث كذا، وكتب الفقه والأصول مليئة جدا بهذا، يطول المقام بذكر مثل هذا، وقد سبق شيء من استدلال السلف بالعمومات، حتى جاءت هذه الشرذمة فادعت أن الإستدلال بالعمومات، لمن شعار أهل البدع والمحدثات، ولئن كان أهل الجهل منهم في شك، فإن أهل العلم منهم لعلى يقين، ألا فليعلموا أن معظم نصوص القرآن والسنة عامة، ألا فليعطلوها، ويتخذوها وراءهم ظهريا ويتركوها، إن كانوا على أصلهم ماشين، وقد سئل العلامة محمد بن عبد الرحمن الزبيدي اليماني وقيل له:" هل يُسن رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة وهل ورد من الأحاديث ما تقوم به الحجة خصوصا أو عموما ؟ فأجاب بقوله:" إعلم وفقني الله وإياك أن رفع اليدين في الدعاء، أي دعاء كان وفي أي وقت كان، بعد الصلوات الخمس أو غيرها، دلت عليه الأحاديث خصوصا وعموما، فمن العموم..، ثم ذكر بعض الأحاديث العامة في ذلك، وقد تقرر أن من خص واستثنى فردا من أفراد العموم كان هو المطالب بالدليل لا من استدل بالعموم، ومع ذلك فقد جئناهم بأدلة خاصة كثيرة تؤيد العموم، فليأتوا هم ولو بدليل واحد خاص فيه ترك رفع اليدين بعد الصلاة، فإن لم يأتوا به فليعلموا أن فيما ذكرناه من نقول ودلالات لعبرة لمن اعتبر، وكفاية لمن ادكر، ويا سبحان الله ! أي احتجاج أعظم مما احتججنا به على هؤلاء، ثم هم يشنعون علينا بتبييننا لهذه الأخبار، ولإيرادنا كل هذه الآثار، في رفع اليدين بعد الصلاة للعلي الجبار، فليأتونا هم بأدلة مسندة خاصة نافية بضدها، أو بشيء منها، أو ليرجعوا إليها إن كانوا للنبي صلى الله عليه وسلم مطيعين، وللسلف متبعين، فما كان جوابهم إلا التحذير من هذه الأحاديث على كثرتها، وبالدعاو الباطلة تركوها، واتخذوها وكل كلام السلف الآنف وراءهم ظهريا وردوها، مع وفرتها ووضوح بيانها، فمن قائل لا تسمعوا لهذه الأحاديث ولا تقرأوها، ومن قائل كيف نترك قول فلان، ومن قائل لم لا يعرفها فلان، ومن قائل لِمَ خفيت عن فلان، ومن قائل ومن قائل، كأن لم يعلموا أن الله وحده هو الذي لا يخفى عليه شيء، وهو وحده العليم بكل شيء، وقد مضت سنته أن لا بد لكل عالم من زلة، ولكل فاضل من وهلة، ولكل جواد من كبوة، وكل واحد بالخيار إلا النبي صلى الله عليه وسلم فهو المعصوم المختار، ألا فليوقنوا أن الله قد افترض على خلقه، الرجوع إلى سنة نبيه، وليستمعوا إلى كلام رب العالمين، إذ قال في كتابه الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ،وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، قال الشافعي رحمه الله:" لم أسمع أحدا نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم، يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه، بأن الله عز وجل لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول بكل حال، إلا بكتاب الله أو سنة رسولهصلى الله عليه وسلم، وأن ما سواهما تبع لهما، وأن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا، في قبول الخبر عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم واحد، لا يُختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى"، نعوذ بالله من فرق الضلال، ومن سوء المقال، وقد قال الشافعي والسلف قاطبة معه: اعرضوا كلامي على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فما وجدتموه يوافقه فاقبلوه، وما وجدتموه يعارضه فاضربوا بكلامي عرض الحائط"، وقد خالف كل السلف هؤلاء فقالوا: بل الذي يُعرض هو كلام رسول الله، وكلام السلف، على فلان وفلان، حتى يقولوا به وإلا فلا يُقبل!، وقد أجمع كل المسلمين على أن السنة هي القاضية على غيرها، ونُقول الإجماع على وجوب الرجوع إلى السنة إذا تبينت كثيرة، لا يختلف في ذلك مسلمان، ولا يمتري فيه اثنان، لكن الله هو الهادي وحده، إلى اتباع سنة نبيه، على منهج أصحابه، وهو تعالى وحده الموفق للصواب، والهادي إلى سبيل السنة والرشاد، والعاصم من سبل البدع والإلحاد، فنسأله تعالى أن يرينا الحق حقا، ويرزقنا الدعوة إليه واتباعه والثبات عليه، وأن يرينا الباطل باطلا، ويوفقنا للتحذير منه واجتنابه، إنه ولي ذلك وحده، وهو القادر عليه سبحانه، وصلى الله على محمد وآله وأصحابه.

وكتبه أبو عيسى الطاهر الزياني الجزائري.
زياني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
حكم رفع اليدين عند رؤية البيت الحرام أبو عبد الله البغدادي منتدى الحـــج والعــمـرة والـزيـارة 2 01-09-2015 05:16 PM
استحباب التراويح بعشرين ركعة الجزء2 زياني منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 10 03-10-2009 04:39 PM
استحباب الدعاء ورفع اليدين بعد الصلاة ج 2 زياني منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 13-07-2009 05:38 PM
استحباب الدعاء ورفع اليدين بعد الصلاة زياني منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 22-06-2009 06:40 PM
مدى صحة حديث ابن عمر في رفع اليدين في صلاة الجنازة مشرفة المنتديات النسائية منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 03-12-2008 04:08 AM


الساعة الآن 02:06 PM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع