العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

المـنـتديـات العــــامــــة

> الـمـنـتـدى العـــــــــــام
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الـمـنـتـدى العـــــــــــام العلوم الإسلامية : عقيدة وتفسير وفقه وحديث ولغة وتاريخ..

كاتب الموضوع صارم الجزيرة مشاركات 2 المشاهدات 2968  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-04-2007, 07:51 PM   #1
صارم الجزيرة
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2006
المشاركات: 19
       
صارم الجزيرة is on a distinguished road
Thumbs down نرجوا التعليق للموضوع

تم تصدير هذا الكتاب آليا بواسطة المكتبة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة المكتبة الشاملة على الإنترنت)



الكتاب : من أخلاق الداعية
المؤلف : سلمان بن فهد العودة
عدد الصفحات : 48
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
[ ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام ، ترقيمها غير مطابق للمطبوع ، وغالبها مذيلة بالحواشي ]


1 - بدون مقدمات :
كان من صحيح دعائه صلى الله عليه وسلم :
« اللهم اهدني لأحسن الأخلاق ، لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها ، لا يصرف عني سيئها إلا أنت ، لبيك وسعديك ، والخير كله في يديك ، والشر ليس إليك ، أنا بك وإليك ، تباركت وتعاليت » مسلم 1 / 535 .
« اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء » . الترمذي 5 / 536 .
« اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي » . أحمد 1 / 403 ، 6 / 68 ، 155 .
« اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ، والجبن والبخل ، والهرم والقسوة ، والغفلة والعيلة ، والذلة والمسكنة ، وأعوذ بك من الفقر والكفر ، والفسق والشقاق والنفاق ، والسمعة والرياء ، وأعوذ بك من الصمم والبكم ، والجنون والجذام ، والبرص وسيئ الأسقام » . المستدرك 1 / 530 ، 531 .


--------------------------------------------------------------------------------

2- لأتمم مكارم الأخلاق :
تتبوأ الأخلاق في الإسلام موقعا من أعظم المواقع ، حتى لقد صح عنه صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : « إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق » .
وفي لفظ : « مكارم الأخلاق » (1) .
فكأنه صلى الله عليه وسلم حصر المهمة التي بعث لها في هذا الأمر .. ولا غرابة !
* فإن نحن فهمنا " الأخلاق " على أنها تعامل العبد مع الله ومع الناس ، فالأمر واضح ، وهذا هو الدين كله ، كيف تتعامل مع الخالق ؟ كيف تعبده وتوحده وتتجنب ما يسخطه ؟ وكيف تتعامل مع المخلوق ؟ ويدخل في ذلك الملائكة والأنبياء والصالحون والأقربون ممن لهم حقوق الحب والود ، كما يدخل فيه الصنف الآخر من الشياطين والكفار والفساق والمنافقين ممن يبغضهم الإنسان في ذات الله كالكفار ، أو يبغضهم من جانب واحد كالفساق الذين يكون فيهم أصل الإيمان بالله ورسله .
· أما إن فهمنا " الأخلاق " بمعنى أخص ، وأنها التعامل مع الناس فحسب ، فالحديث إذن محمول على بيان عظم فضل الأخلاق ، وعلو مكانتها في الدين ، فهو كحديث : « الحج عرفة » (2) ، وحديث : « الدين النصيحة » (3) .
_________
(1) رواه أحمد ( 2 / 381 ) ، ومالك بلاغا ( 2 / 904 ) ، والبزار كما في المجمع ( 9 / 15 ) ، وقال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح . وقال ابن عبد البر : هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره .
(2) رواه الترمذي 899 ، وأبو داود 1949 ، والنسائي 3044 ، وابن ماجه 3015 ، والدارمي وغيره .. جميعهم عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي .
(3) رواه مسلم 55 ، وأبو داود 4944 ، والنسائي 4197 - 4198 من حديث تميم الدارمي .


--------------------------------------------------------------------------------

إذ ليس المقصود حصر الحج في عرفة ، ولا حصر الدين كله في النصيحة إنما المقصود أن الوقوف بعرفة أعظم أركان الحج ، وأن للنصيحة مرتبة عالية في الدين .
فلا إشكال في الحديث على المعنيين ، وكلاهما له دلالة قوية على عظم شأن الخلق في الإسلام .


--------------------------------------------------------------------------------

3- مسلم .. وداعية :
من هذا المنطلق وجب على المسلم التحلي والتجمل بالخلق الحسن ، سواء كان داعية أم غير داعية ، إذ الأخلاق من مقاصد البعثة المحمدية التي أكرم الله بها الإنسان في الأرض كلها ، وخص المؤمنين بخصيصة منها ليست لسواهم ، حيث هداهم بها إلى الصراط المستقيم ، وزكى نفوسهم ، وعلَّمهم ما لم يكونوا يعلمون : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } . ( سورة الجمعة / الآية 2 ) .
والتزكية المذكورة في الآية الكريمة تشمل تزكية النفس وتربيتها على معالي الأخلاق ، وتنقيتها من رديئها .. ففي الآية هذه كما في الحديث السابق تبدو الأخلاق مقصدا من مقاصد البعثة المحمدية ، بل من أبرز مقاصدها .
وإذا كان التحلي بالخلق الفاضل واجبا على آحاد المسلمين ... فما بالك بالداعية الذي يحمل راية الدعوة وشعارها .. وينادي بها بين الناس ؟
إن الأنظار إليه أسرع ، والخطأ منه أوقع ، والنقد عليه أشد ، ودعوته يجب أن تكون بحاله قبل مقاله .


--------------------------------------------------------------------------------

ولذلك فتخلقه بالخلق الكريم أوجب وألزم ، قياما بحق ما جعل الله على كاهله من الأعباء الجسام .. كما قال الشاعر :
شكرا لفضلك إذ حملت كاهلنا ... مما وثقت بنا ما كان من نوب !
وحماية للدعوة وأهلها من ألسنة المغرضين ، وأقلام الخصوم الشانئين ، وأوهام الغفل والمتعجلين !


--------------------------------------------------------------------------------

أ - الصدق في حمل الدين :
بأن يكون تدين المرء تدينا صحيحا مبنيَّا على الصدق مع الله عز وجل ، لا على النفاق والكذب والمجاملة ، ولذلك يطلق الصدق في القرآن الكريم في مقابل النفاق : { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } ( سورة الأحزاب / الآية 24 ) .
فلا بد من الإسلام الظاهر مع الإيمان الباطن ، لا بد من حسن الاعتقاد بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين .
فالهدي الظاهر لا بد أن يكون متوافقا مع الهدي الباطن .
وهنا كمين من كمائن الشيطان يوحي للداعية بترك بعض الأعمال الصالحة الظاهرة بحجة أن باطنه ليس كذلك .. فلا تفعل لئلا ينخدع الناس بك !
وهذا خطأ كبير .
بل العمل الصالح الذي تزاوله بجوارحك هو من أسباب صلاح قلبك وصدقه ، ما دمت لم تعمله رياء ولا سمعة ولا على سبيل خداع المؤمنين .


--------------------------------------------------------------------------------

ب - الصدق في الأقوال :
والصدق في القول تعبير عن شخصية واضحة ، ومروءة وشهامة وكرم ، ولا يلجأ للكذب إلا لئيم الطبع ، خبيث النفس ، ضعيف الشخصية ، والفطرة السليمة تستعيب الكذب وتستقبحه ، ولذلك أجمعت الديانات السماوية على تحريمه وتجريمه .
فما بالك بالداعية .. أتراه يتصور صدور الكذب منه ؟!
أعتقد - إن شاء الله - أن : لا .
ولكن :
من الدعاة من يتوسع في " التورية " بأن يقول كلاما يفهمه الناس على خلاف ما يقصد ، وقد يكتشفون بعد أن الواقع على خلاف ما فهموم منه فيتهمونه بالكذب .. ثم إن التوسع في التورية قد يؤدي إلى التسامح في بعض " الكذيبات " بحجة أنها للمصلحة !! فالحذر الحذر !
أيها الداعية : حين يلجؤك الموقف إلى الكذب فلا تقدم عليه ، وتذكر كلمة " أبي سفيان " أمام هرقل حين سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :
" والله لولا أن يؤثروا عني كذبا لكذبت " ! (1)
لقد تجنب هذا الرجل - وكان جاهليَّا - أن يكذب خشية أن ينقلوها عنه ، أو يعيروه بها يوما من الدهر ، مع شدة حاجته إليها .
_________
(1) رواه البخاري .


--------------------------------------------------------------------------------

ونحن نعلم أن أعراض الدعاة اليوم أصبحت هدفا لسهام كثيرة ، ولذا يتعين على الداعية أن يغلق الباب الذي تأتيه منه الريح ، ليريح ويستريح !


--------------------------------------------------------------------------------

جـ - الصدق في الأعمال :
وهو يعني أن تكون أعمال الإنسان خالصة لوجه الله تعالى من الرياء والسمعة ، { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } ( سورة الكهف / الآية 110) ، وقال : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } ( سورة الملك / الآية 2 ) .
قال الفضيل بن عياض : أيكم أحسن عملا ، أي : أخلصه وأصوبه .
قيل : يا أبا علي ! ما أخلصه وأصوبه ؟
قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ، لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا !
ومن الصدق في الأعمال : الوضوح وتجنب الغموض والتلبيس .
روى أبو داود والنسائي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بعبد الله بن سعد بن أبي السرح وقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه ، حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبيّ الله ! بايع عبد الله .


--------------------------------------------------------------------------------

فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فنظر إليه مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك يأبى أن يبايعه ، ثم بايعه بعد الثلاث ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال : « أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟! " .
فقالوا : ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ، ألا أومأت إلينا بعينك ؟ قال عليه الصلاة والسلام : " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين !! » . (1)
إلى هذا الحد كان مدى " الصدق " في أعمال النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يرض أن يقتل عدوه اللدود الذي كان أهدر دمه بطريقة غامضة عن طريق الإيماء بطرف العين !! وكان هذا دأبه وديدنه طيلة حياته صلى الله عليه وسلم ، ولذلك لم يستطع المشركون في بداية الدعوة أن يتهموه بالكذب ، بل قالوا : شاعر .. ساحر .. مجنون .. ولم يصدقهم الناس ، وعندما فقدوا صوابهم وأعيتهم الحيل صرخوا : كذاب .. ولكن هيهات أن يصدقهم الناس !
_________
(1) رواه أبو داود 2683 ، والنسائي 4067 ، والحاكم 3 / 45 ، وله شاهد عند أبي داود 3094 وأحمد ( 3 / 151 ) من حديث أنس ولفظه « إنه ليس لنبي أن يومض » . وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1723 .


--------------------------------------------------------------------------------

وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، وقيل : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت في الناس لأنظر إليه ، فلما استثبتُّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، وكان أول شيء تكلم به أن قال : « أيها الناس ! أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام » . (1)
لقد سرى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من القلب إلى اللسان .. إلى الجوارح وتجلى على محيا وجهه الكريم .. فكل من نظر إلى طلعته وإشراقها وصفائها قرأ فيها الصدق وعرف أن وجهه ليس بوجه كذاب !
نحن نحتاج إلى نمط من الدعاة آثروا الصدق في أقوالهم وأفعالهم حتى أصبح الصدق سجية تجري في عروقهم ، وتطل من طلعات وجوههم ، فإذا رآهم الناس قالوا : هذه ليست بوجوه كذابين !
كما نحن بحاجة إلى دعاة يتجملون بالخلق الكريم ، ويتأبون على الإثارة الاستفزاز فيحتفظون بهدوئهم واعتدال منطقهم في سائر الأحوال حتى إذا أبصر الناس منهم هذا هتفوا : هذه أخلاق أنبياء !
_________
(1) أخرجه أحمد 5 / 451 ، والترمذي 2485 ، وابن ماجه 3251 .


--------------------------------------------------------------------------------

· إن صدقنا في حمل دعوتنا هو الذي يجعل الناس يتقبلون ديننا ، وليس يليق بنا أن نكون كالممثل على المسرح ، يظهر للناس بهيئة خلاف حقيقته ، فمثل هذا سرعان ما ينكشف أمره ، ويعرض الناس عنه .
نقل عن بعض السلف أنه كان إذا وعظ أبكى الناس ، حتى تختلط الأصوات ويعلو النحيب ، وقد يتكلم في المجلس من هو أغزر منه علما ، وأجود منه عبارة ، فلا تتحرك القلوب ولا يبكي أحد !
فسأله ابنه يوما عن هذا ، فقال : يا بني لا تستوي النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة !
إذن فالوسيلة الأولى لنجاح الداعية هي : صدقه في حمل دعوته ، وجديته في ذلك ، وأن يكون الصدق في الأقوال والأعمال منهجه وشعاره . ليس المهم هو الكلمات المنمقة المعسولة - وإن كانت مطلوبة - ، إنما الأهم من ذلك الصدق ، وأن يكون منسجما مع نفسه ، وأن يكون حديثه عن معاناة ، وقديما قيل :
الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب ، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان !!


--------------------------------------------------------------------------------

ثانيا / الصبر :
الصبر قرين اليقين { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } ( سورة السجدة / الآية 24 ) .
ولذلك قال سفيان : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين .
والذي لا يصبر فإنه من السهل أن ينخلع عن دينه لأي شيء يعترض طريقه ، ومن السهل أن يتخلى عن منهجه وحكمته لأي استفزاز ، ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ } ( سورة الروم / الآية 60 ) .
وقال : { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا } ( سورة المزمل / الآية 10 ) .
كثيرا ما يقف الضالون في وجه الدعاة إلى الله عز وجل ، يقولون لهم : إن ما تدعون إليه ضرب من الخيال لا يمكن أن يتحقق في الواقع ، أنتم تدعون إلى أمور عفا عليها الزمن ، ونسيها الناس أو كادوا ، فينبغي أن ترضوا بما دون ذلك ، وأن تراجعوا آراءكم واجتهاداتكم !!


--------------------------------------------------------------------------------

وأمام ضغوط الواقع القائم ، وأمام العقبات الحقيقية والوهمية في وجه تحقيق الإسلام ، وأمام طول الطريق .. قد يستجيب بعض الدعاة ويتأثر ، ويبدأ في إعادة النظر في فهمه للإسلام ، وفيما يقوله الخصوم !
ويا ليته إذ يفعل ذلك يفعله بروح الباحث المتجرد الشجاع المتطلع إلى الحق أين كان .. إذن لهان الخطب !
لكنه يفعله بروح " المنهزم " الذي يحس بأنه خرج من المعركة أسيرا أو كسيرا .. فهو يبحث في " عروض " القوم عن " حل " يجنبه المعركة مع الباطل .. مع الواقع المنحرف ..
· وهذا مثل :
الربا الذي انتشر ، وضرب أطنابه ، ومد رواقه ، وقامت عليه اقتصاديات العالم كله - بما فيه العالم الإسلامي - وكاد أن يدخل جيب كل أحد حتى تحققت فيه نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم ، حين قال : « يأتي على الناس زمان من لم يأكل الربا أصابه من غباره » . (1)
وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف ، إلا أنه يشهد لصحة معناه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري : « يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أكل ، أمن الحلال أم من الحرام » . (2)
_________
(1) أخرجه أحمد 2 / 494 ، وأبو داود 3331 ، والنسائي 4455 ، وابن ماجه 2278 ، وقد أعله المنذري في مختصر السنن 5 / 8 بالانقطاع بين الحسن وأبي هريرة .
(2) رواه البخاري 2059 ، والنسائي 4454 .


--------------------------------------------------------------------------------

هذا الحرام المستقر في نفوس الكثيرين وجيوبهم ومؤسساتهم وأموالهم ، بدلا من أن يسعى الداعية لنهي الناس عنه ، والبحث عن البدائل الشرعية الصحيحة لتنمية أموال الناس واستثمارها ، ولإقامة بناء الاقتصاد الإسلامي السليم .. يأتيه الذين لا يوقنون فيحاولون أن يستخفّوه ليعيد النظر في صور من صور الربا الصريح ..
وأن لها مخرجا فقهيا ولو ضعيفا أو شاذا ! وهكذا يصبح " واقع الناس " في فترة من الزمان محدودة مرجعا لتعديل بعض الأحكام الشرعية المستقرة عبر القرون !
إنه فقدان الصبر في نفوس بعض الدعاة ، ومع فقدانه فقدان الأمل !
أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل !
ويا ليت الداعية ينصت لذلك الناصح الذي قال للخليل :
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
أنت لست مطالبا بتحقيق نصر واقع للإسلام ، فهذا أمره إلى الله متى شاء أن يحدث حدث ، لكنك مطالب ببذل جهدك في هذا السبيل فحسب ! والرسل والأنبياء كانوا يخاطبون بذلك : { إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ } ( سورة الشورى / الآية 48 ) .
وكانوا يقولون : { وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } ( سورة يس / الآية 17 ) .


--------------------------------------------------------------------------------

وقد يأتي أحدهم إلى بعض الدعاة ويقول له : أنت تعمل أعمالا جبارة ، وتواصل كلال الليل بكلال النهار ، لكن النتيجة في النهاية قليلة ، فالناس ينفضون من حولك ، وأنت ترى وسائل الهدم والتخريب قد استحوذت على الكثير منهم .. وأصبحت تفسد في ساعة ما يبنيه الداعية في سنة ! و:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ؟
وهذا المنطق قد يؤثر على كثير ممن لم يعتادوا على عقبات الطريق .
وهنا يأتي دور " الصبر " الصبر الجميل .
عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : « أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد بردة في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : يا رسول الله ألا تدعو لنا ؟ ألا تستنصر لنا ؟
فقعد صلى الله عليه وسلم ، وهو محمرٌّ وجهه ، وقال : " لقد كان من قبلكم يمشط بمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع الميشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه .. ولكنكم تستعجلون ‍‍! » . (1)
_________
(1) رواه البخاري 3852 ، وأبو داود 2649، ورواه النسائي مختصرا 5320 .


--------------------------------------------------------------------------------

فالعجلة في قطف ثمار الدعوة ونتائجها لا تتناسب مع الصبر الذي يجب أن يتحلى به الداعية .
قد يكون الداعية في موقع من المواقع ( بلد ، مدرسة ، مؤسسة ، .. ) يجاهد في رد المنكرات ونشر الدعوة ، ويحدث على يديه خير كثير ، لكنه لا يحس به لأنه يجيء بصورة تدريجية .. كما لا يحس الأب بنمو طفله الذي يراه صباح مساء ! لأنه يكبر شيئا فشيئا !
وكم من داعية تخلى عن موقع من المواقع ظانا أنه ليس له أثر ، فلما تخلى بان فقده وظهرت مكانته ، فكان كما قيل :
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
وكان كالكسعي (1) ، الذي يصنع السهام ويرمي بها في الليل ، ويظن أنها لم تصب ما أراد .. فكسر القوس ، فلما أصبح رأى أنها قد أصابت فندم على كسرها .. وصار يضرب به المثل في الندم ، حتى قال الفرزدق حين طلق زوجته :
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار ‍!
(2)
_________
(1) هو محارب بن حفصة بن قيس عيلان من عدنان جد جاهلي . انظر الأعلام للزركلي 5 / 281 .
(2) انظر القصة في الفاخر 90 - 91 ، الزاهر 2 / 195 - 196 ، واللسان مادة كسع .


--------------------------------------------------------------------------------

فعلى الداعية ألا يستعجل النتائج والثمرات ، بل يسعى ويعتمد على الله تعالى ، ويدرك أنه بمنطق التجربة المقطوع بها من الناحية التاريخية ، ومن الناحية الواقعية ، أن أي جهد صحيح يبذل في الأمة يكون له ثمرة ، إذ لم يقع في هذه الأمة أن أحدا دعا فلم يستجب له ، أو نصح فلم ينتصح بأمره ونهيه أحد ، أو عالما جلس للتعليم فلم يقعد إليه أحد ، إلا أن يؤتى من قبل نفسه ، بل كل داع يجد من يستجيب له ، إذ لم تصل الأمور إلى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، من الشح المطاع والهوى المتبع ، والدنيا المؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، لم يحدث هذا على مستوى الأمة كلها قط ، قد يقع في فرد أو أفراد أو جهة ، لكن الأمة فيها خير كثير ، ولا يزال عند الناس استجابة وقبول للدعوة ، وإصغاء لصوت الناصح ، إذا تكلم بعلم وحكمة .
بل إننا نجد في الأمم الكافرة اليوم في أمريكا وأوروبا وغيرها أن من يحملون لواء الدعوة إلى الله يجدون من يستجيب لهم من الكفار ، وفي مراكز كثيرة كانوا يذكرون لنا إحصائيات الذين يسلمون أسبوعيا فكانت بالعشرات من الرجال والنساء .


--------------------------------------------------------------------------------

وهذه الحقيقة التاريخية الواقعية ، التي تثبت أن كل جهد له ثمرة هي أيضا حقيقة شرعية :
{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } ( سورة الأنبياء / الآية 94 ) .
وقال : { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } ( سورة الأحزاب / الآية 24 ) .
« من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء » . (1)
« من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة » .. " . (2)
فكل عمل له جزاء ، وكل داع له أتباع .
_________
(1) رواه مسلم 2674 ، والترمذي 2676 ، وأبو داود 4609 ، جميعهم من حديث أبي هريرة .
(2) رواه مسلم 1017 ، والنسائي 2554 ، كلاهما من حديث جرير بن عبد الله البجلي .


--------------------------------------------------------------------------------

ثالثا / التواضع :
وهو معرفة المرء قدر نفسه ، وتجنب الكبر الذي هو بطر الحقّ وغمط الناس . كما قال صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه مسلم وغيره . (1)
والتواضع في الأصل إنما هو للكبير الذي يخشى عليه أن يكبر في عين نفسه ، فيقال له :
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
أما الإنسان العادي فلا يقال له : تواضع ، وإنما يقال له : اعرف قدر نفسك ، ولا تضعها في غير موضعها !
روى الخطابي في العزلة أن الإمام الفذ عبد الله بن المبارك ، قدم خراسان فقصد رجلا مشهورا بالزهد والورع ، فلما دخل عليه لم يلتفت الرجل إليه ولم يأبه به ، فخرج من عنده عبد الله بن المبارك ، فقال له بعض من عنده : أتدري من هذا ؟ قال : لا . قال : هذا أمير المؤمنين في الحديث .. هذا .. هذا .. هذا .. عبد الله بن المبارك فبهت الرجل وخرج إلى عبد الله بن المبارك مسرعا يعتذر إليه ويتنصل مما حدث وقال : يا أبا عبد الرحمن اعذرني وعظني !
قال ابن المبارك : نعم .. إذا خرجت من منزلك فلا يقع بصرك على أحد إلا رأيت أنه خير منك !
وذلك أنه رآه معجبا بنفسه ، ثم سأل عنه ابن المبارك فإذا هو حائك !! (2)
_________
(1) رواه مسلم 91 ، والترمذي 1999 ، وأبو داود 4092 .
(2) العزلة 220 .


--------------------------------------------------------------------------------

لقد لمح الإمام المربي أن في هذا المتزهد نوعا من الكبرياء والغطرسة والاستعلاء على الناس .. وهو داء يسرع إلى المتزهدين أحيانا .. فزوده بهذه النصيحة التي تلائم حاله .
وكم نجد من بعض الصالحين ، وربما الدعاة أحيانا ، بل ومن صغار الطلبة من يسيئون الأدب مع شيوخهم وعلمائهم وأساتذتهم . وإنه لأمر يحز في النفس ويؤلمها !
لا حرج أن تختلف مع عالم أو داعية في رأي أو اجتهاد متى كنت أهلا لذلك .. لكن الحرج كل الحرج أن يتحول هذا الاختلاف إلى معول هدم لمكانة هذا العالم ، والحط من قدره ، والإزراء عليه ، وسوء الأدب معه .
وإن جاز أن يقع هذا من الدهماء من العامة ، أومن أهل البدعة والضلالة فإنه لا يجوز بحال أن يقع من أهل السنة ومن طلاب علم الشريعة :
قد رشحوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
إن علماء أهل السنة والجماعة خاصة مطالبون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على علية القوم ..
وإذا خذلهم أقرب الناس إليهم فلا ينتظر منهم ذلك ، فواحدهم كفارس شجاع ما خلفه إلا نساء !
ولو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت


--------------------------------------------------------------------------------

ولو أن أهل السنة حموا أعراض علمائهم ، وعرفوا لهم قدرهم ، والتفوا حولهم لأمكن لهم أن يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الصحيح ، لكن لما خذل العالم من وراءه لم يستطع أن يقول شيئا .
وكم هو مؤسف أن بعض أهل البدع على النقيض من ذلك ، بل تصل الحال بهم إلى أن يمنحوا شيوخهم وملاليهم وسادتهم نوعا من القداسة ، ويسيرون خلفهم بشكل مرفوض .. هو في الحقيقة نوع من العبودية وذوبان التابع في المتبوع .
وهذا ديدن الفرق الباطنية عبر العصور حيث تربى أفرادها على منح قدر من " العصمة " لزعمائها وأئمتها .
وحتى المعتزلة الذين يتعاطون بضاعة " العقل " ، ولا يكاد يوجد عندهم للعواطف مكان .. يقول أحد شعرائهم في شيخهم واصل بن عطاء (1) :
له خلف بحر الصين في كل بلدة ... إلى سوسة الأقصى وخلف البرابر
رجال دعاة لا يفل عزيمهم ... تهكم جبار .. ولا كيد ماكر
إذا قال مروا في الشتاء تسارعوا ... وإن جاء حر لم يخف شهر ناجر
هم أهل دين الله في كل بلدة ... وأرباب فتياها وعلم التشاجر
وأهل السنة أولى بأن يقدروا ويوقروا علماءهم ولا خير في أمة لا يوقر صغيرها كبيرها ، ولا يرحم كبيرها صغيرها .
_________
(1) قال الذهبي في الميزان (4 / 329 ) واصل بن عطاء البصري الغزَّال المتكلم البليغ المتشدق الذي كان يلتغ في الراء .. قلت - الذهبي - كان من أجلاد المعتزلة وكان يتوقف في عدالة أهل الجمل ويقول إحدى الطائفتين فسقت لأبيعنها فلو شهد عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم .


--------------------------------------------------------------------------------

*** ومن التواضع ، بل من معرفة قدر النفس ألا ينظر الشاب المبتدئ إلى نفسه على أنه ند لهذا العالم أو ذاك ، ويقول : هم رجال .. ونحن رجال !!
والحال أن الرجولة تختلف .. فإن صفة الرجولة في القرآن الكريم سيقت مساق المدح في مواضع عدة :
{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } ( سورة التوبة / الآية 108 ) .
{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ }{ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } ( سورة النور / الآيتان 36-37 ) .
وقد يعبر بالرجولة عن الفحولة والذكورية فحسب ، في مواضع أخرى :
{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ } ( سورة الجن / الآية 6 ) .
فالرجال ليسوا سواء ، وأين الثرى من الثريا ؟!


--------------------------------------------------------------------------------

ولربما رأيت طويلب علم لا يحفظ من القرآن إلا اليسير ، ولا يكاد يحفظ حديثا من البخاري أو مسلم بحروفه ، فضلا عن سنده ومعناه .. ومع هذا قد يقف أمام جهابذة العلماء وكأنه أبو حنيفة أو الشافعي ! وهجيراه أن يقول : أرى ، وأنا ، وقلت ، وعندي !
يقولون هذا عندنا غير جائز ... ومن أنتم حتى يكون لكم عند ؟!
*** ومن التواضع أن يتواضع المرء مع أقرانه ، وكثيرا ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة والتحاسد ، وربما استعلى الإنسان على قرينه ، وربما فرح بالنيل منه ، والحط من قدره وشأنه ، وعيبه بما ليس فيه ، أو تضخيم ما فيه ، وقد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم وإبداء الملاحظات ، ولو سمى الأمور بأسمائها الحقيقية لقال : الغيرة .
والعجب أن يغار الداعية من اجتماع ألف أو ألفين في مجلس علم أو دعوة لكنه لا ينفعل لو سمع أن حفلا غنائيا أو مباراة رياضية حضرها عشرون أو ثلاثون ألفا ، وهذا والله من البؤس ، حتى لو كنت لا ترضى من أخيك بعض الأمر ، يكفيك أنه يدعو إلى الله ، ويعلم الناس الدين ، وهو على الجادة إجمالا :
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ؟ ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه


--------------------------------------------------------------------------------

وقد يكون الحق معه في بعض ما انتقدته عليه .
*** ومن التواضع : التواضع مع من هو دونك ، فإذا وجدت أحدا أصغر منك سنا ، أو أقل منك قدرا فلا تحقره ، فقد يكون أسلم منك قلبا ، أو أقل منك ذنبا ، أو أعظم منك إلى الله قربا .
حتى لو رأيت إنسانا فاسقا وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه ، واحمد الله على أن نجاك مما ابتلاه به ، وتذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه ، وقد يكون عند هذا المذنب من الندم والانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سببا في غفران ذنبه .
عن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث : « أن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان ، وأن الله تعالى قال : من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان ؟ فإني غفرت لفلان وأحبطت عملك » (1) .
فلا تستكبر على أحد ، وحتى حين ترى الفاسق لا تستعل عليه ، أو تعامله بأسلوب المتسلط المتكبر .
ولو شعر الناصح الداعية أنه قد يكون لهذا الفاسق طاعات ليست عنده ، وأن عنده هو عيوبا قد لا تكون عند صاحبه لعامله برفق ، وتلطف معه في الدعوة بما يرجى أن يكون سببا في القبول والذكرى .
_________
(1) رواه مسلم 2621 .


--------------------------------------------------------------------------------

*** ومن التواضع ألا يعظم في عينك عملك ، إن عملت خيرا ، أو تقربت إلى الله تعالى بطاعة ، فإن العمل قد لا يقبل ، و { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } ( سورة المائدة / الآية 27 ) ، ولهذا قال بعض السلف : لو أعلم أن الله قبل مني تسبيحة لتمنيت أن أموت الآن !
ومن ذلك التواضع عندما تسمع نصيحة ، فإن الشيطان يدعوك إلى ردها ، وسوء الظن بالناصح ، لأن معنى النصيحة أن أخاك يقول لك : إن فيك من العيوب كيت وكيت :
وكم مرة أتبعتكم بنصيحتي ... وقد يستفيد البغضة المتنصح !
أما من عصمه الله تعالى فإنه إذا وجد من ينصحه ويدله على عيوبه قهر نفسه ، وقبل منه ، ودعا له وشكره .
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ، في تعريف الكبر : « الكبر بطر الحق وغمط الناس » .
يعني رد الحق ، وبخس الناس أشياءهم .
فالمستكبر صاحب نفسية متعاظمة لا يكاد يمدح أحدا أو يذكره بخير ، وإن احتاج إلى ذلك شفعه بذكر بعض عيوبه .


--------------------------------------------------------------------------------

أما إن سمع من يذكره ببعض عيوبه فهيهات هيهات أن ينصاع أو يلين ، وما ذاك إلا لمركب النقص في نفسه ، ولهذا كان من كمال الإنسان أن يقبل النقد والملاحظة بدون حساسية أو انزعاج أو شعور بالخجل والضعف ، وها هو أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يحمل الراية ، ويرفع الشعار :
*** رحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا ***
سبق تخريجه .


--------------------------------------------------------------------------------

أ - العدل مع العدو والصديق :
فالكثير من الناس إذا ذكر له صديقه أثنى عليه ولو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء ، وإذا ذكر له خصمه ذمّه ولو كان يعلم أنه خلاف ما يقول .
فهل يستطيع الداعية أن يذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليه ممن يكون مثله في المنهج والطريقة ؟! أو يكون شريكا له في عمل ما ؟!
وهل يستطيع أن يثني بصدق على إنسان يختلف معه في بعض الأمور ؟
إن كان يستطيع ذلك فقد حقق العدل في هذا الجانب ، ولكن أكثر الناس يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم ، ويجورون أيضا على أصدقائهم فيمدحونهم بما ليس فيهم .. وهذا وإن كان مظهره مظهر المحبة والثناء إلا أن حقيقته الجور والذم ، فمن أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمّك ، لأن الناس يتطلبون هذه الخصلة فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها ، والله تعالى قد أمرنا بالعدل حتى مع الأعداء فقال : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [ المائدة : 8 ] .


--------------------------------------------------------------------------------

ومن المحزن أننا وإن سلّمنا بذلك نظريا ، إلا أننا من الناحية العملية سرعان ما ننسى هذا الدرس ، فحين نقف على ما نعده نحن خطأ من فلان نسقطه من الحساب ، ولا نعبأ به ، ولا نلتفت إليه ، وكثيرا ما تنسينا محاسن الشخص الكثيرة عيوبه القليلة ، أو تنسينا عيوبه الكثيرة محاسنه القليلة .
لا بل الأمر أدهى وأمر !
ولعل الحقيقة أنه كثيرا ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة .. وننسى القاعدة الشرعية " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث !! " (1) .
_________
(1) نص حديث رواه أحمد وأهل السنن وصححه الطحاوي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي والنووي وابن حجر . انظر إرواء الغليل ( 1 / 60 ) .


--------------------------------------------------------------------------------

ب- العدل في تقويم الكتب :
فحينما تقوم كتابا فليس من العدل أن تقول إنه يحوي أحاديث موضوعة أو ضعيفة - مثلا - أو آراء شاذة ، فتذكر هذا الجانب المظلم ، وتنسى جانبا آخر موجودا في الكتاب ، وهو أنه يحوي توجيهات مفيدة ، أو أبحاثا علمية .
إن ذكرك لنصف الحقيقة وإهمال النصف الآخر منها ليس من الأمانة .
والكثير من الناس بمجرد أن يرى خطأ في كتاب ما يحذَره ويحذّر منه ، لأنه ساق حديثا ضعيفا ، أو أخطأ في مسألة ، ولو عاملنا كتب أهل العلم بهذا المقياس ما بقي لنا كتاب .
صحيح البخاري - وهو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى - هل حاز على الكمال المطلق ؟ كلاّ ، فقد بيض لبعض المواضع ، لم يضع تحت بعض الأبواب أحاديث ، فيه أحاديث معلقة غير موصولة ، وفي بعض روايات الصحيح اختلاف .
ولا يخلو كتاب بعد كتاب الله من النقص والخطأ ، فلا ينبغي أن نذكر عيوب كتاب ومثالبه ، إلا ونذكر إلى جانبها محاسنه ما كانت له محاسن .


--------------------------------------------------------------------------------

ج- العدل في الحكم على الدعوات والحركات :
منذ سقوط الخلافة الإسلامية قامت في العالم الإسلامي دعوات وحركات كثيرة تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي ، أو إلى استمرار الدعوة بين غير المسلمين ، أو إلى إحياء السنة ، أو ما شابه ذلك من الأهداف النبيلة .
وهذه الدعوات تختلف في منهاجها وأسسها وأهدافها ، وتختلف في قربها أو بعدها عن منهج الكتاب والسنة .
وقد تحدث كثيرون عن هذه الدعوات ودرسوها من جوانب مختلفة ، والأمر الذي تكاد أن تفقده في كثير من هذه الدراسات هو" العدل " ، فكثير من الكتاب ما بين منتم لهذه الدعوة ، معجب بمناهجها وطرائقها فهو يكيل لها المدح كيلا ، ويدعي وصلا بليلى ! وآخر متحامل عليها لا يرى فيها إلا كل نقيصة ، وبين هذا وذاك تضيع الحقيقة .
والله تعالى يحب العدل ، ويكره الجور ، ومن قصّر في جانب فلا يلزم أن يكون مقصرا في كل جانب ، ولا يسوغ أن تنسيك سيئاتهم الكثيرة حسناتهم القليلة .


--------------------------------------------------------------------------------

أحيانا تسمع البعض يتحدث عن فئة من الدعاة إلى الله فيحولهم إلى مجموعة من الشياطين حتى يفسّر نطقهم بالشهادتين تفسيرا يصرفه عن معناه المباشر الظاهر ، ويؤول تصرفاتهم تأويلا قد يصدق في بعضها ولا يصدقها في كثير منها ، والتعميم في هذا الموضع خطأ ، بل يجب لمن تصدى للحديث عن الدعوات ومناهجها التفصيل والدقة وضبط العبارة وذكر الجوانب المشرقة إلى جوار الجوانب المعتمة .
وأئمة أهل السنة والجماعة كانوا يذكرون أهل البدعة فيذمونهم ويحذرون منهم ، لكنهم يذكرون مع ذلك مقاماتهم في الرد على من هو أشد منهم بدعة ، أوفي دعوة بعض الكفار إلى الدخول في الإسلام ، بحيث يتحولون من كفار إلى مسلمين مبتدعين ، وهذا خير من بقائهم على الكفر الصحيح بلا ريب ، أو في ردّ بعض هجمات الأعداء العسكرية ، أو في أعمال خيرية قاموا بها .
فمن العدل ألا نتجاهل بدعتهم بحجة أنهم أحسنوا في أمور ، كما لا نتجاهل حسناتهم بحجة أنهم أصحاب بدعة ، بل نجمع بين الأمرين .


--------------------------------------------------------------------------------

د - العدل في النظر إلى الجهود والأعمال الدعوية :
هناك جهود في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا ترتبط بفئة معينة ، فهي عمل جهادي أو دعوي تضافرت عليه همم المؤمنين ، أو طوائف منهم ، وهي جهد بشري يخطئ ويصيب ، وليس له من العصمة نصيب ، ولذلك فإن من المصلحة الظاهرة أن " تقوّم " هذه الأعمال تقويما صحيحا معتدلا ، يحقق الانتفاع بالإيجابيات وتوسيعها وتعميقها ، وتلافي السلبيات والخلاص منها ، لئلا تتكرر الأخطاء نفسها ويعود المسلمون من حيث بدؤوا .
ولكن هذه المصلحة الظاهرة قد تضيع بين طرفين :
طرف يرى هذا العمل كاملا لا عيب فيه ، فيرمي بسهام الاتهام والشك كل من يوجه نقدا أو ملاحظة .
وطرف لا يبصر إلا العيوب ، حتى لا يكاد يرى في هذا العمل شيئا يمكن الانتفاع به !
· خذ مثلا : الجهاد الأفغاني .. جهاد ما يزيد على عشر سنوات من العرق والدمع والتضحية والسهر والعناء !
قد تجد من يصوره على أنه خال من الأخطاء ، بريء من العيوب ، حتى كأنه جهاد الصحابة رضوان الله عليهم ، ولا يقبل فيه النقد والتوجيه والملاحظة .


--------------------------------------------------------------------------------

وفي المقابل قد تجد من يتحدث عن المجاهدين فيصمهم بالجهل والبدعة دون ترو أو تفصيل ، ويتعلل بأن منهم من يعلق التمائم ! ، أو بأن عندهم بدعا في بعض المساجد ، بل تجاوز الأمر أن صرّح أحدهم قائلا :
هؤلاء مشركون يحاربون ملحدين !!
وقرأت بخط أحدهم تعليقا طائشا عن إحدى الجماعات السلفية هناك ، بأنّ من لم يكفرهم فهو كافر !!
فإذا كان هذا حكمه على فئة سلفية .. فما بالك بغيرها ؟! والله المستعان .
أين ميزان القسطاس الذي وضعه الله لهذه الأمة ؟
وهل هذا هو الاتباع الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي كان يعرف للناس أقدارهم ، ولا يبخسهم أشياءهم ، وكان يثني على الإنسان بما فيه من خلال الخير ، إذا كان ثم مصلحة - ولو لم يسلم من الأخطاء !
أليس قد أثنى - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي ، ووصفه بأنه « ملك لا يظلم عنده أحد » (1) مع أنه حينها كان كافرا لم يسلم بعد ؟!
إن هناك فئة من الدعاة قد تنظر بعين واحدة ، إما بعين الرضا فتنسى العيوب والأخطاء التي تعرف لتعالج وتقوم ، وإما بعين السخط التي لا ترى إلا المساوئ :
وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
_________
(1) رواه ابن إسحاق في السير والمغازي (213) والبيهقي (9 / 9) وأحمد في المسند (5 / 290 ) وإسناده حسن لحال ابن إسحاق .


--------------------------------------------------------------------------------

إذا كان المحبّ قليل حظٍّ ... فما حسناته إلا عيوبا !
ويجب أن يتطلع الدعاة إلى الأحكام العادلة التي تمسك الميزان من وسطه وتنظر نظرة معتدلة متوازنة تحرص ألا تتأثر بالعواطف سلبا أو إيجابا :
{ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [ المائدة : 8 ] .


--------------------------------------------------------------------------------

هـ - العدل في التعامل مع النصوص الشرعية :
وهذه النصوص المحكمة كلها " دين " يجب قبوله وطاعته والإيمان به ، وليس شيء منها " مهجورا " ما دام محكما غير منسوخ .
ومن العدل أن تتوازن في النظر إلى هذه النصوص ، فلا تأخذ منها نوعا وتهمل نوعا آخر، خاصة النصوص الواردة في موضوع واحد ، أو في موضوعين متقابلين .
· هناك من يأخذ نصوص الوعيد كحديث « لا يدخل الجنة قاطع » (1) ، أو « لا يدخل الجنة قتات » (2) ، أو « كفر بالمرء تبرؤ من نسب وإن دق » أو.. أو.. ويبنى على ذلك تكفير الخلق بهذه الأعمال ونحوها اعتمادا على ظواهر هذه النصوص وينسى أو يتناسى النصوص الأخرى الواردة في الوعد والرجاء ، كحديث عتبان « فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله » (3) . أو « من شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبد الله ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح مريم ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل » (4) .
· وفي الطرف الآخر هناك من يعكس المسألة فيأخذ نصوص الرجاء وحدها ، ويؤمن الناس من مكر الله ويغفل نصوص الوعيد .
_________
(1) رواه البخاري (5984) ومسلم (2556 ) وأبو داود ( 1996 ) .
(2) رواه البخاري (6056 ) ومسلم (105) وأبو داود (4771 ) والترمذي (2127 ) .
(3) رواه البخاري ( 4623 ) ومسلم (33) .
(4) رواه أحمد (5 / 314 ) والبخاري (3435 ) ومسلم (28 ) والترمذي (2640 ) .


--------------------------------------------------------------------------------

{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } [ الأعراف : 169 ] .
والعدل أن نأخذ بهذا وذاك ، ونضع هذه في كفة ، وتلك في أخرى حتى يعتدل الميزان ويستقيم .
ومن العدل بين النصوص الشرعية العدل بين الكليات والجزئيات ، فالدين كله لله ، وليس فيه شيء يجوز أن يهون من شأنه ، أو أن يتجاهل أو يهمل ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ، لما أجاب جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان : « هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم » (1) .
ولذا لو أنكر الإنسان أمرا معلوما من الدين بالضرورة متواترا قطعي الثبوت لكان بذلك كافرا ولو كان هذا الأمر الذي أنكره سنة أو فرض كفاية كركعتي الفجر والآذان ونحوهما .
فليس في الدين "قشور" أو"توافه" كما يحلو لبعض المتعجلين والهاجمين على القول بدون ثبت ولا روية أن يعبروا .
_________
(1) رواه البخاري (50) ومسلم (1009) وأبو داود (4698) والنسائي (4990) .


--------------------------------------------------------------------------------

إنما هناك أولويات كالبداءة بأمور العقيدة ، وتقديم الكليات على الجزئيات ، فأنت حين ترى على إنسان مجموعة أخطاء فمن الحكمة أن تبدأ بالخطأ الأكبر قبل الأصغر ، فليس من الحكمة أن تلومه على بعض الأذكار المسنونة وهو يخل بواجبات الصلاة أو أركانها ، وليس يسوغ أن تبدأ معه رحلة النصيحة بنهيه عن التدخين وهو يقع في الشرك .
والتدرج في الدعوة ثابت في وصية النبي صلى الله عليه وسلم ، لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقال : « إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم » .. الحديث " (1) .
فتقديم الأهم فالمهم شريعة نبوية ، كانت جزءا من منهجه صلى الله عليه وسلم في الدعوة العملية ، وهي جزء من وصيته لصحابته المبلغين عنه .
_________
(1) رواه البخاري (1458) ومسلم (19) وأبو داود (1584) والترمذي (625) والنسائي (2435) جميعهم من حديث ابن عباس .


--------------------------------------------------------------------------------

وبعض الدعاة المخلصين قد تتحول عنايتهم وينصب اهتمامهم على مجموعة مسائل جزئية ، هي مهمة دون شك لكن ثمت ما هو أهم منها ، وليست مهمة الناصح أن يصرف اهتمام الدعاة عنها بالكلية ، أو يزهدهم فيها ، كلا .
بل مهمته أن يعمل على وضعها في مكانها الطبيعي الذي يليق بها ، ووضع المسائل الأخرى التي تكبرها في مكانها الطبيعي أيضا .
كنت يوما أشرح للطلاب في دروس " بلوغ المرام " حديث أبي سعيد رضي الله عنه : « إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه ، فإن رأى فيهما أذى فليمسحه وليصل فيهما » (1) .
فرأيتها فرصة مناسبة لشرح المنهج المرضي في مثل هذا الحديث .
فأولا : ذكرت السنن الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة الصلاة في النعلين ، وهي إجمالا خمس :
الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعمد أحيانا خلع نعليه في الصلاة كما في حديث عبد الله بن السائب : « رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره » (2) .
_________
(1) رواه أبو داود (652) .
(2) رواه أبو داود (648) والنسائي(776) .


--------------------------------------------------------------------------------

الثانية : صلاته صلى الله عليه وسلم ، في النعلين كما في حديث أبي سعيد ، ومثله ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال : « سألت أنس بن مالك رضي الله عنه : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ؟ قال : نعم » (1) .
الثالثة : أنه كان يصلي حافيا ومنتعلا كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (2) يعني : تارةً هكذا وتارةً هكذا .
الرابعة : الأمر بوضع النعلين بين رجليه ، ولا يضعهما عن يمينه ولا عن يساره إلا أن لا يكون عن يساره أحد ، كما جاء في حديث أبي هريرة (3) وغيره .
الخامسة : الأمر بالصلاة فيهما كما في حديث شداد بن أوس : « خالفوا اليهود ، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم » (4) .
ثم ثنيت بذكر آراء الفقهاء في المسألة وهي ثلاثة :
1- رأي يقول بالكراهة ، نقل ذلك عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري .
2- وآخر يقول بالاستحباب وهو مذهب الأكثرين كعمر وعثمان وعلي وأنس وابن مسعود وعطاء ومجاهد وطاوس وشريح .. الخ .
_________
(1) أخرجه البخاري (386) ومسلم (555) والترمذي (400) والنسائي (775) .
(2) رواه أبو داود (653).
(3) رواه أبو داود (654 - 655) .
(4) رواه أبو داود (652) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .


--------------------------------------------------------------------------------

3- وثالث يقول بالجواز إذا لم يكن فيها نجاسة ، كما رجحه ابن الخطابي وابن دقيق العيد وابن بطال والنووي وغيرهم ، أي : ليست الصلاة في النعل بمستحبة عندهم ، وزعم ابن دقيق العيد أن ملابسة النعل للأرض التي تكثر فيها النجاسات يقصر به عن أن يكون زينة يستحب أخذها للصلاة .
ثم ثلثت بالترجيح لما يقتضيه الدليل الصحيح الصريح ، وهو استحباب الصلاة في النعل ، على أن يراعى في ذلك أمور :
أ - أن ينظر فيها ويطمئن إلى سلامتها من الأذى أو القذر كما أمر به صلى الله عليه وسلم ، في حديث أبي سعيد .
ب- ألا يترتب على ذلك تشويش أو تشويه ، فإن رفع الأصوات في المساجد والجدل العريض ، والهجر في المقال وامتلاء الصدور بالكراهية والبغضاء والتدابر ، بل وترك الصلاة مع الجماعة إمعانا في التعبير عن الغضب .. كل ذلك قد يفعله بعض الناس ممن كان يحتاج إلى تأليف قلوبهم . وفي بعض المجتمعات يفرح أعداء الدعوة وأعداء المنهج الصحيح بمثل هذه الأعمال ، ويستغلون جهل الناس بالسنة ليلصقوا بالدعاة التهم الباطلة ، وينفروا الناس منهم .


--------------------------------------------------------------------------------

ج- ضرورة ترتيب الأولويات ، فنحن نريد تصحيح عقائد الناس ، وتحذيرهم من ألوان الشرك الظاهر والخفي ، ونريد حمل الناس على فعل الفرائض والواجبات ، والامتناع عن المحرمات ، كما نريد حثهم على الالتزام بالسنن والمستحبات ، وترغيبهم في تجنب المكروهات .
وليس يصح في النظر السليم أن أصرّ على تعليم الناس سنة من السنن مهما كلف ذلك من جهد ، لتكون النتيجة أن يرفضوا هذه السنة بجهلهم ، ثم يرفضوا من دعاهم إليها فلا يقبلوا منه صرفا ولا عدلا .
وسلّم الأولويات الشرعية يبدأ بتعليم أصول العقيدة ، ثم فعل الفرائض وترك المحرمات ، ثم أداء السنن وترك المكروهات ، وهي كالضروريات ، ثم الحاجيات ثم التحسينيات .
وباختصار : نحن بحاجة إلى " درء التعارض " بين العناية بالكل ، والعناية بالجزء ، وإزالة الفكرة الكاذبة التي توحي بأن الاهتمام بالكليات يلزم منه إهمال الجزئيات ، أو العكس ، وأن نجمع اهتمام الدعاة على نسق واحد ، يعطي كل ذي حق حقه .


--------------------------------------------------------------------------------

وليس عيبا أن يدرس الداعية أو يدرّس هذه السنن التي ينكرها الناس كتقصير الثياب إلى وسط الساق ، أو جلسة الاستراحة في الصلاة ، أو تحريك الأصبع في التشهد ، بل هي مسائل ورد فيها نصوص شرعية ينبغي للمتخصص أن يكوّن منها رأيا واجتهادا ، شريطة ألا تلهيه عن غيرها ، كما يدرّب الشباب على تطبيقها في خاصة أنفسهم وفيمن يقبل منهم ويأخذ عنهم ، وفي الأزمنة المناسبة ، وفي الأمكنة المناسبة ، ويتركوها - احتسابا لوجه الله - حين يرون المصلحة الشرعية في تركها ، وليس خوفا من ألسنة الناس أو أقوالهم على أشخاصنا :
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منك وقاء
وليس من العدل أن نكتب في موضوع جزئي ما يزيد على أربعة عشر بحثا .. في حين نترك الوقائع والنوازل الكبيرة في الأمة يسير الناس فيها على غير هدى ، ويتخبطون بآرائهم الشخصية ، أو باجتهادات ناقصة لم تتوافر فيها لآلات الاجتهاد الصحيح .
وهناك من يقع في الخطأ المقابل، فيشتغل ببعض الكليات ويقلل من شأن الجزئيات .


--------------------------------------------------------------------------------

يقول أحدهم : أنا سلفي ، وعندما أنظر إلى شخصية " عمر " أنظر فيها إلى عمر الذي نشر العدل بين الناس ، عمر الذي كان يقول : لو عثرت بغلة في العراق لشعرت أن الله سائلني عنها ، لمَ لمْ تسو لها الطريق يا عمر ؟
ولست أنظر إلى شخصية عمر الذي يقصّر ثوبه ويطيل لحيته !! كما ينظر إليه بعض " الصبية " !! .
يا سبحان الله !
ولماذا نشطر شخصية " عمر " فنجعل منها " عُمَرين " ، عمر العادل المجاهد المتحمل لمسئولية البغلة بالعراق ، وعمر الملتزم بالسنة في هيئته وثوبه وعمله ؟
حاشا عمر رضي الله عنه ، فإنه ما كان يؤمن بهذه " الثنائية " وهذا الانشطار وإليك الدليل :
· لما جاء عقبة بن عامر رضي الله عنه يبشره بفتح الشام ، وقد ركب إليه أسبوعا من الجمعة إلى الجمعة حتى وصل المدينة ، وأخبره بالفتح ، فكبر لذلك وسر المسلمون من هذا النصر المؤزر .
ثم نظر عمر إلى خفي عقبة ، فقال له : منذ متى لبستهما ؟ قال : منذ أسبوع وأنا أمسح عليهما ! فقال له عمر : أصبت السنة (1) .
والأثر صحيح كما يقول ابن تيمية (2) وغيره .
_________
(1) رواه البيهقي (1 / 380) .
(2) الفتاوى (21 / 178) .


--------------------------------------------------------------------------------

فلم يكن اشتغال عمر رضي الله عنه بمسألة الفتوح وإخضاع العالم لحكم الإسلام مانعا له عن بحث مسألة فرعية جزئية - في نظر البعض - وبيان السنة فيها حسب رأيه واجتهاده .
· وحين كان أمير المؤمنين في فراش الموت كان همّ الخلافة من بعده مما يقلق باله ، وبال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومسألة الخلافة مصلحة عامة جوهرية خطيرة ، لكنها - على أهميتها - لم تشغل عمر عن المباحثة والمفاهمة في بعض الجزئيات ، فكان مما فعل - وهو طعين - أنه دخل عليه غلام من الأنصار ، فأثنى عليه خيرا فلما خرج رأى عمر في ثوبه طولا ، فقال : ردوا علي الغلام !! فردوه فقال له : يا ابن أخي ! ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك ! (1) .
وبعد لحظات التفت إلى من حوله من الصحابة فقال لهم : ما تقولون في مسألة إرث الجد مع الإخوة ؟ فتحدثوا ، فقال عمر : " إني كنت رأيت في الجد رأيا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه ! فقال عثمان رضي الله عنه : إن نتبع رأيك فإنه رَشَد ، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فلنعم ذو الرأي كان !! (2)
هذا عمر رضي الله عنه !
_________
(1) رواه البخاري (3700) من حديث عمرو بن ميمون .
(2) رواه الدارمي (2916) عن مروان بن الحكم .


--------------------------------------------------------------------------------

تنسجم عنده الكليات والجزئيات في مزيج عذب ، لا يطغى فيه لون على لون ، ولا طعم على طعم ، وفي بناء متكامل لا يغني فيه شيء عن شيء .


--------------------------------------------------------------------------------

و- العدل في النظرة الشمولية للإسلام :
فالدين جاء ليحكم شئون الحياة كلها ، على مستوى الفرد والجماعة ، وفي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية وسواها ، وقد عاب الله تعالى على بني إسرائيل ووبخهم بقوله :
{ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } [ المائدة : 14 ] .
فالتحزب على جزء من الدين ، ونسيان الأجزاء الأخرى هومن ميراث الأمم الهالكة ، ومن أعظم أسباب الفرقة والخلاف بين الدعاة . فتجد طائفة من المسلمين تهتم بالإسلام التعبدي ، فتعنى بقيام الليل ، وكثرة الذكر ، وقد تضيف إلى ذلك بعض الترتيبات التي لا أصل لها في الشرع وربما تسرب إليها شيء من التصوف العجمي الانعزالي حتى لقد حدثني أحدهم بلهجة المسرور أن أحد الجواسيس الغربيين جلس معهم طويلا ثم كتب عنهم أن هؤلاء لا ضير منهم ، فهم يتحدثون فيما تحت الأرض وفيما فوق السماء !!
تبارك الله !
في القبر والموت والعذاب والنعيم ، وفي الله والملائكة والآخرة !
أما ما فوق الأرض فلا شأن لهم به !


--------------------------------------------------------------------------------

وتجد طائفة أخرى تهتم بالإسلام السياسي ، فجهادهم هو في ميدان تكوين الأحزاب السياسية ، وحشد الأنصار ، والفوز بالانتخابات ، والدخول في المجالس والبرلمانات .. وتربية الشباب على الجهاد السياسي .
وتجد فئة ثالثة عنيت بالإسلام العلمي ، فهي تتعلم السنة والحديث ، وتشتغل ببيان صحيحها من سقيمها ، وتحذر الناس من رواية الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، وقد يصحب ذلك شيء من الجفاء أو ضعف التعبد أو الغفلة عن واقع الأمة وما يدبر لها .
وقبل أن يسبق إلى ذهن أحد معنى يكرهه أبادر وأقول :
أولا : الإسلام يشمل الجوانب الثلاثة كلها ، وغيرها ، فهو دين جاء ليربط العبد بربه تعبدا ورجاء وخوفا ، ومن ثم جاءت الشعائر التعبدية ، وهو دين جاء ليحكم حياة الناس ويدير شئونهم ، فليس كهنوتا ولا رهبانية ، ولا عزلة عن واقع الحياة ، والسياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام ، فالجهاد في هذا الميدان بكل وسيلة مباحة مؤدية للغرض المقصود يجب أن يكون جزءا من هم الداعية .


--------------------------------------------------------------------------------

وهو دين جاء ليضبط التعبد ، ويضبط الحركة في واقع الحياة ، بضابط الكتاب والسنة فلا يكون هناك مجال للعواطف المجردة ، ولا للأمزجة الشخصية ، فلا بد من العلم بالكتاب والسنة حتى نصحح عباداتنا وأعمالنا .
إذن : كل هذه المجالات مما جاء الدين بالدعوة إليه ، والحث عليه .
ثانيا : قد يعجز فرد أو أفراد أن يحيطوا بهذه الأمور كلها في دعوتهم إلى الله، فالطاقة محدودة إذا صرفت لشيء فربما بخست شيئا أخر ، أو أضرّت به ، فضلا عن أن ما رُكّب عليه الناس من الطبائع والنظرات ونوعية الاهتمامات قد يجعل الإنسان بطبعه أميل إلى أحد هذه الأمور . فمثلا قد يكون في الإنسان زهد ونسك وخير كثير ، لكنه لم يرزق آلة العلم الشرعي ، فليس من أهله .
وهنا نقول : قد علم كل أناس مشربهم ، وكل ميسر لما خلق ، وقد كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، الفارس المقاتل الشجاع كخالد بن الوليد ، إلى جوار العالم المتهجد الفقيه كابن عباس وابن مسعود ، إلى جوار المتعبد المتزهد الذي يصيح بالناس قولا وفعلا : لا تركنوا إلى الدنيا ، كأبي ذر رضي الله عنه .
ومن مجموع هذه الشخصيات وغيرها يتكون البناء الإسلامي المتكامل .


--------------------------------------------------------------------------------

وقد يوجد فيه من يكونون مجمعا للفضائل - وهو قليل - وعلى نطاق الصحابة رضي الله عنهم تجد أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم وهم من الصحابة أكثر منهم فيمن جاء بعدهم .
ثالثا : يجب أن يكمل بعضنا بعضا ، وألا يكون تنوع الاهتمامات مدعاة للتطاحن والتناقض والتنابز واتهام كل طرف للآخر .
فهذا يتهم ذاك بالجهل ، وذاك يتهم هذا بالإغراق في بحث الجزئيات والغفلة عن واقع الحال ، والثالث يتهم الآخرين بالجفاء والجفاف ، والركون إلى الدنيا وهكذا .. كلا ..
بل يقول كل مؤمن لأخيه ، إنه قام بما قصر فيه هو من فروض الكفايات وسد عنه ثغرة ما كان يستطيع سدها ، ويدعو له بظهر الغيب ، ويحمي ظهره من طعن الطاعنين .
فلا " نتحزّب " على جزء من الدين ، ونحارب من يتهم بجزء آخر ، بل إن قصرنا في أمر شكرنا من يقوم به عنا ، وشتان بين الأمرين .


--------------------------------------------------------------------------------

رابعا : ويجب ألا يشغلنا ما نذرنا أنفسنا له - من علم أو تعبد أو جهاد سياسي أو غير ذلك - عن الجوانب الأخرى أن نأخذ منها بنصيب ، فليس يسوغ للداعية - أيَّا كان - أن يجهل ما يكون تعلمه فرض عين على كل مسلم ، كمعرفة العقيدة الصحيحة ، ومعرفة أحكام الوضوء والصلاة والصيام ونحوها ، ومعرفة ما يحتاجه في حياته العملية كآداب المعاشرة للمتزوج ، وأحكام الزكاة والتجارة أرباب الأموال ، والأحكام المتعلقة بالعمل أو المهنة كالطب أو الهندسة أو غيرها .
وهذا هو العاصم - بإذن الله - عن أن يكون اهتمامنا بشيء ذريعة إلى الغلو فيه وترك ما عداه .
فإن العناية بالعبادة إذا لم يصحبها علم شرعي صحيح ، مبني على الدليل من الكتاب والسنة قد تؤدي إلى التردي في مهاوي التصوف .
والعناية بالدعوة إذا لم تبن على فهم صحيح ، ومدارسة للنصوص ، وتحصيل علمي قد تؤول إلى جمع الناس على بدعة أو حشدهم على غير شيء . وهكذا .


--------------------------------------------------------------------------------

ز- العدل مع الواقع :
فالبعض من الدعاة يعيش في هذا العصر ، وكأنه في القرن الخامس الهجري ! لا يعرف عصره ، ولا يدري ما يقع حوله ، ويفاجأ بالأحداث . كما يفاجأ بها رجل الشارع !
صعد خطيب من الخطباء في إحدى القرى وفي يده كتاب يقرأ منه ، فكان مما قال في آخر خطبته أن دعا لأمير المؤمنين السلطان العثماني فلان ، أن يخلد الله ملكه ، ويؤبد سلطانه !!
ولم يدر أن جسد هذا الخليفة أصبح طعاما للديدان في قبره ، وأن ملكه أصبح نهبا للشرق والغرب !
وهذه الصورة " الصارخة " من " الغيبوبة " قد لا تتكرر كثيرا ، لكن ثمت صور ألطف منها تتكرر بصفة دائمة .
أحد الشباب سألني قائلا : حزب البعث ، ما هو حزب البعث ؟ ما هي عقائدهم الأخرى غير مسألة الكفر بالبعث ؟!
ظن أخي أن سبب تسميته بحزب البعث ، لأنه يكفر بالبعث ، كما سمي القدرية لأنهم ينكرون القدر !!
إن المسلم قيم على عصره ، وشاهد عليه ، فهو يعيش هموم المجتمع ، ويدرك تيارات الفكر واتجاهات السياسة ، ويحرص على إيجاد الحلول الصحيحة للوقائع الجديدة ، وعلى مقاومة الانحرافات بعد معرفتها وإدراك جذورها ، ولن يستطيع نقض مناهج الفكر الغربي من لا يعي جذورها وظروفها ومنطلقاتها .


--------------------------------------------------------------------------------

وليس من الضروري أن يصبح كل داعية كذلك ، لكن لا بد أن يَنْفُرَ من المؤمنين طائفة ليقوموا بهذه الفريضة ، وعلى المستوى العام لا بدّ أن يكون للداعية نافذة على الواقع يدرك من خلالها أهم الأحداث المحيطة به ، ويستطيع أن يكون مرشدا للناس إلى السلوك الصحيح حيالها .
وفي مقابل أولئك المنعزلين عن الواقع يوجد من يحوّل هذا النزول للواقع إلى نوع من الانهزامية ، والبحث عن المسوغات والمبررات ليقول إن ما عليه للناس موافق للإسلام ، أو يحاول التخلي عن بعض الأمور الشرعية مجاملة للواقع ، أو خضوعا لضغطه النفسي .
والعدل هو التعرف على الواقع ومحاكمته إلى دين الإسلام ، وتصحيح انحرافاته بحسب الإمكان .


--------------------------------------------------------------------------------

ح - العدل في التعامل مع الخلاف :
الخلاف من طبيعة البشر { وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }{ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } [ هود : 118 - 119 ] .
ولا شك أنه يختلف ويتفاوت باختلاف النيات والمقاصد ، واختلاف العقول والمدارك ، واختلاف العلوم ، والتعامل مع الخلاف يتطلب موقفا شرعيَّا . بعض الدعاة يدعو إلى وحدة الصف وجمع الكلمة ونسيان الخلاف دون تحديد ضابط دقيق لمن يمكن الوحدة معه ، ومن تجب مفاصلته لبدعته وضلاله وانحرافه .
وفي الطرف الآخر هناك من يبالغ في الشروط ، حتى ليريد من الناس أن يوافقوه في كل شيء ، حتى في اجتهاداته الشخصية الفردية ، وآرائه الخاصة ، فإذا خالفه أحد في بعض ذلك أعرض عنه ، واتخذ منه موقف المناوئ ، وأصبح لا يأبه به ولا يقيم له وزنا !
والعدل يقتضي تقبل الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه كالوسائل الدعوية ، والفرعيات ، والأحكام التي اختلف فيها السابقون .. ونحو ذلك مما بني على اجتهاد شرعي في فهم النصوص ، لا على مجرد الميل والتشهي .. فمثل هذا يحتمل ، ويكون الأمر فيه واسعا .


--------------------------------------------------------------------------------

أما التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة ، والانحرافات الجوهرية بحجة توحيد الصف فمسلك تلفيقي لا يمتّ إلى العقل ولا إلى الشرع بصلة .
وأما مطالبة الناس بالاتفاق على كل شيء ، وألا يختلفوا في شيء البتة فضرب من المحال والخيال ، لا يتصوّر إلا في عقول السذّج .


--------------------------------------------------------------------------------

خامسا / العاطفة الحية
نحن بحاجة إلى داعية يملك قلبا يحترق على واقع الإسلام والمسلمين وعلى أوضاع الأمة في مشارق الأرض ومغاربها ، يعطف على إخوانه ويحقق قوله سبحانه { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } [ الفتح :29] ولا يكون شأنه شأن الخوارج في الدهر الأول الذين يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان .
إن المؤمن ينبغي أن يكون شديدا على الكفار رحيما بالمؤمنين ويحقق في نفسه قوله صلى الله عليه وسلم ، « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » .
وقوله « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » .
فنحن بحاجة إلى من يحس بآلام إخوانه المسلمين ، فإذا سمع بمصيبة حلت بإخوانه تألم لها ولو كان لديهم بعض التقصير والابتداع .


--------------------------------------------------------------------------------

كان الشيخ محمد رشيد رضا يتألم لواقع المسلمين وتظهر أحزانه على قسمات وجهه حيث تحل بأحد المسلمين مصيبة أو قارعة ، ويفرح إذا كان الأمر على العكس من ذلك حتى إن والدته عرفت عنه هذا الخلق فإذا رأته حزينا كاسفا سألته مالك يا ولدي : أمات اليوم مسلم بالصين ؟ فهي قد أدركت أن أحزان ابنها وأفراحه مربوطة بأحوال المسلمين يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم وهذا هو الولاء الحقيقي للمسلمين .
· ومن هذه العاطفة أن يملك الإنسان قلبا يتأثر لأخطاء المسلمين وانحرافهم عن الدين ، فيحزن لانتشار الفسق والمعاصي بينهم حزنا لا يدفعه لاعتزالهم إنما يدفعه لأن يشعر أنه كالطبيب معهم يحاول إنقاذهم فإن لم يدرك ذلك كله فليقلل من هذا الانحراف بقدر ما يستطيع .
وينبغي أن تدعوه هذه العاطفة للغيرة على نفسه وزوجه وولده فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويمنعهم من ارتكاب ما يسخط الله عز وجل .


--------------------------------------------------------------------------------

كثيرون هم الدعاة الذين يتحدثون عن الإسلام لكن الذي يملك عاطفة حقيقة حية قلة من هؤلاء ، وإذا تحركت العاطفة في قلب الداعية أثمرت دعوة ونصيحة ومشاركة لآلام المسلمين في كل مكان . أما حين يفقد الإنسان هذه العاطفة فيُصبح يعيش لنفسه وولده وزوجه ، يعيش ليستمتع ويتلذذ بما حوله وينسى هموم المسلمين فإنه حينئذ يكون قد تخلى عن حقيقة الولاء للمؤمنين ، وإن دندن في أحاديث حول الدعوة والدعاة ، ومصائب المسلمين ، و.. و.. إلا أنه يكون كالنائحة المستأجرة .
وما أكثر الذين تعودوا على كلام يرددونه في المناسبات .. وحفظوا عبارات يسمعونها ويتلونها دون أن تنطلق من حماس وغيرة على الدين وأهله ..
فآهٍ لهذه الأمة .. ما أحوجها إلى قلوب تحترق !


--------------------------------------------------------------------------------

سادسا / الطموح
ويعني هذا الخلق أن لا يعيش الإنسان لنفسه ودنياه إنما يعيش لأمته كما كان صلى الله عليه وسلم ، إذ تقول عنه عائشة لما سألها عنه عبد الله بن شقيق رضي الله عنه « هل كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يصلي وهو قاعد ؟ قالت : " نعم بعدما حطمه الناس » (1) . فقد كان صلى الله عليه وسلم ، يتصدى للناس يستقبلهم ويودعهم ، يأمرهم وينهاهم يختلط بهم ويتحمل أخطاءهم لذلك حطمه الناس وأثروا في بدنه صلى الله عليه وسلم ، حتى أصبح يصلي جالسا وأسرع إليه الشيب بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم .
· والدين مراتب فالإسلام ثم الإيمان والإحسان يقابل هذه القسمة قسمة ثلاثية أيضا وهي الواردة في سورة فاطر { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [ فاطر :32] .
_________
(1) رواه أحمد (6 / 171 ،218) ، ومسلم (732) وأبو داود (956 ) .


--------------------------------------------------------------------------------

ويناظر هذه القسمة قسمة ثلاثية أيضا ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ، في حديث الفرقة الناجية حيث ذكر الإسلام أولا وهو الضمانة الوحيدة في الدخول إلى الجنة فلا يدخل الجنة إلا مسلم وداخل في هذه الدائرة الكبرى وهي دائرة الإسلام دائرة أضيق وهي دائرة الفرقة الناجية وتشمل من التزموا بالسلوك المستقيم والعقيدة الصحيحة ولم يقوموا بما وراء ذلك . وهناك دائرة أضيق من هذه الدائرة وهي أفضل وأشرف وأعظم وهي دائرة الطائفة المنصورة الذين يذُبُّون عن الدين وينافحون عنه ويتحملون الأذى واللأواء في سبيله فينصرهم الله جل وعلا .
فينبغي أن يكون المسلم طموحا ويسعى للارتقاء في هذه الدرجات وأن ينظر في الدين إلى من هو فوقه وفي الدنيا إلى من هو دونه . فحاول أن تتشبه بالفضلاء والمصلحين والمجددين حتى يتحقق لك بعض الخير في هذه الدنيا كن صاحب نفس طموحه لا ترضى بالوقوف عند حد معلوم ، ولا تشبع من خير قط حتى يكون منتهاك الجنة .


--------------------------------------------------------------------------------

وختاما
ينبغي للداعية أن يكون قدوة لغيره بأن يتجنب المكروهات وفضول المباحات وما لا يحتاج إليه ، ويترفع عن الدنيا والتنافس فيها حتى يكسب ثقة الناس ، والأمر كما قال الشافعي :
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها
فما هي إلا ضيعة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فمن المهم للداعية أن يجعل الدنيا تحت قدميه يستخدمها ولا يخدمها حتى يعلم الناس أنه ليس صاحب دنيا ولا طالب مكانة .
ومن مجالات القدوة أن تجنب الداعية التناقض بين القول والعمل كما قال نبي الله شعيب { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [ هود : 88] .
ولذلك كان علماء السوء يدعون الناس إلى الإسلام بأقوالهم ويحذرون منه بأعمالهم ، فاحرص أخي الداعية أن تكون قدوة في قولك وعملك .


--------------------------------------------------------------------------------

· وها هنا أمر ينبغي التنبه له وهو أن الكثير من الناس يظن أن الداعية لا يأمر إلا بالمعروف الذي يفعله ولا ينهى إلا عن المنكر الذي يجتنبه وهذا غلط بل الصحيح الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة أن الإنسان يجب عليه أن يأمر بالمعروف ولو كان مقصرا فيه وأن ينهى عن المنكر ولو كان واقعا فيه حتى قال بعض حذاق أهل العلم حق على من يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضا .
فالوقوع في المنكر لا يبرر لي الوقوع في خطأ آخر وهو أن لا أنهى عن المنكر ، والشرط الوحيد أن يكون أمري بالمعروف ونهيي عن المنكر بصدق وليس على سبيل الخداع والنفاق والتضليل وأن أظهر للناس أني داعية ، وأنا لست كذلك . فلو كان الوالد مثلا مبتلى بشرب الدخان ورأى ولده يدخن فهل يسكت عنه بحجة أنه واقع في المنكر ؟
كلا . بل عليه أن ينهاه ويقول : إني سلكت هذا الطريق ويصعب علي الإقلاع وأنت ما زلت في البداية وهكذا سائر المعاصي .
وقل مثل ذلك في مسئول يرى من تحته يقع في معصية هو واقع فيها .
ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب ... فمن يعظ العاصين بعد محمد


--------------------------------------------------------------------------------

وتقتضي القدوة ألا يقابل الداعية السيئة بالسيئة بل يعفو ويصفح ويقابل الإساءة بالإحسان كما كان صلى الله عليه وسلم ، يعفو عمن ظلمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل من قطعه ، وهذه أخلاق الأنبياء .
جعلنا الله وإياكم هداة مهتدين ، غير ضالين ولا مضلين ، وعاملنا بفضله ورحمته ، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك .
سلمان بن فهد العودة


--------------------------------------------------------------------------------
صارم الجزيرة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 03:51 AM   #2
ابراهيم عبده محمد
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 26
       
ابراهيم عبده محمد is on a distinguished road
جزاكم الله خيرا
ولا تعليق
وجعلنا الله واياكم ممن يقبلهم دعاة اليه
امين
ابراهيم عبده محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-05-2007, 04:50 PM   #3
عبد الله بن ناجي المخلافي
مشرف منتدى موسوعة المسجد النبوي ومنتدى المخطوطات
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 325
       
عبد الله بن ناجي المخلافي is on a distinguished road
بارك الله فيك
عبد الله بن ناجي المخلافي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
التعليق على تفسير ابن كثير الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمها هدية لجميع اخواننا حسَّانة منتدى الصــوتـيـات والـمـرئـيـات 1 02-05-2012 12:21 PM
الكتاب الناطق : التعليق المختصر المفيد على كتاب التوحيد - الفوزان محب الإسلام منتدى الصــوتـيـات والـمـرئـيـات 0 01-08-2009 07:53 AM
دروس التعليق على كتاب: "الفصول في سيرة الرسول " للحافظ ابن كثير هدى ركن العلـوم الشرعية والمسـابقات 0 26-04-2009 01:09 AM


الساعة الآن 04:17 PM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع