العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة الكتب الالكترونية بكافة أنواعها..

كاتب الموضوع الحسن العبد مشاركات 0 المشاهدات 2271  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 21-07-2013, 10:18 PM   #1
الحسن العبد
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2013
الدولة: يقطن بمدينة فاس.
المشاركات: 480
       
الحسن العبد is on a distinguished road
كتاب 1 عدة العبد المنيب- الفصل الثاني-

الفصل التاني:


1/ العبد العالم المصلح





-2/ العبد العامل الصالح





-3/ العبد العابد المتعبد.
50
1/ العبد العالم المصلح.

قال تعالى: = إنما يخشى الله من عباده العلماء= سورة فاطر، الآية 28.
ما معنى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ؟ وعلى من تعود الخشية ؟ ونحن جميعاً نعلم أن الله لا يخشى أحدا ، وإنما يخشاه العباد ؟ .

الفاعل هنا : (العلماءُ) فهم أهل الخشية والخوف من الله . واسم الجلالة (الله) : مفعول مقدم . وفائدة تقديم المفعول هنا : حصر الفاعلية ، أي أن الله تعالى لا يخشاه إلا العلماءُ ، ولو قُدم الفاعل لاختلف المعنى ولصار : لا يخشى العلماءُ إلا اللهَ ، وهذا غير صحيح فقد وُجد من العلماء من يخشون غير الله . ولهذا قال شيخ الإسلام عن الآية :
" وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ . وَهُوَ حَقٌّ ، وَلا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ يَخْشَاهُ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (7/539)
وأفادت الآية الكريمة أن العلماء هم أهل الخشية ، وأن من لم يخف من ربه فليس بعالم . قال ابن كثير رحمه الله : " إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به ، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير أتم والعلم به أكمل ، كانت الخشية له أعظم وأكثر . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) قال : الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير... وقال سعيد بن جبير : الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل . وقال الحسن البصري : العالم من خشي الرحمن بالغيب ، ورغب فيما رغب الله فيه ، وزهد فيما سخط الله فيه ، ثم تلا الحسن : (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ليس العلم عن كثرة الحديث ، ولكن العلم عن كثرة الخشية . وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال : كان يقال العلماء ثلاثة : عالم بالله عالم بأمر الله ، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله . فالعالم بالله وبأمر الله : الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض ، والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله : الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض . والعالم بأمر الله ليس العالم بالله : الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل " انتهى من تفسير ابن كثير (4/729) باختصار . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (17/21) : " قوله تعالى : ( إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لا يَخْشَاهُ إلا عَالِمٌ ; فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَهُوَ عَالِمٌ كَمَا قَالَ فِي الآيَةِ الأُخْرَى : ( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) الزمر/9 " ./1/ .
بعث الله تعالى سيد الخلق رسولا معلما صلى الله عليه و سلم.وتعلم مسالة خير من قيام ليلة كما قال الصحابي التقي ،أبو الدرداء،رضي الله عنه/2/.فطلب العلم جهاد ،ثم إن طالب العلم حبيب الله تعالى لان في طلب العلم خشية و عبادة و معرفة و منفعة.بذله للغير صدقة.فالعلم الحق هو النور،كرم الله تعالى به الإنسان بان جعل في صميم النبوءات الحكمة لعبادة الله تعالى مع اعمار الأرض.



1/http://islamqa.info
2/ تنبيه الغافلين للفقيه السمرقندي 51

هو علم منزل على أيدي الأنبياء و الرسل لتعليم الناس ما لم يكونوا يعلمون.هو علم يؤدي لعبادة الله لا الاه إلا هو قائم بالقسط.فالعلم كله من الله تعالى" وعلم ادم السماء كلها" (سورة البقرة،الآية 31).-/- لقد فاضت نصوص الكتاب و السنة في فضل العلم وأهل العلم وعلى بيان رفعة شان العلم وأهله والترغيب به- يقول خليل عيتاني//3/.
وهب الله تعالى الإنسان من الأسرار ما يرفعه عن الملائكة.علم الإنسان البيان.هي نعمة من المولى،هي رحمة،هي منة الله تعالى على الإنسان في هذه الأرض،المنة ،كما يقول د الجيلاني المريني:
-/ التقطت البشرية من سفح الجاهلية لترقى بها في الطريق الصاعد إلى القمة السامقة عن طريق المنهج الرباني الفريد العجيب-/ 4/.فلا علم إلا من الله تعالى:" ربنا وسعت كل شيء رحمة و علما" ( سورة غافر ،الآية 7).فعلام الغيوب يعلم وحده كل شيء،علما مطلقا كاملا شاملا.يعلم ما تخفي الصدور وما تعلن.فوهبنا الله تعالى العلم حاكما لنعلم و نتعلم فنعمل بعبودية للأحد الصمد.وهذا العلم هو طريق الجنة بفضل الله تعالى ورحمته.
فالعلم نور يستضيء به المتعلم ويرفع الله تعالى صاحبه درجات.به تحيى القلوب وتستنير العقول البشرية. قال تعالى: " يرفع الله الذين امنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات".فالتعلم شرف للطالب وعطاء بالتواضع للعالم.فالعالم يبعثه الله تعالى عالما. والله عز وجل يحب أن يعبد بعلم،فما عبد الله تعالى بشيء أفضل من فقه في الدين.قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:= إن الله و ملائكته و أهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها و حتى الحوت في جوف البحر يصلون على معلم الناس الخير=./5/.
يكفي أن الشيطان لعنه الله تعالى يخاف أهل العلم ،و لفقيه و احد اشد عليه من ألف عابد/6/.ثم إن عماد الدين هو العلم . وأول كلمة نزلت على الرسول صلى الله عليه و سلم هي :"اقرأ".وصاحب العلم يبقى حيا بعد الوفاة، لان علمه يورث من جيل لآخر.قال سيد الخلق صلى الله عليه و سلم:" من يرد الله به خيرا يفقه في الدين=/7/.
وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه،قال : -/ العالم و المتعلم في الأجر سواء،وإنما الناس رجلان:عالم و متعلم،ولا خير فيما سوى ذلك.فالعالم الرباني الحق،هو من يتعلم بتواضع و يعمل بعلمه=. فالعلم إذا مصباح يضيء و مرشد يدل على الصراط.لذلك فالعبد الولي العالم دائم التعلم من ربه ،عالم بالله تعالى وبأمر الله تعالى ويخشى الله تعالى.ثم إن مجالس العلم هي بالأساس مجالس الرحمة و المغفرة.هي جنات الدنيا،هي رياض الجنة.









3/ من وصايا الرسول للرجال ،ص 100.
4/ مجلة البيان ،عدد 201،صفحة 11.
5/ رواه الترمذي.
6/ تنبيه الغافلين للفقيه السمرقندي
7/ رواه البخاري.

52

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ،في فضل أهل العلم عند الله تعالى، وفي الجزاء عن العلم و التعلم :
= من سلك طريقا يلتمس فيه علما،سهل الله له به طريقا إلى الجنة= /8/.إذن ميراث الرسل هو العلم، العلم الشرعي و كل علم فيه منفعة للناس كافة. وبالخص تلاوة الذكر الحكيم لان الفقهاء،حاملي كتاب الله تعالى ،هم أهل الله تعالى و خاصته.وخير العلماء،كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم = خيركم من تعلم القران و علمه= /9/.
وكما قال الحكماء ،-/ إن دين الإسلام يقوم على العلم و يرفض الضلالات،لان مدارسة العلم تسبيح و البحث عنه جهاد وكل من يستفيد منه لك معه اجر لان تعليمه يدخل في باب الصدقة-/10/ .ثم انه بمجالستك للعلماء يزيدك الله تعالى من العلم و الورع و التقوى.وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
= النظر في وجه الوالد عبادة،والنظر في الكعبة عبادة،والنظر في المصحف عبادة،والنظر في وجه العالم عبادة= /11/.فالعلم يسبق العمل ،قال تعالى : " فاعلم انه لا الاه إلا الله واستغفر لذنبك و للمؤمنين
و المؤمنات" ( سورة محمد،الاية19).فالعلم يسبق العمل.
ثم إن خشية الله تعالى تتم بمعرفة آيات الله تعالى" إنما يخشى الله من عباده العلماء"( سورة فاطر، الآية 28).ونظرا لأهمية العلم في العبادة و في العمل ،أمر الله تعالى عبده و رسوله صلى الله عليه و سلم،بطلب المزيد،فقل عز وجل: " وقل ربي زدني علما".
(سورة طه ،الآية 114).
العلم طريق لمعرفة الحق،هو فريضة على كل مسلم و مسلمة. وقد فضل الله تعالى العالم على العابد،كفضل القمر على سائر الكواكب.ثم إن العلماء هم ورثة الأنبياء.من اخذ بالعلم اخذ بعطاء وافر، وبرزق لا ينقضي. وأفضل العلوم ،علوم الشريعة ثم كل علم ينفع الناس في دنياهم و آخرتهم. فالله العليم يعبد بالعلم،وبالعلم يكون التدبر في المخلوقات.وخير العلم ما عمل به صاحبه.قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: = من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم=. و كما قال بعض العلماء-/ العلم يحرسك و أنت تحرس المال،والعلم حاكم و المال محكوم-/.
يقول الشيخ النابلسي في هذا الشأن:-/ لقد ربط رسول الله صلى الله عليه و سلم بين العقل و الدين،ووضع العلاقة بينهما فقال:= إنما الدين هو العقل،ومن لا دين له لا عقل له،ومن لا عقل له لا دين له=/12/.قال رسول الله صلى الله غليه و سلم := كل علم وبال على صاحبه ما لم يعمل به=.فالعالم الذي لا يعمل بعلمه أول من تسعر به النار يوم القيامة.بالعلم يعرف الخالق البارئ،فيوحد و يعبد،وطلب العلم عبادة،يؤدي بصاحبه إلى الأعمال الصالحة.





8/ رواه مسلم.
9/ أخرجه البخاري.
10/ كتاب أصول الدين الإسلامي ،للشيخ محمد بن إبراهيم التويجري. 11/ كتاب تنبيه الغافلين.
12/ خطبة الجمعة 14-/01/12/1974.
53
2/ العبد العامل الصالح.

قال تعالى : "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه"
(سورة فاطر آية 10).
أي، إلى الله جل وعلا يرتفع كل كلام طيب ـ والمقصود بالكلم الطيب الدعاء والذكر، والتسبيح والحمد والثناء والتمجيد والتقديس والتوحيد وتلاوة القرآن.. الخ.
والدعاء كما نعلم هو مخ العبادة والحق سبحانه وتعالى يفرح بالعبد الذي يدعوه ويتضرع إليه ويلح في دعائه وطلبه ـ قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} سورة غافر: آية 60.
وإذا كان الدعاء إلى الله عز وجل من الكلم الطيب الذي يحبه سبحانه وتعالى بل ويأمر عباده بمداومة الدعاء والتوسل والتضرع له لأنه رب كريم ذو فضل عظيم. . فإن الحق سبحانه وتعالى وفي المقابل يكره عباده الذين لا يلجؤون إليه بالدعاء والتضرع ـ ويغضب عليهم حيث اعتبرهم الله عز وجل من المتكبرين عن عبادته أي على دعائه ـ لذلك فإنه سبحانه وتعالى يقول: =إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين= /سورة غافر: آية 60،//1

قال تعالى:" إن الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل الرحمان لهم ودا".
( سورة مريم،الآية 69).
للعمل الصالح جزاء في الدنيا و جزاء في الآخرة.فالعلم العامل لا يغتر بعمله بل لابد من الإخلاص و الصدق في العمل،لكي يكون العمل مقبولا عند الله تعالى.إخلاص في العمل و عطاء في تواضع من خصال الكبار.قال عيسى بن مريم عليهما السلام:= من علم وعمل وعلم فذلك الذي يدعى في ملكوت السماوات عظيما=/2/.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه:-/ لا تكن عالما حتى تكن متعلما و لا تكن عالما حتى تكن بالعلم عاملا-/./3/.ثم إن أفضل الأعمال ما قل و دام ،وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم،هو العمل بالسنة= التمسك بسنتي عند فساد أمتي له اجر مائة شهيد=/4/.ثم إن جزاء العمل في الدنيا هو حسن الرعاية الربانية و الرزق الواسع و الخير الشامل مع الطمأنينة و السكينة.فالعمل الصالح لا ينحصر في الأعمال الكبيرة كبناء المدارس و المستشفيات و التكفل بالأيتام.ليس للعمل الصالح مجالا معينا أو محدودا .
انه كل خدمة بصدق النية تسدلها للغير مهما كانت.بل انه أي عمل تريح به نفسك أولا لكن ترضي الله تعالى .عمل فيه طاعة الله تعالى بالأساس.فالعمل الصالح ميدان واسع ومفهوم شامل.هو كل ما من شانه أن يعود بالنفع على الناس كمواساة الفقير و انقاد الغريق و أماطة الأذى عن الطريق.كل معروف تريد به وجه الله تعالى و في صلاح الأمة فهو خير و لك عليه من الله تعالى جزاء.قال عليه الصلاة و السلام:= كل معروف صدقة=/5/ .فكل عمل تسديه للإنسانية،للبيئة و للمجتمع ككل كغرس الأشجار هو من الإيمان بالله تعالى ،لان فيه اعمار للأرض و منفعة للبشرية جمعاء وصيانة مرافق المسلمين.





http://www.muslimworldleague.org/1 -الدعوة- رابطة العالم الإسلامي.
2//3/ تنبيه الغافلين للسمرقندي.
4/ الألباني ،الجامع.
5/ رواه البخاري.
54

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: = مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال : و الله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم،فادخل الجنة= /6/.إن الله تعالى يجازي على وزن الذرة من الخير" فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره".
-( سورة الزلزلة ، الآية 7).إن مجرد الابتسامة في وجه أخيك صدقة وهي بذلك عملا صالحا.بل يكفي أن تهم بالصدقة أو بعمل الخير.ما شاء الله تعالى.
فالمداومة على العمل الصالح توصل القلب البشري بمولاه وتجعل المخلوق دائما في عناية الخالق،متعلقا بالحق و نافعا للخلق.دائم النشاط و الطمأنينة وأعمال الخير مع الذكر لأنها تولد محبة الله عز وجل و رضاه و تورث العبد جنة الفردوس برحمة الله تعالى و بفضله. و للعمل الصالح جزاءٌ في الدنيا والآخرة، فالجزاء في الدنيا حسنُ رعاية الله، ففي الحديث القدسي : وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه/7/.جزاء العمل الصالح المودَّةُ في قلوب المؤمنين، قال تعالى: = إِنَّ ٱلَّذِينَ امنوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّا= سورة مريم، الاية96.
حسنُ الذكر جزاءُ العمل الصالح، قال تعالى:= واتيناه أَجْرَهُ في ٱلدُّنْيَا [=العنكبوت:27]، أي: جمع الله تعالى لإبراهيم عليه السلام بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهنيء، والمنزل الرحب، والمورد العذب، والثناء الجميل، والذكر الحسن، وكل أحد يحبه ويتولاه. تفريجُ الكروب جزاء العمل الصالح، قال تعالى: = وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ = الطلاق:2 ، 3.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:= انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدَّت عليهم الغار، فلم ينقذهم إلا توسُّلهم إلى الله بأعمالهم الصالحة=.فالعمل الصالح لا يقتصر على عبادات معينة ومجالات محددة، بل هو ميدان واسع ومفهوم شامل كما يقول علماء الإسلام.، فمن بنى مسجدا أو أنشأ مدرسة أو أقام مستشفى أو أشاد مصنعاً ليسدّ حاجة الأمة فإنه يكون بذلك قد عمل صالحا، وله بذلك أجر. من واسى فقيراً وكفل يتيماً من عاد مريضاً وأنقذ غريقاً وساعد بائساً وأنظر معسراً وأرشد ضالاً فقد عمل صالحاَ، قال عليه الصلاة والسلام = كل معروف صدقة= /8/.
كل عملٍ ينتفع به الآخرون مأجور صاحبُه عليه وهو من الصالحات، الإحسان إلى البهائم عمل صالح، ورجل سقى كلبا فشكر الله له سعيه فغفر له. إنظار المعسرين، التخفيف عنهم عمل صالح. غرس الأشجار، إماطة الأذى عن طريق الناس عمل صالح. الخدمة العامة للمجتمع وصيانة مرافق المسلمين العامة عملٌ صالح بالنية الصادقة.فالعمل الصالح هو العلم بالشيء الجميل والعمل به مع الدعوة إليه-/- زارابو عمر بن عبد الرحمان الاوزاعي الخليفة المنصور ذات مرة،فقال له الخليفة: يا أبا عمرو ما الذي ابطاك عني فاني أريد الاقتباس من علمك وفضلك.فرد عليه الاوزاعي قائلا ،انظر فيما تقول فان رسول الله صلوات الله عليه يقول . من بلغه عن الله نصيحة في دينه فهي رحمة من الله سبقت إليه فان قبلها من الله بالشكر وإلا كانت حجة من الله عليه،ليزداد بها إثما ويزداد الله عليه غضبا،وان بلغه شيء من الحق فرضي به فله الرضا وان سخط فله السخط...ومن كرهه فقد كره الله والعياذ بالله لان الله هو الحق المبين .قال تعالى:= هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق=.فلا تجهلن نلك يا إمام المسلمين؟- فقال المنصور:وكيف اجهل؟- قال الاوزاعي: تسمع ولا تعمل بما تسمع.-/9/.

6/ البخاري ومسلم.
7/ البخاري.
8/ أخرجه البخاري.
9/ قبسات من حياة الرسول ،ص310-311
55

كل من يؤدِّي رسالةً لأمته فهو في عمل صالح،يقول أهل الصلاح، فالكاتب بقلمه الصالح المصلح، والطبيب بأدويته النافعة، والباحث في معمله، والفلاح في مزرعته، والمعلم بين يدي طلابه، والمسؤول يؤدي ما اؤتمن عليه، كل هؤلاء ينصرون الدين ولهم فضل عظيم. فالمداومة على العمل الصالح من أحب الأعمال إلى الله.
إن المداومة على الأعمال الصالحة تعني اتصال القلب بخالقه، مما يُعطيه قوة وثباتاً وتعلقاً بالله عز وجل، واعتبر بعض أهل العلم هذا الأثر من الحِكَم التي شرعت من أجلها الأذكار المطلقة والمقيدة بالأحوال.
المداومة على العمل الصالح سبب للنجاة من الشدائد، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال = يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة=/9/
المداومة على صالح الأعمال تنهى صاحبها عن الفواحش، قال تعالى: = ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَر=ِ [العنكبوت:45.].
المداومة على العمل الصالح سببٌ لحسن الختام، ووجه ذلك أن المؤمن يصبر على أداء الطاعات كما يصبر عن المعاصي والسيئات، محتسباً الأجر على الله عز وجل، فيقوى قلبه على هذا، وتشتد عزيمته على فعل الخيرات، فلا يزال يجاهد نفسه فيها وفي الانكفاف عن السيئات، فيوفقه الله لحسن الخاتمة.
























9/ أخرجه الإمام احمد.

56
3/ العبد العابد المتعبد.

قال تعالى : = واعبد ربك حتى يأتيك اليقين= - سورة الحجر،الآية 99-

العبادة، هي عنوان الجمال في الإسلام، وشعار المحبة. وإذا أحب الله الإنسان خاطبه بلفظ "عبدي" أو "عبادي".. فنسبه إليه تعالى نسبة خصوص وإضافة.-/والعبد العابد المتعبد له فهم بأوامر الاسلام ونواهيه وأحكامه ووصاياه التي تستوعب كل مجالات الحياة،فهي تشمل الدين كله ،وتشمل الحياة كلها-/.كما قال الدكتور يوسف القرضاوي1// .العبادة إذن طاعة لله تعالى وخضوع وذل وتعبد.
والعبودية دالة على خضوع وانقياد، في غير سخط ولا إكراه، ولكنه خضوع المحب الرَّضِيِّ. ومن هنا لم تكن الأعمال لترتقي إلى مستوى العبادة حقيقة إلا إذا أدّاها العبد برضاه.. ولو كانت هذه الأعمال من أركان الإسلام، من صلاة وصيام وزكاة وحج. وحقيقة العبودية عند أبي الأعلى المودودي
-/ هي الانقياد المطلق لله تعالى/-/2/ .فالعبادة لا تكون إلا لله تعالى.ثم إن الشيخ ابن تيمية يؤكد على عنصر الحب ويقول -/ لا تتحقق العبادة الحقة إلا به- /3/ فكلما ازداد العبد معرفة بنفسه ،ومعرفة بربه ازداد انقياده للمولى عز وجل،صاحب الفضل و الإحسان.
-/لذلك فالعبد يخضع لله تعالى ويحب الله تعالى/-كما يقول الشيخ القرضاوي في كتابه –العبادة في الاسلام ص ، 36-.
إن العبادة "رغبة" قبل أن تكون "رهبة"، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة:256)؛ أما "الخوف" المذكور مع "الرجاء" في سياق التعبد فله مدلول آخر. ومن هنا كان وصف الإنسان بأنه "عبد" من أحب الأسماء والصفات الإيمانية إلى الله، ومن أحسنها في تسمية الإنسان، كما ورد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن أحب أسمائكم عند الله: عبد الله، وعبد الرحمن"/4/؛ وذلك لأن هذين الاسمين فيهما نسبة العبد إلى اسم الجلالة "الله"، وإلى أعظم صفة لله عز وجل "الرحمن": ﴿--= قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى=﴾(الإسراء:110). وفي ذلك ما فيه من شرف الانتساب التعبدي لله الواحد القهار. /5/.
فالعبادة في الإسلام هي التقرب إلى الله - عز وجل - بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.
وهي شاملة لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.وروح العبادة ولبها وحقيقتها هو تحقيق الحب والخضوع لله تعالى.ولا تقبل العبادة إلا إذا اجتمع فيها شرطان:
1- الإخلاص لله.
2- المتابعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم -
ومعنى ذلك أنه لا بد من العبادة خالصة لله، وأن تكون موافقة لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم . وهذا قول جل العلماء.
فلا يعبد إلا الله، ولا يعبد إلا بما شرع. فالصلاة على سبيل المثال عبادة لا تصرف إلا لله، أي لا يصلى إلا لله، وبهذا يتحقق الإخلاص لله تعالى.ولا يصلى إلا كما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كيفية الصلاة، وبهذا تتحقق الموافقة والمتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم.


1/ 2/ كتاب العبادة في الإسلام،صفحة 7، صفحة28 – للشيخ يوسف القرضاوي.
3/ العبادة في الإسلام.
4/ رواه مسلم.
5/ د فريد الأنصاري-you tube-


57


ثم إن العبادة،يقول الشيخ ابن تيمية-/ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة..-/.فالعبادة هي السمع و الطاعة لأوامر الله تعالى ونواهيه. والعبد العابد يقول الشيخ القرضاوي - يعبد الله وحده حيثما كان وكيفما كان وأي عمل كان.فوجه الله لا يفارقه في عمل و لا حال ولا زمان/6/.= ولله المشرق و المغرب فأينما تولوا فتم و جه الله =- البقرة ،115.
وكما قيل فانه بالعبادة يمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربا بأنسه بالله وحبه له.يقول فخر الدين الرازي-/ إن الكمال محبوب بالذات وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بعبادة الله فانه يستنير بنور الالاهية ويتشرف لسانه بشرف الذكر والقراءة،وتتجمل أعضاؤه بجمال خدمة الله..=.فالعبادة تلذذ بمناجاة الله وطاعته والسعي في مرضاته.لنتأمل قول الرسول صلى الله عليه و سلم لبلال،في شوق و لهفة،وهو يتكلم عن الصلاة إذا حان وقتها= أرحنا بها يا بلال= -/7/.
و أنواع العبادة كما بينها العلماء في الكتب و المحاضرات و في الخطب و المواعظ كثيرة كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإماطة الأذى عن الطريق، والإحسان إلى الأيتام، والمساكين وابن السبيل والحيوان، وغير ذلك.
ومن أنواع العبادة: الذكر، والدعاء، والاستعاذة بالله، والاستعانة به، والتوكل عليه، والتوبة، والاستغفار.
ومنها: الصبر، والشكر، والرضا، والخوف، والمحبة، والرجاء، والحياء.
و العبادة في الإسلام هي الغاية المحبوبة لله، والمرضية له، التي خلق لأجلها الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهي التي مدح القائمين بها، وذم المستكبرين عنها.والعبادة في الإسلام لم تشرع للتضييق على الناس، ولا لإيقاعهم في الحرج.وإنما شرعت لحكم عظيمة، ومصالح كثيرة، لا يحاط بعدها و حصرها.
فمن فضائل العبادة أنها تزكي النفوس ، وتطهرها ، وتسمو بها إلى أعلى درجات الكمال الإنساني.
ومن فضائلها أن الإنسان محتاج إليها أعظم الحاجة ، بل هو مضطر لها أشد الضرورة ؛ فالإنسان بطبعه ضعيف ، فقير إلى الله ، وكما أن جسده بحاجة إلى الطعام والشراب - فكذا قلبه وروحه بحاجة إلى العبادة والتوجه إلى الله ، بل إن حاجة قلبه وروحه إلى العبادة أعظم بكثير من حاجة جسده إلى الطعام والشراب ؛ فإن حقيقة العبد قلبه وروحه ، ولا صلاح لهما إلا بالتوجه إلى الله بالعبادة ؛ فلا تطمئن النفوس في الدنيا إلا بذكر الله وعبادته ، ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ، وقد يكون ذلك الذي يتلذذ به لا لذة فيه ولا سرور أصلاً.فالعبد العابد المتعبد لا يعبد إلا الله تعالى-/- لقد كان السلف الصالح مؤمنا بالله إيمانا يرفع الرؤوس،فلا يخشى احد إلا الله ولا تحنى الهامات لغيره مطلقا،لا لملك ولا لحلكم ولا لعظيم.فملا الإيمان قلوبهم وعيونهم بكبرياء وعظمة فهانت فيها وجوه الخلق وزخارف الدنيا ومظاهر العظمة.- وعن أبي موسى قال : انتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون جلوس بين يديه.- فقال له عمرو وعمارة :إنهم لا يسجدون لك.فلما انتهينا ابتدرنا القسيسون قائلين: اسجدوا للملك.- فقال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بكل جرأة وقوة إيمان ورباطة جاش: لا نسجد إلا لله الذي لا عظمة ولا سلطان من بعد عظمته وسلطانه.-/-/8/.


6/ العبادة في الإسلام ،للشيخ القرضاوي،ص 67.
7/رواه أبو داوود.
8/ قبسات من حياة الرسول ،ص 311. 58



أما السرور بالله والأنس به - عز وجل - فهو سرور لا ينقطع ولا يزول ؛ فهو الكمال ، والجمال ، والسرور الحقيقي ؛ فمن أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية لله وحده.
ولهذا فإن أهل العبادة الحقة هم أسعد الناس ، وأشرحهم صدراً.ولا يوجد ما يسكن إليه العبد ويطمئن به ، ويتنعم بالتوجه إليه حقاً إلا الله.ومن فضائل العبادة : أنها تسهل على العبد فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وتسليه عند المصائب ، وتخفف عليه المكاره ، وتهون الآلام ، فيتلقاها بصدر منشرح ، ونفس مطمئنة.ومن فضائلها أن العبد يتحرر بعبوديته لربه من رق المخلوقين ، والتعلق بهم ، وخوفهم ، ورجائهم ؛ وبهذا يكون عزيز الجانب ، مرفوع الرأس ، عالي القدر.
































59
الحسن العبد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
عدة العبد المنيب. الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 1 22-07-2013 12:37 PM
عدة العبد المنيب-الفصل الاول. الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 21-07-2013 10:15 PM
عدة العبد المنيب. الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 20-07-2013 05:56 PM
عدة العبد المنيب: 1/ العبد المتطهر الزكي. الحسن العبد منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 19-07-2013 04:04 AM
لماذا محمد ( الفصل الثاني : الاختيار (1) ) عبد العزيز عيد منتدى السيرة النبوية والشمـائل المحمدية 1 30-06-2007 02:53 PM


الساعة الآن 07:05 AM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع