العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات ما يتعلق بالأبحاث والمقالات العلمية ..

كاتب الموضوع المديني مشاركات 20 المشاهدات 7732  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 29-06-2010, 07:57 PM   #1
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
موسوعة الصفات المذمومة: 1 الابتداع

الابتداع
الابتداع لغة:
مصدر قولهم: ابتدع الشّيء يبتدعه، وهو مأخوذ من مادّة (ب د ع) الّتي تدلّ على معنيين:
أحدهما: ابتداء الشّيء وصنعه لا عن مثال، والآخر:
الانقطاع والكلال، ومن المعنى الأوّل قولهم: أبدعت الشّيء قولا أو فعلا، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال، واللّه سبحانه- بديع السّموات والأرض أي مبدعهما، والعرب تقول: ابتدع فلان الرّكيّ (البئر) إذا استنبطها وأخرج ماءها، ومن المعنى الثّاني قولهم: أبدعت الرّاحلة: إذا كلّت وعطبت، وفي الحديث أنّ رجلا أتاه فقال: يا رسول اللّه، إنّي أبدع بي فاحملني، (أبدع بي أي كلّت ركابي)، ويقال: الإبداع لا يكون إلّا بظلع «1» ومن ذلك اشتقّت البدعة، وقال ابن فارس: سمّيت البدعة بذلك؛ لأنّ قائلها ابتدعها من غير مقال إمام.
وقال الرّاغب: الإبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء، وإذا استعمل ذلك في اللّه تعالى فهو إيجاد الشّيء بغير آلة ولا مادّة ولا زمان ولا مكان، ولا يكون ذلك إلّا للّه- عزّ وجلّ- والبديع: المبتدع، والبديع: المبتدع (أيضا)، والبديع الزّقّ، وقيل: الزّقّ الجديد، وفي الحديث أنّ «تهامة كبديع العسل حلو
الآيات/ الأحاديث/ الآثار
4/ 13/ 76
أوّله حلو آخره» شبّهها بزقّ العسل لأنّه لا يتغيّر هواؤها، فأوّله طيّب، وآخره طيّب، وكذلك العسل لا يتغيّر وليس كذلك اللّبن، فإنّه يتغيّر. وشيء بدع أي مبتدع، ويقال: فلان بدع في هذا الأمر أي بديع، وقوم أبداع، والبدعة: الحدث في الدّين بعد الإكمال، وقيل:
البدعة كلّ محدثة، وبدّعه نسبه إلى البدعة، ويقال أبدع وابتدع، وتبدّع أتى ببدعة، واستبدعه عدّه بديعا، وأبدعت الشّيء: اخترعته لا على مثال، ويقال أيضا بدع بداعة وبدوعا، والوصف رجل بدع، وامرأة بدعة إذا كان غاية في كلّ شيء، وقد بدع الأمر بدعا صار بديعا. ويقال: البديع والبدع: الشّيء الّذي يكون أوّلا «2». وفي التنزيل العزيز: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ (الأحقاف/ 9)، أي ما كنت أوّل من أرسل، وقد كان قبلي رسل، والبدع: الأوّل، ويقال: شيء بدع أي مبتدع، وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع، قال عديّ بن زيد:
فلا أنا بدع من حوادث تعتري ... رجالا غدت من بعد بؤسى بأسعد «3».
أمّا قول اللّه تعالى: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ (الحديد/ 27). فالمعنى: أحدثوها
__________
(1) الظّلع والظّلع: الغمز في المشي من عرج ونحوه.
(2) مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 209)، المجمل لابن فارس (1/ 118)، والمفردات للراغب (ص 38)، والصحاح للجوهري (3/ 1183)، ولسان العرب لابن منظور (1/ 229).
(3) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (16/ 122).

__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 07:58 PM   #2
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
من تلقاء أنفسهم، يقول القرطبيّ: وذلك أنّهم (النّصارى) حملوا أنفسهم على المشقّات في الامتناع من المطعم والمشرب والنّكاح والتّعلّق بالكهوف والصّوامع، وذلك أنّ ملوكهم غيّروا وبدّلوا، وبقي نفر قليل فترهّبوا وتبتّلوا، وقال قتادة: الرهبانيّة الّتي ابتدعوها: رفض النّساء واتّخاذ الصّوامع، وهذه الآية دالّة على أنّ كلّ محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه ولا يعدل عنه إلى ضدّه «1».
الابتداع اصطلاحا:
قال الجرجانيّ: الإبداع والإبتداع: إيجاد شيء غير مسبوق بمادّة ولا زمان «2».
والبدعة: هي الفعلة المخالفة للسّنّة «3».
وقال الرّاغب: البدعة: إيراد قول لم يستنّ قائله وفاعله فيه بصاحب الشّريعة وأماثلها المتقدّمة وأصولها المتقنة «4».
وقال التّهانويّ: المبتدع: من خالف أهل السّنّة اعتقادا، والمبتدعون يسمّون بأهل البدع وأهل الأهواء.
وهي ما أحدث على خلاف أمر الشّارع ودليله العامّ أو الخاصّ، وقيل: هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، لا بمعاندة بل بنوع شبهة «5».
قال الشّاطبيّ- رحمه اللّه تعالى-: البدعة: طريقة في الدّين مخترعة تضاهي الشّرعيّة يقصد بالسّلوك عليها المبالغة في التّعبّد للّه- سبحانه-.
وقيل: طريقة في الدّين مخترعة تضاهي الشّرعيّة يقصد بالسّلوك عليها ما يقصد بالطّريقة الشّرعيّة «6».
وقيل البدعة: إيراد قول أو فعل لم يستنّ قائلها ولا فاعلها فيه بصاحب الشّريعة «7».
أقسام البدعة:
إنّ الابتداع المنهيّ عنه يراد به: إحداث بدعة ضلالة، ذلك أنّ البدعة في اللّغة قد يراد منها مطلق إحداث أمر لم يكن موجودا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن ثمّ قسّم الشّافعيّ- رحمه اللّه- البدعة إلى قسمين:
البدعة الضّالّة: ويراد بها ما أحدث وخالف كتابا أو سنّة أو إجماعا أو أثرا.
البدعة المحمودة: ما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك «8». والأصل في هذا ما روي عن عمر- رضي اللّه عنه- في قيام رمضان «نعمت البدعة هذه» ولهذا قال ابن الأثير: البدعة بدعتان:
بدعة ضلالة، وبدعة هدى، فما كان في خلاف ما أمر به اللّه ورسوله فهو البدعة الضّالّة الّتي هي مناط الذّمّ والإنكار، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب اللّه إليه وحضّ عليه اللّه ورسوله فهو بدعة هدى، وهي في حيّز المدح، ولا يجوز أن يكون ذلك في
__________
(1) الجامع لأحكام القرآن (17/ 170).
(2) كتاب التعريفات (ص 5) والمقصود هنا ابتداع اللّه الخلق.
(3) المرجع السابق (ص 44).
(4) المفردات (ص 29).
(5) كشاف اصطلاحات الفنون (1/ 191).
(6) الاعتصام (1/ 37).
(7) بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي (2/ 231)
(8) كشاف اصطلاحات الفنون (1/ 191).
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 07:58 PM   #3
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
خلاف ما ورد الشّرع به، ومن ذلك قول عمر- رضي اللّه عنه- «نعمت البدعة هذه» لمّا كانت الجماعة في قيام رمضان من أفعال الخير وداخلة في حيّز المدح سمّاها بدعة ومدحها، لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لم يسنّها لهم، وإنّما صلّاها ثمّ تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع النّاس لها، ولا كانت في زمان أبي بكر وإنّما كان عمر- رضي اللّه عنه- هو الّذي جمع النّاس عليها، فبهذا سمّاها بدعة وهي في الحقيقة سنّة، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي» وعلى هذا التّأويل يحمل الحديث الآخر «كلّ محدثة بدعة» إنّما يريد ما خالف أصول الشّريعة ولم يوافق السّنّة «1».
قال ابن الأثير: وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذّمّ، أي أنّه إذا أطلق لفظ البدعة فإنّه يراد بها النّوع الأوّل وهو المذموم شرعا.
أحكام البدعة (بنوعيها):
قال التّهانويّ: وبالجملة فهي أي البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة:
1-
واجبة على الكفاية، ومن ذلك الاشتغال بالعلوم العربيّة المتوقّف عليها فهم الكتاب والسّنّة كالنّحو والصّرف واللّغة ونحو ذلك لأنّ الشّريعة فرض كفاية ولا يتأتّى إلّا بذلك.

2-
محرّمة، مثل مذاهب أهل البدع المخالفة لما عليه أهل السّنّة والجماعة.

3-
مندوبة: مثل إحداث الرّباطات (نقاط حراسة بلاد المسلمين) والمدارس ونحوهما.

4-
مكروهة: مثل زخرفة المساجد وتزيين المصاحف.

5-
مباحة: مثل التّوسّع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس «2».
قال الشّيخ الدهلويّ في شرح المشكاة: بشرط حلّها، وألّا تكون سببا في الغرور والتّكبّر والتّفاخر وكذلك الشّأن في المباحات الأخرى الّتي لم تكن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم «3».

كل البدع ضلالة:
بعد أن أورد الإمام الشّاطبيّ تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة ردّ هذا التّقسيم وبالغ في ذلك فقال رحمه اللّه تعالى-: والجواب: أنّ هذا التّقسيم أمر مخترع لا يدلّ عليه دليل شرعيّ بل هو في نفسه متدافع لأنّ من حقيقة البدعة أن لا يدلّ عليها دليل شرعيّ لا من نصوص الشّرع ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدلّ من الشّرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثمّ بدعة، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخيّر فيها، فالجمع بين عدّ تلك الأشياء بدعا وبين كون الأدلّة تدلّ على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين «4».

حكم المبتدع:
قال الكفويّ: حكم المبتدع (للبدعة الضّالّة) في الدّنيا الإهانة باللّعن وغيره وفي الآخرة حكم الفاسق، وعند الفقهاء حكم بعضهم حكم الكافر وحكم الآخرين حكم الضّالّ، والمختار عند جمهور أهل السّنّة من الفقهاء والمتكلّمين عدم تكفير أهل القبلة
__________
(1) النهاية (1/ 106) (بتصرف واختصار).
(2) كشاف اصطلاحات الفنون (1/ 191).
(3) المرجع السابق (1/ 191)، وقد جعل لها الكفوي ثلاثة أحكام: واجبة ومندوبة ومباحة، انظر الكليات (ص 243).
(4) الاعتصام للشاطبي (1/ 191- 192).
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 07:58 PM   #4
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
من المبتدعة والمؤوّلة في غير المعلوم من الدّين بالضّرورة لكون التّأويل شبهة «1».
البديع في أسماء اللّه تعالى:
قال ابن الأثير: في أسماء اللّه تعالى: البديع وهو الخالق المخترع لا عن مثال سابق، فعيل بمعنى مفعل، يقال: أبدع فهو مبدع.
قال ابن منظور- رحمه اللّه تعالى-: البديع من أسماء اللّه تعالى: هو الأوّل قبل كلّ شيء، ويجوز أن يكون بمعنى مبدع، أو يكون من بدع الخلق أي بدأه، واللّه تعالى كما قال سبحانه: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (البقرة/ 117) أي خالقهما ومبدعهما فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق وسمّي بذلك: لإبداعه الأشياء وإحداثه إيّاها. قال أبو إسحاق: يعني أنّه أنشأها على غير حذاء ولا مثال.
وبديع فعيل بمعني فاعل مثل قدير بمعنى قادر، وهو صفة من صفات اللّه تعالى لأنّه بدأ الخلق على ما أراد على غير مثال تقدّمه «2».
أسباب ودوافع البدعة:
قال الشّاطبيّ- رحمه اللّه تعالى-: إنّ صاحب البدعة إنّما يخترعها ليضاهي بها السّنّة حتّى يكون ملبسا بها على الغير، أو تكون هي ممّا تلتبس عليه بالسّنّة، إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يشابه المشروع، لأنّه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع نفعا ولا يدفع به ضررا، ولا يجيبه غيره إليه.
فأنت ترى العرب في الجاهليّة في تغيير ملّة إبراهيم عليه السّلام كيف تأوّلوا فيما أحدثوه احتجاجا منهم، كقولهم في أصل الإشراك ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (الزمر/ 3)، وكترك الحمس «3» الوقوف بعرفة لقولهم: لا نخرج من الحرم اعتدادا بحرمته.
وكطواف من طاف منهم بالبيت عريانا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا اللّه فيها، وما أشبه ذلك ممّا وجّهوه ليصيّروه بالتّوجيه كالمشروع، فما ظنّك بمن عدّ أو عدّ نفسه من خواصّ أهل الملّة؟ فهم أحرى بذلك (وهم المخطئون وظنّهم الإصابة) إنّ أصل الدّخول في البدعة يحثّ على الانقطاع إلى العبادة والتّرغيب في ذلك، لأنّ اللّه تعالى يقول: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات/ 56) فكأنّ المبتدع رأى أنّ المقصود هذا المعنى، ولم يتبيّن له أنّ ما وضعه الشّارع فيه من القوانين والحدود كاف (فرأى من نفسه أنّه لا بدّ لما أطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة، وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل النّفوس من حبّ الظّهور أو عدم مظنّته). وأيضا فإنّ النّفوس قد تملّ وتسأم من الدّوام على العبادات المرتّبة، فإذا جدّد لها أمر لا تعهده، حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأوّل.
وقد تبيّن بهذا أنّ البدع لا تدخل إلّا في
__________
(1) الكليات للكفوي (ص 243- 244) بتصرف.
(2) النهاية لابن الأثير (1/ 106)، ولسان العرب (1/ 230).
(3) الحمس: قريش لأنهم كانوا يتشددون في دينهم وشجاعتهم فلا يطاقون، وقيل: كانوا لا يستظلون أيام منى ولا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون ولا يسلئون السمن ولا يلقطون الجلة.
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 07:59 PM   #5
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
العبادات. فكلّ ما اخترع من الطّرق في الدّين ممّا يضاهي المشروع ولم يقصد به التّعبّد فقد خرج عن هذه التّسمية. كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة وقدر مخصوص ممّا يشبه فرض الزّكوات ولم يكن إليها ضرورة. وكذلك اتّخاذ المناخل وغسل اليد بالأشنان وما أشبه ذلك من الأمور الّتي لم تكن قبل.
إنّ البدعة في عموم لفظها يدخل فيها البدعة التّركيّة، كما يدخل فيها البدعة غير التّركيّة، فقد يقع الابتداع بنفس التّرك تحريما للمتروك أو غير تحريم، فإنّ الفعل مثلا قد يكون حلالا بالشّرع فيحرّمه الإنسان على نفسه أو يقصد تركه قصدا، فهذا التّرك إمّا أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعا أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنّه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب تركه، كالّذي يحرّم على نفسه الطّعام الفلانيّ من جهة أنّه يضرّه في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من التّرك: فإن قلنا بطلب التّداوي للمريض فإنّ التّرك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التّداوي، فالتّرك مباح، فهذا راجع إلى أنّ العزم على الحمية ليس من المضرّات. وأمّا إن كان التّرك تديّنا فهو الابتداع في الدّين على كلتا الطّريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزا شرعا فصار التّرك المقصود معارضة للشارع في شرع التّحليل وفي مثله نزل قول اللّه تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (المائدة/ 87)، فنهى أوّلا عن تحريم الحلال. ثمّ جاءت الآية تشعر بأنّ ذلك اعتداء لا يحبّه اللّه. لأنّ بعض الصّحابة همّ أن يحرّم على نفسه النّوم باللّيل، وآخر الأكل بالنّهار، وآخر إتيان النّساء، وبعضهم همّ بالاختصاء، مبالغة في ترك شأن النّساء. وفي أمثال ذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:
«من رغب عن سنّتي فليس منّي». فإذا كلّ من منع نفسه من تناول ما أحلّ اللّه من غير عذر شرعيّ فهو خارج عن سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم. والعامل بغير السّنّة تديّنا هو المبتدع بعينه. (فإن قيل) فتارك المطلوبات الشّرعيّة ندبا أو وجوبا، هل يسمّى مبتدعا أم لا؟ (فالجواب) أنّ التّارك للمطلوبات على ضربين: (أحدهما) أن يتركها لغير التّديّن إمّا كسلا أو تضييعا أو ما أشبه ذلك من الدّواعي النّفسيّة. فهذا الضّرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية، وإن كان في ندب فليس بمعصية، إذا كان التّرك جزئيّا، وإن كان كلّيّا فمعصية حسبما تبيّن في الأصول.
(والثّاني) أن يتركها تديّنا. فهذا الضّرب من قبيل البدع حيث تديّن بضدّ ما شرع اللّه، ومثاله أهل الإباحة القائلين بإسقاط التّكاليف إذا بلغ السّالك عندهم المبلغ الّذي حدّوه «1».
[للاستزادة: انظر صفات: اتباع الهوى- الحكم بغير ما أنزل اللّه- القدوة السيئة- التفريط والإفراط- الغلو.
وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاتباع- الأسوة الحسنة- الاعتصام- الإيمان- الإسلام- الحكم بما أنزل اللّه ].
__________
(1) الاعتصام (1/ 40- 44) بتصرف
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 07:59 PM   #6
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
الآيات الواردة في «الابتداع»
1-
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (27) «1»

الآيات الواردة في «الابتداع» ولها معنى آخر
2-
وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116)
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) «2»

3-
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) «3»

4-
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) «4»

__________
(1) الحديد: 26- 27 مدنية
(2) البقرة: 116- 117 مدنية
(3) الأنعام: 100- 103 مكية
(4) الأحقاف: 7- 9 مكية
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 07:59 PM   #7
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
الأحاديث الواردة في ذمّ (الابتداع)
1
-* (عن أنس- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إنّ اللّه احتجز التّوبة عن صاحب كلّ بدعة»)* «1».

2
-* (عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما- قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته ... الحديث. وفيه يقول: «أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب اللّه. وخير الهدى هدى محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وشرّ الأمور محدثاتها. وكلّ بدعة ضلالة ...

الحديث»)* «2».
3
-* (عن العرباض بن سارية- رضي اللّه عنه- قال: صلّى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها «3» العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللّه، كأنّ هذه موعظة مودّع فماذا تعهد إلينا؟، فقال: «أوصيكم بتقوى اللّه والسّمع والطّاعة وإن عبدا حبشيّا فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء المهديّين، الرّاشدين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ «4»، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة»)* «5».

4
-* (عن عبد اللّه بن عمرو- رضي اللّه عنهما- قال: زوّجني أبي امرأة من قريش، فلمّا دخلت عليّ جعلت لا أنحاش لها «6»، ممّا بي من القوّة على العبادة: من الصّوم والصّلاة فجاء عمرو بن العاص إلى كنّته «7»، حتّى دخل عليها، فقال لها: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير الرّجال، أو كخير البعولة من رجل لم يفتّش لنا كنفا، ولم يعرف لنا فراشا. فأقبل عليّ، فعذمني «8»، وعضّني بلسانه فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب، فعضلتها، وفعلت وفعلت ثمّ انطلق إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فشكاني، فأرسل إليّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأتيته، فقال لي: «أتصوم النّهار؟» قلت:
نعم، قال: «وتقوم اللّيل؟» قلت: نعم، قال: «لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأنام، وأمسّ النّساء، فمن رغب

__________
(1) رواه ابن أبي عاصم في السنة رقم (37). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة (10/ 189). وذكره المنذري في الترغيب والترهيب (1/ 86) وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن .. وذكره الألباني في الصحيحة (4/ 154) رقم (1620) وقال: حسن.
(2) مسلم (867). ومعناه عند البخاري من حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه الفتح 13 (7277).
(3) ذرفت العين: سال دمعها. كناية عن شدة التأثر بالموعظة.
(4) النواجذ: أقصى الأضراس وهي أربعة. أو هي الأنياب أو التي تلي الأنياب والمقصود: شدة التمسك بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والراشدين من الخلفاء.
(5) أبو داود (4607). واللفظ له والترمذي (2676) وقال: حسن صحيح.
(6) لا أنحاش لها: يقال: انحاش عنه: نفر وتقبّض. ويؤدي هذا أنه لو قيل: انحاش له يكون المعنى: أقبل عليه وانبسط له. فقوله: لا أنحاش لها معناه أنه لم يقبل على زوجته ولم يمل إليها لإقباله على العبادة.
(7) الكنّة: بفتح الكاف وتشديد النون: امرأة الابن أو الأخ وهي هنا بالمعنى الأول.
(8) عذمني: لامني.
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 07:59 PM   #8
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
عن سنّتي فليس منّي»، قال: «اقرأ القرآن في كلّ شهر»، قلت: إنّي أجدني أقوى من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ عشرة أيّام»، قلت: إنّي أجدني أقوى من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ ثلاث»، قال: ثمّ قال: «صم في كلّ شهر ثلاثة أيّام»، قلت: إنّي أجدني أقوى من ذلك، قال: فلم يزل يرفعني حتّى قال: «صم يوما وأفطر يوما، فإنّه أفضل الصّيام، وهو صيام أخي داود»، ثمّ قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «فإنّ لكلّ عابد شرّة «1»، ولكلّ شرّة فترة «2»، فإمّا إلى سنّة، وإمّا إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنّة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» قال مجاهد: فكان عبد اللّه بن عمرو، حيث ضعف وكبر، يصوم الأيّام كذلك، يصل بعضها إلى بعض، ليتقوّى بذلك، ثمّ يفطر بعدّ «3» تلك الأيّام، قال: وكان يقرأ في كلّ حزبه كذلك، يزيد أحيانا، وينقص أحيانا، غير أنّه يوفي العدد، إمّا في سبع، وإمّا في ثلاث، قال: ثمّ كان يقول بعد ذلك:
لأن أكون قبلت رخصة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أحبّ إليّ ممّا عدل به أو عدل، لكنّي فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره)* «4».
الأحاديث الواردة في ذمّ (الابتداع) معنى
5
-* (عن الحارث الأشعريّ- رضي اللّه عنه- أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ اللّه أمر يحيى بن زكريّا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنّه كاد أن يبطأ بها، فقال عيسى: إنّ اللّه أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمّا أن تأمرهم، وإمّا أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذّب، فجمع النّاس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد وتعدّوا على الشّرف، فقال: إنّ اللّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنّ، وآمركم أن تعملوا بهنّ: أوّلهنّ أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا. وإنّ مثل من أشرك باللّه كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق «5».
فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأدّ إليّ، فكان يعمل ويؤدّي إلى غير سيّده، فأيّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟. وإنّ اللّه أمركم بالصّلاة، فإذا صلّيتم فلا تلتفتوا فإنّ اللّه ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. وآمركم بالصّيام، فإنّ مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرّة فيها مسك، فكلّهم يعجب أو يعجبه ريحها. وإنّ ريح الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك. وآمركم بالصّدقة فإنّ مثل ذلك كمثل

__________
(1) الشرّة: النشاط والرغبة.
(2) الفترة: الضعف والانكسار.
(3) بعد تلك الأيام: أي بعددها.
(4) البخاري- الفتح 4 (1979) وفي مواضع كثيرة. ومسلم (1159). وهذا لفظ أحمد (2/ 158) وقال أحمد شاكر (9/ 235): إسناده صحيح مشهور أخرجه الأئمة في دواوينهم ولكني لم أجده مفصلا مطولا بهذه السياقة إلا في هذا الموضع.
(5) الورق: بفتح الواو وكسر الراء- الدراهم.
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 08:00 PM   #9
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
رجل أسره العدوّ، فأوثقوا يده «1» إلى عنقه وقدّموه ليضربوا عنقه «2»، فقال أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم. وآمركم أن تذكروا اللّه فإنّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره «3» سراعا حتّى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم «4»، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشّيطان إلّا بذكر اللّه.
قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «وأنا آمركم بخمس اللّه أمرني بهنّ:
السّمع، والطّاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة. فإنّه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام «5» من عنقه إلّا أن يرجع، ومن ادّعى دعوى الجاهليّة فإنّه من جثا «6» جهنّم، فقال رجل: يا رسول اللّه، وإن صلّى وصام؟ قال: وإن صلّى وصام، فادعوا بدعوى اللّه الّذي سمّاكم المسلمين المؤمنين. عباد اللّه)* «7».
6
-* (عن عائشة- رضي اللّه عنها-، قالت:
تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إلى قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ (آل عمران/ 7)، قالت: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «فإذا رأيت الّذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الّذين سمّى اللّه، فاحذروهم»)* «8».

7
-* (عن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني، فأقول:
يا ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»)* «9».

8
-* (عن أنس بن مالك- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «ثلاث منجيات: خشية اللّه تعالى في السّرّ والعلانية، والعدل في الرّضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاث مهلكات: هوى متّبع، وشحّ مطاع، وإعجاب المرء بنفسه»)* «10».

9
-* (عن أبي أميّة الشّعبانيّ، قال: سألت أبا ثعلبة الخشنيّ فقلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ (المائدة/ 105) قال: أما واللّه لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك- يعني بنفسك-

__________
(1) أوثقوا يده: شدوها إلى عنقه بالوثاق وهو ما يشد به من حبل ونحوه.
(2) ليضربوا عنقه: ليقتلوه.
(3) في أثره: وراءه.
(4) أحرز نفسه: حماها ومنعها منهم.
(5) ربقة الإسلام: المراد رباطه.
(6) جثا جهنم: ما اجتمع فيها من الحجارة أي يصير وقودا لها كما أن الحجارة وقودها.
(7) الترمذي (2863) وقال: حديث حسن صحيح.
(8) البخاري- الفتح 8 (4547).
(9) البخاري- الفتح 11 (6576) واللفظ له ومسلم (2297).
(10) كشف الأستار عن زوائد البزار (1/ 59) برقم 80. وذكره في مجمع الزوائد (1/ 91) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار. وذكره الشيخ الألباني في صحيح الجامع (2/ 62) برقم 3039 وقال: صحيح، وفي الصحيحة (4/ 412) برقم (1802).
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 29-06-2010, 08:00 PM   #10
المديني
 
الصورة الرمزية المديني
 
تاريخ التسجيل: Apr 2008
المشاركات: 1,978
       
المديني is on a distinguished road
ودع عنك العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّام الصّبر، الصّبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله» وزادني غيره قال:
يا رسول اللّه، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم»)* «1».
10
-* (عن أنس بن مالك- رضي اللّه عنه- قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يسألون عن عبادة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قد غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدا.
فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «أنتم الّذين قلتم كذا وكذا؟ أما واللّه إنّي لأخشاكم للّه وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي»)* «2».

11
-* (عن حذيفة بن اليمان- رضي اللّه عنهما- يقول: كان النّاس يسألون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الخير. وكنت أسأله عن الشّرّ، مخافة أن يدركني.
فقلت: يا رسول اللّه، إنّا كنّا في جاهليّة وشرّ، فجاءنا اللّه بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: «نعم» فقلت: هل بعد ذلك الشّرّ من خير؟ قال: «نعم. وفيه دخن «3»» قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنّون بغير سنّتي، ويهدون بغير هديي «4»، تعرف منهم وتنكر».
فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم.
دعاة على أبواب جهنّم «5» من أجابهم إليها قذفوه فيها» فقلت: يا رسول اللّه، صفهم لنا. قال: «نعم. قوم من جلدتنا. ويتكلّمون بألسنتنا» قلت: يا رسول اللّه، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟
قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة، حتّى يدركك الموت، وأنت على ذلك»)* «6».

12
-* (عن عبد اللّه بن مسعود- رضي اللّه عنه- قال: خطّ لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطّا ثمّ قال: «هذا سبيل اللّه» ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ثمّ قال: «هذه سبل متفرّقة، قال: على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثمّ قرأ وَأَنَّ هذا صِراطِي

__________
(1) أبو داود (4341) واللفظ له. والترمذي (3058) وقال: حسن غريب وابن ماجه (4014). وقال ابن كثير في التفسير (2/ 109): ورواه أيضا ابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم.
(2) البخاري الفتح 9 (5063) واللفظ له. مسلم (1401).
(3) دخن: الدخن أصله أن تكون في لون الدابة كدورة إلى سواد. قالوا: والمراد هنا: أن لا تصفو القلوب بعضها لبعض ولا يزول خبثها ولا ترجع إلى ما كانت عليه من الصفاء.
(4) هديي: الهدي الهيئة والسيرة والطريقة.
(5) دعاة على أبواب جهنم: قال العلماء: هؤلاء من كان من الأمراء يدعو إلى بدعة أو ضلال آخر. كالخوارج والقرامطة وأصحاب المحنة. وفي حديث حذيفة هذا، لزوم جماعة المسلمين إمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق وعمل المعاصي من أخذ الأموال، وغير ذلك. فتجب طاعته في غير معصية. وفيه معجزات لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهي هذه الأمور التي أخبر بها وقد وقعت كلها.
(6) البخاري- الفتح 13 (7084) ومسلم (1847) واللفظ له.
__________________

"أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكِ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَعِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ"

"لَمَّا عَفَوْتُ، وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ؛ أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ"
المديني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الصفات المذمومة


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
موسوعة الصفات المذمومة: 35 التبذير المديني منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 6 14-12-2010 07:35 PM
موسوعة الصفات المذمومة (161 صفة) المديني منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 29-06-2010 06:01 PM
موسوعة الصفات المذمومة : 16 الافتراء المديني منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 12 29-10-2009 08:56 PM
موسوعة الصفات المذمومة: 15 الاعوجاج المديني منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 7 09-01-2009 09:41 PM
موسوعة الصفات المذمومة : 1-الابتداع المديني منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 16 27-12-2008 09:54 PM


الساعة الآن 05:33 AM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع