العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة الكتب الالكترونية بكافة أنواعها..

كاتب الموضوع الحسن العبد مشاركات 0 المشاهدات 2506  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-09-2013, 05:38 PM   #1
الحسن العبد
عضو فعال
 
تاريخ التسجيل: Jul 2013
الدولة: يقطن بمدينة فاس.
المشاركات: 499
       
الحسن العبد is on a distinguished road
مصحف عدة العبد المنيب: الفصل الثاني عشر.

الفصل الثاني عشر :

1/ العبد المنعم عليه .



2/ العبد المنيب الطيب.



3/ العبد التائب المبارك .
) العبد المنعم عليه من ربه.
قال تعالى : " الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين".سورة الفاتحة.
وقال تعالى:" ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين".الآية30سورةالنحل.
فالله عز وجل مصدر كل نعمة،ونعمه لا تحصى ولا تعد وهي نعم ظاهرة ونعم باطنة.قال سبحانه :"واتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار".الآية 34،سورة إبراهيم.ومهما عرفنا من النعم فلن نستطيع أن نحصيها ولا أن نعرفها كلها.فكثرتها تدل على عظيم عناية الله تعالى ورحمته بالإنسان.قال تعالى:"وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة".الآية 20-سورة لقمان.فالعبد المنعم عليه هو من يسعد في الدارين،سعادة دنيوية بلذة الإيمان ونعمة الإسلام،وسعادة أخروية بما اعد الله له من الخير الوافر والنعم لا يعلمها إلا السميع العليم،في جنات النعيم.
وقد ورد في كتاب إحياء علوم الدين -/- اعلم أن كل خير ولذة وسعادة بل كل مطلوب ومؤثر فانه يسمى نعمة،ولكن النعمة في الحقيقة هي السعادة الأخروية-/-/1/.إذن فالنعمة الحقيقية هي التي توصل إلى سعادة الآخرة.قال تعالى: " إن الأبرار لفي نعيم"- الآية 13،سورة الانفطار..وقال عز من قائل: "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار"- الآية24سورة الانفطار.
إن النعمة في اللغة هي-/- الحالة المستلذة للنفس وهي في أصل اللغة تدل على الحالة التي يستلذها الإنسان،ويتطيبها ويتمناها.وعلى ذلك فانه يراد بها رفاهية العيش وطيبه ومتعته ورغده وسعته-/- أوردها الطالب رائد محمد زيادة./2/.165
واكبر نعمة أنعمها العلي القدير على عباده هي نعمة الإسلام.فما أكرم المولى عز وجل.فدين الله وكتابه ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،ونعمة التواب والرحمة والنبوة والغنى والمال وسعة العيش والرغد مع العتق من النار ونعمة الكون ونعم الذات الإنسانية،كما يقول الطالب محمد زيادة في رسالته،كلها منة وفضل.والله تعالى يكرم عباده الأبرار بنعمة الجنة.قال تعالى :"تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم"- الآية 9 – سورة يونس-وبالطبع ذلك فضل الله يوتيه من يشاء.فهو الحق عز وجل " نعم المولى ونعم النصير" الاية 65،سورة ص..فالمسلم منعم عليه من مولاه ،لهذا وجب عليه أن يحمد الله تعالى وان يشكره بدون انقطاع.وان يردد الدعاء-/- اللهم ما أصبح بي أو أمسى بي من نعمة أو من احد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك.فلك الحمد ولك الشكر-/-
وقد عرف الجرجاني النعمة بأنها:ما قصد به الإحسان والنفع لا لغرض أو عوض-/- بينما الكفوي عرفها بقوله-/- ثم إن النعمة هي ما تستلذه النفس من الطيبات-/3/.والنعمة على العموم ضد البؤس والبأساء.وقد تكون ابتلاء .
فالنعمة- يقول ابن جني الموصلي في معجم المؤلفين-/- هي اليد البيضاء الصالحة والصنيعة والمنة،وما انعم به عليك من رزق ومال وغيره.ونعمة الله – بكسر النون:منه وعطاؤه للعبد مما لا يمكن لغيره أن يعطيه إياه،كالسمع والبصر(...)،والنعمة كذلك الرفاهية وطيب العيش وسعته ورغده-/-
166

-/-إن نعمة الإسلام نعمة من أجل النعم وأوفاها وأعلاها , ويجب على المسلم أنيحمد الله تعالى ليل نهار على تلك النعمة الكبرى والمنة العظمى , إذ جعلهمن أهل التوحيد الخالص والدين الحق
فهو دائم الشكر على نعمة الإسلام لمالهذا الدين من خصائص وفضائل منها :
الإسلام هو الدين الذي رضيه الله تعالى لعباده. قال تعالى: \" ِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ\" سورة آل عمران: 19 ,
وقال سبحانه: \" وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْيُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ\" سورة آل عمران: 85.
وعَنْ عَمَّارِ بن أَبِي عَمَّارٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ هَذِهِالآيَةَ:\" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْنِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... (3) سورة المائدة , وَعِنْدَهُ يهودِيٌّ , فَقَالَ لَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الآيَةُلاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا , فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَانَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: جُمُعَةٍ , وَيَوْمِ عَرَفَةَ. الطبراني في معجمه الكبير ج 12/ ص 185 حديث رقم: 12835 الألباني : مشكاةالمصابيح 1/306.
فالله تعالى قد رضي لعباده هذا الدين الأغر الخاتم وهو سبحانه لا يرضىلعباده إلا لما فيه الخير الكامل والصلاح الأتم لهم.-/-.
167
فالحمد لله على نعمة الإسلام وما أعظمهامن نعمة، و نعم الله على العبد كثيرة لا تقتصر على الإسلاموحده، ولكن من أجلِّها نعمة الإسلام،فبالإسلام اخرج العبد من الظلمات إلى النور الرباني العظيم.فأضاء الله له الطريق بكتابه الكريم وبرسوله العظيم.أعطى الله لعبده نعم العطاء ألا وهي الحياة الكريمة والقلب المطمئن بذكره.فنعم الهداية هداية العبد لدين الله .ألا وهو الإسلام. ودلائل القرآن والسنة تثبت أن أفضلنعمة على الإنسان هي هدايته للإسلام وهي منبع كل خير، وأصل كل سعادة فيالدنيا والآخرة، وهو النعمة العظمى التي رضيها الله لنا وأكملها وأحسنهاوامتن بها علينا فقال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمِ دِينًاالمائدة: 3.
وفي تفسير ابن كثير: هذهأكبر نعم الله عز وجل على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلايحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ماأحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حقوصدق لا كذب فيه ولا خُلْف، كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَصِدْقًا وَعَدْلا {الأنعام: 115} أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامروالنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم ؛ ولهذا قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيوَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا {المائدة: 3} أي: فارضوه أنتم لأنفسكم،فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرفكتبه. قال ابن العطاء السكندري-/- من لم يشكر النعم- فقد تعرض لزوالها- ومن شكرها فقد قيدها بعقالها-/-.
1/ كتاب إحياء علو م الدين للإمام أبي حامد الغزالي،صفحة 43.
2/ رسالة النعمة للطالب رائد محمد زيادة،بالجامعة الإسلامية بغزة.
168
library.iugaza.edu.ps/thesis/83342.pdf
قال تعالى :" قال ربي أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه" الآية15 –سورة الاحقاف.
2 / العبد المنيب الطيب.

[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]وَسِيقَالَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَاجَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌعَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ".

في تفسير بن كثير:هذاإخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدا إلى الجنة " زمرا " أي جماعة بعد جماعة : المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثمالذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم : الأنبياء مع الأنبياء والصديقون معأشكالهم والشهداء مع أضرابهم والعلماء مع أقرانهم وكل صنف مع صنف كل زمرةتناسب بعضها بعضا " حتى إذا جاءوها " أي وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزةالصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم فيالدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة وقد ورد في حديث الصورأن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم فيالدخول فيقصدون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدا وعليهمأجمعين كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله عز وجل أن يأتي لفصلالقضاء ليظهر شرف محمد صلى الله عليه وسلم على سائر البشر في المواطن كلهاوقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى اللهعليه وسلم " أنا أول شفيع في الجنة " وفي لفظ لمسلم " وأنا أول من يقرعباب الجنة " . وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم حدثنا سليمان عن ثابت عن أنسبن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " آتي بابالجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ؟ فأقول محمد - قال - فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك " ورواه مسلم عن عمرو بن محمد الناقدوزهير بن حرب كلاهما عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان وهو ابنالمغيرة القيسي عن ثابت عن أنس رضي الله عنه به . وقال الإمام أحمد حدثناعبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورةالقمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيهاآنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحدمنهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولاتباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله تعالى بكرة وعشيا " ورواه البخاريعن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبدالرزاق كلاهما عن معمر بإسناده نحوه وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عنأبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
.( …) فتقديره إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيهنعيم وإذا حذف الجواب ههنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل ومن زعم أنالواو في قوله تبارك وتعالى " وفتحت أبوابها " واو الثمانية واستدل به علىأن أبواب الجنة ثمانية فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وإنما يستفاد كونأبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة . قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضيالله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أنفق زوجين من مالهفي سبيل الله تعالى دعي من أبواب الجنة وللجنة أبواب فمن كان من أهلالصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة.
170
ومنكان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من بابالريان " فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله ما على أحد منضرورة دعي من أيها دعي فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال صلىالله عليه وسلم " نعم وأرجو أن تكون منهم " رواه البخاري ومسلم من حديثالزهري بنحوه وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل بن سعد رضيالله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن في الجنة ثمانية أبوابباب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون " . وفي صحيح مسلم عن عمر بنالخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما منكم منأحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنمحمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " . وقال الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن عنأبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلىالله عليه وسلم " مفتاح الجنة لا إله إلا الله " " ذكر سعة أبواب الجنة - نسأل الله من فضله العظيم أن يجعلنا من أهلها "
ومعنى الطيبة سلامة الصدر، وصفاء النفس، ورقة القلب...، ويتأصل هذاالخلق باستمرار التزكية للنفس، ثم تنعكس آثاره على السلوك: أخوة وسماحةوسكينة ووفاء.
والذين يفتقدون هذا الخلق تراهم غارقين في صور من التحايل والكيد، وسوء الظن والخبث..
ومعنى الطيب في اللغة: الطاهر والنظيف وذو الأمن والخير الكثير ، والذي لا خبث فيه ولا غدر..
ومن هذه المعاني نفهم المراد بالرجل الطيب، والزوجة الطيبة ، والبلدةالطيبة، والقول الطيب، والذرية الطيبة، والريح الطيبة، والحياة الطيبة. وكلها معاني طهر وعفة وصفاء ونقاء، وهذا حال صاحب خلق الطيبة.
إن الله عز وجل حين خلق بني آدم "جعل منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن وبين ذلك، والخبيث والطيب وبين ذلك".(رواه أحمد وصححه الألباني.
ولا يستوي الخبيث والطيب، و لا يأتلف كل واحد إلا مع قرينه وشبيهه.
وحرصا من النبي صلى الله عليه وسلم على اعتزاز المؤمن بالطيبة نهاه أن ينسب الخبث إلى نفسه، فقال: " لا يقولن أحدكم خبثت نفسي"(البخاري.
ويورد ابن حجر قول ابن أبي جمرة في بيان الحكمة من هذا النهي فيقول: [ وفيه أن المرء يطلب الخير حتى بالفأل الحسن، ويضيف الخير إلى نفسه ولوبنسبة ما، ويدفع الشر عن نفسه إن أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشرحتى ولو في الألفاظ المشتركة].
ولقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يقرأ القرآن بثمرة الأترجة: " طعمها طيب وريحها طيب". وضرب للمؤمن مثلا آخر فقال: " والذي نفس محمد بيده إن مثل المؤمن لكمثل النحلة أكلت طيبا ووضعت طيبا". وكلها تؤكد على أصالة عنصر الطيبة في نفسية المؤمن، وسمة الخيرية في تعامله.
والرجل الطيب قد يختلف حاله.. فيكون أحيانا أكثر انشراحا، وأحسن بشاشةتبعا لما يمر به من أقدار، وقد لاحظ الصحابة رضي الله عنهم ذلك مرة علىرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم: نراك اليوم طيب النفس؟فقال: "أجل، والحمد لله". ثم أفاض القوم في ذكر الغنى، فقال: " لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس خير من النعيم".(صحيح سنن ابن ماجة.
171
والعبادة صورة يومية من صور جلاء القلب، وتصفية النفس من كل خبث، ويؤكدهذا المعنى ما رواه البخاري من أن الشيطان يعقد على قافية النائم ثلاث عقد، قائلا له: " عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظفذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها،فأصبح نشيطا طيب النفس ، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان".(البخاري.
وما جعل الله مواطن البلاء إلا للتمحيص والتمييز، كما قال تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب...)[ آل عمران:179] وفي ظلال الآية أن دور الأمة المسلمة يقتضي التجرد والصفاءوالتمييز والتماسك..وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف ليخرج منه الخبيث..ومن ثمكان شأن الله سبحانه أن يميز الخبيث من الطيب.
وتجري سنة الله في أن الزبد يذهب جفاء وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض
وأقصر طريق إلى القلوب الكلمة الطيبة: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم يكن فبكلمة طيبة". وقد وصف الله الصالحين من عباده بقوله: { وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد}(الحج: 24.
وإن الملائكة لتستقبل أرواح الطيبين: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم...}الآية(32 سورة النحل).وقد قال صلى الله عليه وسلم : "الميتتحضره الملائكة ، فإذا كان الرجل صالحا قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبةكانت في الجسد الطيب ، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راض غيرغضبان، فلا يزال يقال لها حتى تخرجُ ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها،فيقال من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسدالطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب راض غير غضبان،فلا يزال يقاللها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل".
وعلى أبواب الجنة يقال لأهل الطيبة: { ...سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} (الزمر:73)بعد أن أحياهم الله الحياة الطيبة في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح.
إن غلبة التعامل بالطيبة، ونقاء المجتمع من الخبث، حصانة من غضب اللهتعالى وانتقامه، ولذلك تساءلت زينب بنت جحش: أنهلك وفينا الصالحون؟فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم: " نعم، إذا كثر الخبث". قال ابن العربي: وفيه البيان بان الخيِّر يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه.
إن الطيب نقي القلب سليم السرية حسن الظن بالناس ، وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: " ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس".
ولا يغرنك ما يلصقه الخبثاء بالطيبين : من صفات الغفلة ، وضعف العقل، وقلةالحيلة والهوان على الناس. فلأن تكون مقبولا عند الله خير لك من أوسمةالدهاء والحيلة والخبث.
قال تعالى: (( ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلهاثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثالللناس لعلهم يتذكرون((
الدعـوة إلـى الكلمـة الطيبـة في القرآن الكريـم
قال الله تعالى :- ( وقولوا للناس حسناً(.
وقال سبحانه:- ( وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن(
وقال سبحانه :-(( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه((
الدعوة إلـى الكلمـة الطيبـة فـي السنـة النبويـة
قال صلى الله عليه وسلم: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة((
قال صلى الله عليه وسلم: (( إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه بها درجات((
وقال: (( والكلمة الطيبة صدقة172 (

وقال: (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت((
وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ))في الجنة غرفة يُـرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها)) فقال أبو مالكالأشعري: لمن هي يا رسول الله ؟ قال: " لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام،وبات والناس نيام((
وقد أوجز الله لنا العبارة، وقصر لنا المقالة لأن كلامه معجز مبينفقال سبحانه في محكم التنزيل
)مَنْعَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌفَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمبِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (سورة النحل: 97

-/-
إن الإيمان الذي يورث الحياة الطيبة هو الإيمان الذيجاء في هذه الآية مقروناً بالعمل الصالح بكل ما تعنيه هذه الكلمة فهيعامة للأعمال القلبية من محبة الله وخوفه ورجاءه والتوكل عليه والرضاوالتسليم لشرعه ودينه، فالنبي صلى الله عليه و سلم يقول: «ثلاث من كنفيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» الحديث، وجاء أيضا في الحديث: «ذاق طعمالإيمان، من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا» [رواهمسلم]، ويدخل فيه بقية أعمال الجوارح المتنوعة المعروفة فلا سعادة لمنادعى الإيمان بقلبه ولم يبرهن على ذلك بالعمل الصالح المخلص لوجه اللهعز وجل .

أيها المبارك: أخي يا من آمنت بالله وصدقت رسوله وعملت بشرعه أنت تعيشهذه الحياة الطيبة وتنعم بها فاسأل الله لنفسك الثبات واشكر الله علىهذه النعمة التي حرمها غيرك لعلي أذكر ك بها)فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُالْمُؤْمِنِينَ(الذاريات:55

أيها المبارك أنت تؤدي أركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج وتؤمنبأركان الإيمان كلها فهنيئاً لك على هذا كله نسأل الله أن يثبتكويزيدك عبادة وتقوى وصلاحاً، وبقدر مما معك من هذه الأصول بقدر مايحصل لك من السعادة.

فالصلاة فيها الأنس والراحة والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوللبلال: «يا بلال أقم الصلاة، أرحنابها» [رواه أبو داود وصححه الألباني]، وكان يقول: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» [رواهالنسائي وصححه الألباني]، الله أكبر كم هو محروم من هذا الأنس وهذهالسعادة من لم يعفر جبهته خضوعاً وذلاً وعبوديةً بين يدي ربهومولاه.

أيها المبارك: إن الإيمان بالقضاء والقدر والصبر على المصيبة ورضاك عنربك ومولاك لهو من أعظم ما يميز المؤمن السعيد عن الكافر التعيس، «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير،وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإنأصابته ضراء صبر، فكان خيرا له» [رواه مسلم]، إن المؤمن يؤمنبأنه إن صبر واحتسب سوف يؤجر ويكفر عنه خطيئته وأن هذه الدنيا زائلةفلا تستحق الجزع والحزن عليها فقولوا لي بربكم أين يجد مثل هذهالمفاهيم من لم ينعم بنور هذه الرسالة وهدي هذا الدين العظيم.
173


أيها المبارك: إن برك بوالديك من أعظم الأسباب الجالبة للسعادة كيف لاوهما ممن عظم الإسلام شأنهما وأعلى منزلتهما ولا يوجد هذا في أي دينمن الأديان، والواقع والحس يشهد بهذا فهنيئاً لك أخي ببرك والديكوثبتك على ذلك فإن كنت باراً بهما فاحمد الله على هذه النعمة العظيمةوإن كنت مقصراً فتدارك نفسك وتب إلى الله فإن الخسارة والحرمان فيمعصيتهما أعاذنا الله وإياك من ذلك.

أيها المبارك: من الصور التي يعيشها المسلم وهي من أنواع الحياةالطيبة أداء الحقوق لأصحابها أداء حق الزوجة والولد والعمال والأجراءومن استدنت منهم مالاً أو غير ذلك هنيئاً لمن بات وليس في ذمته حقلأحد.

أيها المبارك: إن من صور الحياة الطيبة الإحسان إلى الخلق بالمالوالمشورة والنصح وصلة الرحم وكف الأذى عنهم وحسن الخلق وحسن المعاملةفبقدر إحسانك إلى الآخرين بقدر ما تجد من السعادة والأنس والطمأنينة،يقول ابن القيم -رحمه الله -: "ومنها - أي من أسباب انشراح الصدر - الإحسان إلى الخلق ونفعهم بمايمكنه من المال، والجاه والنفع بالبدن وأنواع الإحسان فإن الكريمالمحسن أشرح الناس صدراً وأطيبهم نفساً وأنعمهم قلباً والبخيل الذيليس فيه إحسان أضيق الناس صدراً وأنكدهم عيشاً وأعظمهم هماً وغماً" ا.هـ

أيها المبارك: إن أعظم أسباب الراحة والسعادة والعيش في ظل الحياةالطيبة سلامة الصدرة وخلوها من الغل والحقد والحسد على المسلمين بل هيحياة المؤمنين في الجنة {وَنَزَعْنَامَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍمُّتَقَابِلِينَ} [سورة الحجر: 47]، فهنيئاً لك يا صاحب القلبالصافي وأكثر من الدعاء الذي أوصاك به ربك {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاًلِّلَّذِينَ آمَنُوا- [سورة الحشر: 10.


عباد الله إن السعادة الحقيقية الكاملة السليمة من المنغصات والمكدراتهي في) :وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْفَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُوَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ} (سورة هود: 108.
/ العبد التائب المبارك.

قال تعالى:[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG][المؤمنون:29].
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image003.gif[/IMG]وَقُلْ رَبِّ[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG][المؤمنون:29]، أي: يا رب! وحذفت يا النداء لقرب الله تعالى، إذ الله معنا وليس ببعيد، والأصل يا رب! أي: يا خالقي! ويا رازقي! ويا مدبر أمري! ويا من إليه مرجعي! ويا إلهي الحق! ويا رب العالمين! [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG][المؤمنون:29]، والمُنزل هنا بمعنى المنزل، وهو مصدر أنزله إنزالاً ومنزلاً.
أي: إنزالاً خاصاً، وهذه لا يحل للحاضرين أن يفهموها الليلة ولا يقولونها غداً، بل يقولونها بعد خروجهم من المسجد، فمن ركب دابة أو سيارة أو طائرة أو باخرة فينبغي أن يقول: ( بسم الله، الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون).
معاشر المستمعين! هذه فرصة ذهبية أتاحها الله لنا فيجب أن نعمل بها، فإذا ركبت أو وضعت رجلك على الدابة أو على السيارة أو على الطيارة فقل: الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون أو راجعون، وقد كان علي عليه السلام إذا دخل منزله قال: السلام على عباد الله الصالحين، ربي! أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين، فهذه لابد منها لمن دخل بيته، وذلك حتى يبارك الله لك في حجرتك التي أنت فيها.
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG][المؤمنون:29]، فإذا أردت أن تركب سيارتك فارفع رجلك اليمنى وقل : باسم الله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، أي: ما كنا مطيقين له لولا الله عز وجل، إذ لولا الله لا تستطيع أن تركب الفرس أو غيره.
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG][المؤمنون:29]، وفي هذا ثناء وحمد وشكر لله عز وجل، إذ قال: [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]وَأَنْتَ [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG][المؤمنون:29]، لا سواك، [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image001.gif[/IMG]خَيْرُ الْمُنزِلِينَ [IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/ADMINI%7E1/LOCALS%7E1/Temp/msohtml1/01/clip_image002.gif[/IMG][المؤمنون:29]، وذلك لما أكرمه الله وعلمه كيف يدعو فقال: وأنت خير المنزلين.
/الشيخ ابو بكر الجزائري.http://audio.islamweb.net
وفي تفسير خواطر محمد متولي شعراوي:
وفي موضع آخر قال سبحانه:
{ قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ.. } –هود 48.
لأنك ستنزل منها وليست هي مكان معيشتك.
وكذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم فقال كما حكى القرآن:
{ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ.. }
[الإسراء: 80].


175
فلا بُدَّ أن تذكر في النعمة المنعِمَ بها، لذلك فالذين يُصابون في نعم الله عليهم بأعين الحاسدين، ثِقْ تمام الثقة أنهم حين رأوْا نعمة الله عليهم لم يذكروا المنعِم بها، ولو أن الإنسان حين يرى نعمة من نعم الله عليه في ماله أو ولده فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ووضع النعمة في حماية المنعم لضمِن دوام نعمته وسلامتها من أعين الحاسدين؛ لأنه وضعها تحت قانون الصيانة الإلهية.
ومعنى: { مُنزَلاً مُّبَارَكاً.. } [المؤمنون: 29] الشيء المبارك: الذي يعطي فوق ما يتصور من حجمه، كأن يعيش شخص براتب بسيط عيشة كريمة ويُربِّي أولاده أفضل تربية، فيتساءل الناس: من أين ذلك؟ ونقول: إنها البركة التي تحلّ في القليل فيصير كثيراً، صحيح أن الوارد قليل لكن يُكثِّره قلة المنصرف منه.
وقد مثّلنا لذلك بواحد يرتزق من الحلال، فيُيسِّر الله أمره، ويقضي مصالحه بأيسر تكلفه، فإذا مرض ولده مثلاً يشفيه الله بقرص أسبرين وكوب من الشاي، ولا يفزع لمرضه؛ لأنه مطمئن القلب، راضي النفس، واثق في معونة الله. أما الذي يتكسب من الحرام ويأكل الرشوة.. الخ إنْ مرض ولده يُهرع به إلى الأطباء ويتوقع في ولده أخطر الأمراض، فإنِ ارتشى بعشرة صرف عليها مائة.
وسبق أن قلنا: إن هذه البركة هي رزق السَّلْب الذي لا يزيد من دخلك، إنما يُقلِّل من مصروفاتك.
وكلمة { وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } [المؤمنون: 29] أم أنه سبحانه المُنزِل الوحيد؟ الله خير المنزلين يعني: أباح أن يقال للعبد أيضاً مُنزِل حين يُنزل شخصاً في مكان مريح، كأن يُسكنه مثلاً في شقة مريحة، أو يستقبله ضيفاً عليه.. الخ. وإنْ كنتَ منزِلاً بهذا المعنى، فالله عز وجل هو خير المنزلين؛ لأنه سبحانه حين يُنزلك ينزل على قَدْره تعالى، وعلى قَدْر كرمه وعطائه.
قال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم: 30، 31]، فيخبر عيسى عن نفسه بأن الله تعالى قد جعله مباركًا، أي: باركه فزاده الله في كلّ شيء. وفي هذه الآيات دليل على أن الله واهب البركة ومصدرها، ومعنى "وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ" أي: معلمًا للخير، داعيًا إلى الله، مرغبًا في طاعته، فهذه من بركة الرجل، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة.
عباد الله، إن للوحيَين دورًا كبيرًا في توجيه سلوكنا، فمن اهتدى وامتثل الشرع فلا نشك أبدًا بأنه رجل سيباركه الله، وسيكون ممن ينفع الله به البلاد والعباد، والبركة هي هبة من الله يهبها لمن حقّق شروطها، وليست بابًا مفتوحًا لكل أحد، فإذا توفرت فيك الشروط فهنيئًا لك فأنت رجل مبارك، والبركة قد تعم كل شيء، وتكون في المال والولد والوقت والعمل والإنتاج والزوجة والعلم والدعوة والدار والعقل والجوارح، ولهذا كان البحث عن البركة ضروريًا، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو في قنوته: ((وبارك لي فيما أعطيت)).
وكما هو معروف أن عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره، ولذا كانت المعصية سببًا لمحق بركة الرزق والأجل، ولهذا شرع ذكر الله عند الأكل والشرب واللباس والركوب والجماع، لما في مقارنة اسم الله من البركة، وذكر الله يطرد الشيطان فتحصل البركة.176 .
وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعة، فإنّ الله وحده هو الذي يبارك، والبركة كلها منه سبحانه، وكلّ ما نسب إليه مبارك، فكلامه مبارك، ورسوله مبارك، والعبد المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك.
أنت ـ أيها المؤمن ـ لو تدبرت النصوص الشرعية لوجدتها داعية لك إلى بذل الخير للغير؛ ليباركك الله ويبارك لك فينتفع منك الآخرون. وأول المبارَكين هو رسولنا محمد ، فحينما أخذته حليمة السعدية لترضعه أصبحت دابتها أسرع الدواب بعد أن كانت هزيلة ضعيفة؛ لأنها كانت تحمل على ظهرها أفضل الخلق ، أما البهائم العجاف التي كانت تملكها حليمة السعدية فأصبحت تدر لبنًا كثيرًا ببركة محمد عليه الصلاة والسلام ، وحينما جاءت الرسالة بدأت بركاته تنهال على الناس، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يذهبون بصبيانهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليباركهم ويدعو لهم ويمسح عليهم. ومن بركاته تكثير الماء وتكثير الطعام، فيأكل الصحابة الطعام ويخرجون والطعام كما هو، ومن بركته أنه كان يداوي مرضى الصحابة رضي الله عنهم، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عندما كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في الغار فلدغته عقرب فتفل النبي عليه الصلاة والسلام على المكان الملدوغ فبرئ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا علي رضي الله عنه في يوم خيبر أصابه الرمد في عينيه فتفل النبي عليه الصلاة والسلام في عيني علي فقام وكأنه ليس به شيء، وهذا صحابي آخر يأتي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في إحدى الغزوات وقد خرجت عينه فذهب، يأتي وعينه في يده إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، فأخذها النبي عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة ورد عينه في مكانها، فعادت أحسن مما كانت، فهذا هو نبينا الذي باركه الله، وقد مات وبقيت البركة في طاعته والتمسك بسنته ، وإننا لنرجو من الله أن يرزقنا شفاعة نبيه يوم القيامة.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج -وهو القتل- حتى يكثر فيكم المال فيفيض.وروى الترمذي في سننه وصححه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار.
وقال في تحفة الأحوذي : يحمل ذلك على قلة بركة الزمان، وذهاب فائدته في كل مكان، أو على أن الناس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد وشغل قلبهم بالفتن العظام، لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم. انتهى . وقال ابن حجر في فتح الباري: فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا، وإن لم يكن هناك عيش مستلذ، والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان، وذلك من علامات قرب الساعة. انتهى . وقال أيضاَ: قال ابن أبي جمرة : يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان: قصره، على ما وقع في حديث: لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر. وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسياً، ويحتمل أن يكون معنوياً، أما الحسي: فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة.
177
وأما المعنوي: فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي، فإنهم يجدون أنفسهم، لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويشكون ذلك ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان، لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه. انتهى . فهذا ومثله مما قاله العلماء في شرح هذين الحديثين وأمثالهما، يبين ذهاب بركة الوقت بمرور الزمان، وأنه كان يحصل للسلف من البركة في الوقت، ما لا يحصل لمن بعدهم، وما ذلك إلا لكثرة الذنوب والمعاصي والآثام.
ومن عباد الله المباركين عند الله الإمام عبد الله بن المبارك، بارك الله له فأحبه الجميع، فقد كان عالمًا مجاهدًا عابدًا صادعًا بالحق، وما من خصلة من خصال الخير إلا وقد جعلها الله في ابن المبارك. كان رجلاً مباركًا في ماله لأنه لم يكن يدخره لنفسه، بل كان يشكر الله على ما أعطاه فينفق على الناس، فكان إذا سافر مع مجموعة يطلب منهم أن يضعوا أموالهم معه، فيجمعونها عنده فيضعها في صندوق وينفق عليهم من أفضل أنواع الطعام ويلبسهم أفضل اللباس ويطلب منهم أن يشتروا لأهليهم، وبعد العودة يقيم لهم مأدبة ثم يخرج لكل واحد منهم ماله في منديله كما وضعه، لقد كان يتاجر ولكن للإنفاق على أهل العلم والعبادة، لقد كان مسخَّرًا لخدمة الناس ومساعدتهم، فكان يفك المحبوس على المال ويطلب من الدائن أن لا يخبره المحبوس ولا يعلم الناس بذلك إلا بعد موته رحمه الله.
الخطبة الثانية
أيها المسلم، كيف تكون مباركًا؟ سؤال مهم، والجواب عنه يحتاج إلى أوقات طويلة، ولكن سأذكر بعض الأمور السريعة التي تجعلك مباركًا:
أولاً:دعاؤك الله بأن يباركك ودعاء الناس لبعضهم البعض، فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو للناس بالبركة، وعلمنا ذلك في مناسبات عديدة، فعندما يطعمك أخوك المسلم تقول له: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم، وعندما يتزوج المسلم تدعو له بالبركة: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير... وغير ذلك.
ثانيًا:البكور بأداء الأعمال وبخاصة صلاة الفجر، فتبدأ يومك بعبادة الله بصلاة مهمة، فعندها يبارك الله لك في كل شيء، ومن ذلك الرزق، قال : ((اللهم بارك لأمتي في بكورها)).
ثالثًا:البعد عن المال الحرام بشتى أشكاله وصوره ؛ فإنه لا بركة فيه ولا بقاء.
رابعًا:المداومة على الاستغفار لقوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا .
[نوح: 10-12].
178
خامسًا:الإيمان الصادق بالله والبعد عن الذنوب الفردية والجماعية، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .
سادسًا:الشرب من ماء زمزم، فهو ماء مبارك، وماء زمزم لما شرب له، فكان ابن حجر يشربه ليكون من الحفاظ، فكان له ما أراد، وشربه جماعة من أعلام الإسلام رجاء بركته ، وبنية تحقيق بعض مطالبهم في الدنيا والآخرة ، فما هي دعوتك عندما تشرب من ماء زمزم؟
سابعًا:التقرب إلى الله تعالى بالعبادات.
ثامنًا:البعد عن الشحّ والشره في أخذ المال، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع)).
تاسعًا:الصدق في التعامل بيننا عندما نتبايع، قال النبي عليه الصلاة والسلام : ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لها في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)).
عاشراً :استحباب الاجتماع على الطعام ، فإن الاجتماع عليه من أسباب حصول البركة ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :(( كلوا جميعاً ولا تفرقوا ، فإن طعام الواحد يكفي الاثنين )) فهذا يؤخذ منه أن الجمع كلما كثر ازدادت البركة .
أسأل الله أن يبارك لنا جميعًا في أنفسنا وفي أعمارنا وفي أوقاتنا وفي أعمالنا وفي زوجاتنا وفي أبائنا وفي أولادنا وفي أمهاتنا، وأن يبارك لنا في أموالنا وبيوتنا وبلادنا وبلاد المسلمين وفي حياتنا كلها، وأن يبارك لنا في كل ما أعطانا.اللهم أعز الإسلام والمسلمين...
جامعة ام القرى:http://uqu.edu.sa
اللهم انا نسالك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا الى حبك.
قال تعالى: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) [آل عمران:31] ، وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة:54] .

قال تعالى = ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين هو الحي لا الاه إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين= - سورة غافر،الآية 24-25-


والله اعلم.
179.
الحسن العبد،فاس- المغرب.

174
169
الحسن العبد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
عدة العبد المنيب:الفصل العاشر. الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 07-08-2013 01:18 AM
عدة العبد المنيب: الفصل التامن. الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 03-08-2013 09:14 PM
عدة العبد المنيب:الفصل السابع. الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 02-08-2013 02:51 AM
عدة العبد المنيب.الفصل الثالت الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 22-07-2013 03:50 PM
عدة العبد المنيب- الفصل الثاني- الحسن العبد منتدى المـكـتـبـة الرقــمـيـة 0 21-07-2013 09:18 PM


الساعة الآن 09:16 AM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع