العودة   منتديات زوار المسجد النبوي الشريف >

منتديات الكـتب والأبحاث والخطب والمكـتبات

> منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات
المكتبة الرقمية البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات ما يتعلق بالأبحاث والمقالات العلمية ..

كاتب الموضوع محمد مصطفى مشاركات 2 المشاهدات 4790  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 27-07-2011, 09:07 AM   #1
محمد مصطفى
مشرف منتدى الكتاب والكتيبات ومنتدى الأبحاث والمقالات
 
تاريخ التسجيل: Dec 2005
الدولة: السعودية
المشاركات: 919
       
محمد مصطفى is on a distinguished road
مفكرة وقلم قاعدة في وجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لابن تيمية رحمه الله

قاعدة في وجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لابن تيمية رحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئآت أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله باب الخلافة والملك وقتال أهل البغي
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله تسليما
أما بعد فهذه قاعدة مختصرة في وجوب طاعة الله ورسوله في كل حال على كل أحد وأن ما أمر الله به ورسوله من طاعة الله وولاة الأمور ومناصحتهم واجب وغير ذلك من الواجبات قال الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا وقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا فأمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وأولى الأمر منهم كما أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل وأمرهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول
قال العلماء : الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول بعد موته هو الرد إلى سنته قال الله تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فجعل الله الكتاب الذى أنزله هو الذى يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وفى صحيح مسلم وغيره عن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي بالليل يقول اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون إهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وفى صحيح مسلم عن تميم الداري رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا لمن يارسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وفى صحيح مسلم أيضا عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم وفى السنن من حديث إبن مسعود رضى الله عنه وزيد بن ثابت رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه إلى من لم يسمعه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه غير فقيه ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط من ورائهم و يغل بالفتح هو المشهور ويقال غلى صدره فغل إذا كان ذا غش وضغن وحقد أي قلب المسلم لا يغل على هذه الخصال الثلاثة وهي الثلاثة المتقدمة في قوله إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم فإن الله إذا كان يرضاها لنا لم يكن قلب المؤمن الذي يحب ما يحبه الله يغل عليها يبغضها ويكرهها فيكون في قلبه عليها غل بل يحبها قلب المؤمن ويرضاها وفى صحيح البخارى ومسلم وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول أو نقوم بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم وفى الصحيحين أيضا عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك ومعنى قوله وأثرة عليك وأثرة علينا أي وإن إستأثر ولاة الأمور عليك فلم ينصفوك ولم يعطوك حقك كما في الصحيحين عن أسيد بن حضير رضي الله عنه أن رجلا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا تستعملني كما استعملت فلانا فقال إنكم ستلقون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقونى على الحوض وهذا كما في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها تكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا يارسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذى لكم وفى صحيح مسلم عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا فأعرض عنه ثم سأله فأعرض ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فحدثه الأشعث بن قيس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ماحملتم فذلك ما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم هو واجب على المسلم وإن استأثروا عليه وما نهى الله عنه ورسوله من معصيتهم فهو محرم عليه وإن أكره عليه
فصل
وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان وإن لم يعاهدهم عليه وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة كما يجب عليه الصلوات الخمس والزكاة والصيام وحج البيت وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة فإذا حلف على ذلك كان ذلك توكيدا وتثبيتا لما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه سواء حلف بالله أو غير ذلك من الأيمان التي يحلف بها المسلمون فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه وما نهى الله ورسوله عن معصيتهم وغشهم محرم وإن لم يحلف على ذلك
وهذا كما أنه إذا حلف ليصلين الخمس وليصومن شهر رمضان أو ليقضين الحق الذي عليه ويشهدن بالحق فإن هذا واجب عليه وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه وما نهى الله عنه ورسوله من الشرك والكذب وشرب الخمر والظلم والفواحش وغش ولاة الأمور والخروج عما أمر الله به من طاعتهم هو محرم وإن لم يحلف عليه فكيف إذا حلف عليه
ولهذا من كان حالفا على ما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم أو الصلاة أو الزكاة أو صوم رمضان أو أداء الأمانة والعدل ونحو ذلك لا يجوز لأحد أن يفتيه بمخالفة ما حلف عليه والحنث في يمينه ولا يجوز له أن يستفتي في ذلك ومن أفتى مثل هؤلاء بمخالفة ما حلفوا عليه والحنث في أيمانهم فهو مفتر على الله الكذب مفت بغير دين الإسلام بل لو أفتى آحاد العامة بأن يفعل خلاف ما حلف عليه من الوفاء في عقد بيع أو نكاح أو إجارة أوغير ذلك مما يجب عليه الوفاء به من العقود التى يجب الوفاء بها وإن لم يحلف عليها فإذا حلف كان أوكد فمن أفتى مثل هذا بجواز نقض هذه العقود والحنث في يمينه كان مفتريا على الله الكذب مفتيا بغير دين الإسلام فكيف إذا كان ذلك في معاقدة ولاة الأمور التى هي أعظم العقود التى أمر الله بالوفاء بها وهذا كما أن جمهور العلماء يقولون يمين المكره بغير حق لا ينعقد سواء كان بالله أو النذر أو الطلاق أو العتاق وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد ثم إذا أكره ولي الأمر الناس على مايجب عليهم من طاعته ومناصحته وحلفهم على ذلك لم يجز لأحد أن يأذن لهم في ترك ما أمر الله به ورسوله من ذلك ويرخص لهم في الحنث في هذه الأيمان لأن ما كان واجبا بدون اليمين فاليمين تقويه لا تضعفه ولو قدر أن صاحبها أكره عليها ومن أراد أن يقول بلزوم المحلوف مطلقا في بعض الأيمان لأجل تحليف ولاة الأمور أحيانا قيل له وهذا يرد عليك فيما تعتقده في يمين المكره فإنك تقول لايلزم وإن حلف بها ولاة الأمور ويرد عليك في أمور كثيرة تفتى بها في الحيل مع ما فيه من معصية الله تعالى ورسوله وولاة الأمور
وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديما وحديثا ومن سيرة غيرهم وقد ثبت في الصحيح عن بن عمر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند أسته بقدر غدره قال وإن من أعظم الغدر يعنى بإمام المسلمين وهذا حدث به عبد الله بن عمر لما قام قوم من أهل المدينة يخرجون عن طاعة ولي أمرهم ينقضون بيعته وفى صحيح مسلم عن نافع قال جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال إنى لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من خلع يدا لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية وفى الصحيحين عن بن عباس رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس يخرج من السلطان شبرا فمات عليه إلامات ميتة جاهلية وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتله جاهلية وفى لفظ ليس من أمتى من خرج على أمتى يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشا من مؤمنها ولا يوفي لذي عهدها فليس منى ولست منه
فالأول هو الذي يخرج عن طاعة ولي الأمر ويفارق الجماعة
والثانى هو الذي يقاتل لأجل العصبية والرياسة لا في سبيل الله كأهل الأهواء مثل قيس ويمن
والثالث مثل الذى يقطع الطريق فيقتل من لقيه من مسلم وذمي ليأخذ ماله وكالحرورية المارقين الذين قاتلهم علي بن أبى طالب الذى قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة
وقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر وإن كان عبدا حبشيا كما في صحيح مسلم عن النبى صلى الله عليه وسلم قال اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة وعن أبى ذر قال أوصانى خليلى أن اسمعوا وأطيعوا ولوكان حبشيا مجدع الأطراف وعن البخارى ولو لحبشي كان رأسه زبيبة وفى صحيح مسلم عن أم الحصين رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة الوداع وهو يقول ولو استعمل عبدا يقودكم بكتاب الله اسمعوا وأطيعوا وفى رواية عبد حبشي مجدعا وفى صحيح مسلم عن عوف بن مالك رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قلنا يارسول الله أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وآل فرآه يأتي شيئا من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة
وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا وفى صحيح مسلم عن عائشة رضى الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فارفق به وفى الصحيحين عن الحسن البصري قال عاد عبد الله بن زياد معقل بن يسار في مرضه الذى مات فيه
فقال له معقل إنى محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلاحرم الله عليه الجنة وفى رواية لمسلم ما من أمير يلي من أمر المسلمين شيئا ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة
وفى الصحيحين عن بن عمر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا كلكم راع وكلكم مسئوول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسئوول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وهي مسئوولة عنه والعبد راع على مال سيده وهو مسئوول عنه ألا كلكم راع وكلكم مسئوول عن رعيته وفى الصحيحين عن علي رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث جيشا وأمر عليهم رجلا فأوقد نارا فقال ادخلوها فأراد الناس أن يدخلوها وقال الآخرون إنا فررنا منها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للذين أرادوا أن يدخلوها لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة وقال للآخرين قولا حسنا وقال لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف
فصل
قال الله تعالى وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون وقال الله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال تعالى فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما وقال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم وقال تعالى يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا وقال تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا
فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجره على الله ومن كان لايطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم فماله في الآخرة من خلاق وقد روى البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لايكلمهم الله يوم القيامة ولاينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من بن السبيل ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى وإن لم يعطه منها لم يف .
قاعدة في الخلافة والملك
18 32 8 < وقال قدس الله روحه ! 8 < بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما
( قاعدة )
قال النبى صلى الله عليه وسلم خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه أو الملك من يشاء لفظ أبي داود من رواية عبد الوارث والعوام تكون الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون الملك تكون الخلافة ثلاثين سنة ثم تصير ملكا وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب وغيره عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أهل السنن كأبى داود وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه حتى قال أحمد من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله ونهى عن مناكحته وهو متفق عليه بين الفقهاء وعلماء السنة وأهل المعرفة والتصوف وهو مذهب العامة
وإنما يخالفهم في ذلك بعض أهل الأهواء من أهل الكلام ونحوهم كالرافضة الطاعنين في خلافة الثلاثة أو الخوارج الطاعنين في خلافة الصهرين المنافيين عثمان وعلي أو بعض الناصبة النافين لخلافة علي أو بعض الجهال من المتسننة الواقفين في خلافته ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من هجرته وإلى عام ثلاثين سنة كان إصلاح إبن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي السيد بين فئتين من المؤمنين بنزوله عن الأمر عام إحدى وأربعين في شهر جمادى الأولى وسمي عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية وهو أول الملوك وفي لحديث الذي رواه مسلم ستكون خلافة نبوة ورحمة ثم يكون ملك ورحمة ثم يكون ملك وجبرية ثم يكون ملك عضوض وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور في السنن وهو صحيح إنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كثيرا عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ويجوز تسمية من بعد الخلفاء الراشدين خلفاء وإن كانوا ملوكا ولم يكونوا خلفاء الأنبياء بدليل ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانت بنو إسرائيل يسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر قالوا فما تامرنا قال فوا ببيعة الأول فالأول ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم فقوله فتكثر دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيرا وأيضا قوله فوا ببيعة الأول فالأول دل على أنهم يختلفون والراشدون لم يختلفوا وقوله فأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم دليل على مذهب أهل السنة في إعطاء الأمراء حقهم من المال والمغنم وقد ذكرت في غير هذا الموضوع أن مصير الأمر إلى الملوك ونوابهم من الولاة والقضاة والأمراء ليس لنقص فيهم فقط بل لنقص في الراعي والرعية جميعا فإنه كما تكونون يول عليكم وقد قال الله تعالى وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ماقد أمر به صلى الله عليه وسلم من طاعة الأمراء في غير معصية الله ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم والغزو معهم والصلاة خلفهم ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لايقوم بها الأهم فإنه من باب التعاون على البر والتقوى وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم وإعانتهم على ظلمهم وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك مما هو من باب التعاون على الاثم والعدوان وما أمر به أيضا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لهم ولغيرهم على الوجه المشروع وما يدخل في ذلك من تبليغ رسالات الله إليهم بحيث لايترك ذلك جبنا ولا بخلا ولا خشية لهم ولا اشتراء للثمن القليل بآيات الله ولا يفعل أيضا للرئاسة عليهم ولاعلى العامة ولاللحسد ولا للكبر ولا للرياء لهم ولا للعامة ولا يزال المنكر بما هو أنكر منه بحيث يخرج عليهم بالسلاح وتقام الفتن كما هو معروف من أصول أهل السنة والجماعة كما دلت عليه النصوص النبوية لما في ذلك من الفساد الذي يربى على فساد مايكون من ظلمهم بل يطاع الله فيهم وفي غيرهم ويفعل ما أمر به ويترك مانهى عنه وهذه جملة تفصيلها يحتاج إلى بسط كثير والغرض هنا بيان جماع الحسنات والسيئات الواقعة بعد خلافة النبوة في الإمارة وفي تركها فإنه مقام خطر وذلك أن خبره بانقضاء خلافة النبوة فيه الذم للملك والعيب له لاسيما وفى حديث أبى بكرة أنه استاء للرؤيا وقال خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء ثم النصوص الموجبة لنصب الأئمة والأمراء ومافى الأعمال الصالحة التى يتولونها من الثواب حمد لذلك وترغيب فيه فيجب تخليص محمود ذلك من مذمومه وفى حكم اجتماع الأمرين وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله خيرنى بين أن أكون عبدا رسولا وبين أن أكون نبيا ملكا فاخترت أن أكون عبدا رسولا فإذا كان الأصل في ذلك شوب الولاية من الامارة والقضاء والملك هل هو جائز في الأصل والخلافة مستحبة أم ليس بجائز إلا لحاجة من نقص علم أو نقص قدرة بدونه فنحتج بأنه ليس بجائز في الأصل بل الواجب خلافة النبوة لقوله صلى الله عليه وسلم عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فكل بدعة ضلالة بعد قوله من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فهذا أمر وتحضيض على لزوم سنة الخلفاء وأمر بالإستمساك بها وتحذير من المحدثات المخالفة لها وهذا الأمر منه والنهي دليل بين في الوجوب ثم اختص من ذلك قوله إقتدوا بالذين من بعدي أبى بكر وعمر فهذان أمر بالإقتداء بهما والخلفاء الراشدون أمر بلزوم سنتهم وفى هذا تخصيص للشيخين من وجهين
أحدهما أن السنة ماسنوه للناس وأما القدوة فيدخل فيها الإقتداء بهما فيما فعلاه مما لم يجعلوه سنة
الثانى أن السنة أضافها إلى الخلفاء لا إلى كل منهم فقد يقال إما ذلك فيما اتفقوا عليه دون ما انفرد به بعضهم وأما القدوة فعين القدوة بهذا وبهذا وفى هذا الوجه نظر ويستفاد من هذا أن ما فعله عثمان وعلى من الاجتهاد الذى سبقهما بما هو افضل منه أبو بكر وعمر ودلت النصوص وموافقة جمهور الأمة على رجحانه وكان سببه افتراق الأمة لا يؤمر بالإقتداء بهما فيه إذ ليس ذلك من سنة الخلفاء وذلك أن ابا بكر وعمر ساسا الأمة بالرغبة والرهبة وسلما من التأويل في الدماء والأموال وعثمان رضى الله عنه غلب الرغبة وتأول في الأموال وعلي غلب الرهبة وتأول في الدماء وأبو بكر وعمر كمل زهدهما في المال والرياسة وعثمان كمل زهده في الرياسة وعلى كمل زهده في المال وأيضا فكون النبي صلى الله عليه وسلم استاء للملك بعد خلافة النبوة دليل على أنه متضمن ترك بعض الدين الواجب وقد يحتج من يجوز الملك بالنصوص التى منها قوله لمعاوية إن ملكت فأحسن ونحو ذلك وفيه نظر ويحتج بأن عمر أقر معاوية لما قدم الشام على ما رآه من أبهة الملك لما ذكر له المصلحة فيه فإن عمر قال لا آمرك ولا أنهاك ويقال في هذا إن عمر لم ينهه لا أنه أذن له في ذلك لان معاوية ذكر وجه الحاجة إلى ذلك ولم يثق عمر بالحاجة فصار محل اجتهاد في الجملة فهذان القولان متوسطان ان يقال الخلافة واجبة وإنما يجوز الخروج عنها بقدر الحاجة أو إن يقال يجوز قبولها من الملك بما ييسر فعل المقصود بالولاية ولا يعسره إذ ما يبعد المقصود بدونه لابد من اجازته وأما ملك فإيجابه أو استحبابه محل اجتهاد وهنا طرفان أحدهما من يوجب ذلك في كل حال وزمان وعلى كل أحد ويذم من خرج عن ذلك مطلقا أو لحاجة كما هو حال أهل البدع من الخوارج والمعتزلة وطوائف من المتسننة والمتزهدة والثانى من يبيح الملك مطلقا من غير تقيد بسنة الخلفاء كما هو فعل الظلمة والإباحية وأفراد المرجئة وهذا تفصيل جيد وسيأتي تمامه وتحقيق الأمر أن يقال انتقال الأمر عن خلافة النبوة إلى الملك إما أن يكون لعجز العباد عن خلافة النبوة او اجتهاد سائغ او مع القدرة على ذلك علما وعملا فإن كان مع العجز علما أو عملا كان ذو الملك معذورا في ذلك وان كانت خلافة النبوة واجبة مع القدرة كما تسقط سائر الواجبات مع العجز كحال النجاشى لما اسلم وعجز عن اظهار ذلك في قومه بل حال يوسف الصديق تشبه ذلك من بعض الوجوه لكن الملك كان جائزا لبعض الأنبياء كداود وسليمان ويوسف
وإن كان مع القدرة علما وعملا وقدر أن خلافة النبوة مستحبة ليست واجبة وإن اختيار الملك جائز في شريعتنا كجوازه في غير شريعتنا فهذا التقدير إذا فرض أنه حق فلا اثم على الملك العادل أيضا
وهذا الوجه قد ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد لما تكلم في تثبيت خلافة معاوية وبنى ذلك على ظهور إسلامه وعدالته وحسن سيرته وأنه ثبتت إمامته بعد موت علي لما عقدها الحسن له وسمى ذلك عام الجماعة وذكر حديث عبد الله بن مسعود تدور رحا الإسلام على رأس خمس وثلاثين قال قال أحمد في رواية بن الحكم يروي عن الزهري أن معاوية كان أمره خمس سنين لا ينكر عليه شيء فكان هذا على حديث النبى خمس وثلاثين سنة قال بن الحكم قلت لأحمد من قال حديث بن مسعود تدور رحا الاسلام لخمس وثلاثين أنها من مهاجر النبى صلى الله عليه وسلم قال لقد أخبر هذا وما عليه أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم يصف الإسلام بسير هو بالجناية انما يصف ما يكون بعده من السنين
قال وظاهر هذا من كلام أحمد أنه أخذ بظاهر الحديث وأن خلافة معاوية كانت من جملة الخمس والثلاثين وذكر أن رجلا سأل أحمد عن الخلافة فقال كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة نبوة لنا قال القاضي وظاهر هذا أن ما كان بغير المدينة لم يكن خلافة نبوة
قلت نصوص احمد على ان الخلافة تمت بعلى كثيرة جدا
ثم عارض القاضي ذلك بقوله الخلافة ثلاثون سنة ثم تصير ملكا قال السائل فلما خص الخلافة بعده بثلاثين سنة كان آخرها اخر ايام على وان بعد ذلك يكون ملكا دل على أن ذلك ليس بخلافة فأجاب القاضي بأنه يحتمل أن يكون المراد به الخلافة التى لا يشوبها ملك بعده ثلاثون سنة وهكذا كانت خلافة الخلفاء الاربعة ومعاوية قد شابها الملك وليس هذا قادحا في خلافته كما أن ملك سليمان لم يقدح في نبوته وان كان غيره من الانبياء فقيرا قلت فهذا يقتضى ان شوب الخلافة بالملك جائز في شريعتنا وان ذلك لا ينافى العدالة وان كانت الخلافة المحضة افضل وكل من انتصر لمعاوية وجعله مجتهدا في اموره ولم ينسبه إلى معصية فعليه أن يقول بأحد القولين اما جواز شوبها بالملك أو عدم اللوم على ذلك فيتجه اذا قال ان خلافة النبوة واجبة فلو قدر فان عمل سيئة فكبيرة وان كان دينا او لان الفاسق من غلبت سيئاته حسناته وليس كذلك وهذا رحمته بالملوك العادلين اذ هم في الصحابة من يقتدى به واما اهل البدع كالمعتزلة فيفسقون معاوية لحرب على وغير ذلك بناء على أنه فعل كبيرة وهى توجب التفسيق فلابد من منع احدى المقدمتين ثم اذا ساغ هذا للملوك ساغ للقضاة والامراء ونحوهم وأما اذا كانت خلافة النبوة واجبة وهي مقدورة وقد تركت فترك الواجب سبب للذم والعقاب ثم هل تركها كبيرة او صغيرة ان كان صغيرة لم يقدح في العدالة وان كان كبيرة ففيه القولان لكن يقال هنا اذا كان القائم بالملك والامارة يفعل من الحسنات المامور بها ويترك من السيئات المنهى عنها ما يزيد به ثوابه على عقوبة ما يتركه من واجب او يفعله من محظور فهذا قد ترجحت حسناته على سيئاته فاذا كان غيره مقصرا في هذه الطاعة التى فعلها مع سلامته عن سيئاته فله ثلاثة أحوال اما أن يكون الفاضل من حسنات الامير اكثر من مجموع حسنات هذا او اقل فإن كانت فاضلة اكثر كان أفضل وان كان اقل كان مفضولا وان تساويا تكافآ هذا موجب العدل ومقتضى نصوص الكتاب والسنة في الثواب والعقاب
وهو مبنى على قول من يعتبر الموازنة والمقابلة في الجزاء وفى العدالة ايضا واما من يقول انه بالكبيرة الواحدة يستحق الوعيد ولو كان له حسنات كثيرة عظيمة فلا يجيء هذا وهو قول طائفة من العلماء في العدالة والاول اصح على ما تدل عليه النصوص ويتفرع من هنا مسألة وهو ما اذا كان لا يتأتى له فعل الحسنة الراجحة الا بسيئة دونها في العقاب فلها صورتان :
احداهما اذا لم يمكن الا ذلك فهنا لا يبقى سيئة فان ما لا يتم الواجب او المستحب الا به فهو واجب أو مستحب ثم ان كان مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظورا كأكل الميتة للمضطر ونحو ذلك من الامور المحظورة التى تبيحها الحاجات كلبس الحرير في البرد ونحو ذلك وهذا باب عظيم
فإن كثيرا من الناس يستشعر سوء الفعل ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التى يحصل بها من ثواب الحسنة ما يربى على ذلك بحيث يصير المحظور مندرجا في المحبوب او يصير مباحا اذا لم يعارضه الا مجرد الحاجة كما أن من الامور المباحة بل والمأمور بها ايجابا او استحبابا ما يعارضها مفسدة راجحة تجعلها محرمة أو مرجوحة كالصيام للمريض وكالطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت كما قال قتلوه قتلهم الله هلا سألوا اذا لم يعلموا فإنما شفاء العى السؤال
وعلى هذا الاصل يبنى جواز العدول احيانا عن بعض سنة الخلفاء كما يجوز ترك بعض واجبات الشريعة وارتكاب بعض محظوراتها للضرورة وذلك فيما اذا وقع العجز عن بعض سنتهم أو وقعت الضرورة إلى بعض ما نهوا عنه بأن تكون الواجبات المقصودة بالامارة لا تقوم الا بما مضرته أقل وهكذا مسألة الترك كما قلناه اولا وبينا انه لا يخالفه الا اهل البدع ونحوهم من اهل الجهل والظلم والصورة الثانية اذا كان يمكن فعل الحسنات بلا سيئة لكن بمشقة لا تطيعه نفسه عليها او بكراهة من طبعه بحيث لا تطيعه نفسه إلى فعل تلك الحسنات الكبار المأمور بها ايجابا او استحبابا ان لم يبذل لنفسه ما تحبه من بعض الامور المنهى عنها التى اثمها دون منفعة الحسنة فهذا القسم واقع كثيرا في اهل الامارة والسياسة والجهاد واهل العلم والقضاء والكلام واهل العبادة والتصوف وفى العامة مثل من لا تطيعه نفسه إلى القيام بمصالح الامارة من الامر بالمعروف والنهى عن المنكر واقامة الحدود وأمن السبل وجهاد العدو وقسمة المال الا بحظوظ منهى عنها من الاستئثار ببعض المال والرياسة على الناس والمحاباة في القسم وغير ذلك من الشهوات وكذلك في الجهاد لا تطيعه نفسه على الجهاد الا بنوع من التهور وفى العلم لا تطيعه نفسه على تحقيق علم الفقه وأصول الدين الا بنوع من المنهى عنه من الرأى والكلام ولا تطيعه نفسه على تحقيق علم العبادة المشروعة والمعرفة المأمور بها الا بنوع من الرهبانية فهذا القسم كثر في دول الملوك اذ هو واقع فيهم وفى كثير من امرائهم وقضاتهم وعلمائهم وعبادهم اعنى اهل زمانهم وبسببه نشأت الفتن بين الامة فاقوام نظروا إلى ما ارتكبوه من الامور المنهى عنها فذموهم وأبغضوهم واقوام نظروا إلى ما فعلوه من الامور المامور بها فأحبوهم ثم الاولون ربما عدوا حسناتهم سيئات والاخرون ربما جعلوا سيئاتهم حسنات وقد تقدم اصل هذه المسالة وهو انه اذا تعسر فعل الواجب في الامارة الا بنوع من الملك فهل يكون الملك مباحا كما يباح عند التعذر ذكرنا فيه القولين فإن اقيم التعسر مقام التعذر لم يكن ذلك اثما وان لم يقم كان اثما واما ما لا تعذر فيه ولا تعسر فان الخروج فيه عن سنة الخلفاء اتباع للهوى فالتحقيق أن الحسنات حسنات والسيئات سيئات وهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وحكم الشريعة أنهم لايؤذن لهم فيما فعلوه من السيئات ولا يؤمرون به ولا يجعل حظ أنفسهم عذرا لهم في فعلهم إذا لم تكن الشريعة عذرتهم لكن يؤمرون بما فعلوه من الحسنات ويحضون على ذلك ويرغبون فيه وإن علم أنهم لا يفعلونه إلا بالسيئات المرجوحة كما يؤمر الأمراء بالجهاد وإن علم أنهم لا يجاهدون إلا بنوع من الظلم الذى تقل مفسدته بالنسبة إلى مصلحة الجهاد ثم إذا علم أنهم إذا نهوا عن تلك السيئات تركوا الحسنات الراجحة الواجبة لم ينهوا عنها لما في النهي عنها من مفسدة ترك الحسنات الواجبة إلا أن يمكن الجمع بين الأمرين فيفعل حينئذ تمام الواجب كما كان عمر بن الخطاب يستعمل من فيه فجور لرجحان المصلحة في عمله ثم يزيل فجوره بقوته وعدله ويكون ترك النهي عنها حينئذ مثل ترك الانكار باليد أو بالسلاح إذا كان فيه مفسدة راجحة على مفسدة المنكر فإذا كان النهي مستلزما في القضية المعينة لترك المعروف الراجح كان بمنزلة أن يكون مستلزما لفعل المنكر الراجح كمن أسلم على أن لايصلي إلا صلاتين كما هو مأثور عن بعض من أسلم على عهد النبي أو أسلم بعض الملوك المسلطين وهو يشرب الخمر أو يفعل بعض المحرمات ولو نهي عن ذلك إرتد عن الاسلام
ففرق بين ترك العالم أو الأمير لنهي بعض الناس عن الشيء إذا كان في النهي مفسدة راجحة وبين إذنه في فعله وهذا يختلف باختلاف الأحوال ففى حال أخرى يجب اظهار النهي إما لبيان التحريم واعتقاده والخوف من فعله أو لرجاء الترك أو لاقامة الحجة بحسب الأحوال ولهذا تنوع حال النبى صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيه وجهاده وعفوه واقامته الحدود وغلظته ورحمته .
وقال شيخ الاسلام رحمه الله تعالى
فصل
قد ذكرت فيما تقدم الكلام على الملك هل هو جائز في شريعتنا ولكن خلافة النبوة مستحبة وأفضل منه أم خلافة النبوة واجبة وانما تجويز تركها إلى الملك للعذر كسائر الواجبات تكلمت على ذلك وأما في شرع من قبلنا فإن الملك جائز كالغنى يكون للأنبياء تارة وللصالحين أخرى قال الله تعالى في داود وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء وقال عن سليمان رب اغفرلى وهب لى ملكا لاينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب وقال عن يوسف رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فهؤلاء ثلاثة أنبياء أخبر الله أنه آتاهم الملك وقال أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا فهذا ملك لآل إبراهيم وملك لآل داود وقد قال مجاهد في قوله تؤتى الملك من تشاء قال النبوة فجعل النبوة نفسها ملكا والتحقيق أن من النبوة مايكون ملكا فإن النبى له ثلاثة أحوال إما أن يكذب ولا يتبع ولايطاع فهو نبي لم يؤت ملكا وإما أن يطاع فنفس كونه مطاعا هو ملك لكن إن كان لايأمر إلا بما أمر به فهو عبد رسول ليس له ملك وإن كان يأمر بما يريده مباحا له ذلك بمنزلة الملك كما قيل لسليمان هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب فهذا نبي ملك فالملك هنا قسيم العبد الرسول كما قيل للنبى صلى الله عليه وسلم اختر إما عبدا رسولا وإما نبيا ملكا
وأما بالتفسير الأول وهو الطاعة والاتباع فقسم من النبوة والرسالة وهؤلاء أكمل وهو حال نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه كان عبدا رسولا مؤيدا مطاعا متبوعا فأعطى فائدة كونه مطاعا متبوعا ليكون له مثل أجر من اتبعه ولينتفع به الخلق ويرحموا به ويرحم بهم ولم يختر أن يكون ملكا لئلا ينقص لما في ذلك من الاستمتاع بالرياسة والمال عن نصيبه في الآخرة فإن العبد الرسول أفضل عند الله من النبى الملك ولهذا كان أمر نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم أفضل من داود وسليمان ويوسف حتى إن من أهل الكتاب من طعن في نبوة داود وسليمان كما يطعن كثير من الناس في ولاية بعض أهل الرياسة والمال وليس الأمر كذلك وأما الملوك الصالحون فقوله سبحانه إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت وقوله سبحانه ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا الآية قال مجاهد ملك الأرض مؤمنان وكافران فالمؤمنان سليمان وذو القرنين والكافران بختنصر ونمرود وسيملكها خامس من هذه الأمة وقوله تعالى يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا
وأما جنس الملوك فكثيرة كقوله وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وقوله وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف
قاعدة في مواضع الأئمة في مجامع الأمة
وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه
أعلم أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأكمل لأمته الدين وأتم عليهم النعمة وجعله على شريعة من الأمر وأمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لايعلمون وجعل كتابه مهيمنا على ما بين يديه من الكتب ومصدقا لها وجعل له شرعة ومنهاجا وشرع لأمته سنن الهدى ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد كتاب يهدى به وحديد ينصره كما قال تعالى لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس فالكتاب به يقوم العلم والدين والميزان به تقوم الحقوق في العقود المالية والقبوض والحديد به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين
ولهذا كان في الأزمان المتأخرة الكتاب للعلماء والعباد والميزان للوزراء والكتاب وأهل الديوان والحديد للأمراء والأجناد والكتاب له الصلاة والحديد له الجهاد ولهذا كان أكثر الآيات والأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد وكان النبى صلى الله عليه وسلم يقول في عيادة المريض اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة وينكألك عدوا وقال عليه السلام رأس الأمر الاسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ولهذا جمع بينهما في مواضع من القرآن كقوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والصلاة أول أعمال الاسلام وأصل أعمال الايمان ولهذا سماها إيمانا في قوله وما كان الله ليضيع ايمانكم أى صلاتكم إلى بيت المقدس هكذا نقل عن السلف وقال تعالى أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لايستوون عند الله وقال فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فوصفهم بالمحبة التى هي حقيقة الصلاة كما قال محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا فوصفهم بالشدة على الكفار والضلال
وفى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل أى العمل أفضل قال إيمان بالله وجهاد في سبيله فقيل ثم ماذا قال ثم حج مبرور مع قوله في الحديث الصحيح لما سأله إبن مسعود أي العمل أفضل قال الصلاة في وقتها قال ثم ماذا قال بر الوالدين قال ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله فإن قوله إيمان بالله دخل فيه الصلاة ولم يذكر في الأول بر الوالدين إذ ليس لكل أحد والدان فالأول مطلق والثانى مقيد بمن له والدان ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم من ولاة الأمور في الدولة الأموية والعباسية أن الإمام يكون إماما في هذين الأصلين جميعا الصلاة والجهاد فالذى يؤمهم في الصلاة يؤمهم في الجهاد وأمر الجهاد والصلاة واحد في المقام والسفر وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا استعمل رجلا على بلد مثل عتاب بن أسيد على مكة وعثمان بن أبى العاص على الطائف وغيرهما كان هو الذي يصلى بهم ويقيم الحدود وكذلك إذا استعمل رجلا على مثل غزوة كإستعماله زيد بن حارثة وابنه أسامة وعمرو بن العاص وغيرهم كان أمير الحرب هو الذي يصلي بالناس ولهذا استدل المسلمون بتقديمه أبا بكر في الصلاة على أنه قدمه في الامامة العامة وكذلك كان أمراء الصديق كيزيد بن أبى سفيان وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص وغيرهم أمير الحرب هو إمام الصلاة وكان نواب عمر بن الخطاب كإستعماله على الكوفة عمار بن ياسر على الحرب والصلاة وبن مسعود على القضاء وبيت المال وعثمان بن حنيف على الخراج ومن هنا أخذ الناس ولاية الحرب وولاية الخراج وولاية القضاء فإن عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين فلما انتشر المؤمنون وغلبوا الكافرين على البلاد وفتحوها واحتاجوا إلى زيادة في الترتيب وضع لهم الديوان ديوان الخراج للمال المستخرج وديوان العطاء والنفقات للمال المصروف ومصر لهم الأمصار فمصر الكوفة والبصرة ومصر الفسطاط فإنه لم يؤثر أن يكون بينه وبين جند المسلمين نهر عظيم كدجلة والفرات والنيل فجعل هذه الأمصار مما يليه
فصل
وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد فإن النبى صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوي ففيه الصلاة والقراءة والذكر وتعليم العلم والخطب وفيه السياسة وعقد الألوية والرايات وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء وفيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم
وكذلك عماله في مثل مكة والطائف وبلاد اليمن وغير ذلك من الأمصار والقرى وكذلك عماله على البوادى فإن لهم مجمعا فيه يصلون وفيه يساسون كما قال النبى صلى الله عليه وسلم إن بنى اسرائيل كان تسوسهم الأنبياء كلما ذهب نبي خلفه نبى وإنه لانبي بعدى وستكون خلفاء تعرفون وتنكرون قالوا فما تأمرنا قال أوفوا ببيعة الأول فالأول واسألوا الله لكم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وكان الخلفاء والأمراء يسكنون في بيوتهم كما يسكن سائر المسلمين في بيوتهم لكن مجلس الإمام الجامع هو المسجد الجامع وكان سعد بن أبى وقاص قد بنى له بالكوفة قصرا وقال أقطع عنى الناس فأرسل إليه عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه فاشترى من نبطي حزمة حطب وشرط عليه حملها إلى قصره فحرقه فإن عمر كره للوالي الاحتجاب عن رعيته ولكن بنيت قصور الأمراء فلما كانت إمارة معاوية احتجب لما خاف أن يغتال كما اغتيل علي واتخذ المقاصير في المساجد ليصلي فيها ذو السلطان وحاشيته واتخذ المراكب فاستن به الخلفاء الملوك بذلك فصاروا مع كونهم يتولون الحرب والصلاة بالناس ويباشرون الجمعة والجماعة والجهاد واقامة الحدود لهم قصور يسكنون فيها ويغشاهم رؤوس الناس فيها كما كانت الخضراء لبنى أمية قبلى المسجد الجامع والمساجد يجتمع فيها للعبادات والعلم ونحو ذلك
فصل
طال الأمد وتفرقت الأمة وتمسك كل قوم بشعبة من الدين بزيادات زادوها فأعرضوا عن شعبة منه أخرى أحدثت الملوك والأمراء القلاع والحصون وإنما كانت تبنى الحصون والمعاقل قديما في الثغور خشية أن يدهمها العدو وليس عندهم من يدفعه عنها وكانوا يسمون الثغور الشامية العواصم وهي قنسرين وحلب وأحدثت المدارس لأهل العلم وأحدثت الربط والخوانق لأهل التعبد وأظن مبدأ انتشار ذلك في دولة السلاجقة فأول ما بنيت المدارس والرباطات للمساكين ووقفت عليها وقوف تجرى على أهلها في وزارة نظام الملك وأما قبل ذلك فقد وجد ذكر المدارس وذكر الربط لكن ما أظن كان موقوفا عليها لأهلها وانما كانت مساكن مختصة وقد ذكر الإمام معمر بن زياد من أصحاب الواحدى في أخبار الصوفية أن أول دويرة بنيت لهم في البصرة وأما المدارس فقد رأيت لها ذكرا قبل دولة السلاجقة في أثناء المائة الرابعة ودولتهم إنما كانت في المائة الخامسة وكذلك هذه القلاع والحصون التى بالشام عامتها محدث كما بنى الملك العادل قلعة دمشق وبصرى وحران وذلك أن النصارى كانوا كثيرى الغزو إليهم وكان الناس بعد المائة الثالثة قد ضعفوا عن دفاع النصارى عن السواحل حتى استعلوا على كثير من ثغور الشام الساحلية .
فصل
في الخلافة والسلطان وكيفية كونه ظل الله في الأرض قال الله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة وقال الله تعالى ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
وقوله انى جاعل في الأرض خليفة يعم آدم وبنيه لكن الإسم متناول لآدم عينا كقوله لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم وقوله خلق الانسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار وقوله وبدأ خلق الانسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى أمثال ذلك ولهذا كان بين داود وآدم من المناسبة ما أحب به داود حين أراه ذريته وسأل عن عمره فقيل أربعون سنة فوهبه من عمره الذي هو ألف سنة ستين سنة والحديث صحيح رواه الترمذي وغيره وصححه ولهذا كلاهما ابتلى بما ابتلاه به من الخطيئة كما أن كلا منهما مناسبة للأخرى إذ جنس الشهوتين واحد ورفع درجته بالتوبة العظيمة التى نال بها من محبة الله له وفرحه به ما نال ويذكر عن كل منهما من البكاء والندم والحزن ما يناسب بعضه بعضا
والخليفة هو من كان خلفا عن غيره فعيلة بمعنى فاعلة كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا سافر يقول اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل وقال صلى الله عليه وسلم من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا وقال أو كلما خرجنا في الغزو خلف أحدهم وله نبيب كنبيب التيس يمنح احداهن اللبنة من اللبن لئن أظفرنى الله بأحد منهم لأجعلنه نكالا وفى القرآن سيقول لك المخلفون من الأعراب وقوله فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله والمراد بالخليفة أنه خلف من كان قبله من الخلق والخلف فيه مناسبة كما كان أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه خلفه على أمته بعد موته وكما كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا سافر لحج أو عمرة أو غزوة يستخلف على المدينة من يكون خليفة له مدة معينة فيستخلف تارة بن أم مكتوم وتارة غيره واستخلف على بن أبى طالب في غزوة تبوك وتسمى الأمكنة التى يستخلف فيها الامام مخاليف مثل مخاليف اليمن ومخاليف أرض الحجاز ومنه الحديث حيث خرج من مخلاف إلى مخلاف ومنه قوله تعالى وهو الذى جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم وقوله تعالى ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا إلى قوله تعالى ثم جعلناكم خلائف في الأرض ومنه قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم الآية وقد ظن بعض القائلين الغالطين كابن عربى أن الخليفة هو الخليفة عن الله مثل نائب الله وزعموا أن هذا بمعنى أن يكون الانسان مستخلفا وربما فسروا تعليم آدم الأسماء كلها التى جمع معانيها الانسان ويفسرون خلق آدم على صورته بهذا المعنى أيضا وقد أخذوا من الفلاسفة قولهم الانسان هو العالم الصغير وهذا قريب وضموا إليه أن الله هو العالم الكبير بناء على أصلهم الكفرى في وحدة الوجود وأن الله هو عين وجود المخلوقات فالانسان من بين المظاهر هو الخليفة الجامع للأسماء والصفات ويتفرع على هذا ما يصيرون إليه من دعوى الربوبية والألوهية المخرجة لهم إلى الفرعونية والقرمطية والباطنية
وربما جعلوا الرسالة مرتبة من المراتب وأنهم أعظم منها فيقرون بالربوبية والوحدانية والألوهية وبالرسالة ويصيرون في الفرعونية هذا إيمانهم أو يخرجون في أعمالهم أن يصيروا سدى لا أمر عليهم ولانهى ولا إيجاب ولاتحريم
والله لا يجوز له خليفة ولهذا لما قالوا لأبى بكر ياخليفة الله قال لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبي ذلك بل هو سبحانه يكون خليفة لغيره قال النبى صلى الله عليه وسلم اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا وذلك لأن الله حى شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين ليس له شريك ولا ظهير ولا يشفع أحد عنده الا بإذنه والخليفة أنما يكون عند عدم المستخلف بموت أو غيبة ويكون لحاجة المستخلف إلى الاستخلاف وسمى خليفة لأنه خلف عن الغزو وهو قائم خلفه وكل هذه المعانى منتفية في حق الله تعالى وهو منزه عنها فإنه حي قيوم شهيد لا يموت ولا يغيب وهو غنى يرزق ولا يرزق يرزق عباده وينصرهم ويهديهم ويعافيهم بما خلقه من الأسباب التى هي من خلقه والتى هي مفتقرة إليه كافتقار المسببات إلى أسبابها فالله هو الغنى الحميد له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن وهو الذي في السماء إله وفى الأرض إله ولا يجوز أن يكون أحد خلفا منه ولايقوم مقامه لأنه لا سمى له ولا كفء له فمن جعل له خليفة فهو مشرك به
وأما الحديث النبوي السلطان ظل الله في الأرض يأوى إليه كل ضعيف وملهوف وهذا صحيح فإن الظل مفتقر إلى آو وهو رفيق له مطابق له نوعا من المطابقة والآوى إلى الظل المكتنف بالمظل صاحب الظل فالسلطان عبد الله مخلوق مفتقر إليه لا يستغنى عنه طرفة عين وفيه من القدرة والسلطان والحفظ والنصرة وغير ذلك من معانى السؤدد والصمدية التى بها قوام الخلق ما يشبه أن يكون ظل الله في الأرض وهو أقوى الأسباب التى بها يصلح أمور خلقه وعباده فإذا صلح ذو السلطان صلحت أمور الناس وإذا فسد فسدت بحسب فساده ولا تفسد من كل وجه بل لابد من مصالح إذ هو ظل الله لكن الظل تارة يكون كاملا مانعا من جميع الأذى وتارة لايمنع الا بعض الأذى وأما إذا عدم الظل فسد الأمر كعدم سر الربوبية التى بها قيام الأمة الانسانية والله تعالى أعلم .
مجموع الفتاوى لابن تيمية ج35/ص5 – 42
__________________
رأس مال المسلم دينه فلا يخلفه في الرحال ولا يأتمن عليه الرجال .
قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى ، قالوا وما التقوى ؟ قال : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله , وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله .
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم
محمد مصطفى غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2011, 01:42 PM   #2
ام المهدي
عضو محترف
 
الصورة الرمزية ام المهدي
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
المشاركات: 1,393
       
ام المهدي is on a distinguished road
جزاك الله خيراً
ام المهدي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-07-2011, 03:04 PM   #3
أم خالد
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 738
       
أم خالد is on a distinguished road
جزاكم الله خيرا
أم خالد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

بحث متقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات المشاركة الاخيرة
طاعة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته مدارج السالكين منتدى السيرة النبوية والشمـائل المحمدية 1 04-12-2010 10:05 PM
طاعة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته مصابيح الهدى منتدى السيرة النبوية والشمـائل المحمدية 1 17-06-2010 01:41 AM
محمدٌ صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله الشيخ ياسين الأسطل منتدى السيرة النبوية والشمـائل المحمدية 2 02-11-2009 10:57 AM
قصيدة بن حزم رحمه الله غضبا لله ورسوله صلى الله عليه مسلم مشرفة المنتديات النسائية منتدى رَوَائِع الشعرِ وَالحكمَة 0 05-02-2009 09:13 AM
الصارم المسلول على شاتم السول صلى الله عليه وسلم / لابن تيمية محمد مصطفى منـتـدى الأبـحـاث والمـقـالات 0 29-01-2006 04:58 AM


الساعة الآن 02:30 AM.


جميع الحقوق محفوظة لمكتبة المسجد النبوي الشريف
جميع المقالات والأبحاث تعبر عن رأي أصحابها ، وليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر الموقع