عرض مشاركة واحدة
قديم 31-10-2008, 12:54 AM   #3
نبيل الجزائري
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: الجزائر
المشاركات: 5
       
نبيل الجزائري is on a distinguished road
من بعد عصر الصحابة – رضي الله عنهم – وعصر التابعين, وبخاصة في العصر الأموي, والعصر العباسي. بدأت السُّبحة وأخذت في أطوار في مادتها, وفي أغراضها, وفي أعداد حَبَّاتها وفي محل اتخاذها, وأن السبحة عَبَرت إلى بلاد العرب, عن طريقين: الروافض والمتصوفة .

قال الشهابي : ((يرجع انتشار السبحة في بعض البلاد الإِسلامية إلى استخدام الصوفية لها؛ إذ يعتبرونها أصلاً من الأصول المرعية في طرائقهم, وعوائدهم؛ لاستخدامها في حلقات الذكر, ويحفظونها في صندوق خاص بها, ولها قوم يقومون على استخدامها في الأوراد والأذكار, ويعرفون بـ ((شيوخ السَّبْحَة)) وبعض طوائف الصوفية ترى ضرورة وضع المسبحة في العنق؛ لأَن هذا عندهم أحفظ وَأَثْوَبُ, وهذا التقليد واجب عند بعض طوائف الصوفية, وبعض الطوائف تنكر هذا التقليد)). انتهى. من مقالة: بأقلام القراء في: مجلة الوعي الإسلامي العدد / 140 لعام 1396 ص / 105, 106

لا يستريب منصف أن اتخاذ السُّبْحَةِ لتعداد الأَذكار: تشبه بالكفار, وبدعة مضافة في التعبد بالأَذكار والأوراد, وعدول عن الوسيلة المشروعة: ((العَدَّ بالأنامل)) التي دَلَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله, وتوارثه المهتدون بهديه المقتفون لأَثره إلى يومنا هذا, وإلى هديه صلى الله عليه وسلم يُرد أمر الخلاف, وبه يتحرر الصحيح عند النزاع. وإضافة إلى ذلك فإن فقهاء المذاهب المتبوعة لا يتنازعون في أن العد بالأنامل أفضل من العد بغيرها من الحصى ونحوه منثوراً أو منظوماً, وأنه إذا انضاف إلى السُّبْحة أمر زائد غير مشروع, مثل جعلها في الأعناق تعبداً, والتغالي فيها من أنها حبل الوصل إلى الله, ودخول أي معتقد نفعاً وضراً, وإظهار التنسك والزهادة, إلى غير ذلك مما يأباه الشرع المطهر, فإنه يحرم اتخاذها, بوجه أشد, وأضيف هنا أمرين مهمين:

أولهما: أقول فيه: إن من وقف على تاريخ اتخاذ السبحة, وأنها من شعائر الكفار من البوذيين, والهندوس, والنصارى, وغيرهم وأنها تسربت إلى المسلمين من معابدهم؛ علم أنها من خصوصيات معابد الكفرة, وأن اتخاذ المسلم لها وسيلة للعبادة, بدعة ضلالة, وهذا ظاهر بحمد الله تعالى .

قال الغلاة في اتخاذ السُّبْحَة: ((إن العقد بالأنامل إنما يتيسر في الأذكار القليلة من ((المائة)) فَدُوْن, أما أهل الأوراد الكثيرة, والأذكار المتصلة, فلو عدوا بأصابعهم لدخلهم الغلط, واستولى عليهم الشغل بالأصابع, وهذه حكمة اتخاذ السُبحة))

أقول: ليس في الشرع المطهر أكثر من ((المائة)) في عدد الذكر المقيد بحال, أو زمان, أو مكان, وما سوى المقيد فهو من الذكر المطلق, والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب / 41]. إلى غيرها من الآيات, كما في: [آل عمران / 41, والأنفال / 45, والأحزاب / 35].

فتوظيف الإِنسان على نفسه ذكراً مقيداً بعدد لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم هو: زيادة على المشروع, ونفس المؤمن لا تشبع من الخير, وكثرة الدعاء والذكر, وهذا الأمر المطلق من فضل الله على عباده في حدود ما شرعه الله من الأدعية والأذكار المطلقة, بلا عدد معين, كل حسب طاقته ووُسعِه, وفَرَاغه, وهذا من تيسير الله على عباده, ورحمته بهم. وانظر: لَمَّا ألزم الطرقية أنفسهم بأعداد لا دليل على تحديدها؛ وَلَّدَ لَهُمْ هذا الإِحداث بِدَعاً من اتخاذ السُّبَح, وإلزام أنفسهم بها, واتخاذها شعاراً وتعليقها في الأعناق, واعتقادات متنوعة فيها رغباً, ورهباً, والغلو في اتخاذها, حتى ناءت بحملها الأبدان, فَعُلِّقَتْ بالسقوف, والجدران, وَوُقِّفَت الوقوف على العَادِّين بها, وانْقَسَمَ المتعبدون في اتخاذها: نوعاً وكيفيةً, وزماناً ومكاناً, وعدداً, ثم تطورت إلى آلة حديدية مصنعة, إلى آخر ما هنالك مما يأباه الله ورسوله والمؤمنون.

فعلى كل عبد ناصح لنفسه أن يتجرد من الإِحداث في الدين, وأن يقصر نفسه على التأسي بخاتم الأنبياء والمرسلين, وصحابته – رضي الله عنهم – فَدَع السُّبْحَة يا عبد الله, وتَأَسَّ بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم في عدد الذكر المقيد, ووسيلة العد بالأنامل, وداوم على ذكر الله كثيراً كثيراً دون التقيد بعدد لم يدل عليه الشرع, واحرص على جوامع الذكر, وجوامع الدعاء. وَلاَ تَغْتَرَّ باتخاذ بعض الأئمة الكبار لها, أمثال الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله تعالى – فإن الإِلْفَ والعادة لهما شأن كبير؛ إذ العادة مَلاَّكَة, والعوائد والأعراف تبني أصولاً, وتهدم أصولاً, والمعول على الدليل, وسلامة التعليل, وقواعد التشريع, وانظر كيف غلط أئمة كبار في أبواب التوحيد – مع جلالة قدرهم وعلو شأنهم – وما هذا إلا بحكم النشأة والأجواء المحيطة بهم, شيوخاً وتلاميذ وعامة, مع ضعف التجديد لهذا الدين, نسأل الله أن يغفر لنا ولهم, وأن يجمعنا بهم في جنته, آمين.

وعلى المسلم الناصح لنفسه, أن لا يستوحش من هذا الحكم؛ لاستيلاء الإِلْفِ والعادة, ومستحدث رسوم التصوف ووظائف الزهادة, وأن يكون ديدنه الاكتفاء بهدي خاتم الرسل والأنبياء وأن لا يقدم بين يديه وليجة أخرى.

من كتاب السبحة تارِيخُها وَحُكْمُهَا تَأليف الشيخ بَكر بن عبد الله أبَوُ زيد

نبيل الجزائري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس