عرض مشاركة واحدة
قديم 25-04-2017, 10:55 PM   #4
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,538
       
محب الإسلام is on a distinguished road
منهج العلماء في تحقيق صحيح البخاري.

المنهج في تحقيق صحيح البخاري:
كل كتاب تتعدد رواياته يحتاج إلى طريقة مناسبة لتحقيقه ونشره بين الناس، ذلك لأن طريقة التلفيق لإخراج متن مصحح لا تصلح مع الكتب التي تتعدد رواياتها، ولا سيما في كتب ومصنفات الطبقة المتقدمة من المصنفين، حيث إن الرواية قد تتغاير مع الرواية الأخرى حتى كأن كل واحدة كتاب على حيالها.
ولك أن تتطالع على سبيل المثال الكتاب الذي صنفه ابن قتيبة في تراجم الشعراء لترى كيف أن الرواية تختلف مع صاحبتها حتى كأنك تقرأ في كتابين ، وكذلك كتاب العلامة الجمحي طبقات فحول الشعراء وغيرها من المصنفات.
لذلك كان لا بد من اعتماد منهج مناسب في تحقيق مثل هذه الكتب التي لو اعتمدنا فيها على تلفيق النص وعلى ما يسمى بتصحيح المتن لخرجنا برواية زائدة محرفة لا تمت إلى المؤلف بصلة.
وكتب السنة تختلف فيها الروايات زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا وتصحيحا وتضعيفا، والمحدثون يعرفون الفرق بين روايات ونسخ سنن النسائي وابي داود وابن ماجة والترمذي مثلا، ويعلمون لم اشترط أهل النظر والتثبت منهم مراجعة نسختين معتمدتين - على الأقل – لكل كتاب منها.
وقد وفقني الله فانتبهت إلى ضرورة البحث عن منهج مناسب لمثل هذه الكتب خلال تحقيقي لكتاب الحافظ أبي عبدالله الحاكم معرفة علوم الحديث، حيث إنني وقفت على عدة روايات لهذا الكتاب فكان لا بد من إخراجها جميعها كاملة في كتاب واحد، دون خلط أو تلفيق.
فاعتمدت في المتن رواية مشهورة وأثبت فروق النسخ في الهوامش، ورمزت للروايات بنسخها، ولو أني رمزت للنسخ برواياتها لكان أحسن.
وهذا لا يعني أن نعتمد في المتن الرواية الأم بعجرها وبجرها دون تصحيح ما قد يقع فيها من تصحيف ظاهر، أو غلط واضح.
وهذا المنهج هو المنهج الذي اعتمدها علماؤنا في ضبط نسخ البخاري وتحقيقها.
وهو منهج يعتمد على ضبط الروايات وتنقيحها في كتاب واحد، فيجعل لك الفربري كله في متناول يدك، مع أن كل رواية عنه نسخة وكتاب مستقل.
وفي نسختنا هذه، اعتمد في الأصل رواية أبي زيد المروزي، وهي من أحسن الروايات، وهو من أضبط الرواة، وإسناد النسخة ثابت في الأصل، ثم قام الناسخ ( وإن شئت قلت: المحقق أو الباحث ) بسوق إسناد روايات أخرى ليست في أصل الكتاب ، فذكر رواية كريمة وأبي الوقت، وهما مقيدان عنده في كتاب آخر، ثم اطلع على نسخة ابي ذر ولم يكن له فيها إسناد فيذكر وهذا كتاب آخر، فتحصل له نحو اربع كتب أي نسخ من صحيح البخاري، فاختار كتاب أبي زيد لما ذكرته عنه وعن روايته، ولحسن خطها وضبطها، فاعتمدها أصلا للتحقيق، ثم عمد إلى نسخ البخاري فرمز لها رموزا، وأثبت في هوامش النسخة الأصل فروقات هذه النسخ، فاستغنى بكتاب عن أربع كتب، جمع فيه ما تيسر له من روايات البخاري.
وقد وجد بالاستقراء أن الاختلاف بين النسخ يكون بإبدال كلمة مكان كلمة، أو زيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، وقد تعامل نساخ البخاري مع هذه الفروقات، فالكلمة المختلف فيها يعيدون كتابتها في الهامش بالرواية الأخرى ويكتبون فوقها رمز الرواية.
والسقط يرمزون له بـ: س ، ويحددونه بـ: من لا ، أو : ليس ثم يذكرون النسخة مرموزا لها، ويحددونه بـ: من إلى ونحو ذلك.
وأما التقديم والتأخير فيحددونه كتابة في الهامش.
وإذا اختلفت النسخ في ضبط الكلمة بحيث لا يمكن جمع الضبط في المتن فصل في الهامش، كما في نسختنا هذه لما ضبط " كخ كخ " بتنوين الكسر والضم وبالإسكان كتبه كله بالهامش مفصلا.
وكذلك ما كان مضروبا عليه يكتب ضرب عليه في نسخة كذا من إلى .
مثاله: قول البخاري: " وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي الْمُرِي ذَبَحَ الْخَمْرَ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ " هذا ثابت في رواية أبي زيد وغيره ولكن في أصل القابسي مضروب عليه، وهو ثابت في أصل الأصيلي، بين ذلك تلميذهما المهلب في كتاب النصيح، ثم علل ضرب القابسي عليه في نسخته بأنه لم يعرف معناه إذ كان قد تصحف عليه !
وهذا المنهج المذكور لا نكاد نجده في النسخ المطبوعة والمنتشرة بين الناس، فهي نسخ تجاريةلم تعتمد على أصل مسند، فهي مجهولة الهوية أولا، واعتمدت على تلفيق النص فهي محرفة المتن ثانيا.
وهذا المنهج في تحقيق البخاري هو المعتمد عند العلماء، المستعمل بينهم.
وهذه النسخة القديمة من رواية أبي زيد من أوضح الحجج على هذا المنهج، وسأذكر على سبيل المثال بعض من اعتمده منهجا له من العلماء المعروفين.
ذكر الحافظ في ترجمة أحمد بن عبد الوهاب النويري (من الدرر الكامنة) أنه نسخ من البخاري ثماني نسخ وكان يكتب النسخة ويقابلها وينقل الطباق والروايات عليها ويبيعها بألف أهـ
وكذلك حال النسخ المشهورة الموثوقة لدى العلماء إنما حصلت على هذه المنزلة لأخذها بهذا المنهج.
فهذا شرف الدين علي بن أحمد اليونيني البعلي ، صاحب النسخة المشهورة ، قال عنه الذهبي ، استنسخ صحيح البخاري وحرره ، حدثني أنه قابله في سنة واحدة واسمعه إحدى عشرة مرة, وقد ضبط رواية الجامع الصحيح ، وقابل أصله الموقوف بمدرسة آقبغا آص بسويقة العزيّ خارج باب زويلة من القاهرة المعزية ، بأصل مسموع على الحافظ أبي ذرِّ الهروي ، وبأصل مسموع على الأصيلي ، وبأصل الحافظ مؤرخ الشام ابن عساكر ، وبأصل مسموع عن أبي الوقت أهـ
ثم اجتهد فبالغ في التحري لما قابلها بحضرة إمام اللغة جمال الدين ابن مالك ، صاحب ألفية النحو، فكان يضبطها على الأوجه في اللغة، ويعلل ما وقع فيها من ضبط قد يشكل على أصحاب النحو.
وكذلك الغزولي ، صاحب الفرع المنسوب إليه ، وهو من المحدثين الضابطين، قابل على أصلين، أصل اليونينين وآخر موقوف على مدرسة عندهم .
ويمكن أن يقال أن الطبعة السلطانية هي فرع عن اليونينية لكنها ليست نسخة منها لأن مصححيها اعتمدوا على نسخة من اليونينية وعلى غيرها ، وهي الطبعة التي أعادها للنشر العلامة أحمد شاكر ، ثم ظهرت مؤخرا في الأسواق بأشكال مختلفة.
وكذلك حال النسخة العراقية المنسوبة لأبي زرعة العراقي (وأظنها بخطه) ، فإن أبا زرعة ساق إسناده أولا إلى كريمة ثم إلى أبي ذر ثم إلى أبي الوقت، واعتمد سوق المتن لواحد، وذكر في الهامش فروقات النسخ، وهي من أحسن النسخ المخطوطة التي اطلعت عليها .
وكذلك حال نسخة ابن سعادة الأندلسي ( المتوفي أول سنة 566 أو آخر السنة التي قبلها ) وهو من تلاميذ أبي علي الصدفي ، ممن لازمه وصاهره واختص بصحبته، ولما توفي أبو علي آلت إليه نسخه وأصوله، ومنها صحيح البخاري ومسلم بخط الصدفي ، فنسخة ابن سعادة هذه فرع عن نسخة أبي علي الصدفي المشهورة ، ونسخة الصدفي فرع عن رواية أبي ذر عن شيوخه الثلاثة، ومع شهرة هذه النسخة إلا انه يجب التنبيه على أن الصدفي سيء الخط، مشهور بقلة إعجام الحروف بل بعدمه، ولذلك تطرق التصحيف إلى نسخته وارد، وقد اطلعت على مصورة سنن الدارقطني بخط الصدفي على الوصف المذكور من رداءة الخط وترك الإعجام فوجدتها غير خالية من التصحيف والتحريف، إلا أن ابن سعادة محدث فقيه، وكان قد رحل إلى مكة وأخذ عن أصحاب كريمة المروزية صاحبة النسخة المشهورة، فلعله تحرى في نَسْخِ رواية الصدفي، ولأجل ذلك اشتهرت نسخته وذاعت.
والقاضي عياض أخبر عن نفسه أنه التزم هذا المنهج وذلك في كتابه مشارق الأنوار.
بقي لنا وقفة أخرى مع البخاري في بيان منهجه في تفسير الحديث وشرحه، والله الموفق.

منقول
__________________
(ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا) [الإسراء - 25]
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس