عرض مشاركة واحدة
قديم 04-12-2010, 11:26 PM   #1
صيد الخاطـر
عضو مميز
 
الصورة الرمزية صيد الخاطـر
 
تاريخ التسجيل: Mar 2009
المشاركات: 743
       
صيد الخاطـر is on a distinguished road
سهم تفريج الكربات قربة لرب السماوات

تفريج الكربات قربة لرب السماوات

عبدالرحمن بن ندى العتيبي


الدنيا دار البلاء والمحن وقد خلق الله الانسان وجعله يكابد صعابها قال تعالى {لقدْ خلقْنا الْانْسان فِي كبدٍ (4)} [البلد]، فطلب الرزق يحتاج الى عناء ونصب، وحدوث المصائب يتطلب الصبر، فلله الحكمة البالغة فيما خلق وقدر وطوبى لمن آمن وصبر وشكر، وقد جعل الله دار الدنيا محلاً للابتلاء قال تعالى {الّذِي خلق الْموْت والْحياة لِيبْلُوكُمْ أيُّكُمْ أحْسنُ عملًا وهُو الْعزِيزُ الْغفُورُ (2)} [الملك].


فالانسان مكلف بالعمل الصالح الذي يتقرب به لربه، ومن الأعمال التي يحبها الله وأجزل لها المثوبة تفريج الكربات قال تعالى {فلا اقْتحم الْعقبة (11) وما أدْراك ما الْعقبةُ (12) فكُّ رقبةٍ (13) أوْ اطْعامٌ فِي يوْمٍ ذِي مسْغبةٍ (14) يتِيمًا ذا مقْربةٍ (15) أوْ مِسْكِينًا ذا متْربةٍ (16)} [البلد].

ففي هذه الآيات حث على تفريج الكربات، فاخراج المال وبذله للآخرين صعب على النفس ولكن من يقدم على الانفاق في سبيل الله فهو دليل على قوة ايمانه، والانفاق المذكور في الآيات هو الاعتاق والاطعام، فالرق كربة فالرقيق يتطلع الى الحرية وتفريج كربته بالمساهمة في عتقه، والمجاعة كربة والاطعام تفريج لهذه الكربة (أو اطعام في يوم ذي مسغبة) ومن نفس كربة كان ذلك له ذخرا في يوم تكثر فيه الكربات عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» [رواه مسلم].

فالجزاء من جنس العمل، فمن يسر على المعسر فأنظره لسداد الدين لوقت الميسرة فالله ييسر له في الدنيا والآخرة لأنه ساهم «في تفريج كربة المعسر وهكذا الستر والاعانة، والمسلم يقف في صف أخيه المسلم ويتفقد حاجته ليهب لمساعدته، عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» [رواه البخاري ومسلم].

فالمؤمن يساند أخاه وقت الشدائد عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» [رواه البخاري ومسلم].

قال القرطبي: هذا تمثيل يفيد الحض على معاونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وأن ذلك أمر متأكد لابد منه، فان البناء لا يتم ولا تحصل فائدته الا بأن يكون بعضه يمسك بعضا ويقويه، وان لم يكن ذلك انحلت أجزاؤه وخرب بناؤه.

وكذلك المؤمن لا يستقل بأمر دنياه ودينه الا بمعاونة أخيه ومعاضدته ومناصرته، فان لم يكن ذلك عجز عن القيام بكل مصالحه، وعن مقاومة مضاره، فحينئذ لا يتم له نظام دنياه ولا دينه) اهـ.

وفي هذه الأزمنة كثرت المحن والمصائب على المسلمين فمنهم من احتل العدو بلادهم وهناك المحاصرون وآخرون منكوبون بالفيضانات فيجب الشعور بمأساتهم والسعي لرفع الضرر عنهم وذلك مقتضى الأخوة الاسلامية.

عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [متفق عليه].

ومن يرغب في تفريج الكربات عن اخوانه المسلمين فتكون مساهمته من خلال الآتي:

١- (الدعاء)
الدعاء وسيلة عظيمة لكشف الكربة قال تعالى {أمّنْ يُجِيبُ الْمُضْطرّ اذا دعاهُ ويكْشِفُ السُّوء ويجْعلُكُمْ خُلفاء الْأرْضِ أالهٌ مع اللّهِ قلِيلًا ما تذكّرُون (62)} [النمل]، والدعاء عبادة أمر الله بها في قوله (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) [غافر:60]، ومن دعا ربه فهو مأجور على الدعاء سواء استجاب الله دعاءه، أو لم يستجب لأمر يعلمه الله، فاللجوء الى الله مطلوب وخاصة وقت الشدائد فهو الملاذ وحده {قُلْ منْ يُنجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبرِّ والْبحْرِ تدْعُونهُ تضرُّعًا وخُفْيةً لئِنْ أنْجانا مِنْ هذِهِ لنكُوننّ مِن الشّاكِرِين (63) قُلِ اللّهُ يُنجِّيكُمْ مِنْها ومِنْ كُلِّ كرْبٍ ثُمّ أنْتُمْ تُشْرِكُون (64)} [الأنعام].

ودعاء المسلم لأخيه مستجاب، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل ولك بمثل» [رواه مسلم].

فلا ينسى المسلم اخوانه وليدع لهم، نسأل الله ان يفرج كربات المسلمين.


‏ ٢‏- (الانفاق في سبيل الله)
من أراد ان يساهم في تفريج الكربات فلينفق من ماله قال تعالى {وأنْفِقُوا مِنْ ما رزقْناكُمْ مِنْ قبْلِ ان يأْتِي أحدكُمُ الْموْتُ فيقُول ربِّ لوْلا أخّرْتنِي الى أجلٍ قرِيبٍ فأصّدّق وأكُنْ مِن الصّالِحِين (10) ولنْ يُؤخِّر اللّهُ نفْسًا اذا جاء أجلُها واللّهُ خبِيرٌ بِما تعْملُون (11)} [المنافقون]، وهذا الانفاق مخلوف ومضاعف قال تعالى: {مثلُ الّذِين يُنْفِقُون أمْوالهُمْ فِي سبِيلِ اللّهِ كمثلِ حبّةٍ أنْبتتْ سبْع سنابِل فِي كُلِّ سُنْبُلةٍ مِئةُ حبّةٍ واللّهُ يُضاعِفُ لِمنْ يشاءُ واللّهُ واسِعٌ علِيمٌ (261)} [البقرة]، ومن الملائكة من يدعو للمنفق ويقول (اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا)، ويجب ان يكون الانفاق خالصاً لوجه الله حتى يكون متقبلاً، سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان فقد كان يصل الرحم ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه قال: (لا ينفعه انه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) فمن يسعى في تفريج الكربات فلا يطلب بذلك رياء ولا سمعة أو يتباهى بعمله لينال شهرة، وانما يعمل لوجه الله والله لا يضيع أجر المحسنين.


‏٣‏- (السعي لتفريج الكربة بشتى الوسائل المشروعة)
ان ما يحل من كوارث ومحن فهي بقضاء الله وقدره، وله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد وله الحكمة في خلقه والله يعلم وأنتم لا تعلمون وما يصيب البشر فقد يكون ابتلاء ينكشف فيه المنافق، ويزداد به المؤمن رفعة وتكفر سيئاته، وقد يكون عقوبة قال تعالى {لِيُذِيقهُمْ بعْض الّذِي عمِلُوا}، فاذا حدثت الكربة يشرع السعي لتفريجها بالدعاء والانفاق وهناك وسائل أخرى كالدعوة لنصرة المسلمين سواء كان عن طريق ندوة او محاضرة او كلمة في مجمع او الكتابة عن المأساة واطلاع جمهور المسلمين بما يعانيه اخوانهم وحثهم على الوقوف معهم، ويمكن للبعض ان يذهب بنفسه فيشارك في جهود الاغاثة، ويمكن استخدام الوسائل الدبلوماسية والعلاقات بين الدول والمصالح التجارية للضغط على من يضطهد المسلمين.

وعند المساهمة لتفريج كربات المسلمين يشعر الجميع بأنهم (كالبنيان يشد بعضه بعضا)

فالعمل بأي وسيلة مشروعة لتفريج الكربات يؤجر فاعله.
نسأل الله ان ييسر أمور المسلمين ويصلح أحوالهم ويكفيهم شر أنفسهم وكيد أعدائهم انه سميع مجيب.


جريدة الوطن (الكويت)
6-9-2010
__________________

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا


الفلاح
صيد الخاطـر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس