عرض مشاركة واحدة
قديم 26-01-2010, 11:21 PM   #2
معارج القبول
موقوف
 
الصورة الرمزية معارج القبول
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 131
معارج القبول is on a distinguished road
نجمة المفضلة السبائك الذهبية في القواعد الأصولية






السبائك الذهبية في القواعد الأصولية









لأبي جهاد سمير الجزائري






الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله





هذا مختصر لكتاب "أصول الفقه عند أهل الحديث" لزكريا الباكستاني حاولت تقريبه و تيسيره لطلبة العلم سائلا المولى عز و جل العظيم رب العرش العظيم و أنا في الثلث الأخير من الليل أن يغفر لي و لزوجتي ولكل المسلمين ما تقدم وما تأخر من ذنوبنا وأن يجعل هذا العمل عملا متقبلا مبرورا تنشرح له الصدور وتحبه القلوب ولا تمل من قراءته العيون والعقول.






على ماذا يبني أهل الحديث فقههم ؟





أهل الحديث يبنون فقههم على قواعد مأخوذة من الكتاب والسنة والصحيحة وعلى ما كان عليه السلف الصالح ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 10/362 ) : بعد أن أثنى على أهل الحديث : فلا ينصبون مقالة ، ويجعلونها من أصول دينهم ، وجمل كلامهم ، إن لم تكن تابعة فيما جاء به الرسول ، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه .




الـدلـيـل




القاعدة الأولى : الدليل هو الأصل الذي تبنى عليه القاعدة أوالمسألة.




قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 30/269 ) : قد ينص النبي  نصاً يوجب قاعدة ويخفى النص على بعض العلماء حتى يوافقوا غيرهم على بعض أحكام تلك القاعدة ، وينازعوا فيما لم يبلغهم فيه النص ، مثل اتفاقهم على المضاربة ومنازعتهم في المساقاة والمزارعة وهما ثابتان بالنص ، والمضاربة ليس فيها نص وإنما فيها عمل الصحابة رضي الله عنه ، ولهذا كان فقهاء الحديث يؤصلون أصلاً بالنص ، ويفرعون عليه ، لا يتنازعون في الأصل المنصوص ويوافقون فيما لا نص فيه .انتهى.





القاعدة الثانية : الأحكام الشرعية تؤخذ من الحديث الصحيح ولا يجوز أخذها من الحديث الضعيف.





قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 1/250 ) : لا يجوز أن يعتمد في الشريعة على الأحاديث الضعيفة التي ليسـت صحيحة ولا حسنه . انتهى .




وقال الأنصاري في فتح الباقي في شرح ألفية العراقي : من أراد الاحتجاج بحديث من السنن أو المسانيد إن كان متأهلاً لمعرفة ما يحتج به من غيره فلا يحتج به حتى ينظر في اتصال إسناده وأصول رواته ، وإلا فإن وجد أحداً من الأئمة صححه أو حسنه فله تقليده ، وإلا فلا يحتج به . انتهى .





القاعدة الثالثة : لا فرق في عدم جواز العمل بالحديث الضعيف بين أن يكون في فضائل الأعمال أو في غيرها .





الأحكام التكليفية لا يشرع القول بها إلا بدليل صحيح ، والاستحباب نوع من أنواع الحكم التكليفي ، وعليه فلا يشرع استحباب شيء إلا بدليل صحيح فإن قيل قد جاء عن الإمام أحمد وبعض الأئمة أنهم قالوا : إذا روينا في الأحكام والحلال والحرام تشدَّدنا ، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب تساهلنا .




والجواب : أن المراد بهذا القول هو التساهل في الرواية وليس مشروعية العمل بذلك الضعيف في فضائل الأعمال ، قال المعلمي في الأنوار الكاشفة ( 87 ) : كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح ، أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده ، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة ومنهم إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنة إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات ونحو ذلك لم يمتنع من روايته فهذا هو المراد بالتساهل في عبارتهم . انتهى .




وقال ابن حجر في تبيين العجب ( 22 ) : لا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو الفضائل ، إذ الكل شرع . انتهى .




وللعلامة الألباني رحمه الله تعالى تفصيل طويل رائع في هذه المسألة في مقدمة صحيح الترغيب والترغيب فليرجع إليه .





القاعدة الرابعة : يجب فهم الدليل على ما فهمه السلف الصالح





قال ابن أبي زيد القيرواني في الجامع ( 117 ) : التسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدفع بقياس ، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه ، وما عملوا به عملناه ، وما تركوه تركناه ، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا ، ونتبعهم فيما بينوا ، ونقتدي بهم فيما استنبطوا ورأوه من الحديث ، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو تأويله ، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث .





وقال السمعاني كما في صون المنطق ( 158 ) : إنا أمرنا بالإتباع وندبنا إليه ، ونهينا عن الإبتداع وزجرنا عنه ، وشعار أهل السنة اتباعهم للسلف الصالح ، وتركهم كل ما هو مبتدع محدث . انتهى .




وقال ابن رجب في كتاب فضل علم السلف على علم الخلف ( 72 ) : فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها ، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعهيم في معاني القرآن والحديث ، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام ، والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك . انتهى .





القاعدة الخامسة : يجب الأخذ بظاهر الدليل وعدم تأويله.





أهل الحديث وسط بين الذين بالغوا في الأخذ بالظاهر ولم يلتفتوا إلى معاني الأدلة وبين الذين فرطوا في الأخذ بالظاهر ، فردوا ظاهر الدليل بأدنى شيء أو أولوا الحديث حتى يوفقوا بين الحديث وبين قول إمامهم ، فأهل الحديث يمشون على ظاهر الدليل .




ولا يأولونه ويخرجونه عن ظاهره إلا بدليل يدل على صحة ذلك التأويل ، ولهذا كان السلف يقولون : أمروها كما جاءت .




وهذا وإن كان ورد في باب الأسماء والصفات ، لكن مما لا شك فيه أن جميع الأحكام الشرعية على منوال واحد وطريقة سوية ، ولذلك ما كان السلف يؤولون الأحاديث الواردة في الأحكام ، بل كانوا يجرونها على ظاهرها .




فمثلاً : قد ثبت عن النبي  أنه قال لـمَّا سئل عن الوضوء من لحوم الإبل : ( توضئوا منها ) .




أخرجه مسلم ( 360 ) وأبو داود ( 184 ) والترمذي ( 81 ) .




فالوضوء يطلق على غسل اليدين فقط ويطلق أيضا على الوضوء المعروف في الشرع ، وظاهر الحديث أن المراد هو الوضوء المعروف في الشرع ، وقد مشى الصحابة على هذا الظاهر فقد كانوا يتوضؤون من لحوم الإبل الوضوء الشرعي المعروف ولم يكونوا يأولونه بغسل اليدين فقط .




قال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 3/108 ) : الواجب حمل كلام الله تعالى ورسوله ، وحمل كلام المكلف على ظاهره الذي هو ظاهره ، وهو الذي يقصد من اللفظ عند التخاطب ، ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك . انتهى .




وقال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 263 ) : واعلم أن الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه.




القاعدة السادسة : لا يصرف الدليل عن ظاهره بقول جمهورالعلماء




قول الجمهور ليس بحجة ، لأن الله عز وجل لم يتعبدنا بقول الجمهور ، فلا يصرف الحديث عن ظاهره لأن الجمهور صرفوه عن ظاهره ، فمثلا : لا يصرف ظاهر الأمر من الوجوب إلى الاستحباب لقول الجمهور ، ولا يصرف النهي من التحريم إلى الكراهة لقول الجمهور ، ولا يصرف العام إلى الخاص لقول الجمهور ، وذلك لأن قول الجمهور ليس بحجة ، وظاهر الحديث حجة ، فلا يترك ما هو حجة لأجل ما ليس بحجة ، قال العلامة صديق حسن كما في قواعد التحديث ( 91 ) : اعلم أنه لا يضر الخبر الصحيح عمل أكثر الأمة بخلافه ، لأن قول الأكثر ليس بحجة . انتهى .





القاعدة السابعة : لا يسقط الاستدلال بالدليل بمجرد تطرق الاحتمال إليه





الدليل لا يسقط بمجرد تطرق الاحتمال إليه ، وقول العلماء : الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ، مرادهم بذلك الاحتمال القوي الذي احتفت به القرائن واعتضد بالاعتبارات لا بأي احتمال ، لأنه ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال ، ولو فتح باب الاحتمال لم يبق شيء من الأدلة إلا وسقط الاستدلال به بدعوى تطرق الاحتمال إليه ، ثم إن المراد بسقوط الاستدلال به ، أي على تعيين ذلك الوجه المراد الاستدلال به من الدليل ، لا أن الاستدلال بالدليل يسقط جملة وتفصيلا .




أخرج البخاري ( الفتح 1/413 ) ومسلم ( 1/145 ) عن عائشة قالت : (( كنت أنام بين يدي رسول الله  ورجلاي في قبلته ، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتها )) .




فهذا الحديث يدل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء ، واعترض عليه باحتمال الخصوصية أو أن المس كان بحائل .




وقد تعقب هذا الكلام العلامة أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي ( 1/142 ) فقال : ومن البين الواضح أن هذا التعقيب لا قيمة له ، بل هو باطل ، لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صريح ، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلا متعصب ! انتهى .





القاعدة الثامنة : لا فرق بين الدليل المتواتر والآحاد في جميع القواعد والأحكام





الحديث الآحاد كالتواتر في جميع القواعد والأحكام الشرعية فكما أن المتواتر ينسخ المتواتر فكذلك الآحاد ينسخ المتواتر وكما أن المتواتر يخصص العام ، فكذلك الآحاد يخصص العام ، وكما أن المتواتر مقدم على القياس ، فكذلك الآحاد مقدم على القياس ، وعلى هذا جرى عمل السلف الصالح فإنهم كانوا لا يفرقون في شيء من القواعد والأحكام بين المتواتر والآحاد ، بل التفريق بين المتواتر والآحاد بدعة حدثت بعدهم ، فقد أخذ الصحابة بقول الواحد في النسخ وذلك لما كانوا في الصلاة تجاه بيت المقدس وأخبرهم شخص واحد بأن القبلة تحولت إلى الكعبة فتحولوا وهم في الصلاة .




وبيَّن الشنقيطي في كتابه مذكرة في أصول الفقه ( 86 ) خطأ من قال إن الآحاد لا ينسخ المتواتر .





القاعدة التاسعة : يجب العمل بالدليل وإن لم يعرف أن أحداً





عمل به




الحديث حجة بنفسه لا يحتاج إلى الاحتجاج به أن يكون أحد من الأئمة عمل به ، قال الشافعي في الرسالة ( 422 ) : أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة ، وفي التي تليها بعشر ، وفي الوسطى بعشر ، وفي التي تلي الخنصر بتسع ، وفي الخنصر بست قال الشافعي : لما كان معروفا ـ والله أعلم ـ عندنا أن النبي  قضى في اليد بخمس ، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف ، فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله  قال : (( وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإيل )) صاروا إليه ، وفي الحديث دلالتان :




أحدهما : قبول الخبر .




والآخر : أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا .




ودلالة على أنه لو مضى عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبراً عن النبي  يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله  ، ودلالة على أن حديث رسول الله  يثبت بنفسه لا بعمل غيره .




القاعدة العاشرة : يجب العمل بالدليل ولو خالفه من خالفه من السلف الصالح رضوان الله عليهم.




يجب ردُّ كل قول خالف الدليل على قائله كائناً من كان حتى ولو كان من الخلفاء الراشدين فضلاً عمن دونهم في العلم لأن الله عز وجل أمرنا باتباع السنة ، قال ابن القيم في الصواعق المرسلة ( 3/1063 ) : كان عبد الله بن عباس يحتج في مسألة متعة الحج بسنة رسول الله  وأمره لأصحابه بها فيقولون له : إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا ، فلما أكثروا عليه قال : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم : قال رسول الله  ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر .. ، ولقد مثل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له إن أباك نهى عنها ! فقال : إن أبي لم يرد ما تقولون فلما أكثروا عليه قال : أَقَوْلُ رسول الله أحق أن تتبعوا أم عمر ؟ .





القاعدة الحادية عشر : لا يشرع ترك الدليل وإن عمل الناس بخلافه.





قال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 2/395 ) : لو تركت السنن للعمل لتعطلت سنن رسول الله  ، ودرست رسومها ، وعفت آثارها ، وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن ... .




وقال ابن حزم في المحلى ( 5/661 ) : إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ ، وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو بعضهم ، والجماعة والجملة هم أهل الحق ، ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد ، فهو الجماعة ، وهو الجملة ، وقد أسلم أبو بكر وخديجة رضي الله عنهما فقط ، فكانا هما الجماعة ، وكان سائر أهل الأرض غيرهما وغير الرسول  أهل شذوذ وفرقة . انتهى .





القاعدة الثانية عشر : الأدلة لا تعارض بالعقل ، بل يسلم للدليل تسليما من غير اعتراض عليه





عن علي بن أبي طالب قال : (( لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ، وقد رأيت رسول الله  يمسح على ظاهر خفيه )) . أخرجه أبو داود ( 162 ) وهو صحيح .




قال السمعاني كما في صون المنطق ( 166 ) : وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم ، وطلبوا الدين من قبلهما وما وقع من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة ، فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه ، وشكروا الله عز وجل ، حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه ، وإن وجدوه مخالفاً لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم ، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق ، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل .





القاعدة الثالثة عشر : الأحكام التي وردت في الأدلة مطلقة لا يجوز تحديدها





قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 19/236 ) : فما أطلقه الله من الأسماء وعلق به الأحكام من الأمر والنهي والتحليل والتحريم لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله ، فمن ذلك اسم الماء مطلق في الكتاب والسنة ولم يقسمه النبي  إلى قسمين : طهور وغير طهور ، فهذا التقسيم مخالف للكتاب والسنة .. ، ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر لا أقله ولا أكثره ، ولا الطهر بين الحيضين مع عموم بلوى الأمة بذلك ، واحتياجهم إليه .. ثم قال ( ص : 243 ) : والله ورسوله علقا القصر والفطر بمسمى السفر ولم يحده بمسافة ولا فرق بين طويل وقصير ، ولو كان للسفر مسافة محدودة لبينه الله ورسوله ، ولا له في اللغة مسافة محدودة ، فكل ما يسميه أهل اللغة سفراً فإنه يجوز فيه القصر والفطر كما دلَّ عليه الكتاب والسنة . انتهى .





القاعدة الرابعة عشرة : الأعيان المذكورة في الدليل لا يلحق بها ما لم يذكر في الدليل





مثاله : حديث أبي موسى ومعاذ بن جبل أن النبي  قال لهما حين أرسلهما إلى اليمن : (( لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة : الشعير ، والحنطة ، والزبيب ، والتمر )) . أخرجه البيهقي ( 4/125 ) وصححه الألباني في الإرواء ( 801 ) .




ففي هذا الحديث تخصيص الزكاة بأربعة أشياء مما يخرج من الأرض ، فلا يلحق بها غيرها ، قال أبو عبيد في كتاب الأموال ( 575 ) : إلا أن الذي اختار من ذلك الاتباع لسنة رسول الله  : أنه لا صدقة إلا في الأصناف الأربعة التي سماها ، وسنها مع قول من قاله من الصحابة والتابعين ، ثم اختيار ابن أبي ليلى ، وسفيان إياه . وذلك أن النبي  حين خص هذه بالصدقة وأعرض عما سواها ، قد كان يعلم أن للناس أموالاً مما تخرج الأرض ، فكان تركه ذلك عندنا ، عفواً منه ، كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق وإنما يحتاج إلى النظر والتشبيه والتمثيل إذا لم توجد سنة قائمة ، فإذا وجدت السنة لزم الناس اتباعها . انتهى .





القاعدة الخامسة عشر : لا احتياط فيما ورد به الدليل





قال ابن القيم في تهذيب السنن ( 1/72 ) : الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك المكلف منها عملاً لآخر احتياطاً ، وأما الأحكام الشرعية والأخبار عن الله ورسوله فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به ، ولا يثبت إلا ما أثبته ثم إن الاحتياط هو في ترك هذا الإحتياط ، فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قُلَّة ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة ، فتركه الوضوء منها مناف للاحتياط ، فهلاَّ أخذتم بهذا الأصل هنا ، وقلتم ، ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه ، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة . انتهى .





القاعدة السادسة عشر : يجب تفسير الدليل وفهمه باعتدال من غير إفراط ولا تفريط





قال ابن القيم في كتاب الروح ( 62 ) : ينبغي أن يفهم عن الرسول  مراده من غير غلوٍّ ولا تقصير فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله ، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدي والبيان ، وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله ، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع ، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد . انتهى .





القاعدة الثالثة عشر : الحكم الوارد في قصة ما لا يكون خاصاً بصاحب القصة بل يكون الاستدلال بذلك الحكم الوارد في تلك القصة داخلاً فيه غير صاحب القصة أيضاً :





هناك بعض الصحابة وقعت لهم واقعة من الواقعات وفي تلك الواقعة ورد فيها حكم ما ، فإن ذلك الحكم لا يكون خاصاً بمن وقعت له تلك الواقعة وحدثت له تلك القصة ، بل يكون الحكم عاماً وشاملاً لكل أحد ، كقصة المجامع في نهار رمضان ، فإن تلك القصة دليل على أن من كان مثل ذلك الرجل لا يجد ما يتصدق به كفارة لإتيانه لأهله في نهار رمضان أن تلك الكفارة ساقطة عنه ، ولا يكون هذا الحكم خاصاً بذلك الرجل ، إلا إذا أتى ما يدلُ على أن ذلك الحكم خاص بصاحب القصة مثل حديث أبي بردة بن نيار أن سأل النبي  هل يجزئه ذبح جذعة في الأضحية ، فقال : (( نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك )) . أخرجه البخاري ( 955 )





الإجـمـــــاع





القاعدة الأولى : الإجماع حجة من الحجج الشرعية





الإجماع : هو اتفاق مجتهدي أمة محمد  بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور .




وهو حجة بدليل الكتاب والسنة ، أما دليل الكتاب فهو قوله تعالى :




{ ومَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى ويَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيِلِ المؤمِنِينَ نُوَلِّهِ ماتَوَلَّى وَنصْلِهِ جَهنَّمَ وسَاءتْ مَصِيرًا } ( النساء : 115 ) .




قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 19/193 ) : .. كلاًّ من الوصفين يقتضي الوعيد لأنه مستلزم للآخر ، كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول ، ومخالفة الإسلام والقرآن فيقال : من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار .. ، فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين ، ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر ، ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا ، فإنه قد جعل له مدخلاً في الوعيد ، فدل على أنه وصف مؤثر في الذم ، فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعاً ، والآية توجب ذم ذلك ، وإذا قيل : هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول ؟ قلنا : لأنهما متلازمان ، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصاً عن الرسول فالمخالف لهم مخالف للرسول ، كما أن المخالف للرسول مخالف لله ، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول ، وهذا هو الصواب . انتهى .




والدليل من السنة قوله  : (( إن أمتي لا تجتمع على ضلالة )) .




وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود ( 4253 ) والترمذي ( 2167 ) وابن ماجة ( 3590 ) .




قال الشافعي في الرسالة ( 475 ) : ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم ، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها ، وإنما تكون الغفلة في الفرقة ، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس ، إن شاء الله . انتهى .





القاعدة الثانية : الإجماع لا بد أن يكون له مستند من الكتاب





أو السنة




قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 19/195 ) : فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به ... وكما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع . انتهى .





القاعدة الثالثة : الإجماع لا يقدم على الكتاب أو السنة





قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 19/200 ) : ومن قال من المتأخرين : إن الإجماع مستند معظم الشريعة فقد أخبر عن حاله فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك ، وهذا كقولهم : إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص عليها فإنما هذا قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتها على الأحكام .. ، والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم ( أي الصحابة ) ولا يحتاجون إليه ، إذ هم أهل الإجماع فلا إجماع قبلهم ، لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح " اقض بما في كتاب الله ، فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله ، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك ، وفي رواية : فبما أجمع عليه الناس " . وعمر قدم الكتاب ثم السنة ، وكذلك ابن مسعود قال مثل ما قال عمر : قدم الكتاب ثم السنة ثم الإجماع ، وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر ، وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء وهو الصواب ، ولكن طائفة من المتأخرين قالوا : يبدأ المجتهد بأن ينظر أولاً في الإجماع فإن وجده لم يلتفت إلى غيره ، وإن وجد نصا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه ، وقال بعضهم الإجماع نسخه ! والصواب طريقة السلف . انتهى .





القاعدة الرابعة : الإجماع لا ينسخ النص





قال شيخ الإسلام في ( 19/201 ) : وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذلك منسوخ ، فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ فهذا لا يوجد قط وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك . انتهى .





القاعدة الخامسة : الإجماع الذي يغلب على الظن وقوعه هوالإجماع على ما هو معلوم من الدين بالضرورة





قال الشافعي في الرسالة ( 534 ) : لست أقول ولا أحد من أهل العلم ( هذا مجتمع عليه ) إلا لما لا تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك وحكاه عن من قاله كالظهر أربع ، وكتحريم الخمر وما أشبه هذا .




قال الشيخ أحمد شاكر معلقا على كلام الشافعي : يعني أن الإجماع لا يكون إجماعاً إلا في الأمر المعلوم من الدين بالضرورة كما أوضحنا ذلك وأقمنا الحجة عليه مراراً في كثير من حواشينا على الكتب المختلفة . انتهى .




وقال الشافعي أيضا لمن سأله عن وجود الإجماع ( كما في جماع العلم 7/257 ) : نعم بحمد الله ، كثير في جملة من الفرائض التي لا يسع أحداً جهلها فذلك الإجماع هو الذي لو قلت فيه أجمع الناس لم تجد حولك أحداً يقول لك ليس هذا بإجماع فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها ، وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه .




وقال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 111 ) ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل وبكيفية مذهبه وبما يقوله في تلك المسألة بعينها وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه .. ثم قال : ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا فقد أسرف في الدعوى وجازف في القول ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال : من ادعى الإجماع فهو كاذب . انتهى .





القاعدة السادسة : إجماع الصحابة ممكن وقوعه وأما إجماع من بعدهم فمتعذر غالباً





قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 11/341 ) : الإجماع متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة ، وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة ، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة ، وأما بعد ذلك فتعذر العلم به غالباً ، ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة واختلف في مسائل منه كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة والإجماع الذي لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم ، والإجماع السكوتي وغير ذلك . انتهى .





القاعدة السابعة : إذا اختلف عالمان في الإجماع على مسألة ما فإنه يقدم قول من نقل الخلاف في تلك المسألة لأنه مثبت





قال شيخ الإسلام كما في المجموع ( 19/271 ) : وإذا نقل عالم الإجماع ونقل آخر النزاع : إما نقلا سمى قائله وإما نقلا بخلاف مطلقاً ولم يسم قائله ، فليس لقائل أن يقول : نقل لخلاف لم يثبت ، فإنه مقابل بأن يقال : ولا يثبت نقل الإجماع ، بل ناقل الإجماع ناف للخلاف ، وهذا مثبت ، والمثبت مقدم على النافي ، وإذا قيل : يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف : إما لضعف الإسناد ، أو لعدم الدلالة ، قيل له : ونافي النزاع غلطه أجوز فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه ، أو بلغته وظن ضعف إسنادها وكانت صحيحة عند غيره ، أو ظن عدم الدلالة وكانت دالة ، فكل ما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي مع زيادة عدم العلم بالخلاف . انتهى .





القاعدة الثامنة : عدم العلم بالمخالف لا يصح به دعوى الإجماع





قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 19/271 ) : فإن عدم العلم ليس علما بالعدم لاسيما في أقوال علماء أمة محمد  التي لا يحصيها إلا رب العالمين ... . ولهذا قال أحمد وغيره من العلماء : من ادعى الإجماع فقد كذب ، وهذه دعوى المريسي والأصم ، ولكن يقول : لا أعلم نزاعاً ، والذين كانوا يذكرون الإجماع كالشافعي وأبي ثور وغيرهما يفسرون مرادهم : بأنا لا نعلم نزاعاً ، ويقولون هذا هو الإجماع الذي ندعيه .




وقال شيخ الإسلام أيضا ( 20/10 ) : وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن الإجماع ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ، ولكن كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعاً ولا يكون الأمر كلك . انتهى .





القاعدة التاسعة : إجماع أهل المدينة لا يعتبر حجة





قال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 124 ) : إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور لأنهم بعض الأمة ، وقال مالك : إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم .. وقال الباجي : إنما أراد ذلك بحجية إجماع أهل المدينة فيما كان طريقه النقل المستفيض كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في الخضروات مما تقتضي العادة بأن يكون في زمن النبي  فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء . انتهى .





القاعدة العاشرة : قول جمهور العلماء في مسألة من المسائل لا يعتبر حجة





الحجة إنما هو في الكتاب والسنة والإجماع ، وقول الجمهور ليس بإجماع فلا يعتبر حجة على القول الآخر .




قال ابن حزم في الإحكام ( 1/599 ) : ففي هذا أن الواحد قد يكون عنده من السنن ما ليس عند الجماعة ، وإذا كان عنده من السنة ما ليس عند غيره فهو المصيب في فتياه بهذا دون غيره .. وبينا قبل وبعد أن العرض إنما هو اتباع القرآن وما حكم به رسول الله  فإنه لا معنى لقول أحد دون ذلك ، كثر القائلون به أو قلُّوا ، وهذا باب ينبغي أن يتقى فقد عظم الضلال به ، ونعوذ بالله العظيم من البلادة . انتهى .





الـقــــيـاس





القاعدة الأولى : القياس حجة من الحجج الشرعية





القياس حجة من الحجج الشرعية دلَّ على حجيته :




إقرار النبي  له وإجماع الصحابة عليه ، أما دليل الإقرار فهو حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال : قال رسول الله  : (( إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل ، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود )) قلت : يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر ؟ قال : يا ابن أخي سألت رسول الله  كما سألتني فقال : (( الكلب الأسود شيطان )) أخرجه مسلم ( 510 ) .




ووجه الدلالة من الحديث أن أبا ذر قاس الكلب الأحمر والأصفر على الكلب الأسود فلم ينكر عليه النبي  هذا القياس ولكن بين له أن العلة في الكلب الأسود غير موجودة في الكلاب الأخرى فافترق الحكم .




وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى .. ثم قس الأمور بعضها ببعض ، وانظر أقربها إلى الله وأشبهها بالحق فاتبعه . أخرجه الإسماعيلي ( كما في مسند الفاروق 2/546 ) بإسناد صحيح .




قال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 1/176 ، 177 ) : وقد كان أصحاب النبي  يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض ويعتبرون النظير بنظيره .. ، ولما قاس مجزز المدلجي وقاف وحكم بقياسه وقيافته على أن أقدام زيد وأسامة ابنه بعضها من بعض سرَّ بذلك رسول الله  حتى برقت أسارير وجهه من صحة هذا القياس وموافقته للحق .. ، قال المزني : الفقهاء من عصر رسول الله  إلى يومنا هذا وهلم جرا استعملوا القياس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم . انتهى .





القاعدة الثانية : لا قياس في مقابل النص





قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 19/288 ) : ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص ، فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد ولا يوجد نص يخالف قياساً صحيحاً كما لا يوجد معقول صريح مخالف للمنقول الصحيح . انتهى .





القاعدة الثالثة : القياس لا يصار إليه إلا عند الضرورة





أهل الحديث لا يتوسعون في استعمال القياس ، وإنما يستعملون القياس حين تضيق السبل بالأدلة الأخرى ، قال الإمام أحمد ( كما في كتاب أصول البدع والسنن/87 ) : سألت الشافعي عن القياس فقال : عند الضرورة .




وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 1/304 ) : وأما أصحاب الرأي والقياس فإنهم لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها فوسعوا طرق الرأي والقياس وقالوا بقياس الشبه ، وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها ، واستنبطوا عللاً لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها . انتهى .





القاعدة الرابعة : يصح القياس على ما ثبت خلافاً للأصل





قال السمعاني في قواطع الأدلة ( 1/119 ) : يجوز القياس على أصل مخالف في نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك الأصل ورد به الشرع ودل عليه الدليل .. ثم قال ( ص 121 ) : والمعتمد أن ما ورد به الخبر صار أصلا بنفسه فالقياس عليه يكون كالقياس على سائر الأصول .




وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 20/555 ) : فذهب طائفة من الفقهاء إلى أن ما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه ، ويحكى هذا عن أصحاب أبي حنيفة ، والجمهور أنه يقاس عليه ، وهذا هو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما ، وقالوا : إنما ينظر إلى شروط القياس فما عُلمت علته ألحقنا به ما شاركه في العلة ، سواء قيل : إنه على خلاف القياس أو لم يُقل ، وكذلك ما علم انتفاء الفارق فيه بين الأصل والفرع ، والجمع بدليل العلة كالجمع بالعلة ، وأما إذا لم يقم دليل على أنه كالأصل فهذا لا يجوز فيه القياس ، سواء قيل إنه على وفق القياس أو خلافه ، ولهذا كان الصحيح أن العرايا يلحق بها ما كان في معانيها ، وحقيقة الأمر أنه لم يُشرع شيء على خلاف القياس الصحيح ، بل ما قيل : إنه على خلاف القياس : فلا بد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التي خالفها واقتضى مفارقته لها في الحكم ، وإذا كان كذلك فذلك الوصف إن شاركه غيره فيه فحكمه كحكمه ، وإلا كان من الأمور المفارقة له . انتهى .





القاعدة الخامسة : القياس الصحيح مقدم على الحديث الضعيف





الحديث الضعيف لا اعتبار به في الأحكام وإنما الأحكام مبنية على الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع والقياس ، فيقدم القياس على الحديث الضعيف ، وفي البحر المحيط ( 8/46 ) : وقال الشافعي : لا يجوز القياس مع نص القرآن أو خبر مسند صحيح وأما عند عدمهما فإن القياس واجب في كل حكم .. وحكى الشيخ شهاب أبو شامة أنه سمع أبا الوفاء بن عقيل في رحلته إلى العراق يقول : مذهب أحمد أن ضعيف الأثر خير من قوي النظر ، قال ابن العربي : وهذه وهلة من أحمد ، وقال بعض أئمة الحنابلة المتأخرين ، هذا ما حكاه عن أحمد ابنه عبد الله ، ذكره في مسائله ، ومراده بالضعيف غير ما اصطلح عليه المتأخرون من قسم الصحيح والحسن ، بل عنده الحديث قسمان صحيح وضعيف ، والضعيف ما انحط عن درجة الصحيح وإن كان حسناً .




وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 1/25 ) : ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف ، وللضعيف عنده مراتب .. . انتهى .





القاعدة السادسة : قول الصحابي الذي لم يخالفه صحابي آخر مقدم على القياس





قول الصحابي مقدم على القياس وذلك لأن الصحابي أدرى ممن أتى بعده بمسالك العلة وطرق القياس وكيفية النظر والاعتبار ، يقول شيخ الإسلام في رسالته في القياس ( 50 ) : وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها ، وأعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق والطلاق وغير ذلك ، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط ونحو ذلك ، وقد بينت فيما كتبته أن المنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال قضاء وقياساً ، وعليه يدل الكتاب والسنة وعليه دور القياس الجلي ، وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص ، وكذلك في مسائل غير هذه ، مثل مسألة ابن الملاعنة ، ومسألة ميراث المرتد ، وما شاء الله من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة وإلى ساعتي هذه ما علمت قولاً قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان القياس معه . انتهى .





القاعدة السابعة : الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً





فال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 4/90 ) : الحكم يدور مع علته وسببه وجوداً وعدماً ، ولهذا إذا علق الشارع حكماً بسبب أو علة زال ذلك الحكم بزوالهما كالخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار ، فإذا زال عنها وصارت خلا زال الحكم ، وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه ، والشريعة مبنية على هذه القاعدة فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله لأن يمينه تعلقت به لذلك الوصف فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين . انتهى .





القاعدة الثامنة : العلة لا تثبت إلا بدليل





علة الأحكام لا تثبت بالظن والتخمين وإنما تثبت بالدليل ، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه ( 1/210 ، 214 ) : اعلم أن العلة الشرعية إمارة على الحكم ودلالة عليه ، ولا بد في رد الفرع إلى الأصل من علة تجمع بينهما ، ويلزم أن يدل دليل على صحتها لأن العلة شرعية كما أن الحكم شرعي.





القاعدة التاسعة : لا يصح التعليل بمجرد الشبه في الصورة





قال السمعاني في قواطع الأدلة ( 1/166 ، 168 ) : والصحيح أن مجرد الشبه في الصورة لا يجوز التعليل به ، لأن التعليل ما كان له تأثير في الحكم بأن يفيد قوة الظن ليحكم بها ، والشبه في الصورة لا تأثير له في الحكم ، وليس هو مما يفيد قوة الظن حتى يوجب حكما ، وقد استدل من قال إن قياس الشبه ليس بحجة بأن المشابهة في الأوصاف لا توجب المشابهة في الأحكام ، فإن جميع المحرمات يشابه بعضها بعضا في الأوصاف ، ويختلف في الأحكام ، ولأن المشابهة فيما لا يتعلق بالحكم لا توجب المشابهة في الحكم .. ، إن الأصل في القياس هم الصحابة والمنقول عن الصحابة النظر إلى المصالح والعلل المعنوية فأما مجرد الشبه فلم ينقل عنهم بوجه ما . انتهى .





القاعدة العاشرة : لا قياس في العبادات





قال ابن كثير في تفسيره ( 4/401 ) : وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء . انتهى .





أفعـال الرسـول صلى الله عليه وسلم





القاعدة الأولى : الخصوصية لا تثبت إلا بدليل




الأصل في أفعال النبي  أنها تشريع لجميع الأمة ، وليست خاصة به ، حتى يقوم الدليل الدال على أنها خاصة به ، لا بـمجرد الاحتمال ، لقوله تعالى : { لقَدْ كاَنَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ( الأحزاب :16 ) .




قال ابن القيم في زاد المعاد ( 307 ) : الأصل مشاركة أمته له في الأحكام إلا ما خصه الدليل .




وقال ابن حزم في الإحكام ( 1/469 ) : لا يحل لأحد أن يقول في شيء فعله عليه السلام إنه خصوص له إلا بنص . انتهى .





القاعدة الثانية : لا يشرع المداومة على ما لم يداوم عليه النبي  من العبادات





الأصل في العبادات المنع ، فما لم يداوم عليه النبي  من العبادات لا يشرع المداومة عليه ، كعدم مداومته على فعل النوافل جماعة ، وإنما فعل ذلك أحيانا كما في حديث أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت النبي  لطعام صنعته له ، فأكل منه ثم قال : (( قوموا فلأصل لكم )) قال أنس : فقام رسول الله  وصففت واليتيم وراءه ، والعجوز من ورائنا ، فصلى رسول الله  ركعتين ثم انصرف .




أخرجه البخاري ( 380 ) ومسلم ( 658 ) .




قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية ( 81 ) : والإجماع على أن صلاة النفل أحياناً مما تستحب فيه الجماعة إذا لم يتخذ راتبة وكذا إذا كان لمصلحة مثل أن لا يحسن أن يصلي وحده ، فالجماعة أفضل إذا لم تتخذ راتبة ، وفعلها في البيت أفضل إلا لمصلحة راجحة . انتهى .





القاعدة الثالثة : إقرار النبي صلى الله عليه وسلم حجة





ما فعل بحضرة النبي  وأقره يعتبر حجة ، لأن النبي  لا يؤخر البيان عن وقته ، قال البخاري في صحيحه ( 7355 ) : باب من رأى ترك النكير من النبي  حجة لا من غير الرسول .. ثم أخرج بإسناده إلى محمد بن المنكدر قال : رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصياد الرجال قلت : تحلف بالله ؟ قال : إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي  فلم ينكره النبي  .




فهذا الحديث يدل على أن الصحابة كانوا يفهمون بأن إقرار النبي  لشيء صنع أمامه يعتبر حجة .





القاعدة الرابعة : ما وقع في زمن النبي  يعتبر حجة وإن لم





يكن اطلع النبي  عليه




عن جابر بن عبد الله قال : كنا نعزل على عهد رسول الله  والقرآن ينزل . أخرجه البخاري ( 5209 ) .




قال الحافظ في الفتح ( 9/216 ) : أراد بنزول القرآن أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره مما يُوحى إلى النبي  ، فكأنه يقول : فعلناه في زمن التشريع ولو كان حراماً لم نقر عليه ، وإلى ذلك يشير قول ابن عمر : " كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي  ، فلما مات النبي  تكلمنا وانبسطنا " . أخرجه البخاري . انتهى .





القاعدة الخامسة : الفعل المجرد لا يدل على الوجوب





الأصل في أفعال النبي  أنها ليست على الوجوب ، إلا إذا كانت بيانا لواجب من الواجبات ، فتصير تلك الصفة للفعل الوارد واجبة لأنها جاءت مبينة لكيفية الواجب .




القاعدة السادسة : ما أصله مباح وتركه النبي  لا يدل تركه له على أنه واجب علينا تركه




الشيء الذي أصله مباح وتركه النبي  لا يدل على أن ذلك الشيء يجب علينا تركه لحديث أبي هريرة أن النبي  قال : (( ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك من قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم )) . أخرجه البخاري ( 7288 ) ومسلم ( 1337 ) .




قال علي ابن حزم : فهذا خبر منقول نقل التواتر عن أبي هريرة ، فلم يوجب رسول الله  على أحد إلا ما استطاع مما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه فقط ، ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال أمرتكم بما فعلت وأسقط عليه السلام ما عدا ذلك في أمره ، بتركه ما تركهم حاشى ما أمر به أو نهى عنه فقط .





القاعدة السابعة : الأصل أن ما همَّ به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله فإنه لا يكون حجة





قال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 65 ) : ما همَّ به النبي  ولم يفعله كما روي عنه بأنه هم بمصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة .. ، والحق أنه ليس من أقسام السنة لأنه مجرد خطور شيء على البال من دون تنجيز له وليس ذلك مما آتانا الرسول ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسي به فيه وقد يكون إخباره  بما هم به للزجر كما صح عنه أنه قال : (( لقد هممت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم )) . انتهى .




قلت : وإنما ينظر إلى الفعل الذي همَّ به النبي  على القرائن المحتف بذلك الفعل ثُمَّ يُحكم عليه بسبب تلك القرائن بالحكم المناسب له .





القاعدة الثامنة : الفعل الجبليِّ المحض الذي ورد عن النبي  لا يتقرب المكلَّف بفعله إلى الله عز وجل





قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 1/280 ) : وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي  وينزل مواضع منزله ، ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ، ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها ، ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحباً ، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء ، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم ، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر ، ولو رأوه مستحباً لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به .





وأما قول الشوكاني : إن القول بإفادته الندب هو الحق ، وتعليله ذلك بأن قوله  وإن لم يظهر فيه قصد القربة ، فهو لا بد أن يكون قربة ، فهو مجرد دعوى لم يقم عليها دليل ، بل عمل الصحابة يدل على بطلانها .





وأما قول الشوكاني : [ لا يجوز القول بأنه يفيد الإباحة ، فإن إباحة الشيء بمعنى استواء طرفيه موجودة قبل الشرع ، فالقول به إهمال للفعل الصادر منه  فهو تفريط كما أن حمل الفعل المجرد على الوجوب إفراط ] فيرده أن الأصوليين عدا المعتزلة اتفقوا على أن الإباحة حكم شرعي ، فهي لم تثبت إلا بالشرع ، فالقول بأن الفعل يدل على الإباحة ليس إهمالاً لفعل النبي  ، ولو سلم أنها موجودة قبل الشرع ، فالفعل جاء مقرراً له فكيف يكون مهملاً ؟ وماذا يقول الشوكاني في أدلة الكتاب والسنة المفيدة للإباحة كقوله تعالى:{ وأحِلَّ لَكُمْ ماوَرَاءَ ذلِكُمْ } ( النساء : 42 ) وقوله { ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيبَاتِ }[ الأعراف : 156 ] أيقول إنها مهملة لأن الإباحة موجودة قبل الشرع أو يقول إنها جاءت مقررة ؟ وجوابه على الأدلة القولية هو جوابنا على الأدلة الفعلية . انتهى .





القاعدة التاسعة : ما استحب النبي  فعله من الأمور العادية فيستحب فعله لمحبة النبي  له





يستحب للإنسان أن يستحب ما استحبه النبي  من الأمور العادية الجبلية كاستحبابه الدباء واستحبابه الشراب الحلو البارد لما في ذلك من كمال الاتباع فعن أنس بن مالك قال : إن خياطاً دعا النبي  لطعام صنعه ، قال أنس فذهبت مع رسول الله  إلى ذلك الطعام ، فقرّب إلى رسول الله  خبزاً من شعير ومرقاً فيه دباء وقديد ، قال : فرأيت النبي  يتتبع الدباء من حوالي القصعة ويعجبه ، قال : فلم أزل أحب الدباء من يومئذ ، فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع .




أخرجه البخاري ( 2092 ) ومسلم ( 2041 ) وبوب عليه النووي : باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين .




قلت : فانظر إلى هذا السيد استحب ما استحبه النبي  أفلا يُؤجر على محبة ما يحبه النبي  ؟! .








القاعدة العاشرة : ما يحتمل من الأفعال خروجه من الجبليِّة إلى التشريع بمواظبته على وجه مخصوص فيستحب





التأسي به فيه




هناك بعض الأفعال النبوية هي في الأصل أفعال جبليِّة لكن يحتمل أنها للتشريع وهي الأشياء التي واظب عليها النبي  على وجه مخصوص دون أن يرغب فيهما كالاضطجاع بعد ركعتي الفجر ، فهذه الأفعال يستحب التأسي فيها لقوله تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب : 16 ] ، فهذه الآية تدل على أن الأصل في أفعال النبي  استحباب التأسي به فيها ، إلا إذا اظهرت انها جبلية وهذا قول أكثر المحدثين ( كما في البحر المحيط 6/24 ) .




وقال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 56 ) : وفي هذا القسم قولان للشافعي ومن معه يرجع فيه إلى الأصل وهو عدم التشريع أو إلى الظاهر وهو التشريع ، والراجح الثاني ، وقد حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن أكثر المحدثين فيكون مندوبا . انتهى .





القاعدة الحادية عشر : ترك النبي صلى الله عليه وسلم لفعل ما مع وجود المقتضي له وانتفاء المانع يدل على أن ترك ذلك الفعل سنة وفعله بدعة





هذه القاعدة تعرف بالسنة التركية ، وهي قاعدة جليلة فيها سد لباب الابتداع في الدين ويشترط لهذه القاعدة شرطان هما :




1 ـ وجود المقتضي .




2 ـ انتفاء المانع .




قال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 2/390 ) : فإن تركه سنة كما أن فعله سنة ، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق ، فإن قيل من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم العدم ؟ فهذا سؤال بعيد جداً عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ، ولو صح هذا السؤال وَقُبِلَ لاستحب لنا مُسْتَحِبّ الأذان للتراويح وقال : من أين لكم أنه لم ينقل ؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة وقال : من أين لكم أنه لم ينقل ؟ وانفتح باب البدعة ، وقال كل من دعا إلى بدعة : من أين لكم أن هذا لم ينقل ؟! . انتهى .





القاعدة الثانية عشرة : لا تعارض بين أفعال النبي 





أفعال النبي  المختلفة في الشيء الواحد لا تعتبر متعارضة ، وإنما دالة على مشروعية كلا الأمرين




قال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 61 ) : والحق أنه لا يتصور تعارض الأفعال فإنه لا صيغ لها يمكن النظر فيها والحكم عليها بل هي مجرد أكوان مغايرة واقعية في أحوال مختلفة وهذا إذا لم تقع بيانات للأقوال وأما إذا وقعت بيانات للأقوال فقد تتعارض في الصورة ولكن التعارض في الحقيقة راجع إلى المبينات من الأقوال لا إلى بيانها من الأفعال . انتهى .





القاعدة الثالثة عشر : إذا تعارض القول مع الفعل ولم يمكن الجمع بينهما فإن القول مقدم على الفعل





إذا تعارض القول مع الفعل فإن الجمع بينهما هو الأولى ، قال العلائي في تفصيل الإجمال ( 108 ) : الجمع بين القول والفعل على بعض الوجوه الممكنة ، وهي التي يسلكها المحققون في أفراد الأمثلة عن الكلام على بعض منها ، ولا شك في أن هذا أولى من تقديم أحدهما على الآخر ، وإبطال مقتضى الآخر ، ومن الوقف أيضا لأنا متعبدون بمضمون القول وباتباعه  فيما فعله ، فما يجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ولا وجه للوقف مع التعبد . انتهى .




فإن لم يمكن الجمع بينهما فإن القول هو المقدم ، قال العلائي في تفصيل الإجمال ( 105 ) :




والحجة لتقديم القول وجوه : أنه يدل بنفسه من غير واسطة والفعل لا يدل إلا بواسطة ( أي في إفادته البيان ) فكان القول أقوى .




وأن تقديم الفعل يفضي إلى إبطال مقتضي القول بالكلية والعمل بالقول ، وتقديمه لا يؤدي إلى ذلك ، بل يحمل الفعل على أنه خاص بالنبي  ، والجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما بالكلية . انتهى .





القاعدة الرابعة عشر : الفعل الوارد بصيغة ( كان ) الأصل فيه أنه للتكرار





ما ورد عن النبي  من الأفعال بصيغة ( كان ) فإنه يدل على تكرار ذلك الفعل إلا أن تأتي قرينة تدل على أنه ليس المقصود التكرار وإنما المقصود حصول الفعل في الزمن الماضي فحينئذ لا تحمل كان على التكرار وإلا الأصل أنها تكون للتكرار كما في حديث أم المؤمنين عائشة قالت : كان رسول الله  إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ وضوئه للصلاة ثم اغتسل ثم يخلل شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل سائر جسده .




أخرجه البخاري ( 272 ) ومسلم ( 316 ) .




قال ابن دقيق العيد في كتاب الإحكام ( 1/91 ) : ( كان يفعل كذا ) بمعنى أنه تكرر من فعله وكان عادته كما يقال : كان فلان يعين الضعيف و ( كان رسول الله  أجود الناس بالخير ) وقد تستعمل كان لإفادة مجرد الفعل ووقوع الفعل دون الدلالة على التكرار والأول أكثر في الاستعمال ، وعليه ينبغي حمل الحديث . انتهى .




قـول الصـحـــابي





القاعدة الأولى : قول الصحابي فيما لا نص فيه يعتبر حجة





إذا لم يخالفه غيره




قول الصحابي يكون حجة ولو لم يشتهر بشرط أن لا يخالفه غيره وليس المراد بأن ( قول الصحابي حجة ) هو أنه حجة بذاته كالكتاب والسنة فإنهما حجة بذاتهما ، وإنما ( قول الصحابي حجة ) لما احتف بقوله من أدلة وقرائن تدل على حجية قوله ، فهو حجة بالغير ، وعليه فلا يحتج محتج بقوله  (( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً : كتاب الله وسنتي )) . أخرجه الحاكم ( 1/93 ) وصححه الألباني في الصحيحة ( 1761 ) .




فيقول : لم يذكر في الحديث قول الصحابي ، ولو كان حجة لذكر في الحديث ، والجواب : أنه لم يذكر الإجماع والقياس أيضاً مع أنهما من الحجج الشرعية وذلك لأن الإجماع والقياس حجة بالغير لا بالذات ، وكذلك قول الصحابي ، بخلاف الكتاب والسنة فإنهما حجة بذاتهما .




والقول بأن قول الصحابي حجة هو قول الأئمة الأربعة ، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 20/14 ) : وإن قال بعضهم قولاً ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع ، وجمهور العلماء يحتجون به كأبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه والشافعي في أحد قوليه ، وفي كتبه الجديدة الاحتجاج بمثل ذلك في غير موضع ، ولكن من الناس من يقول هذا هو القول القديم . انتهى .




وقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين ( 4/104 ، 136 ) لحجية قول الصحابي ستا وأربعين وجهاً ، فمن تلك الأوجه أن الله تعالى قال في كتابه: { والسِّابِقونَ الأوَّلُونَ مِنَ المهَاجِرينَ والأنْصَارِ والذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإحْسَانٍ رَضِي الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } ( التوبة : 100 ) .




فحصول الرضوان حاصل لكل واحد منهم ، فاقتضت الآية الثناء على من اتبع كل واحد منهم فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صح عليه أنه اتبع السابقين .




ومن تلك الأوجه أيضا : أنهم هم الأئمة الصادقون وكل صادق بعدهم فيهم يؤثم في صدقه بل حقيقة صدقه اتباعه لهم وكونه معهم .






القاعدة الثالثة : إذا اختلف الصحابة في مسألة ما رجع إلى





الأصل ولا يقدم قول بعضهم على بعض




وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 20/14 ) : وإن تنازعوا رُدَّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ، ولم يكن قول بعضهم حجة لمخالفة بعضهم له باتفاق العلماء . انتهى .





القاعدة الربعة : إذا اختلف الصحابة في مسألة ما على قولين فإن القول الذي فيه أحد الخلفاء الراشدين أرجح من القول الآخر





عن ابن عمر أن الربيِّع اختلعت من زوجها فأتى عمها عثمان فقال تعتد بحيضة وكان ابن عمر يقول تعتد ثلاث حيض حتى قال هذا عثمان ، فكان يفتي به ويقول : خيرنا وأعلمنا .




أخرجه ابن أبي شيبة ( 18462 ) .




وعن عبيد الله بن أبي يزيد قال : سمعت ابن عباس إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به ، وإذا لم يكن في كتاب الله وقال به رسول الله  قال به ، وإن لم يكن في كتاب الله ولم يقله رسول الله  وقاله أبو بكر وعمر قال به وإلا اجتهد رأيه . أخرجه البيهقي ( 10/115 ) .




وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 4/103 ) : إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين فيه قولان للعلماء ، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر ، فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب ، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب ، وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبو بكر ، وعمر أقرب إلى الصواب ، فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر ، وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم . انتهى .





القاعدة الخامسة : الصحابي أدرى بمرويه من غيره





إذا روى الصحابي حديثاً وفسره ذلك الصحابي أو حمله على معنى معين من المعاني فإنه ينبغي الوقوف على ما ذهب إليه الصحابي من معنى ذلك الحديث لأنه هو راوي الحديث ، والراوي أدرى بمرويه من غيره .




وإذا اختلف صحابيان وكان أحدهما راوياً للحديث فإنه يقدم قوله على الصحابي الآخر ، لأن الصحابي الذي روى الحديث أدرى بما رواه من الصحابي الآخر .




قال السمعاني في قواطع الأدلة ( 1/190 ) : وأما تفسير الراوي لأحد محتملي الخبر يكون حجة في تفسير الخبر كالذي رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار مالم يتفرقا ، وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى ، لأنه قد شاهد من خطاب الرسول  ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله . انتهى .





القاعدة السادسة : إذا خالف الصحابي ما رواه فالعبرة بما رواه لا بما رآه





الصحابي لا يخالف ما رواه عن عمد ، وإنما يخالف ما رواه لأمر كنسيان ونحو ذلك فإذا خالف ما رواه فإنه يطرح رأيه وتؤخذ روايته ، لأنه لا قول لأحد مع قول رسول الله  ، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه ( 1/141 ، 143 ) : إذا روى الصحابي عن رسول الله  حديثا ثم روي عن ذلك الصحابي خلافا لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته ، وترك ما روي عنه من فعله أو فتياه ، لأن الواجب علينا قبول نقله وروايته عن النبي  لا قبول رأيه .. ولأنه لا يحل لأحد أن يظن بالصاحب أن يكون عنده نسخ لما روى ، أو تخصيص فيسكت عنه فيبلغ إلينا المنسوخ والمخصوص دون البيان ، لأن الله تعالى يقول : { إنَّ الذينَ يكْتمُونَ ما أنْزَلْنَا مِنَ البيَّناتِ والهُدَى مِنْ بَعدِ مَا بينَّهُ للنَّاسِ في الكِتَابِ أولئكَ يَلْعنهُمُ الله ويَلعَنهم الَّلاعِنُون } [ البقرة : 159 ] وقد نزه الله صحابة نبيه  عن هذا . انتهى .





النـاســخ و المنـســوخ





القاعدة الأولى : مراد السلف بكلمة ( النسخ ) ليس هو المراد عند المتأخرين





قال الشاطبي في الموافقات ( 3/108 ) : النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين ، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً ، وعلى بيان المجمل والمبهم نسخا ، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخاً ، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد . انتهى .






القاعدة الثانية : النسخ يثبت بدليل ولا يثبت بالاحتمال





الأصل في الدليل أنه محكم غير منسوخ .




وإذا جاء نصان ظاهرهما التعارض فلا يقال بنسخ أحدهما لمجرد التعارض لأن القول بالنسخ لمجرد التعارض هو احتمال ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال .




ومما يعجب له : القول باحتمال نسخ الحديث لمخالفته لقول إمام من الأئمة ، فهذا القول بطلانه لا شك فيه ، وقد بين ابن حزم أن النسخ لا يثبت بالاحتمال في كتابه الإحكام فقال ( 1/497 ) : لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة : هذا منسوخ إلا بيقين .. ، ومن استجاز خلاف




ما قلنا فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها ....




القاعدة الثالثة : لا يدخل النسخ في الأخبار أو القواعد الكلية




استقرأ العلماء الأدلة الدالة على النسخ فوجدوا أن النسخ يدخل في الأحكام الشرعية الجزئية ، ولا يدخل في الأخبار أو القواعد الكلية .




قال الخطيب في الفقيه والمتفقه ( 1/85 ) : والنسخ لا يجوز إلا فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة وغيرهما من العبادات ، وأما مالا يجوز إلا أن يكون على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الله تعالى فلا يصح فيه النسخ وكذلك ما أخبر الله عنه من أخبار القرون الماضية والأمم فلا يجوز فيها النسخ وهكذا ما أخبر عن وقوعه في المستقبل كخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم إلى الأرض ونحو ذلك فإن النسخ فيه لا يجوز . انتهى .





القاعدة الثالثة : عدم جواز النسخ بالقياس





الكتاب والسنة هما الأصل في الاستدلال ، والقياس إنما يؤخذ من دلالات الكتاب والسنة فهو تابع لهما ، ولا يكون التابع ناسخاً للأصل والسلف الصالح لم يأت عنهم أبداً نسخ النص بالقياس قال الخطيب في الفقيه والمتفقه ( 1/86 ) : ولا يجوز نسخ القياس ، لأن القياس تابع لأصول ثابتة فلا يجوز نسخ تابعها . انتهى .




وقال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 288 ) : لأن القياس يستعمل مع عدم النص فلا يجوز أن ينسخ النص ، ولأنه دليل محتمل ، والنسخ يكون بأمر مقطوع . انتهى .





القاعدة الرابعة : قبول قول الصحابي في النسخ





إذا قال الصحابي أن هذا الدليل منسوخ يقبل قوله ، والدليل على هذا قول عائشة : كان فيما أنزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرِّمن ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله  وهن فيما يقرأ من القرآن . أخرجه مسلم ( 1452 ) .





القاعدة الخامسة : تأخر إسلام الصحابي لا يدل على النسخ





تأخر إسلام الصحابي لا يصح الاستدلال به على النسخ إذ يحتمل أن الصحابي الذي تأخر إسلامه سمع الحديث من صحابي آخر تقدم إسلامه فأرسل الحديث ، وقد تعقب ابن حجر من ذهب إلى الاستدلال على النسخ بتأخر إسلام الصحابي




فقال في الفتح ( 9/149 ) : وهو مستند ضعيف ، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدما . انتهى .




الجـمــع والترجـيــح





القاعدة الأولى : الأحاديث المتعارضة يجمع بينها ولا تطرح





ولا يقال : إذا تعارضا تساقطا ، لأن الأدلة لا تسقط أبدا ، ووجوه الترجيح كثيرة جداً فمن لم يستطع الترجيح فلا يرد الأدلة بحجة التعارض بل يرجع إلى نفسه ويتهمها بالقصور في الفهم ، يقول الشافعي في الرسالة ( 216 ) : ولم نجد حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج أو على أحدهما دلالة بأخذ ما وصفت إما بموافقة كتاب أو غيره من سنته أو بعض الدلايل . انتهى .




القاعدة الثانية : لا يجمع بين الدليلين إذا كان أحدهما لا يثبت




قال الجزائري في توجيه النظر ( 235 ) : الحديث المقبول إذا عارضه حديث غير مقبول أخذ بالمقبول وترك الآخر ، إذ لا حكم للضعيف مع القوي . انتهى .





القاعدة الثالثة : لا يجمع بين الدليلين المتعارضين بتأويل بعيد





يشترط لصحة الجمع بين الدليلين ، أن لا يكون الجمع بينهما بتأويل بعيد يظهر فيه التكلف والتعسف ، قال الجزائري في توجيه النظر ( 244 ) : وإنما شرطوا في مختلف الحديث أن لا يمكن فيه الجمع بغير تعسف ، لأن الجمع مع التعسف لا يكون إلا بجمع الحديثين المتعارضين معاً ، أو أحدهما على وجه لا يوافق منهج الفصحاء ، فضلا عن منهج البلغاء في كلامهم فكيف يمكن حينئذ نسبة ذلك إلى أفصح الخلق وأبلغهم على الإطلاق ؟ ولذلك جعلوا ذلك في حكم ما لا يمكن فيه الجمع ، وقد ترك بعضهم هذا القيد اعتماداً على كونه لا يخفى . انتهى .




قلت : وكذلك لا ينبغي أن يرجح بين الحديثين المتعارضين بترجيح بعيد كالترجيح بموافقته للقياس ، أو الترجيح بغير ذلك من الأمور البعيدة .






القاعدة الرابعة : لا يصار إلى الترجيح مع إمكان الجمع





قال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 407 ) : ومن شروط الترجيح التي لا بد من اعتبارها أن لا يمكن الجمع بين المتعارضين بوجه مقبول فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه ولم يجز المصير إلى الترجيح . انتهى .
















الحلقة الثانية و الأخيرة





معرفـة دلالات الألفـاظ الشرعيـة





القاعدة الأولى : الواجب حمل الألفاظ الواردة في الكتاب





والسنة على الحقيقة الشرعية :




بعض الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة تختلف دلالتها عن دلالتها في اللغة العربية ، والواجب حملها على الحقيقة الشرعية فالوضوء في الشرع يطلق على الصفة المعروفة ، وأما في اللغة فيطلق على غسل اليدين ، فالواجب حمل ( الوضوء ) الوارد في الكتاب والسنة على الحقيقة الشرعية لا اللغوية .




يقول شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 7/286 ) : ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي  لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم .





القاعدة الثانية : النفي الوارد في الكتاب والسنة المراد به نفي الكمال الواجب وليس نفي الكمال المستحب





قال ابن تيمية في القواعد النورانية : فالنبي  أمر ذلك المسيء في صلاته بأن يعيد الصلاة ، وأمر الله ورسوله إذا أطلق كان مقتضاه الوجوب ، وأمره إذا قام إلى الصلاة بالطمأنينة ، كما أمره بالركوع والسجود ، وأمره المطلق على الإيجاب ، وأيضا قال له (( فإنك لم تصل )) فنفى أن يكون عمله الأول صلاة ، والعمل لا يكون منفياً إلا إذا كان انتفى شيء من واجباته .





القاعدة الثالثة : دلالة الاقتران تكون قوية إذا جمع المقترنين





لفظ اشتركا في إطلاقه وافتراقا في تفصيله




قال ابن القيم في بدائع الفوائد ( 2/356 ) : دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن وضعفها في موطن وتساوي الأمرين في موطن ، فإذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافترقا في تفصيله قويت الدلالة كقوله  (( الفطرة خمس )) وفي مسلم : (( عشر من الفطرة )) ثم فصلها ، فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان ، لكن تلك المقدمات مصنوعتان ، فليست الفطرة بمرادفة للسنة ، ولا السنة في لفظ النبي  هي المقابلة للواجب ، بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع ، ومن ذلك قوله  : (( حق على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويستاك ويمس من طيب بيته )) فقد اشترك الثلاثة في إطلاق الحق عليه ، إذا كان حقا مستحبا في اثنين منها كان في الثالث مستحبا .. وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها كقوله  : (( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة )) وقوله : (( لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده )) فالتعرض لدلالة الاقتران ههنا في غاية الفساد ، فإن كل جملة مفيدة لمعناها وحكمها وسببها وغايتها منفردة عن الجملة الأخرى ، واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراء ذلك .. ، وأما موطن التساوي فحيث كان العطف ظاهراً في التسوية وقصد المتكلم ظاهراً في الفرق فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد ، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح ، والله أعلم . انتهى .





الأمــــر





القاعدة الأولى : الأمر يدل على الوجوب




الأمر المجرد يدل على الوجوب إلا لقرينة صارفة ، ودليل الوجوب قوله تعالى : { فليحْذَرِ الذينَ يُخالِفُونِ عِنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهُم فِتنِةٌ أوْ يُصِيبَهُم عَذابٌ ألِيمٌ } ( النور :63 ) .




فلو لم يكن الأمر للوجوب لما ترتب على تركه فتنة أو عذاب أليم . وقال عليه الصلاة والسلام : (( لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة )) أخرجه البخاري ( 887 ) ومسلم ( 3/142 ) .




فلم يأمرهم حتى لا يشق عليهم ، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه ( 1/68 ) فدل على أنه لو أمر لوجب وشق . انتهى .




والقرائن التي تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب أربعة قرائن هي :




1 ـ أن يكون الدليل الذي فيه الأمر ذكر معه تعليل يدل على أن ذلك الأمر للاستحباب ، مثاله : حديث رافع بن خديج أن النبي  قال : (( أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر )) .




أخرجه الترمذي ( 154 ) والنسائي ( 1/272 ) وهو صحيح .




فالتعليل بأن الإسفار أعظم للأجر ، يدل على أن التغليس فيه أجر أيضا لكن دون الإسفار ، فيكون الأمر للاستحباب .




2 ـ أن يأتي دليل آخر يدل على أن الأمر في الدليل الأول ليس للوجوب ، مثاله : حديث أبي تميمة الهجيمي عن رجل من قومه من الصحابة أن النبي  قال : (( إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته )) .




أخرجه الترمذي ( 2722 ) وصححه ، وصححه أيضا الألباني في الصحيحة ( 1403 ) فالأمر هنا بزيادة ( ورحمة الله وبركاته ) ليس للوجوب لحديث عمران بن حصين قال : جاء رجل إلى النبي  فقال : ( السلام عليكم ) فرد عليه ثم جلس فقال النبي  (( عشرٌ )) أي عشر حسنات .




أخرجه أبو داود ( 5195 ) والترمذي ( 2690 ) وهو صحيح .




ففي هذا الحديث لم يأمر النبي  الرجل بزيادة ( ورحمة الله وبركاته ) على قوله : ( السلام عليكم ) فدل هذا على أن الأمر في الحديث ليس للوجوب .




3 ـ أن يأتي من فعل النبي  ترك ذلك الأمر ، مثاله حديث ابن عباس أن رسول الله  قال : (( البسوا من ثيابكم البياض ، فإنها من خير ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم )) .




أخرجه أبو داود ( 3878 ) والترمذي ( 994 ) وهو صحيح .




ففي هذا الحديث الأمر بلبس الثياب البيض ، وقد جاء من فعل النبي  ترك هذا الأمر فعن أبي رمثة التميمي قال : رأيت رسول الله  وعليه ثوبان أخضران .




أخرجه أبو داود ( 4095 ) والترمذي ( 2813 ) .




4 ـ أن يأتي عن الصحابي الذي روى الحديث ما يدل على أن ذلك الأمر ليس للوجوب ، فالراوي أدرى بما يرويه ، وأعلم بفقه ما يحدث به من الأحاديث .




وهذه القرائن الأربعة كما أنها تكون صارفة للأمر من الوجوب إلى الاستحباب ، كذلك تكون صارفة للنهي من التحريم إلى الكراهة .





القاعدة الثانية : الأمر يقتضي الفور





الأمر المجرد عن القرائن يدل على الفور وسرعة الامتثال ، لقوله تعالى { وسارِعُوا إلى مَغْفِرِةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } ( آل عمران : 133 ] .




ويدل على هذا أيضا ما جاء في قصة الحديبية أن النبي  لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه : (( قوموا فانحروا ثم احلقوا )) فو الله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد غضب النبي  من ذلك كما في الحديث المتفق عليه .




قال ابن القيم في زاد المعاد ( 3/307 ) بعد أن ذكر جملة من فوائد الحديث : ومنها : أن الأمر المطلق على الفور وإلا لم يغضب لتأخيرهم الامتثال عن وقت الأمر . انتهى .





القاعدة الثالثة : الأمر المطلق يقتضي التكرار





الأمر المطلق يقتضي التكرار في عرف الشرع بخلاف اللغة ، وقد وضح هذا الأمر ابن القيم توضيحاً تاماً فقال في جلاء الأفهام ( 203 ) : قوله تعالى : { آمنوا بالله ورسوله } ( النساء : 136 ) وقوله: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } (المائدة : 92 ) { واتقوا الله } ( البقرة : 189) وقوله : { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } (لأنعام : 152 ) وقولـه : { وأن هذا صراطي مستقيما }(الأنعام : 153) وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر ، وإذا كانت أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة ، والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار ، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمـألوف من خطابه ، وإن لم يكن ذلك مفهوماً من أصل الوضع في اللغة . انتهى .




قلت : والأوامر المقيدة بشرط تُكَرَّر بِتَكَرُّر الشرط ، كقوله تعالى : {ياأيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُـوا وُجُوهَكُـمْ وأيْدِيَكُمْ }[ المائدة : 6 ] فالوضوء مقيد بالصلاة فبتكرار الصلاة يتكرر الوضوء .






القاعدة الرابعة : الشيء الذي جاء الأمر بفعله على صفة معينة ولم يأت أمر بفعله ابتداء ، فإن تلك الصفة تكون واجبة وابتداء ذلك الفعل ليس بواجب





هناك بعض الأوامر لم يأت أمر بابتداء فعلها ولكن جاء الأمر بفعلها بصفة معينة ، فإن ذلك الأمر ابتداءه ليس بواجب ، ولكن إذا ابتدأه المسلم فإنه يجب أن يأتي به على الصفة التي ورد الأمر بفعلها على تلك الصفة ، لأن الأمر يدل على الوجوب ، مثاله : حديث جابر أن النبي  قال : (( إذا استجمر أحدكم فليوتر )) . أخرجه مسلم ( 213 ) .




فالاستجمار ليس بواجب إذ يجوز الاستنجاء بالماء بدل الاستجمار بالحجارة ولكن من أراد أن يستجمر فإنه يجب عليه أن يكون استجماره وتراً ، للأمر بهذه الصفة على من أراد الاستجمار .





القاعدة الخامسة : قول الصحابي ( أمرنا بكذا ) يدل على وجوب المأمور به





قول الصحابي : ( أمرنا بكذا ) أو ( أمرنا رسول الله  بكذا ) يدل على وجوب المأمور به لأن الصحابي أفهم وأعلم بالمراد لما يرويه ، وذهب بعض المتكلمين إلى أنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظ الرسول  ، لاحتمال أن يكون سمع صيغة ظنها أمرا أو نهيا وليست كذلك في نفس الأمر .




وقد تعقب هذا القول الصنعاني فقال في توضيح الأفكار ( 1/271 ) : إن عملنا بمثل هذا الاحتمال لم تقبل إلا الرواية باللفظ النبوي وبطلت الرواية بالمعنى ، ولا شك أن الظاهر من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته الأوضاع اللغوية أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمر أو نهي . انتهى .






القاعدة السادسة : الأمر بعد الحظر يفيد ما كان عليه ذلك الشيء قبل ورود الأمر





صيغة الأمر إذا وردت بعد النهي فإنها تفيد ما كان عليه ذلك الشيء الذي ورد الأمر به قبل النهي ، فإن كان للوجوب فهو للوجوب ، وإن كان للاستحباب فهو للاستحباب ، كقوله تعالى : {وإذا حللتم فاصطادوا } [ النساء : 176 ] ففي هذه الآية الأمر بالصيد بعد الإحلال من الإحرام ، والصيد أصله مباح فيرجع إلى ما كان عليه قبل الإحرام وهو الإباحة قال ابن كثير في تفسيره ( 2/6،7 ) عند قوله تعالى : {وإذا حللتم فاصطادوا } [ النساء : 176 ]




وهذا أمر بعد الحظر ، والصحيح الذي يثبت على السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي : فإن كان واجبا ردَّه واجبا ، وإن مستحبا فمستحب ، أو مباحاً فمباح ، ومن قال إنه على الوجوب ينتقض بآيات كثيرة ، ومن قال إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى ، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه كما اختاره بعض علماء الأصول والله أعلم . انتهى .






القاعدة السابعة : الخبر بمعنى الأمر يدل على الوجوب





الخبر الذي يكون بمعنى الأمر يترتب عليه ما يترتب على الأمر الصريح وهو الوجوب ، وذلك لأن العبرة بالمعنى والمقصود ، وليس العبرة باللفظ فقط ، واللفظ الذي يدل على الوجوب لا يكون بصيغة ( الأمر ) فقط ، فإن هناك ألفاظ تدل على الوجوب وليست بصيغة ( الأمر ) كلفظه ( حق ) ولفظه ( كتب ) وغير ذلك من ألفاظ .




عن أم المؤمنين عائشة عن النبي  : (( من مات وعليه صيام صام عنه وليه )) .




أخرجه البخاري ( 1952 ) ومسلم ( 1147 ) .




قال الألباني(شريط 19 سلسلة الهدى و النور) ما حاصله : أن هذا خبر بمعنى الأمر يدلُّ على وجوب الصيام على الولي للميت .




القاعدة الخامسة : إذا صرف الأمر من الوجوب فإنه يحمل على الاستحباب وليس على الإباحة




الأمر إذا صرف من الوجوب فإنه يحمل على الاستحباب ولا يحمل على الاباحة ، لأن الاستحباب أقرب درجة إلى الوجوب من الإباحة ، فيحمل على الأقرب ولا يحمل على الأبعد وهو الإباحة إلا بقرينه ، فإن جاءت قرينة تدل على أن ذلك الأمر للإباحة حمل على الإباحة ، وعلى هذا مشى الأئمة رحمهم الله فإنهم يقولون في الأمر المصروف عن الوجوب هذا أمر استحباب أو هذا أمر ندب ، أو هذا أمر إرشاد وتأكيد ، ولا يقولون هذا أمر إباحة إلا إذا أتت قرينة تدل على ذلك .




القاعدة التاسعة : أمر الصحابي لا يحمل على الوجوب




إذا أمر الصحابي بأمر فلا يحمل الوجوب ، لأن أمر الصحابي ليس كأمر النبي  ، فأمر النبي  ورد ما يدل على وجوبه ، وأمر الصحابي لم يأت ما يدل على وجوبه .




القاعدة العاشرة : العدد الذي يحصل به تطبيق الأمر هوالمرة الواحدة




الأمر إذا أطلق بغير عدد فإن أقل ما يحصل به تطبيق ذلك الأمر هو ( المرة الواحدة فقط ) كقوله تعالى : { فاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ }




ففي هذه الآية وجوب غسل الوجه في الوضوء ويحصل هذا الوجوب بغسل الوجه مرة واحدة فقط ، لأن هذا هو الأصل في تطبيق الأمر الذي يحدد بعدد ، قال الشافعي في الرسالة ( 164 ) : فكان ظاهر قول الله : { فاغسلوا وجوهكم } [ المائدة : 6 ] أقل ما وقع عليه اسم الغسل وذلك مرة واحتمل أكثر ، فسن رسول الله الوضوء مرة فوافق ذلك ظاهر القرآن ، وذلك أقل ما يقع عليه اسم الغسل . انتهى .





القاعدة الحادية عشر : القضاء يكون بأمر جديد ولا يكون





بالأمر بالأداء




القضاء يحتاج إلى أمر جديد غير ( أمر الأداء ) وذلك لأن الشارع لما جعل لتلك العبادة وقتاً محدداً وجب فعلها في ذلك الوقت ، فلما خرج ذلك الوقت وكان المكلف غير مفرط لم يؤاخذ وسقط عنه ذلك الواجب ، فإن كان مفرطاً فإنه يؤاخذ ولا ينفعه فعل العبادة بعد خروج وقتها ، ما دام أنه كان مفرطاً .




مثاله : زكاة الفطر وقتها قبل صلاة العيد فإذا خرج وقتها صارت قضاء والقضاء يحتاج إلى خطاب جديد من الشارع يدل على ذلك ولا دليل على أن زكاة الفطر تقضى إذا فات وقتها ، سواء كان تركها عن تفريط أو عن جهل ونسيان .





القاعدة الثانية عشر : الأمر الوارد عقب سؤال يكون بحسب قصد السائل





الأمر الوارد عقب سؤال يأتي على حالتين :




الحالة الأولى : أن يكون الأمر ورد عقب سؤال عن حكم ذلك الشيء ، فيكون الأمر بحسب مقصود السائل ، فإذا كان قصد السائل عن الإباحة وعدمها فالأمر ليس للوجوب وإنما هو لبيان المشروعية ، وإن كان قصد السائل الوجوب وعدمه فالأمر للوجوب ، مثاله حديث البراء بن عازب : سئل رسول الله  عن الوضوء من لحوم الإبـل فقـال : (( توضؤا منها )) وسئل عن لحوم الغنم ، فقال : (( لا توضئوا منها )) وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل ، فقال : (( لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين )) وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال : (( صلوا فيها فإنها بركة )) . أخرجه أبو داود ( 184 ) وهو صحيح .




فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل أمر إيجاب ، لأن قصد السـائل هو ( هل لحم الإبل ناقض للوضوء أم لا ؟ ) وما كان ناقضاً للوضوء فيجب الوضوء منه ، فيكون الأمر الوارد في الجواب يفيد الوجوب وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فلا يفيد الوجوب ، لأن قصد السائل هو ( هل تشرع الصلاة في مرابض الغنم أم لا ؟ ) فيكون الأمر الوارد في الجواب يفيد المشروعية ، ولا يفيد الوجوب .




الحالة الثانية : أن يكون الأمر ورد عقب سؤال عن الكيفية فإن كان أصل الكيفية واجب ، فيكون الأمر للوجوب ، وإن كان أصل الكيفية غير واجب فالأمر ليس على الوجوب ، مثال الأول : ( وهو ما كان أصله واجب ) حديث كعب بن عجرة أنه قال : قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك ، فكيف نصلي عليك ؟ قال : (( قولوا : اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد .. )) . أخرجه البخاري ( 6357 ) فالصلاة على النبي  في التشهد واجبة ، فيكون الأمر هنا للوجوب .




ومثال الثاني : ( وهو ما كان أصله غير واجب ) حديث عائشة أن رسول الله  قال : ( إن جبريل أتاني فقال : إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم ) قالت : قلت : كيف أقول لهم يا رسول الله ؟ قال : (( قولي : السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين ، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون )) . أخرجه مسلم ( 974 ) .




فأصل الدعاء عند زيارة القبر ليس فيه دليل يدل على وجوبه ، فيكون الأمر هنا ليس للوجوب




الــنــــهــي





القاعدة الأولى : النهي يدل على التحريم





الأصل في النهي التحريم إلا لقرينة ، والدليل على ذلك قوله  : (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه )) .




أخرجه مسلم ( 1337 ) .




قال الشافعي كما في الفقيه والمتفقه ( 1/69 ) : أصل النهي من رسول الله  أن كل ما نهى عنه فهو محرم حتى تأتي عليه دلالة تدل على أنه عنى به غير معنى التحريم.




قلت : وفي كلام الشافعي رحمه الله تنبيه دقيق إلى أن قول جمهور العلماء لا يصلح أن يكون صارفاً للنهي حتى يجمعوا على ذلك ، فما يوجد في بعض المصنفات من صرف للنهي عن التحريم بقول أكثر العلماء ليس بصواب ، وأيضا استبعاد العقل أن يكون ذلك النهي للتحريم لا يصلح هذا صارفاً بل لا بد من نص من السنة يدل على ذلك ، وكذلك الأوامر الشرعية هي مثل النهي تماماً .




والتفريق بين النهي الوارد في العبادات والمعاملات فيفيد التحريم ، والنهي الوارد في الآداب فلا يفيد التحريم تفريق ليس عليه دليل ، بل الأدلة الواردة عامة في اجتناب كل نهي من غير تفريق فيبقى العمل بها على عمومها من غير تفريق .




القاعدة الثانية : النهي يدل على الفساد




النهي يدل على فساد المنهي وبطلانه وعلى هذا كان الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه رد نكاح رجل تزوج امرأة وهو محرم . أخرجه البيهقي في الكبرى ( 7/441 )




وثبت عن معاوية أنه فرق بين الرجل وامرأته في نكاح الشغار . أخرجه أبو داود ( 2075 )




قلت : وهذه المسألة تحتاج إلى بيان أمور :




ـ الأمر الأول :




ما نهي عنه على الدوام وتعلق في بعض الأوقات بفعل مأمور به ، فهذا لا يدخل في قاعدة ( النهي يدل على الفساد ) ويكون الفعل المأمور صحيحا ، ومثاله : لبس الحرير منهي عنه والصلاة مأمور بها ، فلو صلى شخص وعليه ثوب حرير لم تبطل صلاته ، لأن النهي عن لبس الحرير ليس متعلق بالصلاة ، بل هو نهي على الدوام والإطلاق ، لكن لو جاء النهي في الشرع عن الصلاة في الثوب الحرير ، لبطلت صلاة من صلى في ثوب حرير .




ـ الأمر الثاني :




لا فرق في فساد المنهي عنه بين أن يكون لذاته أو لغيره ، وذهب الحنفية والشافعية إلى التفريق بين أن يكون المنهي عنه لذاته فهو فاسد وبين أن يكون لغيره فهو غير فاسد ، وقد ردَّ شيخ الإسلام على هذا التقسيم فقال كما في مجموع الفتاوى ( 29/288 ) : فالجمع بين الأختين نهي عنه لإفضائه إلى قطيعة الرحم ، والقطيعة أمر خارج عن النكاح ، والخمر والميسر حرما وجعلا رجساً من عمل الشيطان لأن ذلك يفضي إلى الصد عن الصلاة وإيقاع العداوة ، والربا حرام لأن ذلك يفضي إلى أكل المال الباطل ، وذلك أمر خارج عن عقد الميسر والربا ... .




ـ الأمر الثالث :




لا فرق في فساد المنهي عنه بين أن يكون في العبادات والمعاملات ، وعلى هذا جرى فهم الصحابة ، فقد ردَّ عمر نكاح المحرم ورد معاوية نكاح الشغار كما تقدم .




قال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 167 ) : والحق أن كل نهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه وفساده المرادف للبطلان اقتضاء شرعيا ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك فيكون هذا الدليل قرينة صارفة له . انتهى .




قلت : لكن ما كان من المناهي متعلقا بحق العبد وليس متعلقا بحق الله وأجازه العبد صح ولم يفسد .




القاعدة الثالثة : النهي الوارد عقب سؤال إفادته على حسب




ما يقصده السائل




النهي الوارد عقب سؤال إنما تفيد دلالته على حسب مقصود السائل ، فإن كان مقصود السائل بسؤاله هو الإباحة وعدمها فيفيد النهي التحريم ، وإن كان مقصود السائل هو الوجوب وعدمه فيفيد النهي عدم الوجوب ولا يفيد التحريم ، مثاله حديث البراء بن عازب قال : سئل رسول الله  عن الوضوء من لحوم الإبل ، فقال : (( توضؤا منها )) وسئل عن لحوم الغنم ، فقال : (( لا توضؤا منها )) وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل ، فقال : (( لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين )) .




أخرجه أبو داود ( 184 ) وهو صحيح .




فالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم يفيد عدم وجوب الوضوء منها ، لأن قصد السائل هو معرفة ما إذا كان لحم الغنم ناقض للوضوء أم لا ؟ والشيء إذا كان ناقضاً للوضوء يجب الوضوء منه وإذا لم يكن ناقضاً فلا يجب ، فأجابه النبي  بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم .




وأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل فإنه يفيد التحريم في الصلاة فيها ، لأن قصد السائل هو معرفة حكم الصلاة في مبارك الإبل هل يباح كبقية الأرض أم لا يباح ؟ فأجابه النبي  بأنه لا يباح الصلاة فيها .




الـعــام والـخـــاص




القاعدة الأولى : الأصل أن التنصيص على بعض أفراد العام بالذكر لا يعني تخصيص النص العام بذلك المذكور إلا لقرينه




قال الشوكاني في إرشاد الفحول ( 202 ) : ذكر بعض أفراد العام الموافق له في الحكم لا يقتضي التخصيص عند الجمهور ، ومثال ذلك قوله  : (( أيما إهاب دبغ فقد طهر )) مع قوله  في حديث آخر في شاة ميمونة : (( دباغها طهورها )) فالتنصيص على الشاة في الحديث الآخر لا يقتضي تخصيص عموم (( أيما إهاب دبغ فقد طهر )) لأنه تنصيص على بعض أفراد العام بلفظ لا مفهوم له . انتهى .





القاعدة الثانية : الأصل في العام العمل به على عمومه حتى يوجد المخصص





إذا ورد النص العام فإن الصحابة كانوا يعملون به على عمومه حتى يطلعوا له على مخصص ، وليس أنهم كانوا يتوقفون في النص العام ويبحثون عن المخصص فإن لم يجدوا المخصص عملوا بعد ذلك بالنص العام .




فإنه لما نزل قوله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ } [ الأنعام : 82 ] حملها الصحابة على عمومها حتى قالوا : أينا لم يظلم نفسه ، حتى يبن لهم النبي  أن الظلم هنا ليس على عمومه وإنما المراد به الشرك .




قال الشافعي في الأم ( 7/269 ) : وكذلك ينبغي لمن سمع الحديث أن يقول به على عمومه وجملته ، حتى يجد دلالة يفرق منها فيه . انتهى .




القاعدة الثالثة : لا يشرع العمل بالنص العام على عمومه إن لم يجر عمل السلف بالعمل به على عمومه




لا شك أن السلف الصالح أفهم لدلالة الكتاب والسنة ، فإذا جاء نص عام ولم يعمل السلف بذلك النص على عمومه وإنما عملوا ببعض أفراده فلا يشرع العمل به على عمومه إذ لو كان يشرع العمل على عمومه لسبقنا السلف الصالح إلى ذلك .




القاعدة الرابعة : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب




النص العام الوارد بخصوص سبب من الأسباب ، فإنه يعمل به على عمومه ولا يخصص بذلك السبب ، وعلى هذا جرى فهم الصحابة رضوان الله عليهم ، فقد سأل قوم النبي 




أنهم يركبون البحر ومعهم ماء لا يكفي إلا للشرب فقال : (( هو الطهور ماؤه )) .




وقد أفتى بهذا العموم جمع من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وابن عباس مع أن العموم كان وارداً على سبب وهو حاجتهم إلى الماء للشرب إذا ركبوا البحر .




القاعدة الخامسة : ترك الاستفصال في مكان الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال




هذه القاعدة أصلها الإمام الشافعي ، ومن أدلة هذه القاعدة حديث غيلان الثقفي أنه أسلم وتحته عشرة نسوة ، فقال له النبي  : (( أمسك أربعاً وفارق سائرهن )) .




وهو حديث صحيح أخرجه الترمذي ( 1128 ) وابن ماجة ( 1953 ) .




ووجه الدلالة من الحديث كما قال السمعاني في قواطع الأدلة ( 1/225 ) : لم يسأله عن كيفية العقد هل عقد عليهن على الترتيب أو عقد عليهن دفعة واحدة فكان إطلاقه القول من غير استفصال حال دليلاً دالاً على أنه لا فرق بين أن تتفق العقود عليهم معاً أو توجد العقود متفرقة عنهن ... .




القاعدة السادسة : الصورة النادرة داخلة في العموم




قال الشنقيطي في أضواء البيان ( 4/174 ) : ... وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعملون بشمول العمومات من غير توقف وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى : { ومَاجَعلْنَا لبَشَرٍ مِنْ قَبلِكَ الخُلْدَ } [ الأنبياء : 34 ] الآية ، وعموم قوله  : (( أر أيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد )) هو الصحيح ، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص ، ومما يوضح ذلك ، أن الخنثى صورة نادرة جداً ، مع أنه داخل في عموم آيات المواريث والقصاص ، وغير ذلك من عموم الأدلة . انتهى .





القاعدة السابعة : ليس كل عام قد دخله التخصيص





القول بأنه ما من عام إلا وقد خُصَّ ليس بصحيح لأنه ليس عليه دليل فإن هناك عمومات لم يدخلها التخصيص ، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 6/442 ) : من الذي يسلم أن أكثر العمومات مخصوصة ؟ أم من الذي يقول ما من عموم إلا وقد خص إلا قوله :{ بكُلِّ شَيءٍ عَلِيم } ؟ فإن هذا الكلام وإن كان يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد في كلام بعض المتكلمين في أصول الفقه فإنه من أكذب الكلام وأفسده ، والظن بمن قاله : أنه إنما عنى أن العموم من لفظ { كلَّ شَيءٍ } مخصوص إلا في مواضع قليلة ، كما يقول تعالى : {تُدَمَّرُ كُلَّ شَيءٍ } [ الأحقاف : 25 ] { وَأُوتَيَت مِنْ كُلِّ شَيءٍ } [ النمل : 23 ] وإلا فأي عاقل يدعي هذا في جميع صيغ العموم في الكتاب والسنة ، وأنت إذا قرأت القرآن من أوله إلى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة لا مخصوصة . انتهى .




القاعدة الثامنة : يقدم الخاص على العام مطلقاً سواء كان العام متقدما أو متأخراً




الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقدمون الخاص على العام مطلقا ولا ينظرون فيها إذا كان العام متقدما على الخاص أو متأخراً عنه ، ومن الأدلة على ذلك حديث فاطمة بنت رسول الله  أنها جاءت تطلب ميراثها وذلك لعموم الأدلة الوردة في ميراث الأبناء من آبائهم ، فلم يعطها أبو بكر الصديق شيئاً واحتج لقوله  : (( ما نورث ما تركنا صدقة )) . أخرجه البخاري ( 3092 ، 3093 ) .




ولم ينظر أبو بكر الصديق هل العام جاء بعد الخاص أم لا ؟ .




قال الشنقيطي في المذكرة ( 223 ) : ومن تتبع قضاياهم ( أي الصحابة ) تحقق ذلك عنهم . انتهى .






القاعدة التاسعة : العام الذي دخله التخصيص يجب العمل بما بقي من عمومه





العام الذي دخله التخصيص ، فإن العمل بما بقي من عمومه واجب لا يجوز تركه ، على هذا جرى الصحابة في وقائع كثيرة ، قال السمعاني في قواطع الأدلة ( 1/175 ، 178 ) : ... فإن عليا رضي الله عنه قال في الجمع بين الأنشتين المملوكتين في الوطأ أحلتهما آية وحرمتهما آية وقد روي عن عثمان رضي الله عنه مثل ذلك ، وعنيا بقولهما أحلتهما آية قوله تعالى : {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأختَيْنِ }[ النساء : 3 ] مخصوص منه البنت والأخت ، واحتج ابن عباس رضي الله عنهما في قليل الرضاع بقوله تعالى : { وَأمَّهَاتُكُم الَّلآتِي أرْضَعْنَكُمْ }[ النساء : 20 ] وقال قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير ، وإن كان التحريم بالرضاع يحتاج إلى شروط ، وذلك يوجب تخصيص الآية ، ولا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة . انتهى .




القاعدة العاشرة : السياق من المخصصات للعموم




قال ابن دقيق العيد في كتاب الإحكام ( 4/82 ) : قوله عليه السلام : (( الخالة بمنزلة الأم )) سياق الحديث يدل على أنها بمنزلتها في الحضانة وقد يستدل بإطلاقه أصحاب التنزيل على تنزيلها منزلة الأم في الميراث إلا أن الأول أقوى ، فإن السياق طريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه ، وفهم ذلك قاعدة كبيرة من قواعد أصول الفقه . انتهى .




القاعدة الحادية عشر : لا يصح تخصيص العام بالعرف سواء كان العرف قوليا أو عمليا




قال السمعاني في قواطع الأدلة ( 1/193 ) : وأما التخصيص بالعرف والعادة فقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به ، لأن الشرع لم يوضع على العادة ، وإنما وضع على ما أراد الله تعالى ، ولا معنى للرجوع إلى العادة في شيء من ذلك . والله أعلم . انتهى .




القاعدة الثانية عشر : قول الصحابي قد يخصص العام




الأصل أن الصحابي لا يترك العام ويعمل بخلافه إلا لقرينة ثبتت عنده تصلح للتخصيص فالصحابي أدرى بمراد الشرع وأفهم للمقصود من الدليل ، قال شيخ الإسلام كما في اقتضاء الصراط المستقيم ( 276 ) : يجوز تخصيص عموم الحديث بقول الصاحب الذي لم يخالف على إحدى الروايتين .




القاعدة الثالثة عشر : لا يصلح تخصيص العام بالعقل




العام لا يخصص بالعقل وإنما يخصص بالدليل ، ولذلك لم يكن الصحابة يخصصون العموم إلا بنص ولا يخصصونه بالعقل ، وحجة من قال أن العموم يخصص بالعقل قوله تعالى : { تُدِمِّرُ كُلَّ شيءٍ }[ الأحقاف : 21 ] ومعلوم بالعقل أنها لم تدمر كلَّ ما على الأرض ، وقوله تعالى { الله خَالِقُ كل شَيءٍ } ومعلوم أن صفات الله غير مخلوقة .




والجواب : أن هذا ليس من باب تخصيص العام بالعقل ، وإنما هو من باب العموم الذي يراد به الخصوص ، وعليه فلا يصح الاستدلال بهذه الآيات ونحوها على تخصيص العام بالعقل .





القاعدة الرابعة عشر : لا يصح تخصيص العام بالقياس





القياس باب من أبواب الاجتهاد ، والاجتهاد لا يخصص به العام ، لأن الاجتهاد يتطرق إليه احتمال الخطأ ، وما يطرق إليه احتمال الخطأ لا يغير النص ولا يخرجه عن عمومه ، ولأن العموم أصل والقياس فرع ، والفرع لا يغير الأصل ، ولذلك لم يأت عن الصحابة تخصيص نص من النصوص العامة بالقياس .






القاعدة الخامسة عشر : كما أنه لا يشرع إطلاق ما دل الدليل على تقييده كذلك لا يشرع تقييد ما دل الدليل على أنه مطلق





فمثلا بعض الأذكار المطلقة الغير مقيدة لا يشرع للمسلم أن يقيدها بوقت من الأوقات أو بزمن من الأزمنة بل يعمل بها على إطلاقها من غير تقييد لها .





القاعدة السادسة عشر : الخطاب الموجه للرسول  عام





لجميع الأمة إلا إذا دل دليل على التخصيص




الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون من الخطاب الموجه للرسول  أنه عام لجميع الأمة ، فقد قال الله تعالى:{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم } [ التحريم : 1] .




قال ابن عباس : في الحرام يُكَفَّر ، وقال { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب : 21 ] أخرجه البخاري ( 4911 ) .




يقصد ابن عباس الآية المذكورة في خطاب النبي  وهي في أول سورة التحريم ، فهي خطاب للنبي  وقد فهم منها ابن عباس أن حكمها لجميع الأمة .




قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 22/322 ) : ولهذا كان جمهور علماء الأمة أن الله إذا أمره بأمر أو نهاه عن شيء كانت أمته أسوة له في ذلك ، ما لم يقم دليل اختصاصه . انتهى .




القاعدة السابعة عشر : خطاب الشارع للواحد خطاب لجميع الأمة




الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون من خطاب الشارع للواحد منهم أنه لجميع الأمة ، ومن الأدلة على هذا حديث معاذ بن جبل أن النبي  قال له : (( يا معاذ والله إني لأحبك ، أوصيك يا معاذ لا تدعن دبر كل صلاة تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )) فأوصى معاذ بهذا الذكر الراوي عنه وهو الصنابحي . أخرجه أبو داود ( 1522 ) .




فهذا الخطاب كان موجها لمعاذ ولم يفهم منه معاذ أن ذلك خاص به فقط .





القاعدة الثامنة عشر : دخول النساء في الخطاب الموجه للذكور





دخول النساء في الخطاب الموجه للذكور دلَّ عليه الاستقراء ، يقول شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 6/437 ) : وقد عهدنا من الشارع في خطابه أنه يعم القسمين ويدخل النساء بطريق التغليب ، وحاصله أن هذه الجموع تستعملها العرب تارة في الذكور المجردين وتارة في الذكور والإناث ، وقد عهدنا من الشارع أن خطابه المطلق يجـري على النمط الثاني ، وقولنا : المطلق احتراز من المقيد مثل قوله : {والمؤمِنُونَ والمؤمِنَاتُ } [ التوبة : 69 ] . انتهى .





القاعدة التاسعة عشر : الاستثناء الوارد بعد عدة جمل يرجع إلى جميع الجمل





استقرأ شيخ الإسلام ابن تيمية نصوص الشرع فوجد أن الاستثناء الوارد بعد عدة جمل يرجع إلى جميع الجمل إلا إذا أتت قرينة تدل على أن الاستثناء يرجع للجملة الأخيرة ، فقد قال في مجموع الفتاوى ( 31/167 ) : وقد ثبت بما روي عن الصحابة أن قوله : { إلا الذين تابوا }[ البقرة : 154 ] في آية القذف عائد إلى الجملتين ، وقال النبي  : (( لا يؤمَنَّ الرجل الرجل في سلطانه ، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه )) وهذا كثير في الكتاب والسنة ، بل من تأمل غالب الاستثناءات الموجودة في الكتاب والسنة التي تعقبت جملا وجدها عائدة إلى الجميع ، هذا في الاستثناء فأما في الشرط والصفات فلا يكاد يحصيها إلا الله ، وإذا كان الغالب على الكتاب والسنة وكلام العرب عود الاستثناء إلى جميع الجمل فالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب . انتهى .






القاعدة العشرون : الأصل أن حكاية الفعل تدل على العموم





قول الصحابي : نهى رسول الله  عن المزابنة وقضى بالشفعة فيما لم يقسم ونحو ذلك يقتضي العموم ، قال العلامة الأمين الشنقيطي في كتابه مذكرة في أصول الفقه ( 253 ) : واقتضاؤه العموم هو الحق لأن الصحابي عدل عارف فلا يروي ما يدل على العموم إلا وهو جازم بالعموم ، والحق جواز الحديث بالمعنى ، وعدالة الصحابي تنفي احتمال منافاة حكاية لما حكى كما هو ظاهر . انتهى .




الـمــفــهـــوم





القاعدة الأولى : مفهوم الموافقة حجة





الأدلة الشرعية تأتي أحياناً بحكم ويكون مالم يذكر مع الحكم في ذلك الدليل مثل الحكم المنصوص عليه أو يكون ما لم يذكر أولى مما ذكر ، كقوله تعالى : { فلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ } [ الإسراء : 23 ] يدل على أن الضرب أولى بالمنع وعلى هذا جرى فهم السلف .القاعدة الثانية : مفهوم المخالفة حجة




العمل بمفهوم المخالفة قد عمل به الصحابة وأقره النبي  فعن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب : {فليْسَ عَليْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنكُمُ الذينَ كَفَرُوا } [ النساء : 101 ] فقد أمن الناس! فقال : لقد عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله  عن ذلك فقال : ( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) .




أخرجه مسلم ( 686 ) .




فالآية تدل على أن القصر في السفر يكون من أجل الخوف ، ومفهوم المخالفة أن المسافر لا يقصر الصلاة إذا كان آمناً ، ولم ينكر النبي  على عمر العمل بمفهوم المخالفة وإنما بين له أن مفهوم المخالفة لا يعمل به هنا في هذه الآية .






القاعدة الثالثة : إذا دل الدليل على أن ما خص بالذكر ليس مختصا بالحكم لم يكن مفهوم المخالفة حينئذ حجة





قال تعالى في كتابه الكريم : { لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } [ النحل : 7 ] فتخصيص وصف اللحم بكونه طريا لا يدل على أن غير الطري محرم ، وذلك لأن التخصيص هنا




بذكر ( الطري ) ليس لكونه مختصاً بالحكم .





الأحـكــام التكليـفـيـة





المراد بالحكم التكليفي هو خطاب الشرع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير .





وكلمة ( اقتضاء ) معناها الطلب بالفعل أو الترك .




والحكم التكليفي خمسة أقسام هي :




1 ـ الواجب : وهو ما يلزم المكلف فعله فيثاب على فعله ويعاقب على تركه .




2 ـ المندوب : وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه .




3 ـ المحرم : وهو ما يلزم المكلف تركه فيعاقب على فعله .




4 ـ المكروه : وهو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله .




5 ـ المباح : هو ما لا يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله .




وإليك بيان قواعدها بالتفصيل :




الـواجـــب




القاعدة الأولى : الفرق بين الواجب والفرض ليس بصحيح




الحنفية يفرقون بين الواجب والفرض ، فالواجب عندهم ما ثبت بدليل ظني ( أي بخبر الآحاد ) .




والفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي ( أي بالخبر المتواتر ) .




وهذا التفريق خلاف ما كان عليه السلف الصالح فإنهم ما كانوا يفرقون بين الواجب والفرض ، بل كان الواجب والفرض عندهم بمنزلة واحدة وذلك لأنهم لم يكونوا يفرقون بين الآحاد والمتواتر من ناحية العمل بهما .




القاعدة الثانية : الواجب الذي ليس له وقت محدد يجب المبادرة إلى فعله




قوله تعالى : { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم }[ آل عمران : 133 ] . يدل على وجوب المبادرة إلى أداء ما أوجبه الشارع ولم يجعـل لـه وقتا محدداً كقضاء الصيام والنذر ، للأمر بذلك .




القاعدة الثالثة : الواجب إذا لم يكن الإتيان بتمامه فإن المسلم يأتي بما يستطيع منه




كالذي لا يستطيع القيام في الصلاة فإنه يُصلي جالساً ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : (( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم )) .




أخرجه مسلم ( 1337 ) من حديث أبي هريرة .





القاعدة الرابعة : ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب





ومن الأدلة على هذه القاعدة حديث أبي سعيد الخدري قال : لما بلغ النبي  عام الفتح مرَّ الظهران فآذننا بلقاء العدو ، فأمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون .




أخرجه الترمذي ( 1684 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح .




فالفطر للصائم المسافر مباح ، ولكن لما كان الجهاد ( وهو واجب ) لا يتم إلا بالفطر حتى يتقووا على الجهاد أمرهم النبي  بالإفطار ، فصار الفطر واجباً ، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .




القاعدة الخامسة : ما لا يتم الواجب المشروط إلا به فهو غير واجب




الواجبات التي جعل لها الشارع شروطاً لا تجب إلا بتلك الشروط ، فإنه لا يجب على المكلف إيجاد تلك الشروط لذلك الواجب ، لأن الله تعالى لم يوجب على العبد إيجاد ذلك الشرط ، وإنما أوجب ذلك الواجب متى وجد ذلك الشرط ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 20/160 ) : فإن العبد إذا كان مستطيعاً للحج وجب عليه الحج ، وإذا كان مالكاً لنصاب وجبت عليه الزكاة فالوجوب لا يتم إلا بذلك ، فلا يجب عليه تحصيل استطاعته الحج ولا ملك النصاب . انتهى .




القاعدة السادسة : الواجب الذي لم يحدد له الشارع حداً فإنه يجب على المكلف أن يأتي منه ما يغلب على الظن أنه أدى ما وجب عليه من ذلك الواجب




الواجب باعتبار تحديده ينقسم إلى قسمين :




ـ القسم الأول :




واجب محدد ، وهو الذي جعل له الشارع مقداراً معيناً ، كمواقيت الصلوات الخمس ، وما يغسل من الأعضاء في الوضوء ، وكصفة زكاة القوال وغير ذلك ، فهذا ينبغي الوقوف مع ما حدده الشارع وقدره من غير تجاوز .




ـ القسم الثاني :




واجب غير محدد ، وهو الواجب الذي لم يجعل له الشارع مقداراً محدداً ، فيرجع في ذلك إلى إعمال النظر والفكر فيعمل بما يغلب على ظنه أنه أداه من تلك الواجبات الغير محددة ، وفي هذا يقول الشاطبي في الموافقات ( 1/112 ) : فإذا قال الشارع : {وأطْعَمُوا القَانِعَ والمعُتَرَّ } [الحج : 36 ] أو { وأنْفِقُوا فيِ سَبيلِ اللهِ } [ البقرة :191 ] فمعنى ذلـك طلب رفع الحاجة في كل واقعة بحسبها من غير تعيين مقدار ، فإذا تعينت حاجة تبين مقدار ما يحتاج إليه فيها بالنظر لا بالنص ، فإذا تعين جائع فهو مأمور بإطعامه وسد خلته بمقتضى ذلك الإطلاق ، فإن أطعمه مالا يرفع عنه الجوع ، فالطلب باق عليه مالم يفعل من ذلك ما هو كاف ورافع للحاجة التي من أجلها أمر ابتداءاً . انتهى .





القاعدة السابعة : الواجب المخير يسقط بفعل واحد من أفراده ، ولا يشرع الجمع بين أفراده





ومثاله : قال الله تعالى في كتابه الكريم { لايُؤاخَذُكُمُ اللهُ بالَّلغْوَ فِي أيْمَانِكُم ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الأيْمَان فكفَّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرةِ مَسَاكِينَ مِنْ أوْسَطِ ما تُطعِمونَ أهْليكُمْ أوْ كِسْوتُهمْ أو تحْريرُ رَقبةٍ فمَنْ لم يَجدْ فصِيامُ ثَلاثةِ أيَّامٍ ذلكَ كفَّارةُ أيمانِكُم إذَا حَلفْتُم } [ المائدة : 89 ] فلفظة ( أو ) تدل على التخيير في كفارة اليمين بين الإطعام أو الكسوة أو العتق.




ولا يشرع الجمع بين أفراد الواجب المخير ، لأن الجمع بين أفراده لم يرد في الشرع وإنما ورد في الشرع التخيير فيصير الجمع بين أفراده بدعة في الدين .




القاعدة الثامنة : الواجب الكفائي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين




ينقسم الواجب باعتبار ذاته إلى قسمين :




ـ القسم الأول : واجب عيني وهو الذي يلزم كل مكلف فعله ، كالصلوات الخمس والزكاة والصيام وغير ذلك .




ـ القسم الثاني : واجب كفائي وهو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين ،




وهذه القاعدة تحتاج إلى بيان أمور :




الأمر الأول : أنه لو قام جماعة بالواجب الكفائي ولكن لم يف قيامهم حصول المقصود من ذلك الواجب الكفائي فإن ذلك الواجب الكفائي لا يزال قائما ولا يسقط حتى يحصل المقصود منه .




الأمر الثاني : الواجب الكفائي يسقط بفعل غير المكلف له ، إذا حصل المقصود من الواجب الكفائي ، وليس في الأدلة ما يدل أنه لا يسقط إلا بفعل المكلفين فقط .




الأمر الثالث : الواجب الكفائي لا يتعلق بالأمور الدينية فقط ؟ بل يشمل جميع ما يحتاج إليه المسلمون في حياتهم الدنيوية لأنه يحصل الضرر لهم بترك جميعهم له ومنه تعلم أن تقييد الغزالي للواجب الكفائي بالأمور الدينية تقييد غير صحيح .




الأمر الرابع : الواجب الكفائي لا يلزم بالشروع فيه فيجوز قطعه بعد الشروع فيه ، وذلك لأن الواجب الكفائي لا يجب ابتداؤه على من ابتدائه وعليه فلا يجب إتمامه ، ولم يأت من أوجب إتمامه بحجة ، لكن إذا أتى الدليل على وجوب إتمامه فإنه يجب إتمامه لذلك الدليل ، كالأدلة التي تدل على وجوب الجهاد لمن حضر الصف .




القاعدة التاسعة : إذا تعارض واجبان فإنه يقدم الآكد منهما وجوباً




الواجبات الشرعية ليست على درجة واحدة فبعض الواجبات آكد وجوباً من واجبات أخرى ، فإذا تعارض واجبان فإنه يقدم الآكد منهما وجوباً على الآخر الذي دونه في الوجوب لقوله تعالى : { فاتَّقُوا الله مَا اسْتطعْتُم } [ التغابن : 16 ] قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 17/61 ) : ومن المعلوم بالاضطرار تفاضل المأمورات : فبعضها أفضل من بعض ، وبعض المنهيات شر من بعض . انتهى .




القاعدة العاشرة : كل لفظ دل على أنه يلزم فعل شيء من الأفعال فإن ذلك اللفظ يؤخذ منه وجوب ذلك الفعل




قال ابن القيم في بدائع الفوائد ( 2/218 ) : ويستفاد الوجوب بالأمر تارة ، وبالتصريح بالإيجاب والفرائض والكتب ولفظه ( على ) ولفظه ( حق على العباد ) و ( على المؤمنين ) وترتيب الذم والعقاب على الترك وإحباط العمل بالترك وغير ذلك . انتهى .




الـمـنـــدوب





القاعدة الأولى : حكم معرفة المندوب واجب على الكفاية





قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 4/436 ) : ومعرفة ( الاستحباب ) فرض على الكفاية ، لئلا يضيع شيء من الدين . انتهى .




قلت : وكذلك ما لا يجب على كل مكلف معرفته من الأحكام التكليفية الخمسة فهو فرض على الكفاية .




القاعدة الثانية : المندوب لا يجب بالشروع فيه




المندوب لا يجب بالشروع فيه ، لأن ما لا يجب ابتداؤه لا يجب إتمامه ، يقول عطاء إن ابن عباس كان لا يرى بأسا أن يفطر إنسان في التطوع ويضرب أمثالا : طاف سبعا فقطع ولم يوفه فله ما احتسب ، أو صلى ركعة ولم يصل أخرى فله ما احتسب ، أو يذهب بمال يتصدق به ، فيتصدق ببعضه وأمسك بعضه .




أخرجه عبد الرزاق ( 4/271 ) .




ويستثنى من ذلك التطوع بالحج أو العمرة فإنهما يجب إتمامهما إذا ابتدأهما المسلم ولو كان أصلهما تطوعاً لقوله تعالى : { وأتمُّوا الحَجَّ والعمْرةَ للهِ } [ البقرة : 196 ] . الآية .




قال ابن عبد البر كما في البحر المحيط ( 1/384 ) : من احتج على المنع بقوله تعالى : { ولاتَبطِلُوا أعْمَالَكُم }[ محمد : 33 ] فإنه جاهل بأقوال العلماء فإنهم اختلفوا فيها على قولين : فأكثرهم قالوا : لا تبطلوها بالرياء وأخلصوها ، وهم أهل السنة ، وقيل : لا تبطلوها بالكبائر وهو قول المعتزلة . انتهى .




القاعدة الثالثة : السنة إذا أدى فعلها إلى فتنة فإنها تترك مؤقتا تأليفا للقلوب إلى أن يعلمها الناس




قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 22/407 ) : ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا ، كما ترك النبي  تغيير بناء البيت لما في إبقائه من تأليف القلوب . انتهى .




القاعدة الرابعة : لا يترك المندوب إذا صار شعاراً للمبتدعة




لا يترك المندوب إذا صار شعاراً للمبتدعة ، كلبس الثوب إلى نصف الساق ، فإنه لو صار شعاراً لبعض المبتدعة فلا يترك لبس الثوب إلى نصف الساق من أجل أنه صار شعاراً للمبتدعة مثلاً ، وعلى هذا كان السلف رضوان الله عليهم فإنهم كانوا لا يتركون العمل المستحب في الشرع الذي صار شعاراً للمبتدعة .




وقد ذهب الغزالي في الإحياء إلى المنع من العمل بسنة من السنن إذا صارت شعاراً لأهل البدعة حتى لا يتشبه بهم .




وقد تعقبه الألباني رحمه الله فقال في حاشية إصلاح المساجد ( 23 ) : ليس هذا من التشبه بهم في شيء بل هو تشبه بمن سن السنة وهو الرسول  فإذا أخذ بها بعض الفساق فليس ذلك بالذي يمنع من استمرار الحكم السابق وهو التشبه به  . انتهى .





الـمــكــــروه





القاعدة الأولى : المكروه هو كل ما لم ينه عنه الشارع نهيا جازماً




المكروه هو مرتبة بين المباح والحرام فيثاب تاركه ولا يعاقب فاعله ، ويعرف بأن هذا الشيء مكروه في الشرع بأن يكون ورد فيه نهي لكن ذلك النهي جاء ما يدل على أنه ليس المراد به نهي تحريم .




عن أم عطية قالت : ( نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ) . أخرجه البخاري ( 1278 ) .




قال الحافظ في الفتح ( 3/173 ) : قولها : ( ولم يعزم علينا ) لم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره في المنهيات فكأنها قالت : كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم . انتهى .




القاعدة الثانية : مراد الشرع بكلمة ( المكروه ) هو ( الحـرام )




( المكروه ) في الشرع يطلق على المحرم ، كما قال تعالى في كتابه : {ولاتمْشِ في الأرْضِ مرحًا إنَّكَ لنْ تَخْرقَ الأرضَ ولَنْ تبْلُغَ الجبَالَ طُولاً (37) كُلُّ ذَلكَ كانَ سيئُهُ عنْدَ ربِّكَ مَكْروهًا } [ الإسراء:38 ] . فانظر كيف أطلق ( المكروه ) على الشيء المحرم .




وكذلك السلف الصالح كانوا يطلقون ( المكروه ) على الشيء المحرم تورعا ، فكانوا يتورعون أن يقولوا على الشيء الذي ليس فيه نص مبين على تحريمه ( هذا حرام ) وإنما يقولون ( هذا مكروه ) .





الـمــحــــرم





القاعدة الأولى : المحرمات متفاوتة




المحرمات ليست على درجة واحدة بل هي متفاوتة ، فبعض المحرمات أشد تحريما من بعض ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 17/59 ) : ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاصيل أنواع الإيجاب والتحريم وقالوا : إن إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر ، وتحريمه أشد من تحريم الآخر ، فهذا أعظم إيجاباً ، وهذا أعظم تحريماً ، ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا في ذلك كابن عقيل وغيره فقالوا : التفاضل ليس في نفس الإيجاب والتحريم ، لكن في متعلق ذلك وهو كثيرة الثواب والعقاب ، والجمهور يقولون بل التفاضل في الأمرين ، والتفاضل في المسببات دليل على التفاضل في الأسباب ، وكون أحد الفعلين ثوابه أعظم وعقابه أعظم دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد ، ولو تساويا من كل وجه لامتنع الاختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح ، فإن التسوية والتفضيل متضادان . انتهى .





القاعدة الثانية : تحريم الشيء تحريم لجميع أجزائه





قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 21/85 ) : تحريم الشيء مطلقا يقتضي تحريم كل جزء منه ، كما أن تحريم الخنزير والميتة والدم اقتضى ذلك ، وكذلك تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة يقتضي المنع من أبعاض ذلك ، وكذلك النهي عن لبس الحرير اقتضى النهي عن أبعاض ذلك ، لو لا ما ورد من استثناء موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع في الحديث الصحيح .. ثم قال ( 21/86 ) : وحيث حرم النكاح كان تحريما لأبعاضه ، حتى يحرم العقد مفرداً والوطأ مفرداً كما في قوله : {ولا تنكحوا مانكح آباكم من النساء إلا ماقد سلف } النساء : 22 ] . انتهى .





القاعدة الثالثة : ما أدى إلى محرم فهو محرم





ما أدى إلى محرم فهو محرم فعله ، كما لو أدى فعل نافلة إلى ترك فريضة كالذي يصلي بالليل طويلاً وينام عن صلاة الفجر ، فإنه لا يشرع له قيام الليل إذا كان ذلك سببا لتركه صلاة الفجر .




أو أدى فعل مباح إلى فعل محرم ، كما لو إذا خلى وحده ارتكب المحرمات ، فإنه لا يشرع له أن يخلوا لوحده إذا كان ذلك سبباً للوقـوع في الحرام أو أدى فعلٌ إلى الإحتيال على أمر محرم فهو محرم




القاعدة الرابعة : يأثم الإنسان بالعزم على فعل المحرم وإن لم يفعله




عن أبي كبشة الأنماري قال : قال رسول الله  : (( إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله ما لا وعلما فهو يتقي فيه ربه فهو بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيه فأجرهما سواء ، وعبد رزقه مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعلم لله فيه حقا ، فهذا بأخبث المنازل ، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء )) أخرجه الترمذي ( 2325 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح .




هذا الحديث يدل على أن الإنسان يأثم بالعزم على فعل المعصية وإن لم يفعلها ، إذا كان سبب تركه لتلك المعصية عدم القدرة عليها وليس الخوف من الله ، وقد ذكر هذا الحديث شيخ الإسلام فقال عنه كما في مجموع الفتاوى ( 10/733 ) : هو في حكاية من قال ذلك ، وكان صادقا فيه وعلم الله منه إرادة جازمة لا يتخلف عنها الفعل إلا لفوات القدرة ، فلهذا استويا في الثواب والعقاب ، وليس هذه الحال تحصل لكل من قال : ( لو أن لي ما لفلان لفعلت مثل ما يفعل ) إلا إذا كانت إرادته جازمة يجب وجود الفعل معها إذا كانت القدرة حاصلة ، وإلا فكثير من الناس يقول ذلك عن عزم لو اقترنت به القدرة لانفسخت العزيمة .




القاعدة الخامسة : كل لفظ يدل على لزوم ترك فعل من الأفعال فإن ذلك اللفظ يؤخذ منه تحريم ذلك الفعل




قال ابن القيم في بدائع الفوائد ( 2/218 ) : ويستفاد التحريم من النهي ، والتصريح بالتحريم ، والحظر ، والوعيد على الفعل ، وذم الفاعل ، وإيجاب الكفارة بالفعل ، وقوله : ( لا ينبغي ) فإنها في لغة القرآن والرسول للمنع عقلاً أو سرعاً ، ولفظه ( ما كان لهم كذا ) ، و ( لم يكن لهم ) ، وترتيب الحد على الفعل ، ولفظه ( لا يحل ) و ( لا يصلح ) ، ووصف الفعل بأنه فساد وأنه من تزيين الشيطان وعمله وإن الله لا يحبه وأنه لا يرضاه لعباده ، ولا يزكي فاعله ، ولا يكلمه ، ولا ينظر إليه ، ونحو ذلك . انتهى .





الـمــــــبـاح





القاعدة الأولى : الأصل في الأشياء الإباحة




الأصل في الأشياء الإباحة إلا إذا أتى ما يدل على تحريم ذلك الشيء فقد قال تعالى في كتابه الكريم : { وَقَدْ فَصلَّ لكُمْ ماحَرَّم عليْكُم } [ الأنعام : 119 ] .




قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 21/536 ) : والتفصيل التبيين ، فبين أنه بين المحرمات ، فما لم يبين تحريمه فليس بمحرم ، وما ليس بمحرم فهو حلال ، إذ ليس إلا حلال أو حرام . انتهى .




وعن أبي الدرداء أن رسول الله  قال : (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو )) .




أخرجه الحاكم ( 2/375 ) وحسنه الألباني في غاية المرام ( 14 ) .




القاعدة الثانية : لا يأثم الإنسان بالمداومة على فعل بعض المباحات




الغزالي في إحياء علوم الدين ( 2/283 ) قال بأن بعض المباح يصير بالمواظبة عليه صغيرة كالترنم بالغناء ، واللعب بالشطرنج . انتهى .




وهذا كلام غريب ، وذلك لأن الشيء إذا كان مباحا فإن الإنسان لا يأثم بفعله له ولو واظب عليه طول عمره ، وما إذا كان محرماً فإنه يأتم ولو فعله لمرة واحدة ، فمثلاً : لو واظب أحد على صعود الجبل كل يوم لم يأثم ، وإنما يأثم إذا أداه المداومة على المباح إلى ترك واجب أو فعل محرم ، لأن ما أدى إلى محرم فهو محرم .





القاعدة الثالثة : يُثاب المرء على فعل المباح إذا حسَّن نيته في فعل ذلك المباح





كل ما يفعله المرء من الأمور التي أباحها الشرع لا أجر له في فعلها ، إلا إذا قصد بفعل ذلك المباح أمراً حسنا في الشرع كمن ينام في النهار وينوي بنومته تلك التقوى على قيام الليل ، فهذا ثياب على تلك النومة لا لذات النومة ولكن لم اقترن معها من نية صالحة ، كما قال أبو الدرداء : إني لأحتسب نومتي .




قال ابن الشاط في غمز عيون البصائر ( 348 ) : إذا قصد بالمباحات التقوى على الطاعات أو التوصل إليها كانت عبادة كالأكل والنوم واكتساب المال . انتهى .




مـا يتـعـلـق بالعباد من قواعد






القاعدة الأولى : التكليف مشروط بالعلم والقدرة معاً





قال الله تعالى في كتابه الكريم : { لايُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلا وُسْعهَا }




وقال أيضـا : { ومَا كُنَّا مُعذِّبينَ حتَّى نبْعَثَ رَسُولاً }




فهاتان الآيتان تدلان على أن حصول التكليف يكون بالقدرة والعلم معاً ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 21/634 ) : فمن استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل ، فمن كان عاجزاً عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .




القاعدة الثانية : من لم يبلغ الإحتلام أو زال عقله فليس بمكلف




عن علي بن أبي طالب عن النبي  قال : (( رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر ، وعن المجنون حتى فيق )) أخرجه أبو داود ( 4398 ) والترمذي ( 1423 ) وابن ماجة ( 2041 ) وهو صحيح .




هذا الحديث يدل على أن من زال عقله أو لم يبلغ سن الإحتلام فإن قلم التكليف مرفوع عنه فلا يجب عليه شيء في حالته تلك ، ولا يؤاخذ بشيء صدر عنه حتى يزول عنه ذلك السبب الذي رفع قلم التكليف عنه .





القاعدة الثالثة : الأقوال والأفعال الصادرة من غير المكلف لا يترتب عليها حكم





ويدخل في هذا الأصل الناسي والمخطيء فلا يترتب على أقوالهما وأفعالها حكم لأنهما غير قاصدين إلا فيما أتى فيه الدليل بترتيب حكم على الناسي أو المخطيء .




والجاهل مثلهما أيضا لا يترتب على قوله أو فعله حكم لأن التكليف مشروط بالعلم كما تقدم ، إلا فيما أتى الدليل بترتيب حكم على فعله أو قوله .





القاعدة الرابعة : ما يتعلق بالأموال والمتلفات فإنه لا يعذر فيها أحد أبداً





قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 14/119 ) : القلب هو الأصل في جميع الأفعال والأقوال فما أمر الله به من الأفعال الظاهرة فلا بد فيه من معرفة القلب وقصده وما أمر به من الأقوال ، والنهي عنه من الأقوال والأفعال إنما يعاقب عليه إذا كان بقصد القلب ، وأما ثبوت بعض الأحكام كضمان النفوس والأموال إذا أتلفها مجنون أو نائم أو مخطيء أو ناس ، فهذا من باب العدل في حقوق العباد ، ليس هو من باب العقوبة . انتهى .





الاجـتـهاد والتـقـلـيد





القاعدة الأولى : لا يشرع لمن بلغه الدليل أو كان يستطيع البحث عن الدليل أن يقلد أي عالم من العلماء كائنا من كان




ويترك الدليل




عرف العلماء التقليد : بأنه اتباع قول من ليس بحجة من غير حجة .




وقد تكاثرت النصوص الشرعية الدالة على تحريم التقليد ، وأنه يجب على المسلم البحث عن دليل القائل ، وأن لا يسلم له تسليما كتسليمه لما يقوله النبي  ، قال الله تعالى : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ماتذكرون } [ الأعراف : 3 ] .




وقال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاويلا } [ النساء : 59 ] .




وقال عليه الصلاة والسلام : (( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض )) .




أخرجه الحاكم وهو صحيح .




ومفهوم الحديث أن التمسك بغير الكتاب والسنة وإنما بقول عالم من العلماء وتقليده بغير حجة واتباع قوله بغير دليل يؤدي ذلك إلى الضلال ، والله المستعان .




وقال ابن أبي العز في شرح الطحاوية ( 217 ) : فهما توحيدان ، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما : توحيد المرْسِل ، وتوحيد متابعة الرسول ، فلا تحاكم إلى غيره ، ولا نرضى بحكم غيره .




وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 19/262 ) : والمقصود هنا أن التقليد المحرم بالنص والإجماع : أن يعارض قول الله ورسوله بما يخالف ذلك كائنا من كان المخالف لذلك .




القاعدة الثانية : يشرع التقليد لمن لم يستطيع الاجتهاد لعذر ما




قال الله تعالى في كتابه الكريم :{ فاتَّقُوا الله مَا اسْتَطعْتُم } [ التغابن : 10 ] . فالواجب عدم التقليد ، لكن مع العذر يجوز التقليد ، لأنه لا واجب مع عجز ، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 20/204 ) : والذي عليه جماهير الأمة أن الإجتهاد جائز في الجملة ، والتقليد جائز في الجملة ، ولا يوجبون الإجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد ، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الإجتهاد ، وأن الإجتهاد جائز للقادر على الإجتهاد ، والتقليد جائز للعاجز عن الإجتهاد . وقال أيضا كما في مجموع الفتاوى ( 28/388 ) : ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب ، وإن لم يكن ذلك لضيق الوقت ، أو عجز الطالب أو تكافؤ الأدلة عنده أو غير ذلك ، فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه . انتهى .




القاعدة الثالثة : لا يشرع الخروج عن أقوال السلف في المسألة التي تكلموا فيها




قال مالك ( كما في ترتيب المدارك 1/193 ) عن موطئه : فيه حديث رسول الله  وقول الصحابة والتابعين ورأيهم ، وقد تكلمت برأيي على الإجتهاد ، وعلى ما أدركت عليه أهل العلم ببلدنا ولم أخرج عن جملتهم إلى غيره .




وقال الشافعي كما في المدخل إلى السنن الكبرى ( 110 ) : إذا أجتمعوا ( أي الصحابة ) أخذنا باجتماعهم ، وإن قال وأحدهم ولم يخالفه أخذنا بقوله ، فإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم ، ولم نخرج مـن أقاويلهم كلهم .




القاعدة الرابعة : ليس كل مجتهد مصيب




عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي  يقول : (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد )) .




أخرجه البخاري ( 7352 ) ومسلم ( 1716 ) .




هذا الحديث يدل على أنه ليس كل مجتهد مصيب وأن الحق واحد لا يتعدد .




وقد استدل من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب بحديث ابن عمر قال : قال النبي  يوم الأحزاب : (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة )) فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم ، لا نصلي حتى نأتيهم ، وقال بعضهم : بل نصلي لم يرد منا ذلك ، فذكر ذلك النبي  فلم يعنف واحداً منهم . أخرجه البخاري ( 4119 )




ومسلم ( 1707 ) .




قال الحافظ في الفتح الباري ( 7/409 ) : الاستدلال بهذه القصة على أن كل مجتهد مصيب على الإطلاق ليس بواضح ، وإنما فيه ترك تعنيف من بذل وسعه واجتهد فيستفاد منه عدم تأثيمه .. وقد استدل به الجمهور على عدم تأثيم من اجتهد لأنه  لم يعنف أحداً من الطائفتين ، فلو كان هناك إثم لعنف من أتم . انتهى .




القاعدة الخامسة : ينكر على من خالف الدليل في أي مسألة من المسائل




قال ابن تيمية : قولهم ( ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ) ليس بصحيح ، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل . أما الأول : فإن كان القول يخالف سنة أو إجماع قديماً وجب إنكاره وفاقاً ، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول : المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء . وأما العمل : إذا كان على خلاف سنة أو إجماع ، وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار .. كما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة وإن كان قد اتبع بعض العلماء ، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع ، وللإجتهاد فيها مساغ ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً ، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الإجتهاد ، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الإجتهاد مالم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ له الإجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة ، أو لخفاء الأدلة فيها . انتهى .




وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى ( 30/80 ) : إن مثل هذه المسائل الإجتهادية لا تنكر باليد ، وليس لأحد أن يلزم الناس باتباعه فيها ، ولكن يتكلم بالحجج العلمية ، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه ، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه . انتهى .




القاعدة السادسة : الخروج من الخلاف مستحب




الأدلة متكاثرة في الإعتصام وعدم التفرق والاتفاق على كلمة واحدة فهي دالة على استحباب الخروج من الخلاف، لكن ذلك مشروط بشرطين :




الشرط الأول : أن لا يكون في ذلك طرح لدليل من الأدلة .




الشرط الثاني : أن لا يوقع الخروج من ذلك الخلاف في الوقوع في خلاف آخر .




قال النووي في شرح مسلم ( 2/23 ) : فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف ، إذا لم يلزم منه إخلال بسنة ، أو أوقع في خلاف آخر . انتهى .





القاعدة السابعة : عدم التكلم في مسألة لم يسبق إلى القول بها إمام من الأئمة





هذه القاعدة إنما هي في المسائل التي لا نص فيها ، وأما المسائل التي فيها نص من حديث رسول الله  فيعمل بها وإن لم يعرف أن أحداً من الأئمة السابقين قال بها ، لأن الحديث حجة بنفسه ، وأما المسائل التي لا نص فيها ، ولم يتكلم فيها السلف مع وجودها في زمنهم فلا يشرع أن يأتي المسلم فيها بقول محدث لم يسبق إليه ، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى ( 21/291 ) : كل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين ، ولم يسبقه إليه أحد منهم ، فإنه يكون خطأ ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام . انتهى .





كتبه أفقر خلق الله إلى عفوه





أبو جهاد سمير الجزائري




مدينة بلعباس




في :1 ربيع الثاني 1430




27 مارس 2009م




يتبع
معارج القبول غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس