عرض مشاركة واحدة
قديم 20-12-2015, 10:05 PM   #2
محب الإسلام
مشرف
 
الصورة الرمزية محب الإسلام
 
تاريخ التسجيل: Oct 2005
المشاركات: 4,525
       
محب الإسلام is on a distinguished road
ظهور مجموعات المخطوطات في تركيا: تعتبر الحضارة الإسلامية من أكبر الحضارات التي أوجدته الإنسانية. وإن مكانة الكتب وعلى رأسها القرآن الكريم كبير في هذه الحضارة. وقد ولدت في هذه الحضارة أدب مكتوب عظيم بدأ بالقرآن الكريم. ثم تأسست مكتبات عديدة منذ العهد الأموي، وانتشر الكتاب في العالم عن طريق الحضارة الإسلامية. ومع هذا، فإن الحضارة الأوربية الحديثة استطاعت أن تسبق الحضارة الإسلامية في هذا المجال.

لقد تأسست أول مكتبة في العالم الإسلامي في العهد الأموي. وهناك مؤشر تاريخي يؤكد وجود مكتبة في قصر الخليفة في العهد الأموي. ومفاد هذا المؤشر هو قيام عمر بن عبد العزيز (وفاته سنة 101 هـ/ 720 م) بإخراج أحد الكتب من (خزائن الكتب) الباقية من عهد الخليفة مروان الأول وتكثيره (انظر: ابن جلجل، طبقات الأطباء، نشر فؤاد سيد، القاهرة، 1995، ص. 61؛ ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء، مصر، 1299 هـ/ 1882 م، ج 1، ص. 163).

وبمجيء العباسيين إلى الحكم ازدادت حركة تأليف الكتب وترجمتها. وقد قام الخليفة أبو جعفر المنصور (وفاته سنة 158 هـ/ 775 م) بتأسيس بيت الحكمة، وذلك لتنظيم حركة التأليف والترجمة. وكان بيت الحكمة يضم أيضاً خزانة الحكمة. وقد تطور بيت الحكمة على عهد الخليفة هارون الرشيد، وعاش عهده الذهبي في خلافة المأمون (813 - 833 م). وقد ألغي بيت الحكمة في عهد الخليفة المتوكل، وذلك نتيجة ردود فعل المحدثين. وبمقابل هذا، فقد قام الفتح بن خاقان (وفاته سنة 247 هـ/ 861 م) بتأسيس خزانة الحكمة. ويشير ابن النديم إلى ضخامة هذه المكتبة (الفهرست، نشر ك. فلوجل، لايبزك، 1871 م، ص. 143).

ثم قام الأغالبة بتأسيس المكتبات الكبيرة ومراكز العلم المعروفة بدار العلم في أفريقيا أواخر القرن الثالث/ التاسع. وقام جعفر بن حمدان (وفاته سنة 323 هـ/ 934 م) في الموصل بداية القرن الرابع/ العاشر. وكذلك قام شابور بن أردشير عام 383 هـ/ 993 م بتأسيس دور علم مماثلة. وتعتبر دار العلم التي أسسها الفاطميون في القاهرة بتاريخ 10 جمادى الآخرة 395 هـ/ 24 مارس 1005 م من أشهر هذه الدور، حيث نقلت كتب قيمة في كل المواضيع من القصر ومن الأماكن الأخرى إلى هذه الدار، فأصبحت مكتبة غنية. وقد عين موظفون مختصون للنظر في شؤون الدار ولاستنساخ الكتب. وكان العلماء يترددون إلى هذه الدار لمراجعة الكتب في المجالات التي يريدونها؛ كما كان باستطاعتهم استنساخ هذه الكتب. ولم تمض فترة طويلة حتى تأسست نماذج مصغرة لدار العلم هذه في كل من حلب والقدس ودمشق وطرابلس الشام (انظر: المقريزي، الخطط، ج 1، ص. 460؛ ج 2، ص. 342؛ د. سوردل، (دار الحكمة)، الموسوعة الإسلامية، ص. 130؛ وانظر أيضاً: Y. Eche، . Les (Bibliothèques arabes publiques et semi-publiques، Damas، 1967، p. 50، 120، 332.

وبالإضافة إلى دار العلم، فقد كانت توجد مكتبة غنية في القصر الفاطمي في القاهرة. وكانت هذه المكتبة تضم أربعين قسماً، وكان أحد هذه الأقسام يحتوي على الكتب الخاصة بعلوم الأوائل، ويضم 18.000 مجلد. وكان 100.000 مجلد من الكتب الموجودة في هذه المكتبة مكتوباً بالخط المنسوب (انظر: الخطط، ج 1، صص. 408 - 409). وقد تطرق يوسف إكه (Yusuf Eche) في كتابه المذكور أعلاه إلى هذا النوع من المكتبات التي تأسست في العراق والشام ومصر.

وكان صوان الحكمة الذي أسسه السامانيون في قصرهم في بخارى، وكذلك المكتبات التي تأسست في قصور أمويي الأندلس في قرطبة ذات قيمة كبيرة. وقد استفاد ابن سينا من صوان الحكمة. وكان فهرس مكتبة القصر التي أسسها الحكم الثاني في قرطبة يتألف من 44 دفتراً (انظر: المقّري، نفح الطيب، ج 1، ص. 362). وقد أولى الأيوبيون أيضاً أهمية كبيرة للعلم والتربية. وقد ساهم العلماء ورجال الدولة في هذا العهد بتأسيس مجموعات مختلفة من المخطوطات في المساجد والمدارس والمستشفيات والزوايا. وبقي من مكتبة القصر الفاطمي في هذه الفترة حوالي 120.000 مجلد. ويقول عماد الدين الكاتب بأن هذه الكتب قد بيعت بتشجيع تجار الكتب (انظر: البنداري، سناء البرق الشامي، نشر رمضان ششن، بيروت، 1971، ج 1، صص. 234 - 236). وقد قام بشراء بعض هذه المجموعة التي كانت تضم كتباً قيمة جداً علماء ذلك العهد مثل القاضي الفاضل وشقيقه عبد الكريم (وفاته سنة 621 هـ/ 1224 م) وتاج الدين أبو اليمن الكندي (وفاته سنة 613 هـ/ 1217 م)، وعماد الدين. وتقول الروايات إن مكتبة القاضي وشقيقه كانت تضم 120.000 - 200.000 مجلد. وبالإضافة إلى ذلك، كانت توجد مجموعات كبيرة وصغيرة في الجامع الكبير بحلب والجامع الكبير في آمد، وفي حماه ومستشفى نور الدين في دمشق، وفي ضريح الملك الأشرف، وفي مختلف المدارس والزوايا والمساجد (انظر: صلاح الدين المنجد، قواعد فهرسة المخطوطات العربية، بيروت، 1973، صص. 14 - 16؛ رمضان ششن، الدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين، إستانبول، 1983، ص ص. 267 - 269). وكان أسعد بن مطران طبيب صلاح الدين يملك مكتبة خاصة تضم أكثر من 10.000 مجلد (انظر: عيون الأنباء، ج 2، صص. 178 - 179). ونستطيع أن نضيف إلى ذلك كله المكتبة الكبيرة التي أسسها الإيلخانيون في مراغة والتي يقال إنها كانت تحتوي على 500.000 مجلد.

وأسوة للأماكن الأخرى في العالم الإسلامي، فلابد أنه كانت توجد مجموعات كبيرة وصغيرة من المخطوطات في المساجد والمدارس والزوايا الموجودة في الأناضول في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، أي بعد فتح الأناضول على يد الأتراك، وخاصة إذا ما عرفنا أنه قد تأسست أكثر من مائة مدرسة في الأناضول زمن السلاجقة. وقد عاش في الأناضول في القرن الثالث عشر علماء عظام مثل ابن العربي (وفاته سنة 638 هـ/ 1240 م) وصدر الدين القنوي (وفاته سنة 672 هـ/ 1273 م) ومولانا جلال الدين الرومي. وتوجد اليوم في مكتبة يوسف آغا بقونية بين أوقاف صدر الدين القونوي مؤلفات بخط يد القونوي نفسه وبخط يد ابن العربي. ولابد أن تكون في تلك الفترة مكتبات خاصة في قصور سلاطين السلاجقة في الأناضول. ونشاهد أن عبد اللطيف البغدادي (وفاته سنة 629 هـ/ 1231 م) الذي مكث سنين طويلة عند علاء الدين داود بن بهرام شاه، وهو من أمراء بنو منكوجك في أزرنجان، يستخدم عبارة (دار العلم) لهذه المدينة (انظر: حسين جلبي، رقم 823). وقد أهديت كتب كثيرة إلى بني آيدن وبني كرميان في عهد الإمارات. وقد أصبح قصر كرميان محطاً لاجتماع الشعراء والعلماء.

وفي السنوات الأولى للعثمانيين انضمت مراكز مهمة إلى الدولة العثمانية مثل بروسة وازنيق. وقد قام أورخان غازي بتأسيس مدرسة ازنيق عام 1331 ميلادية، وعين داود القيصري (وفاته سنة 751 هـ/ 1350 م) رئيساً للمدرسين في هذه المدرسة. ولابد أنه كانت توجد مجموعة من الكتب ليستفيد منها طلبة هذه المدرسة. كما لابد أنه كانت توجد في القصر العثماني منذ زمن السلطان مراد الأول (وفاته سنة 891 هـ/ 1389 م)، لأنه منذ هذا العهد ازداد إهداء الكتب المؤلفة والمترجمة إلى السلاطين العثمانيين. وإن العالم الإسلامي الكبير الذي اشتهر في هذا العهد، وهو شمس الدين محمد بن حمزة الفناري (وفاته سنة 834 هـ/ 1431 م)، ترك حين وفاته مكتبة تضم 10.000 مجلد (انظر: طاش كوبري زاده، الشقائق النعمانية، نشر أحمد صبحي فرات، إستانبول، 1407 هـ/ 1985 م، ص. 20؛ إسماعيل أَرْاوُنْصَال، تاريخ المكتبات، تركية، أنقرة، 1988، ص. 5). ويدل هذا القيد على وجود عدد كبير من الكتب في الأناضول حتى في بداية القصر العثماني.

كان هنالك نشاط علمي كبير في الدولة العثمانية، وذلك على عهد يليدرم بايزيد (وفاته سنة 1402 م) وجلبي محمد (وفاته سنة 1421 م) ومراد الثاني (وفاته سنة 1451 م). وقد ألف وترجم عدد كبير من الكتب بأسماء هؤلاء السلاطين. وكانت مدرسة أينه صوباشي التي تأسست في بروسة زمن يليدرم بايزيد تضم غرفة للكتب. كما عين حافظ كتب للمدرسة التي أسسها ابنه بيك في بالى كسير.

وكان يوجد أيضاً حافظٌ للكتب في مدرسة يليدرم التي تأسست في بولي في الفترة نفسها. كما كانت توجد مجموعة من الكتب في دار الحديث التي أسسها السلطان مراد الثاني في أدرنه عام 833 هـ/ 1430 م. وفي مكتبة في مسجد غازي ميخائيل بيك والذي أسسه هذا السلطان نفسه في أدرنه عام 825 هـ/ 1422 م. وكان غازي أمور بيك بن تيمورطاش باشا من بين الذين أوقفوا مجموعات الكتب في هذا العهد (انظر: إسماعيل أر اونصال، المرجع السابق، صص. 6 - 12).

وقد قام السلطان محمد الفاتح (وفاته سنة 1481 م) بتأسيس مكتبة كبيرة في القصر العثماني. وقد نقلت هذه المكتبة التي تأسست أولاً في السراي القديم، نقلت فيما بعد إلى سراي طوب قابي. ثم قام السلطان بايزيد الثاني بإثراء هذه المكتبة بإضافة عدد آخر من الكتب إليها. ويقال إن السلطان سليم الأول (وفاته سنة 1520 م) قد جلب معه عدداً كبيراً من الكتب القيمة أثناء عودته من رحلته العسكرية إلى كل من إيران ومصر. وقد أودعت هذه الكتب أيضاً إلى مكتبة السراي. ثم تطورت مكتبة السراي باستمرار، وذلك عن طريق إهداء الكتب إليها وعن طريق اقتناء الكتب النادرة، وكذلك ظهرت المجموعات الجديدة إلى الوجود في عهد السلطان محمد الفاتح في كل من مدرسة أيا صوفيا ومدرسة أيوب ومدرسة محمود باشا ومدارس الفاتح (انظر: إسماعيل أر أونصال، المرجع السابق، صص. 15 - 40). وقد أضيفت إلى هذه المكتبات كتبا جديدة في عهد السلطان سليمان القانوني (1520 - 1566 م). كما قام ابنه السلطان سليم الثاني (وفاته سنة 1574 م) بتأسيس مكتبة في مسجد السليمية التي شيدها في أدرنة، وقد أوقف إلى هذه المكتبة كتباً من السراي. وتضم وقفية السلطان سليم الثاني قائمة بعناوين هذه الكتب (مكتبة السليمية، الرقم 140، 141). وبالإضافة إلى ذلك، فقد تجمع عدد كبير من المجموعات في المساجد والمدارس وفي أيدي العلماء ورجال الدولة في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
__________________
(ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا) [الإسراء - 25]

آخر تعديل بواسطة محب الإسلام ، 02-09-2017 الساعة 09:17 PM.
محب الإسلام غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس