عرض مشاركة واحدة
قديم 01-07-2017, 08:06 AM   #27
خالد بن عبد الله الغيلان
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 31
خالد بن عبد الله الغيلان is on a distinguished road
معاني التلبية وفوائدها للحافظ ابن القيم رحمه الله
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : ‏
‏في معنى التلبية ثمانيه أقوال : ‏
‏أحدهما : إجابة لك بعد إجابة , ولهذا المعنى كررت التلبية . إيذانا بتكرير الإجابة . ‏
‏الثاني : أنه انقياد , من قولهم لبب الرجل , إذا قبضت على تلابيبه , ومنه : لببته بردائه . والمعنى : انقدت لك , وسعت نفسي لك خاضعة ذليلة , كما يفعل بمن لبب بردائه , وقبض على تلابيبه . ‏
‏الثالث : أنه من لب بالمكان , إذا قام به ولزمه . والمعنى : أنا مقيم على طاعتك ملازم لها . اختاره صاحب الصحاح . ‏
‏الرابع : أنه من قولهم : داري تلب دارك , أي تواجهها وتقابلها , أي مواجهتك بما تحب متوجه إليك . حكاه في الصحاح عن الخليل . ‏
‏الخامس : معناه حبا لك بعد حب , من قولهم . امرأة لبة , إذا كانت محبة لولدها . ‏
‏السادس : أنه مأخوذ من لب الشيء , وهو خالصه , ومنه لب الطعام , ولب الرجل عقله وقلبه . ومعناه : أخلصت لبي وقلبي لك , وجعلت لك لبي وخالصتي . ‏
‏السابع : أنه من قولهم : فلان رخي اللبب , وفي لبب رخي , أي في حال واسعة منشرح الصدر . ومعناه : إني منشرح الصدر متسع القلب لقبول دعوتك وإجابتها , متوجه إليك بلبب رخي , يوجد المحب إلى محبوبه , لا بكره ولا تكلف . ‏
‏الثامن : أنه من الإلباب , وهو الاقتراب , أي اقترابا إليك بعد اقتراب , كما يتقرب المحب من محبوبه . ‏
‏و " سعديك " : من المساعدة , وهي المطاوعة . ومعناه : مساعدة في طاعتك وما تحب بعد مساعدة . قال الحربي : ولم يسمع " سعديك " مفردا . ‏
‏و " الرغباء إليك " يقال بفتح الراء مع المد , وبضمها مع القصر . ومعناها الطلب والمسألة والرغبة . ‏
‏واختلف النحاة في الياء في " لبيك " . فقال سيبويه : هي ياء التثنية . ‏
‏وهو من الملتزم نصبه على المصدر , كقولهم : حمدا وشكرا وكرامة ومسرة . والتزموا تثنيته إيذانا بتكرير معناه واستدامته . والتزموا إضافته إلى ضمير المخاطب لما خصوه بإجابة الداعي . وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادرا , كقول الشاعر : ‏ ‏دعوت لما نابني مسورا ‏ ‏فلبى فلبى يدي مسور ‏ ‏والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى { ثم ارجع البصر كرتين } وليس المراد مما يشفع الواحد فقط . وكذلك " سعديك ودواليك " . ‏
‏وقال يونس : هو مفرد , والباء فيه مثل عليك وإليك ولديك . ‏
‏ومن حجة سيبويه على يونس : أن " على " و " إلى " يختلفان بحسب الإضافة , فإن جرا مضمرا كانا بالياء , وإن جرا ظاهرا كانا بالألف . فلو كان " لبيك " كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر , كما قال : فلبي يدي مسور . وقالت طائفة من النحاة : أصل الكلمة لبا لبا , أي إجابة بعد إجابة , فثقل عليهم تكرار الكلمة , فجمعوا بين اللفظين ليكون أخف عليهم , فجاءت التثنية وحذف التنوين لأجل الإضافة . ‏
‏وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة : ‏
‏إحداها : أن قولك " لبيك " يتضمن إجابة داع دعاك ومناد ناداك , ولا يصح في لغة ولا عقل إجابة من لا يتكلم ولا يدعو من أجابه . ‏
‏الثانية : أنها تتضمن المحبة كما تقدم , ولا يقال لبيك إلا لمن تحبه وتعظمه , ولهذا قيل في معناها : أنا مواجه لك بما تحب , وأنها من قولهم : امرأة لبة , أي محبة لولدها . ‏
‏الثالثة : أنها تتضمن التزام دوام العبودية , ولهذا قيل : هي من الإقامة , أي أنا مقيم على طاعتك . ‏
‏الرابعة : أنها تتضمن الخضوع والذل , أي خضوعا بعد خضوع , من قولهم . أنا ملب بين يديك , أي خاضع ذليل . ‏
‏الخامسة : أنها تتضمن الإخلاص , ولهذا قيل . إنها من اللب , وهو الخالص . ‏
‏السادسة : أنها تتضمن الإقرار بسمع الرب تعالى , إذ يستحيل أن يقول الرجل لبيك لمن لا يسمع دعاءه . ‏
‏السابعة : أنها تتضمن التقرب من الله , ولهذا قيل . إنها من الإلباب , وهو التقرب . ‏
‏الثامنة : أنها جعلت في الإحرام شعارا لانتقال من حال إلى حال , ومن منسك إلى منسك , كما جعل التكبير في الصلاة سبعا , للانتقال من ركن إلى ركن , ولهذا كانت السنة أن يلبي حتى يشرع في الطواف , فيقطع التلبية , ثم إذا سار لبى حتى يقف بعرفة فيقطعها ثم يلبي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها ثم يلبي حتى يرمي جمرة العقبة . فيقطعه فالتلبية شعار الحج والتنقل في أعمال المناسك , فالحاج كلما انتقل من ركن إلى ركن قال : " لبيك اللهم لبيك " كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن " الله أكبر " فإذا حل من نسكه قطعها , كما يكون سلام المصلي قاطعا لتكبيره . ‏
‏التاسعة : أنها شعار لتوحيد ملة إبراهيم , الذي هو روح الحج ومقصده , بل روح العبادات كلها والمقصود منها . ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يدخل فيها بها . ‏
‏العاشرة : أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يدخل منه إليه , وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له . ‏
‏الحادية عشرة : أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو من أحب ما يتقرب به العبد إلى الله , وأول من يدعى إلى الجنة أهله , وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها . ‏
‏الثانية عشرة : أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلها , ولهذا عرفها باللام المفيدة للاستغراق , أي النعم كلها لك , وأنت موليها والمنعم بها . ‏
‏الثالثة عشرة : أنها مشتملة على الاعتراف بأن الملك كله لله وحده , فلا ملك على الحقيقة لغيره . ‏
‏الرابعة عشرة : أن هذا المعنى مؤكد الثبوت بإن المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته وأنه مما لا يدخله ريب ولا شك . ‏
‏الخامسة عشرة : في " إن " وجهان : فتحها وكسرها , فمن فتحها تضمنت معنى التعليل , أي لبيك الحمد والنعمة لك , ومن كسرها كانت جملة مستقلة مستأنفة , تتضمن ابتداء الثناء على الله , والثناء إذا كثرت جمله وتعددت كان أحسن من قلتها , وأما إذا فتحت فإنها بلام التعليل المحذوفة معها قياسا , والمعنى لبيك لأن الحمد لك والفرق بين أن تكون جمل الثناء علة لغيرها وبين أن تكون مستقلة مرادة لنفسها , ولهذا قال ثعلب : من قال " إن " بالكسر فقد عم , ومن قال : " أن " بالفتح فقد خص . ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين { إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم } كسر " إن " وفتحها . فمن فتح كان المعنى : " ندعوه لأنه هو البر الرحيم " ومن كسر كان الكلام جملتين , إحدهما قوله " ندعوه " , ثم استأنف فقال " إنه هو البر الرحيم , قال أبو عبيد " : والكسر أحسن , ورجحه بما ذكرناه . ‏
‏السادسة عشرة : أنها متضمنة للإخبار عن اجتماع الملك والنعمة والحمد لله عز وجل , وهذا نوع آخر من الثناء عليه , غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العلية , فله سبحانه من أوصافه العلى نوعا ثناء , نوع متعلق بكل صفة على انفرادها , ونوع متعلق باجتماعها وهو كمال مع كمال وهو عامة الكمال , والله سبحانه يفرق في صفاته بين الملك والحمد , وسوغ هذا المعنى أن اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال والملك وحده كمال , والحمد كمال واقتران أحدهما بالآخر كمال , فإذا اجتمع الملك المتضمن للقدرة مع النعمة المتضمنة لغاية النفع والإحسان والرحمة مع الحمد المتضمن لعامة الجلال والإكرام الداعي إلى محبته , كان في ذلك من العظمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله , وكان في ذكر الحمد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه , والتوجه بدواعي المحبة كلها إليه ما هو مقصود العبودية ولبها , وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . ونظير هذا اقتران الغنى بالكرم , كقوله : { فإن ربي غني كريم } فله كمال من غناه وكرمه , ومن اقتران أحدهما بالآخر . ‏
‏ونظيره اقتران العزة بالرحمة : { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . ‏
‏ونظيره اقتران العفو بالقدرة : { وكان الله عفوا قديرا } . ‏
‏ونظيره اقتران العلم بالحلم : { والله عليم حليم } . ‏
‏ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة : { والله قدير والله غفور رحيم } . ‏
‏وهذا يطلع ذا اللب على رياض من العلم أنيقات , ويفتح له باب محبة الله ومعرفته , والله المستعان وعليه التكلان . ‏
‏السابعة عشرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " وقد اشتملت بالتلبية على هذه الكلمات بعينها , وتضمنت معانيها , وقوله : " وهو على كل شيء قدير , لك أن تدخلها تحت قولك في التلبية " لا شريك لك " . ولك أن تدخلها تحت قولك " إن الحمد والنعمة لك " , ولك أن تدخلها تحت إثبات الملك له تعالى , إذ لو كان بعض الموجودات خارجا عن قدرته وملكه , واقعا بخلق غيره , لم يكن نفي الشريك عاما , ولم يكن إثبات الملك والحمد له عاما , وهذا من أعظم المحال , والملك كله له , والحمد كله له , وليس له شريك بوجه من الوجوه . ‏
‏الثامنة عشرة : أن كلمات التلبية متضمنة للرد على كل مبطل في صفات الله وتوحيده , فإنها مبطلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم . ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطلين لصفات الكمال التي هي متعلق الحمد , فهو سبحانه محمود لذاته ولصفاته ولأفعاله , فمن جحد صفاته وأفعاله فقد جحد حمده , ومبطلة لقول مجوس الأمة القدرية الذين أخرجوا من ملك الرب وقدرته أفعال عباده من الملائكة والجن والإنس , فلم يثبتوا له عليها قدرة ولا جعلوه خالقا لها . فعلى قولهم لا تكون داخلة تحت ملكه , إذ من لا قدرة له على الشيء كيف يكون هذا الشيء داخلا تحت ملكه ؟ فلم يجعلوا الملك كله لله , ولم يجعلوه على كل شيء قدير , وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيء البتة , فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها باين جميع الطوائف المعطلة . ‏
‏التاسعة عشرة : في عطف الملك على الحمد والنعمة بعد كمال الخبر , وهو قوله " إن الحمد والنعمة لك والملك " ولم يقل إن الحمد والنعمة والملك - لطيفة بديعة , وهي أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلتين , فإنه لو قال إن الحمد والنعمة والملك لك , كان عطف الملك على ما قبله عطف مفرد , فلما تمت الجملة الأولى بقوله " لك " ثم عطف الملك , كان تقديره , والملك لك . فيكون مساويا لقوله " له الملك وله الحمد " , ولم يقل له الملك والحمد , وفائدته تكرار الحمد في الثناء . ‏
‏العشرون : لما عطف النعمة على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر , كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما , وعدم مفارقة أحدهما للآخر , فالإنعام والحمد قرينان . ‏
‏الحادية والعشرون : في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة وهي أنه أخبر لا شريك له عقب إجابته بقوله لبيك , ثم أعادها عقب قوله " إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " . ‏
‏وذلك يتضمن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك , والأول يتضمن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة , وهذا نظير قوله تعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } فأخبر بأنه لا إله إلا هو في أول الآية , وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم , وهذا هو المشهود به , ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل , فأعاد الشهادة بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط . ‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من أجمل الفوائد في معاني التلبية للحافظ ابن القيم رحمه الله
خالد بن عبد الله الغيلان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس