المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : درر منتقاة من تفسير سورة البقرة .. للعلّامة ابن عثيمين -رحمه الله-


مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:21 AM
درر منتقاة من تفسير سورة البقرة .. للعلّامة ابن عثيمين -رحمه الله-

السلام عليكـم ورحـمة اللـه
أهدي إليكم أروع الدرر في تفسيـر سورة البقرة لابن عثيميـن -رحمـه اللـه-
___________________


قال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه -في تفسيره :

هدى للمتقين


ومن فوائد الآية:

فضيلة التقوى، وأنها من أسباب الاهتداء بالقرآن، والاهتداء بالقرآن يشمل الهداية العلمية، والهداية العملية؛ أي هداية الإرشاد، والتوفيق.
فإن قيل:


ما الجمع بين قوله تعالى: { هدًى للمتقين }، وقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان}؟ (البقرة: 185) .


فالجواب: أن الهدى نوعان: عام، وخاص؛

أما العام فهو الشامل لجميع الناس وهو هداية العلم، والإرشاد؛ ومثاله قوله تعالى عن القرآن: {هدًى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان} [البقرة: 185] ، وقوله تعالى عن ثمود: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17]

وأما الخاص فهو هداية التوفيق : أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم؛ مثاله: قوله تعالى { هدًى للمتقين }، وقوله تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء} [فصلت: 44] ..

__________________

قال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

ومنها: أن صدقة الغاصب باطلة؛ لقوله تعالى: { ومما رزقناهم }؛ لأن الغاصب لا يملك المال الذي تصدق به، فلا تقبل صدقته.
________________

قال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

ومنها: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله تعالى فإن فيه شبهاً من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ، ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله..
__________________


قال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :


فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

من فوائد الآية: أن الإنسان إذا لم يكن له إقبال على الحق، وكان قلبه مريضاً فإنه يعاقب بزيادة المرض؛ لقوله تعالى: { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً }؛ وهذا المرض الذي في قلوب المنافقين: شبهات، وشهوات؛ فمنهم من علم الحق، لكن لم يُرِده؛ ومنهم من اشتبه عليه؛ وقد قال الله تعالى في سورة النساء: {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا} [النساء: 137] ، وقال تعالى في سورة المنافقين: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} [المنافقون: 3] ..


ومن فوائد الآية: أن أسباب إضلال اللَّهِ العبدَ هو من العبد؛ لقوله تعالى: { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً }؛ ومثل ذلك قوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وقوله تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} [الأنعام: 110] ، وقوله تعالى: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] ..


ومنها: أن المعاصي والفسوق، تزيد وتنقص، كما أن الإيمان يزيد وينقص؛ لقوله تعالى: { فزادهم الله مرضاً }؛ والزيادة لا تُعقل إلا في مقابلة النقص؛ فكما أن الإيمان يزيد وينقص، كذلك الفسق يزيد، وينقص؛ والمرض يزيد، وينقص..


يتبع بإذن اللـه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:22 AM
قال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ

ومنها: أن من أعظم البلوى أن يُزَيَّن للإنسان الفساد حتى يَرى أنه مصلح؛ لقولهم: ( إنما نحن مصلحون )

ومنها: أن غير المؤمن نظره قاصر، حيث يرى الإصلاح في الأمر المعيشي فقط؛ بل الإصلاح حقيقة أن يسير على شريعة الله واضحاً صريحاً..

ومنها: أنه ليس كل من ادعى شيئاً يصدق في دعواه؛ لأنهم قالوا: { إنما نحن مصلحون }؛ فقال الله تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون }؛ وليس كل ما زينته النفس يكون حسناً، كما قال تعالى: {أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [فاطر: 8] ..

ومنها: أن الإنسان قد يبتلى بالإفساد في الأرض، ويخفى عليه فساده؛ لقوله تعالى: ولكن لا يشعرون
____________________
فائدة لغويـة في قوله تعالى :




وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ


قال ابن عثيمين -رحمه اللـه- :


فإن قيل: ما الفرق بين قوله تعالى هنا: { ولكن لا يعلمون }، وقوله تعالى فيما سبق: { ولكن لا يشعرون }؟


فالجواب: أن الإفساد في الأرض أمر حسي يدركه الإنسان بإحساسه، وشعوره؛ وأما السفه فأمر معنوي يدرك بآثاره، ولا يُحَسُّ به نفسِه..


وقال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد هذه الآية :

ومنها: أن أعداء الله يصفون أولياءه بما يوجب التنفير عنهم لقولهم: { أنؤمن كما آمن السفهاء }؛ فأعداء الله في كل زمان، وفي كل مكان يصفون أولياء الله بما يوجب التنفير عنهم؛ فالرسل وصفهم قومهم بالجنون، والسحر، والكهانة، والشعر تنفيراً عنهم، كما قال تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} [الذاريات: 52] ، وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين} [الفرقان: 31] وورثة الأنبياء مثلهم يجعل الله لهم أعداء من المجرمين، ولكن {وكفى بربك هادياً ونصيراً} [الفرقان: 31] ؛ فمهما بلغوا من الأساليب فإن الله تعالى إذا أراد هداية أحد فلا يمنعه إضلال هؤلاء؛ لأن أعداء الأنبياء يسلكون في إبطال دعوة الأنبياء مَسْلكين؛
مسلك الإضلال، والدعاية الباطلة في كل زمان، ومكان؛ ثم مسلك السلاح . أي المجابهة المسلحة؛
ولهذا قال تعالى: {هادياً} [الفرقان: 31] في مقابل المسلك الأول الذي هو الإضلال . وهو الذي نسميه الآن بالأفكار المنحرفة، وتضليل الأمة، والتلبيس على عقول أبنائها؛
وقال تعالى: {ونصيراً} [الفرقان: 31] في مقابل المسلك الثاني . وهو المجابهة المسلحة..

ومن فوائد الآية: أن كل من لم يؤمن فهو سفيه، كما قال الله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} [البقرة: 130] ..



ومنها: أن الحكمة كل الحكمة إنما هي الإيمان بالله، واتباع شريعته؛ لأن الكافر المخالف للشريعة سفيه؛ فيقتضي أن ضده يكون حكيماً رشيداً..


ومنها: تحقيق ما وعد الله به من الدفاع عن المؤمنين، كما قال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 38] ؛ فإذا ذموا بالقول دافع الله عنهم بالقول؛ فهؤلاء قالوا: { أنؤمن كما آمن السفهاء }، والله عزّ وجلّ هو الذي جادل عن المؤمنين، فقال: { ألا إنهم هم السفهاء } يعني هم السفهاء لا أنتم؛ فهذا من تحقيق دفاع الله تعالى عن المؤمنين؛ أما دفاعه عن المؤمنين إذا اعتُدي عليهم بالفعل فاستمع إلى قول الله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] : هذه مدافعة فعلية، حيث تنْزل جنود الله تعالى من السماء لتقتل أعداء المؤمنين؛ فهذا تحقيق لقول الله تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 38] ؛ ولكن الحقيقة أن هذا الوعد العظيم من القادر جل وعلا الصادق في وعده يحتاج إلى إيمان حتى نؤمن بالله عزّ وجلّ، ولا نخشى أحداً سواه، فإذا ضعف الإيمان أصبحنا نخشى الناس كخشية الله، أو أشد خشية؛ لأننا إذا كنا نراعيهم دون أوامر الله فسنخشاهم أشد من خشية الله عزّ وجلّ؛ وإلا لكنا ننفذ أمر الله عزّ وجلّ، ولا نخشى إلا الله سبحانه وتعالى..
فنحن لو آمنا حقيقة الإيمان بهذا الوعد الصادق الذي لا يُخلَف لكنا منصورين في كل حال؛ لكن الإيمان ضعيف؛ ولهذا صرنا نخشى الناس أكثر مما نخشى الله عزّ وجلّ؛ وهذه هي المصيبة، والطامة العظيمة التي أصابت المسلمين اليوم؛ ولذلك تجد كثيراً من ولاة المسلمين . مع الأسف . لا يهتمون بأمر الله، ولا بشريعة الله؛ لكن يهتمون بمراعاة فلان، وفلان؛ أو الدولة الفلانية، والفلانية . ولو على حساب الشريعة الإسلامية التي من تمسك بها فهو المنصور، ومن خالفها فهو المخذول؛ وهم لا يعرفون أن هذا هو الذي يبعدهم من نصر الله؛ فبدلاً من أن يكونوا عبيداً لله أعزة صاروا عبيداً للمخلوقين أذلة؛ لأن الأمم الكافرة الكبرى لا ترحم أحداً في سبيل مصلحتها؛ لكن لو أننا ضربنا بذلك عُرض الحائط، وقلنا: لا نريد إلا رضى الله، ونريد أن نطبق شريعة الله سبحانه وتعالى على أنفسنا، وعلى أمتنا؛ لكانت تلك الأمم العظمى تهابنا؛ ولهذا يقال: من خاف الله خافه كل شيء، ومن خاف غير الله خاف من كل شيء..
_______________________
قال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :



وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون ،َاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ


ومن فوائد الآيتين: أن الله سبحانه وتعالى قد يُملي للظالم حتى يستمر في طغيانه..


فيستفاد من هذه الفائدة فائدة أخرى: وهي تحذير الإنسان الطاغي أن يغتر بنعم الله عزّ وجلّ؛ فهذه النعم قد تكون استدراجاً من الله؛ فالله سبحانه وتعالى يملي، كما قال تعالى: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون }؛ ولو شاء لأخذهم، ولكنه سبحانه وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته . كما جاء في الحديث(64) ..



فإن قال قائل: كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟

فالجواب: أن الإنسان إذا كان مستقيماً على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كان مقيماً على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج..


ومن فوائد الآيتين: أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله؛ ولهذا قال تعالى: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون }؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله؛ والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم(الحجرات: 1).
______________________
قال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :



أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ


ومنها: أن المدار في الربح، والخسران على اتباع الهدى؛ فمن اتبعه فهو الرابح؛ ومن خالفه فهو الخاسر؛ ويدل لذلك قوله تعالى: {والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 1 . 3] ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} [الصف: 10، 11] : تقف على {خير لكم} ؛ لأن {إن كنتم تعلمون} إذا وصلناها بما قبلها صار الخير معلقاً بكوننا نعلم . وهو خير علمنا أم لم نعلم..
____________________
قال العلّامـة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ


وربما يستفاد التحذير من البدع؛ وذلك؛ لأن عبادة الله لا تتحقق إلا بسلوك الطريق الذي شرعه للعباد؛ لأنه لا يمكن أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الوحي والشرع: كيف نتوضأ، كيف نصلي... يعني ما الذي أدرانا أن الإنسان إذا قام للصلاة يقرأ، ثم يركع، ثم يسجد... إلخ، إلا بعد الوحي..

ومنها: الحث على طلب العلم؛ إذ لا تمكن العبادة إلا بالعلم؛ ولهذا ترجم البخاري . رحمه الله . على هذه المسألة بقوله: "باب: العلم قبل القول، والعمل ..


يُتبع بإذن اللـه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:22 AM
فإن قيل: ما الفرق بين قوله تعالى هنا: { ولكن لا يعلمون }، وقوله تعالى فيما سبق: { ولكن لا يشعرون }؟

فالجواب: أن الإفساد في الأرض أمر حسي يدركه الإنسان بإحساسه، وشعوره؛ وأما السفه فأمر معنوي يدرك بآثاره، ولا يُحَسُّ به نفسِه..


فأعداء الله في كل زمان، وفي كل مكان يصفون أولياء الله بما يوجب التنفير عنهم



لكن الإيمان ضعيف؛ ولهذا صرنا نخشى الناس أكثر مما نخشى الله عزّ وجلّ؛ وهذه هي المصيبة، والطامة العظيمة التي أصابت المسلمين اليوم؛



فإن قال قائل: كيف يعرف الفرق بين النعم التي يجازى بها العبد، والنعم التي يستدرج بها العبد؟

فالجواب: أن الإنسان إذا كان مستقيماً على شرع الله فالنعم من باب الجزاء؛ وإذا كان مقيماً على معصية الله مع توالي النعم فهي استدراج..


ومن فوائد الآيتين: أن صاحب الطغيان يعميه هواه، وطغيانه عن معرفة الحق، وقبوله؛ ولهذا قال تعالى: { ويمدهم في طغيانهم يعمهون }؛ ومن الطغيان أن يُقَدِّم المرء قوله على قول الله ورسوله؛ والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدِّموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم(الحجرات: 1).





ما الجمع بين قوله تعالى: { هدًى للمتقين }، وقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان}؟ (البقرة: 185) .


فالجواب: أن الهدى نوعان: عام، وخاص؛

أما العام فهو الشامل لجميع الناس وهو هداية العلم، والإرشاد؛ ومثاله قوله تعالى عن القرآن: {هدًى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان} [البقرة: 185] ، وقوله تعالى عن ثمود: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [فصلت: 17]

وأما الخاص فهو هداية التوفيق : أي أن يوفق الله المرء للعمل بما علم؛ مثاله: قوله تعالى { هدًى للمتقين }، وقوله تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدًى وشفاء} [فصلت: 44] ..

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:23 AM
قال العلّامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد قوله تعالى :

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
.


ومن فوائد الآية: أنه ينبغي لمن خاطب أحداً أن يبين له ما تقوم به عليه الحجة؛ لقوله تعالى: { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون }، ولقوله تعالى في صدر الآية الأولى: {اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] ؛ فإن قوله تعالى: {الذي خلقكم والذين من قبلكم} [البقرة: 21] فيه إقامة الحجة على وجوب عبادته وحده؛ لأنه الخالق وحده..
___________________________________
وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد قوله تعالى :


وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ



ومنها: إثبات علوّ الله عزّ وجلّ؛ لأنه إذا تقرر أن القرآن كلامه، وأنه منزل من عنده لزم من ذلك علوّ المتكلم به؛ وعلو الله عزّ وجلّ ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة؛ وتفاصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ ولولا خوض أهل البدعة في ذلك ما احتيج إلى كبير عناء في إثباته؛ لأنه أمر فطري؛ ولكن علماء أهل السنة يضطرون إلى مثل هذا لدحض حجج أهل البدع..
____________________________________

وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه الله- مسألة في فوائد قوله تعالى :


فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ


حكى الله عزّ وجلّ عن الأنبياء، والرسل، ومن عاندهم أقوالاً؛ وهذه الحكاية تحكي قول من حُكيت عنه؛ فهل يكون قول هؤلاء معجزاً . يعني مثلاً: فرعون قال لموسى: {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} [الشعراء: 29] : هذا يحكيه الله عزّ وجلّ عن فرعون؛ فيكون القول قول فرعون؛ فكيف كان قول فرعون معجزاً والإعجاز إنما هو قول الله عزّ وجلّ؟


فالجواب: أن الله تعالى لم يحك كلامهم بلفظه؛ بل معناه؛ فصار المقروء في القرآن كلام الله عزّ وجلّ . وهو معجز..
_____________________
وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد قوله تعالى :



وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ



من فوائد الآية: مشروعية تبشير الإنسان بما يسر؛ لقوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات}؛ ولقول الله تبارك وتعالى: {وبشرناه بإسحاق نبيًّا من الصالحين} [الصافات: 112] ، وقوله تعالى: {وبشروه بغلام عليم} [الذاريات: 28] ، وقوله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} [الصافات: 101] ؛ فالبشارة بما يسر الإنسان من سنن المرسلين . عليهم الصلاة والسلام؛ وهل من ذلك أن تبشره بمواسم العبادة، كما لو أدرك رمضان، فقلت: هنّاك الله بهذا الشهر؟ الجواب: نعم؛ وكذلك أيضاً لو أتم الصوم، فقلت: هنّأك الله بهذا العيد، وتقبل منك عبادتك وما أشبه ذلك؛ فإنه لا بأس به، وقد كان من عادة السلف..
________________________________
وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد قوله تعالى :


إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ



ومن فوائد الآية: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله تعالى: { يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً }؛ فلو أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون، والمهتدون سواءً؛ وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعون من الألف ضالون؛ وواحد من الألف مهتدٍ؛


فكلمة: { كثيراً } لا تعني الأكثر؛ وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة لم يلزمه غيرها؛ لأن "كثير" يطلق على القليل، وعلى الأكثر..
ومن فوائد الآية: أن إضلال من ضل ليس لمجرد المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سبباً في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: { وما يضل به إلا الفاسقين }؛ وهذا كقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} (الصف: 5) ..


ومنها: الرد على القدرية الذين قالوا: إن العبد مستقل بعمله . لا علاقة لإرادة الله تعالى به؛ لقوله تعالى: ( وما يضل به إلا الفاسقين )..
_______________
وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد قوله تعالى :


كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

ومنها: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي؛ ولهذا لا يُغَسَّل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يرث، ولا يورث؛ لأنه ميت جماد لا يستحق شيئاً مما يستحقه الأحياء؛ وإنما يدفن في أيّ مكان في المقبرة، أو غيرها..
_________________
وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد قوله تعالى :


هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

ومنها: أن الأصل في كل ما في الأرض الحلّ . من أشجار، ومياه، وثمار، وحيوان، وغير ذلك؛ وهذه قاعدة عظيمة؛ وبناءً على هذا لو أن إنساناً أكل شيئاً من الأشجار، فقال له بعض الناس: "هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالَب بالدليل؛ ولو أن إنساناً وجد طائراً يطير، فرماه، وأصابه، ومات، وأكله، فقال له الآخر: "هذا حرام"؛ فالمحرِّم يطالب بالدليل؛ ولهذا لا يَحْرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل..

ومنها: أن نخشى، ونخاف؛ لأن الله تعالى بكل شيء عليم؛ فإذا كان الله عليماً بكل شيء . حتى ما نخفي في صدورنا . أوجب لنا ذلك أن نحترس مما يغضب الله عزّ وجلّ سواء في أفعالنا، أو في أقوالنا، أو في ضمائر قلوبنا..


____________________



يُتبع بإذن اللـه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:24 AM
قال العلّامة ابن عثيمين-رحمه الله- في فوائد تفسيره قوله تعالى :


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ

ومن فوائد الآية: أن الملائكة ذوو عقول؛ ووجهه أن الله تعالى وجه إليهم الخطاب، وأجابوا؛ ولا يمكن أن يوجه الخطاب إلا إلى من يعقله؛ ولا يمكن أن يجيبه إلا من يعقل الكلامَ، والجوابَ عليه؛ وإنما نبَّهْنا على ذلك؛ لأن بعض أهل الزيغ قالوا: إن الملائكة ليسوا عقلاء..

وقال العلّامة ابن عثيمين-رحمه الله- في فوائد تفسيره قوله تعالى :


وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ،قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ


من فوائد الآيتين: بيان أن الله تعالى قد يمنّ على بعض عباده بعلم لا يعلمه الآخرون؛ وجهه: أن الله علم آدم أسماء مسميات كانت حاضرة، والملائكة تجهل ذلك..


ومنها: أن اللغات توقيفية . وليست تجريبية؛

"توقيفية" بمعنى أن الله هو الذي علم الناس إياها؛ ولولا تعليم الله الناسَ إياها ما فهموها؛ وقيل: إنها "تجريبية" بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولاً أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسيح على الأرض، وما أشبه ذلك؛ فاتخذ مما يسمع أصواتاً تدل على مراده؛ ولكن هذا غير صحيح؛ والصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي؛ وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحداث؛ ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها أسماء من قبل، ثم يحدث الناس لها أسماء؛ إما من التجارب، أو غير ذلك من الأشياء..


وقال العلّامة ابن عثيمين-رحمه الله- في تفسيره قوله تعالى :



قلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ



وهل المراد بـ { الجنة جنة الخلد؛ أم هي جنة سوى جنة الخلد؟..[/
COLOR]

الجواب: ظاهر الكتاب، والسنة أنها جنة الخلد، وليست سواها؛ لأن "أل" هنا للعهد الذهني..


[COLOR=blue]فإن قيل: كيف يكون القول الصحيح أنها جنة الخلد مع أن من دخلها لا يخرج منها . وهذه أُخرج منها آدم؟

فالجواب: أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها: بعد البعث؛

وفي هذا يقول ابن القيم في الميمية المشهورة:


فحيَّ على جنات عدن فإنها*** منازلك الأولى وفيها المخيم

قال: "منازلك الأولى"؛ لأن أبانا آدم نزلها..

وقال في فوائد تفسير هذه الآية :

ومنها: أن النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت في بنيه من الرسل، والأنبياء، ومن دونهم، كما قوله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} (الرعد: 38)

فإن قال قائل: زوجته بنت من؟..
فالجواب: أنها خلقت من ضلعه..

فإن قال: إذاً تكون بنتاً له، فكيف يتزوج ابنته؟..
فالجواب: أن لله تعالى أن يحكم بما شاء؛ فكما أباح أن يتزوج الأخ أخته من بني آدم الأولين؛ فكذلك أباح أن يتزوج آدم من خلقها الله من ضلعه..

ومنها: أن الله تعالى قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء قد تتعلق به نفسه؛ لقوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة }؛ ووجه ذلك أنه لولا أن النفس تتعلق بها ما احتيج إلى النهي عن قربانها..

وقال العلّامة ابن عثيمين-رحمه الله- في فوائد تفسير قوله تعالى :


فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

ومنها: أن منة الله على أبينا هي منة علينا في الحقيقة؛ لأن كل إنسان يشعر بأن الله إذا منَّ على أحد أجداده كان مانّاً عليه..


ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا صدق في تفويض الأمر إلى الله، ورجوعه إلى طاعة الله فإن الله تعالى يتوب عليه؛ وهذا له شواهد كثيرة أن الله أكرم من عبده؛ من تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه الله هرولة؛ فكرم الله عزّ وجلّ أعلى، وأبلغ من كرم الإنسان..

وقال العلّامة ابن عثيمين-رحمه الله- في فوائد تفسير قوله تعالى :


قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ


ومن فوائد الآية: أن من اتبع هدى الله فإنه آمن من بين يديه، ومن خلفه؛ لقوله تعالى:
( فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)


ومنها: أن من تعبد لله بغير ما شرع فهو على غير هدى؛ فيكون ضالاً كما شهدت بذلك السنة؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة يقول: "وشر الأمور محدثاتها؛ وكل محدثة بدعة؛ وكل بدعة ضلالة


وقال العلّامة ابن عثيمين-رحمه الله- في فوائد تفسير قوله تعالى :


يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ


ومنها: أن تذكير العبد بنعمة الله عليه أدعى لقبوله الحق، وأقوم للحجة عليه؛ لقوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم }؛ فهل هذا من وسائل الدعوة إلى الله؛ بمعنى أننا إذا أردنا أن ندعو شخصاً نذكره بالنعم؟


فالجواب: نعم، نذكره بالنعم؛ لأن هذا أدعى لقبول الحق، وأدعى لكونه يحب الله عزّ وجلّ؛ ومحبة الله تحمل العبد على أن يقوم بطاعته..



ومنها: وجوب إخلاص الرهبة لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: () وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)(البقرة: الآية40)

ومنها: أن الرهبة عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها، وأمر بإخلاصها..



فإن قال قائل: هل ينافي التوحيد أن يخاف الإنسان من سبُع، أو من عدو؟

فالجواب: لا ينافي هذا التوحيد؛
ولهذا وقع من الرسل: إبراهيم . عليه الصلاة والسلام . لما جاءه الضيوف، ولم يأكلوا أوجس منهم خيفة؛

وموسى . عليه الصلاة والسلام . لما ألقى السحرة حبالهم، وعصيهم أوجس في نفسه خيفة؛

ولأن الخوف الطبيعي مما تقتضيه الطبيعة؛ ولو قلنا لإنسان: "إنك إذا خفت من أحد سوى الله خوفاً طبيعياً لكنت مشركاً"، لكان هذا من تكليف ما لا يطاق؛ لأن خوف الإنسان مما يخاف منه خوفٌ طبيعي غريزي لا يمكنه دفعه؛ كل إنسان يخاف مما يُخشى منه الضرر..


فإن قال قائل: لو منعه الخوف من واجب عليه هل يُنهى عنه، أو لا؟

فالجواب: نعم، يُنهى عنه؛ لأن الواجب عليه يستطيع أن يقوم به؛ إلا إذا جاء الشرع بالعفو عنه في هذه الحال فلا حرج عليه في هذا الخوف؛ قال الله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] ؛ لكن إذا كان في الشرع رخصة لك أن تخالف ما أمر الله به في هذه الحال فلا بأس؛ ولهذا لو كان إنسان يريد أن يصلي صلاة الفريضة، وحوله جدار قصير، ويخشى إن قام أن يتبين للعدو؛ فله أن يصلي قاعداً؛ وهذا لأن الله تعالى عفا عنه: قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] ؛ ولو كان العدو أكثر من مثلَي المسلمين فلا يلزمهم أن يصابروهم، ويجوز أن يفروا..

________________


يُتبع بإذن اللـه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:25 AM
قال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسيره للآية :

وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ

ومن فوائد الآية: أن من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ففيه شبه من اليهود؛ فالذين يقرؤون العلم الشرعي من أجل الدنيا يكون فيهم شبه باليهود؛ لأن اليهود هم الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة"(85) يعنى ريحها؛ وحينئذ يشكل على كثير من الطلبة من يدخل الجامعات لنيل الشهادة: هل يكون ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؟

والجواب: أن ذلك حسب النية؛ إذا كان الإنسان لا يريد الشهادة إلا أن يتوظف ويعيش، فهذا اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً؛ وأما إذا كان يريد أن يصل إلى المرتبة التي ينالها بالشهادة من أجل أن يتبوأ مكاناً ينفع به المسلمين فهذا لم يشتر بآيات الله ثمناً قليلاً؛ لأن المفاهيم الآن تغيرت، وصار الإنسان يوزن بما معه من بطاقة الشهادة..

ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله عزّ وجلّ، وإفراده بالتقوى؛ لقوله تعالى: { وإياي فاتقون }..

فإن قال قائل: أليس الله يأمرنا أن نتقي أشياء أخرى، كقوله تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} [البقرة: 281] ، وقوله تعالى: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} [آل عمران: 131] ، وقوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال: 25] ؟

فالجواب: بلى، ولكن اتقاء هذه الأمور من تقوى الله عزّ وجلّ . فلا منافاة ...




وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسيره للآية :


وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ



ومن فوائد الآية: فضيلة الصلاة، حيث إنها مما يستعان بها على الأمور، وشؤون الحياة؛ لقوله تعالى: {والصلاة }؛ ونحن نعلم علم اليقين أن هذا خبر صدق لا مرية فيه؛ وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر صلى؛ ويؤيد ذلك اشتغاله لله فـي العريش يوم بدر بالصلاة، ومناشدة ربه بالنصر

فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عوناً للإنسان؟


فالجواب: تكون عوناً إذا أتى بها على وجه كامل . وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجيس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "جعلت قرة عيني في الصلاة"(97) ؛ أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45] ؛ وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر . هو على ما هو عليه .؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحول إلى محبة العبادة..

ومن فوائد الآية: أنه إذا طالت أحزانك فعليك بالصبر، والصلاة..

ومنها: أن الأعمال الصالحة شاقة على غير الخاشعين . ولا سيما الصلاة ...

ومنها: أن تحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد؛ فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع؛ لأن الخشوع خشوع القلب؛ والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته..

وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسيره للآية :

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ



ومنها: أن هؤلاء المؤمنين يوقنون أنهم راجعون إلى الله في جميع أمورهم؛ وهذا يستلزم أموراً:.

أولاً: الخوف من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله، فسوف تخاف منه..

ثانياً: مراقبة الله عزّ وجلّ . المراقبة في الجوارح .؛ والخوف في القلب؛ يعني أنهم إذا علموا أنهم سيرجعون إلى الله، فسوف يخشونه في السرّ، والعلانية..

ثالثاً: الحياء منه؛ فلا يفقدك حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك..

وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسيره للآية :

يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ



ومنها: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله تعالى: { وأني فضلتكم على العالمين }؛ لأنهم في ذلك الوقت هم أهل الإيمان؛ ولذلك كُتب لهم النصر على أعدائهم العمالقة، فقيل لهم: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] ؛ و "الأرض المقدسة" هي فلسطين؛ وإنما كتب الله أرض فلسطين لبني إسرائيل في عهد موسى؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] ، وقال موسى لقومه: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} [الأعراف: 128] ، ثم قال: {والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] ؛ إذاً المتقون هم الوارثون للأرض؛ لكن بني إسرائيل اليوم لا يستحقون هذه الأرض المقدسة؛ لأنهم ليسوا من عباد الله الصالحين؛ أما في وقت موسى فكانوا أولى بها من أهلها؛ وكانت مكتوبة لهم، وكانوا أحق بها؛ لكن لما جاء الإسلام الذي بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم صار أحق الناس بهذه الأرض المسلمون . لا العرب .؛ ففلسطين ليس العرب بوصفهم عرباً هم أهلها؛ بل إن أهلها المسلمون بوصفهم مسلمين . لا غير وبوصفهم عباداً لله عزّ وجلّ صالحين؛ ولذلك لن ينجح العرب فيما أعتقد . والعلم عند الله . في استرداد أرض فلسطين باسم العروبة أبداً؛ ولا يمكن أن يستردوها إلا باسم الإسلام على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، كما قال تعالى: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} [الأعراف: 128] ؛ ومهما حاول العرب، ومهما ملؤوا الدنيا من الأقوال والاحتجاجات، فإنهم لن يفلحوا أبداً حتى ينادوا بإخراج اليهود منها باسم دين الإسلام . بعد أن يطبقوه في أنفسهم .؛ فإن هم فعلوا ذلك فسوف يتحقق لهم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ، وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ، أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ"(98) ؛ فالشجر، والحجر يدل المسلمين على اليهود يقول: "يا عبد الله" . باسم العبودية لله .، ويقول: "يا مسلم" . باسم الإسلام .؛ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "يقاتل المسلمون اليهود" ، ولم يقل: "العرب"..

ولهذا أقول: إننا لن نقضي على اليهود باسم العروبة أبداً؛ لن نقضي عليهم إلا باسم الإسلام؛ ومن شاء فليقرأ قوله تعالى: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} [الأنبياء: 105] : فجعل الميراث لعباده الصالحين؛ وما عُلِّق بوصف فإنه يوجد بوجوده، وينتفي بانتفائه؛ فإذا كنا عبادَ الله الصالحين ورثناها بكل يسر وسهولة، وبدون هذه المشقات، والمتاعب، والمصاعب، والكلامِ الطويل العريض الذي لا ينتهي أبداً!! نستحلها بنصر الله عزّ وجلّ، وبكتابة الله لنا ذلك . وما أيسره على الله .! ونحن نعلم أن المسلمين ما ملكوا فلسطين في عهد الإسلام الزاهر إلا بإسلامهم؛ ولا استولوا على المدائن عاصمة الفرس، ولا على عاصمة الروم، ولا على عاصمة القبط إلا بالإسلام؛ ولذلك ليت شبابنا يعون وعياً صحيحاً بأنه لا يمكن الانتصار المطلق إلا بالإسلام الحقيقي . لا إسلام الهوية بالبطاقة الشخصية .! ولعل بعضنا سمع قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه حينما كسرت الفُرس الجسور على نهر دجلة، وأغرقت السفن لئلا يعبر المسلمون إليهم؛ فسخَّر الله لهم البحر؛ فصاروا يمشون على ظهر الماء بخيلهم، ورجلهم، وإبلهم؛ يمشون على الماء كما يمشون على الأرض لا يغطي الماء خفاف الإبل؛ وإذا تعب فرس أحدهم قيض الله له صخرة تربو حتى يستريح عليها؛ وهذا من آيات الله . ولا شك .؛ والله تعالى على كل شيء قدير؛ فالذي فلق البحر لموسى . عليه الصلاة والسلام . ولقومه، وصار يبساً في لحظة، ومشوا عليه آمنين؛ قادر على ما هو أعظم من ذلك..

فالحاصل أن بني إسرائيل لا شك أفضل العالمين حينما كانوا عباد الله الصالحين؛ أما حين ضربت عليهم الذلة، واللعنة، والصَّغار فإنهم ليسوا أفضل العالمين؛ بل منهم القردة، والخنازير؛ وهم أذل عباد الله لقوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤوا بغضب من الله} [آل عمران: 112] ، وقوله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} [الحشر: 14] ..

ويدل لذلك . أي أن المراد بقوله تعالى .: { فضلتكم على العالمين } أي في وقتكم، أو فيمن سبقكم: قوله تعالى في هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم} [آل عمران: 110] ؛ فقوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} صريح في تفضيلهم على الناس؛ ولهذا قال تعالى: { ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم }؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أننا نوفي سبعين أمة نحن أكرمها، وأفضلها عند الله عزّ وجل(99)ّ . وهذا أمر لا شك فيه .، ولله الحمد..



وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسيره للآية :

وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ



ومنها: أن من أراد الهداية فليطلبها من الكتب المنزلة من السماء . لا يطلبها من الأساطير، وقصص الرهبان، وقصص الزهاد، والعباد، وجعجعة المتكلمين، والفلاسفة، وما أشبه ذلك؛ بل من الكتب المنَزلة من السماء..

فعلى هذا ما يوجد في كتب الوعظ من القصص عن بعض الزهاد، والعباد، ونحوهم نقول لكاتبيها، وقارئيها: خير لكم أن تبدو للناس كتاب الله عزّ وجلّ، وما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم وتبسطوا ذلك، وتشرحوه، وتفسروه بما ينبغي أن يفهم حتى يكون ذلك نافعاً للخلق؛ لأنه لا طريق للهداية إلى الله إلا ما جاء من عند الله عزّ وجلّ..


يُتبع بإذن اللـه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:26 AM
قال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد الأية :

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

من فوائد الآية: أنه ينبغي للداعي إلى الله أن يستعمل الأسلوب الذي يجذب إليه الناس، ويعطفهم عليه؛ لقوله تعالى حكاية عن موسى: { يا قوم }؛ فإن هذا لا شك فيه من التودد، والتلطف، والتحبب ما هو ظاهر..



قال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد الأية :



وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ



من فوائد الآية: نعمة الله تبارك وتعالى بما هيأه لعباده من الظلِّ؛ فإن الظلّ عن الحرّ من نعم الله على العباد؛ ولهذا ذكره الله عزّ وجلّ هنا ممتناً به على بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام }، وقوله تعالى: {والله جعل لكم مما خلق ظلالًا} [النحل: 81] ..


ومن فوائد الآية: أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة؛ لقوله تعالى: ( ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )

ومنها: أن العاصي لا يضر الله شيئاً؛ وإنما يظلم نفسه..

ومنها: أن لحم الطيور من أفضل اللحوم؛ لأن الله تعالى هيأ لهم لحوم الطير . وهو أيضاً لحوم أهل الجنة، كما قال تعالى: {ولحم طير مما يشتهون} (الواقعة: 21)

ومنها: أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة فينبغي أن يتبسط بها، ولا يحرم نفسه منها؛ لقوله تعالى:
{ كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 57] ؛ فإن الإنسان لا ينبغي أن يتعفف عن الشيء المباح؛ ولهذا قال شيخ الإسلام . رحمه الله: "من امتنع من أكل الطيبات لغير سبب شرعي فهو مذموم"؛ وهذا صحيح؛ لأنه ترك ما أباح الله له وكأنه يقول: إنه لا يريد أن يكون لله عليه منة؛ فالإنسان لا ينبغي أن يمتنع عن الطيبات إلا لسبب شرعي؛ والسبب الشرعي قد يكون لسبب يتعلق ببدنه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بدينه؛ وقد يكون لسبب يتعلق بغيره؛

فقد يمتنع الإنسان عن اللحم؛ لأن بدنه لا يقبله، فيكون تركه له من باب الحمية؛
وقد يترك الإنسان اللحم، لأنه يخشى أن تتسلى به نفسه حتى يكون همه أن يُذهب طيباته في حياته الدنيا؛

وقد يترك الإنسان الطيب من الرزق مراعاة لغيره، مثل ما يذكر عن عمر رضي الله عنه في عام الرمادة . عام الجدب المشهور . أنه كان لا يأكل إلا الخبز والزيت، حتى اسود جلده، ويقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع(106) ؛ فيكون تركه لذلك مراعاة لغيره؛ إذاً من امتنع من الطيبات لسبب شرعي فليس بمذموم..


وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد الأيتين :

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ،فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ


ومنها: أنه يجب على من نصره الله، وفتح له البلاد أن يدخلها على وجه الخضوع، والشكر لله؛ لقوله تعالى: { وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة }؛ ولهذا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخلها مطأطئاً رأسه(109) يقرأ قول الله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً} [الفتح: 1] ..



ومنها: بيان قبح التحريف سواء كان لفظياً، أو معنوياً؛ لأنه يغير المعنى المراد بالنصوص..

وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في الأية :

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ


قوله تعالى: { فقلنا اضرب بعصاك الحجر }: "العصا" معروفة؛ و{ الحجر }: المراد به الجنس؛ فيشمل أيّ حجر يكون؛ وهذا أبلغ من القول بأنه حجر معين؛ وهذه "العصا" كان فيها أربع آيات عظيمة:.

أولاً: أنه يلقيها، فتكون حية تسعى، ثم يأخذها، فتعود عصا..

ثانياً: أنه يضرب بها الحجر، فينفجر عيوناً..

ثالثاً: أنه ضرب بها البحر، فانفلق؛ فكان كل فرق كالطود العظيم..

رابعاً: أنه ألقاها حين اجتمع إليه السحرة، وألقوا حبالهم، وعصيهم، فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون..


وقــال في الفوائد :

ومنها: أن الله سبحانه وتعالى هو الملجأ للخلق؛ فهم إذا مسهم الضر يلجؤون إلى الله سبحانه وتعالى..

ومنها: أن الرسل . عليهم الصلاة والسلام . كغيرهم في الافتقار إلى الله سبحانه وتعالى؛ فلا يقال: إن الرسل قادرون على كل شيء، وأنهم لا يصيبهم السوء..

ومنها: حكمة الله سبحانه وتعالى بجعل هذا الماء المتفجر اثنتي عشرة عيناً؛ لفائدتين:.

الفائدة الأولى: السعة على بني إسرائيل؛ لأنه لو كان عيناً واحدة لحصلت مشقة الزحام..

الفائدة الثانية: الابتعاد عن العداوة، والبغضاء بينهم؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة أسباطاً؛ فلو كانوا جُمعوا في مكان واحد مع الضيق، والحاجة إلى الماء لحصل بينهم نزاع شديد؛ وربما يؤدي إلى القتال؛ فهذا من رحمة الله . تبارك وتعالى . ببني إسرائيل، حيث فجره اثنتي عشرة عيناً، ولهذا أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه النعمة بقوله: { قد علم كل أناس مشربهم }: كل أناس من بني إسرائيل..

ومنها: أن ما خلق الله تعالى من المأكول، والمشروب للإنسان فالأصل فيه الإباحة، والحل؛ لأن الأمر للإباحة؛ فما أخرج الله تعالى لنا من الأرض، أو أنزل من السماء فالأصل فيه الحل؛ فمن نازع في حل شيء منه فعليه الدليل؛ فالعبادات الأصل فيها الحظر؛ وأما المعاملات، والانتفاعات بما خلق الله فالأصل فيها الحل، والإباحة..

وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد الأية :


وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ



ومنها: أن من علوّ همة المرء أن ينظر للأكمل، والأفضل في كل الأمور..

ومنها: أن التوسع في المآكل، والمشارب، واختيار الأفضل منها إذا لم يصل إلى حد الإسراف فلا ذم فيه؛ ولذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه حين أتوه بتمر جيد بدلاً عن الرديء ؛ لكن لو ترك التوسع في ذلك لغرض شرعي فلا بأس كما فعله عمر رضي الله عنه عام الرمادة؛ وأما إذا تركها لغير غرض شرعي فهو مذموم؛ لأن الله تعالى يحب من عبده إذا أنعم عليه نعمة أن يرى أثر نعمته عليه


ومنها: جواز إسناد الشيء إلى سببه الحقيقي الذي ثبت أنه سبب شرعاً، أو حساً؛


مثال ذلك: لو أطعمت جائعاً يكاد يموت من الجوع فإنه يجوز أن تقول: "لولا أني أطعمته لهلك"؛ لأن الإطعام سبب لزوال الجوع؛ والهلاك معلوم بالحس؛

ومثال الشرعي: القراءة على المريض، فيبرأ، فتقول: "لولا القراءة عليه لم يبرأ"؛ أما المحظور فهو أن تثبت سبباً غير ثابت شرعاً، ولا حساً، أو تقرن مشيئة الله بالسبب بحرف يقتضي التسوية مع الله عزّ وجلّ؛

مثال الأول: أولئك الذين يعلقون التمائم البدعية، أو يلبسون حلقاً، أو خيوطاً لدفع البلاء، أو رفعه . كما زعموا؛ و مثال الثاني: ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل: "ما شاء الله وشئت"، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم "أجعلتني لله نداً، بل ما شاء الله وحده، لأنك إذا قلت: "ما شاء الله وشئت" جعلت المخاطَب ندًّا لله في المشيئة..

فإذا قال قائل: أليس الله قد ذم قارون حينما قال: {إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] ؛ فنسب حصول هذا المال إلى العلم؛ وهذا قد يكون صحيحاً؟


فالجواب أن هذا الرجل أنكر أن يكون من الله ابتداءً؛ ومعلوم أن الإنسان إذا أضاف الشيء إلى سببه دون أن يعتقد أن الله هو المسبِّب فهو مشرك؛ وأيضاً فإن قارون أراد بقوله هذا أن يدفع وجوب الإنفاق عليه مبتغياً بذلك الدار الآخرة..

والخلاصة: أن الحادث بسبب معلوم له صور:.

الصورة الأولى: أن يضيفه إلى الله وحده..

الثانية: أن يضيفه إلى الله تعالى مقروناً بسببه المعلوم؛ مثل أن يقول: "لولا أن الله أنجاني بفلان لغرقت"..

الثالثة: أن يضيفه إلى السبب المعلوم وحده مع اعتقاد أن الله هو المسبِّب؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب لما ذكر عذابه: "لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار(120)" ..

الرابعة : أن يضيفه إلى الله مقروناً بالسبب المعلوم بـ"ثم"، كقوله: "لولا الله ثم فلان"؛ "وهذه الأربع كلها جائزة" ..

الصورة الخامسة: أن يضيفه إلى الله، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالواو؛ فهذا شرك، كقوله: "لولا الله وفلان

الصورة السادسة: أن يضيفه إلى الله ، وإلى السبب المعلوم مقروناً بالفاء، مثل: "لولا الله ففلان"؛ فهذا محل نظر: يحتمل الجواز، ويحتمل المنع..

الصورة السابعة: أن يضيفه إلى سبب موهوم ليس بثابت شرعاً، ولا حساً، فهذا شرك . كما سبق ..

ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يعتذر عن الوساطة إذا لم يكن لها داعٍ؛ لأنه قال: { اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم }؛ وكأنه قال: لا حاجة أن أدعو الله أن يخرج لكم مما تنبت الأرض..



ومنها: أن اليهود قد ضربت عليهم المسكنة وهي الفقر؛ ويشمل فقر القلوب الذي هو شدة الطمع بحيث أن اليهودي لا يشبع، ولا يتوقف عن طلب المال ولو كان من أكثر الناس مالاً؛ ويشمل أيضاً فقر المال وهو قلته..

.13 ومنها: أن بني إسرائيل لا يقومون للمسلمين لو حاربوهم من قبل الإسلام؛ لأن ضرب الذلة بسبب المعصية؛ فإذا حوربوا بالطاعة والإسلام فلا شك أنه سيكون الوبال عليهم؛ وقد قال الله تعالى: {لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر} [الحشر: 14] ؛ وما يشاهد اليوم من مقاتلة اليهود للعرب فإنما ذلك لسببين:.

الأول: قلة الإخلاص لله تعالى؛ فإن كثيراً من الذين يقاتلون اليهود . أو أكثرهم . لا يقاتلونهم باسم الإسلام، وأن تكون كلمة الله هي العليا؛ وإنما يقاتلونهم باسم العروبة؛ فهو قتال عصبي قَبَليّ؛ ولذلك لم يفلح العرب في مواجهة اليهود..


والسبب الثاني: كثرة المعاصي من كبيرة، وصغيرة؛ حتى إن بعضها ليؤدي إلى الكفر؛ وقد حصل للمسلمين في أُحُد ما حصل بمعصية واحدة مع ما انضم إليها من التنازع، والفشل، كما قال الله تعالى: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} (آل عمران: 152)

وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في الآيتين :


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ،ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ



قوله : لعلكم تتقون :"لعل" للتعليل؛ أي لأجل أن تتقوا الله عزّ وجلّ؛


فالأخذ بهذا الميثاق الذي آتاهم الله على وجه القوة، وذكر ما فيه وتطبيقه يوجب التقوى؛ لأن الطاعات يجر بعضها بعضاً، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] ؛ فالطاعات يجر بعضها بعضاً، لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط، وابتغى طاعة أخرى، ويتغذى قلبه؛ وكلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى؛ وبالعكس المعاصي: فإنها توجب وحشة بين العبد وبين الله عزّ وجلّ، ونفوراً، والمعاصي يجر بعضها بعضاً؛ وسبق قوله تعالى: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61] ؛ ثم بعد هذا الإنذار، وكون الجبل فوقهم في ذلك الوقت خضعوا، وخشعوا، قال الله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة} [الأعراف: 171] ؛ ففي تلك الساعة هرعوا إلى السجود؛ وسجدوا؛ ولكنهم مالوا في سجودهم ينظرون إلى الجبل خائفين منه؛ ولهذا يقال: إن سجود اليهود إلى الآن سجود مائل كأنما ينظرون إلى شيء فوقهم؛ وقالوا: إن هذا السجود سجدناه لله سبحانه وتعالى لإزالة الشدة؛ فلا نزال نسجد به؛ فهذا سجودهم إلى اليوم..



وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله - في فوائد الآيات :

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ،قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ،قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)،قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ،قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ



ومنها: أن من شدد على نفسه شدد الله عليه . كما حصل لهؤلاء؛ فإنهم لو امتثلوا أول ما أُمِروا، فذبحوا أيّ بقرة لكفاهم؛ ولكنهم شددوا، وتعنتوا، فشدد الله عليهم؛ على أنه يمكن أن يكون تعنتهم هذا للتباطؤ في تنفيذ الأمر..


ومنها: أن الإنسان إذا لم يقبل هدى الله عزّ وجلّ من أول مرة فإنه يوشك أن يشدد الله عليه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن الدين يسر؛ ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه(124)" ..


ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يخرج ما كان يكتمه أهل الباطل، ويبينه للناس؛ لقوله تعالى: { والله مخرج ما كنتم تكتمون }؛ واذكروا قول الله تعالى: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيِّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً} (النساء: 108)

ومنها: التحذير من أن يكتم الإنسان شيئاً لا يرضاه الله عزّ وجلّ؛ فإنه مهما يكتم الإنسان شيئاً مما لا يُرضي الله عزّ وجلّ فإن الله سوف يطلع خلقه عليه . إلا أن يعفو الله عنه ...


________________

يُتبع بإذن اللــه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:27 AM
قال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد الآية :

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ

من فوائد الآية: أن الأُمّية يوصف بها من لا يقرأ، ومن يقرأ ولا يفهم؛ لقوله تعالى: { ومنم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني }..

ومنها: ذم من لا يعتني بمعرفة معاني كتاب الله عزّ وجلّ..

ومنها: أن من لا يفهم المعنى فإنه لا يتكلم إلا بالظن؛ لقوله تعالى: { وإن هم إلا يظنون }؛ العامي يقرأ القرآن من أوله إلى آخره، لكن لا يفهم معناه؛ فإذا تكلم في حكم من أحكام الله الشرعية التي دل عليها الكتاب فإنما كلامه عن ظن؛ لأنه في الحقيقة لا يعلم؛ ولا يمكن أن يعلم إلا إذا فهم المعنى..

ومنها: ذم الحكم بالظن، وأنه من صفات اليهود؛ وهذا موجود كثيراً عند بعض الناس الذين يحبون أن يقال عنهم: "إنهم علماء"؛ تجده يفتي بدون علم، وربما أفتى بما يخالف القرآن، والسنة وهو لا يعلم...5

ومنها: أن المقلد ليس بعالم؛ لأنه لا يفهم المعنى؛ وقد قال ابن عبد البر: "إن العلماء أجمعوا أن المقلد لا يعد في العلماء"؛ وهو صحيح: المقلد ليس بعالم؛ غاية ما هنالك أنه نسخة من كتاب؛ بل الكتاب أضبط منه؛ لأنه قد ينسى؛ وليس معنى ذلك أننا نذم التقليد مطلقاً؛ التقليد في موضعه هو الواجب؛ لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النمل: 43 ..


قال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد الآية :

وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ،بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ


ومنها: أن من أحاطت به خطيئته فلم يكن له حسنة فإنه من أصحاب النار الذين لا يخرجون منها..

ومنها: أن من كسب سيئة لكن لم تحط به الخطيئة فإنه ليس من أصحاب النار؛ لكن إن كان عليه سيئات فإنه يعذب بقدرها . ما لم يعف الله سبحانه وتعالى عنه..



ومنها: بلاغة القرآن، وحسن تعليمه؛ حيث إنه لما ذكر أصحاب النار ذكر أصحاب الجنة؛ وهذا من معنى قول الله تعالى: {الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} [ الزمر: 23] ؛ فإن من معاني المثاني أن تثنى فيه الأمور؛ فيذكر الترغيب والترهيب؛ والمؤمن والكافر؛ والضار والنافع؛ وما أشبه ذلك..

***مســــــألة***


هذا الذي قصه الله تعالى علينا من أخبار بني إسرائيل مضمونه التحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه ولكن مع الأسف أن بعض هذه الأمة وقعوا في جنس ما وقع فيه بنو إسرائيل؛ وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم "لتركبن سنن من كان قبلكم




وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في تفسيره :


وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ



وهنا قال تعالى: { كذبتم } . فعل ماضٍ؛ وقال تعالى: { تقتلون } . فعل مضارع؛




فأما كون الأول فعلاً ماضياً فالأمر فيه ظاهر؛ لأنه وقع منهم التكذيب؛

وأما الإتيان بفعل مضارع بالنسبة للقتل فهو أولاً مراعاة لفواصل الآية؛ لأنه لو قال: "فريقاً قتلتم" لم تتناسب مع التي قبلها، والتي بعدها؛ ثم إن بعض العلماء أبدى فيها نكتة: وهي أن هؤلاء اليهود استمر قتلهم الرسل حتى آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم قتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالسم الذي وضعوه له في خيبر؛ فإنه صلى الله عليه وسلم ما زال يتأثر منه حتى إنه صلى الله عليه وسلم في مرض موته قال: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني"(139) ؛ قال الزهري: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيداً؛ لأن اليهود تسببوا في قتله؛ وهذا ليس ببعيد أن يكون هذا من أسرار التعبير بالمضارع في القتل؛ وإن كان قد يَرِدُ عليه أن التكذيب استمر حتى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فلماذا لم يقل: "فريقاً تكذبون وفريقاً تقتلون"؟! والجواب عن هذا أن القتل أشد من التكذيب؛ فعبر عنه بالمضارع المستمر إلى آخر الرسل..

فإن قيل: كيف يصح قول الزهري: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات شهيداً؛ لأن اليهود كانوا سبباً في قتله، وقد قال الله تعالى: { والله يعصمك من الناس }؟


فالجواب: المراد بقوله تعالى: { يعصمك من الناس }: حال التبليغ؛ أي بلغ وأنت في حال تبليغك معصوم، ولهذا لم يعتد عليه أحد أبداً في حال تبليغه، فقتله..

وقال -رحمه اللـه- في الفوائد :


ومنها: أن من استكبر عن الحق إذا كان لا يوافق هواه من هذه الأمة فهو شبيه ببني إسرائيل؛ فإذا استكبر عن الحق . سواء تحيل على ذلك بالتحريف؛ أو أقر بأن هذا الحق، ولكنه استكبر عنه . فإنه مشابه ببني إسرائيل..

والخارجون عن الحق ينقسمون إلى قسمين: قسم يقرُّ به، ويعترف بأنه عاصٍ؛ وهذا أمره واضح، وسبيله بين،

وقسم آخر يستكبر عن الحق، ويحاول أن يحرف النصوص إلى هواه؛ وهذا الأخير أشد على الإسلام من الأول؛ لأنه يتظاهر بالاتباع وهو ليس من أهله..


ومن فوائد الآيتين: أن بعض الناس يستكبر عن الحق؛ لأنه مخالف لهواه..

وقال العّامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد الآيتين :

وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ،بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ


ومنها: أن من رد الحق من هذه الأمة لأن فلاناً الذي يرى أنه أقل منه هو الذي جاء به؛ فقد شابه اليهود

ومنها: أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحق بالحق لا بالرجال؛ فما دام أن هذا الذي قيل حق فاتْبَعْه من أيٍّ كان مصدره؛ فاقبل الحق للحق؛ لا لأنه جاء به فلان، وفلان..

ومنها: أن العلم من أعظم فضل الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { أن ينَزِّل الله من فضله على من يشاء }؛ ولا شك أن العلم أفضل من المال؛ وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فضل العلم، وفضل المال فانظر إلى العلماء في زمن الخلفاء السابقين؛ الخلفاء السابقون قَلّ ذكرهم؛ والعلماء في وقتهم بقي ذكرهم: هم يُدَرِّسون الناس وهم في قبورهم؛ وأولئك الخلفاء نُسوا؛ اللهم إلا من كان خليفة له مآثر موجودة، أو محمودة؛ فدل هذا على أن فضل العلم أعظم من فضل المال..


ومن فوائد الآيتين: أن هذا الفضل الذي نزله الله لا يجعل المفضَّل به رباً يُعْبد؛ بل هو من العباد . حتى ولو تميز بالفضل؛ لقوله تعالى: (على من يشاء من عباده ).


وهذه الفائدة لها فروع نوضحها، فنقول: إن من آتاه الله فضلاً من العلم والنبوة لم يخرج به عن أن يكون عبداً؛ إذاً لا يرتقي إلى منْزلة الربوبية؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم عبد من عباد الله؛ فلا نقول لمن نزل عليه الوحي: إنه يرتفع حتى يكون رباً يملك النفع، والضرر، ويعلم الغيب..

ويتفرع عنها :أن من آتاه الله من فضله من العلم، وغيره ينبغي أن يكون أعبد لله من غيره؛ لأن الله تعالى أعطاه من فضله؛ فكان حقه عليه أعظم من حقه على غيره؛ فكلما عظم الإحسان من الله عزّ وجلّ استوجب الشكر أكثر؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم في الليل حتى تتورم قدماه؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: "أفلا أكون عبداً شكوراً" ..

ويتفرع عنها فرع ثالث: أن بعض الناس اغتر بما آتاه الله من العلم، فيتعالى في نفسه، ويتعاظم حتى إنه ربما لا يقبل الحق؛ فحُرِم فضل العلم في الحقيقة..

من فوائد الآيتين: أن العقوبات تتراكم بحسب الذنوب جزاءً وفاقاً؛ لقوله تعالى: ( فباءوا بغضب على غضب).

وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد قوله تعالى :


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

ومنها: عتوّ اليهود، وعنادهم؛ لأنهم يقولون: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا..

ومنها: أن من دُعي إلى الحق من هذه الأمة، وقال: "المذهب كذا، وكذا" . يعني ولا أرجع عنه ففيه شبه من اليهود . لأن الواجب إذا دعيت إلى الحق أن تقول: "سمعنا وأطعنا"؛ ولا تعارضه بأي قول كان، أو مذهب..

ومنها: وجوب قبول الحق من كل من جاء به..

ومنها: إفحام الخصم بإقامة الحجة عليه من فعله؛ ووجه ذلك أن الله أقام على اليهود الحجة على فعلهم؛ لأنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا وهم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاءوا بالكتاب إليهم؛ فإن قولهم: { نؤمن بما أنزل علينا } ليس بحق؛ لأنه لو كانوا مؤمنين حقيقة ما قتلوا الأنبياء؛ ولهذا قال تعالى: ( قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ).

وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في تفسيره قوله تعالى:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ


ومنها: أن الإيمان الحقيقي لا يحمل صاحبه إلا على طاعة الله؛ لقوله تعالى: ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين).


وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد تفسير قوله تعالى:

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ،وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

ومنها: أن المشركين من أحرص الناس على الحياة، وأنهم يكرهون الموت؛ لقوله تعالى: { ومن الذين أشركوا } مما يدل على أنهم في القمة في كراهة الموت ما عدا اليهود..

ومنها: غَوْرُ فهم السلف حين كرهوا أن يُدْعَى للإنسان بالبقاء؛ فإن الإمام أحمد كره أن يقول للإنسان: "أطال الله بقاءك"؛ لأن طول البقاء قد ينفع، وقد يضر؛ إذاً الطريق السليم أن تقول: "أطال الله بقاءك على طاعة الله"، أو نحو ذلك..

وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- في فوائد تفسير قوله تعالى:

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى ، مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ

ومنها: إثبات علوّ الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: { فإنه نزله }؛ وإنما نزل به من عند الله؛ والنّزول لا يكون إلا من أعلى..

ومن فوائد الآيتين: أن القرآن بشرى للمؤمنين؛ وعلامة ذلك أنك تنتفع به؛ فإذا وجدت نفسك منتفعاً به حريصاً عليه تالياً له حق تلاوته فهذا دليل على الإيمان، فتناله البشرى؛ وكلما رأى الإنسان من نفسه كراهة القرآن، أو كراهة العمل به، أو التثاقل في تطبيقه فليعلم أنه إنما فاقد للإيمان بالكلية، أو أن إيمانه ناقص..
______________

يُتبع بإذن اللــه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:28 AM
قال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ


ومنها: أن من أهل الكتاب من لم ينبذ كتاب الله وراء ظهره؛ بل آمن به كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود..

ومنها: أن من نبذ العهد من هذه الأمة فقد ارتكب محظورين:.

أحدهما: النفاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف؛ وإذا اؤتمن خان"(152) ، وفي الحديث الآخر: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها..."(153) ، وذكر منها: "إذا عاهد غدر" ..

والمحظور الثاني: مشابهة اليهود.

وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ


ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد ييسر أسباب المعصية فتنةً للناس . أي ابتلاءً .، وامتحاناً؛ لقوله تعالى: { وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة }؛ فإياك إياك إذا تيسرت لك أسباب المعصية أن تفعلها؛ واذكر قصة بني إسرائيل حين حُرِّم عليهم الصيد يوم السبت . أعني صيد البحر .؛ فلم يصبروا حتى تحيلوا على صيدها يوم السبت؛ فقال لهم الله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} [البقرة: 65] ؛ واذكر قصة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين ابتلاهم الله عز وجل وهم محرِمون بالصيد تناله أيديهم، ورماحهم؛ فلم يُقدم أحد منهم عليه حتى يتبين لك حكمة الله . تبارك وتعالى . في تيسير أسباب المعصية؛ ليبلوَ الصابر من غيره..


ومنها: أنّ من عِظم السحر أن يكون أثره التفريق بين المرء، وزوجه؛ لقوله تعالى: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه }؛ لأنه من أعظم الأمور المحبوبة إلى الشياطين، كما ثبت في الحديث الصحيح أن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: "نِعْم أنت ؛ وفيه سحر مقابل لهذا: وهو الربط بين المرء، وزوجه؛ حتى إنه . والعياذ بالله . يُبتلى بالهيام؛ فلا يستطيع أن يعيش . ولا لحظة . إلا وزوجته أمامه؛ وبعضهم يقضي عليه هذا الأمر . نسأل الله العافية


ومن فوائد الآية: أن الأسباب . وإن عظمت . لا تأثير لها إلا بإذن الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ( وما هم بضارِّين به من أحد إلا بإذن الله )

ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي اللجوء إلى الله دائماً؛ لقوله تعالى: { إلا بإذن الله }؛ فإذا علمت أن كل شيء بإذن الله فإذاً تلجأ إليه سبحانه وتعالى في جلب المنافع، ودفع المضار..



وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في تفسير قوله تعالى :

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ


.{ 103 } قوله تعالى: { ولو أنهم آمنوا } أي بقلوبهم { واتقوا } أي بجوارحهم؛ فالإيمان بالقلب؛ والتقوى بالجوارح؛ هذا إذا جمع بينهما؛ وإن لم يجمع بينهما صار الإيمان شاملاً للتقوى، والتقوى شاملة للإيمان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "التقوى هاهنا"( وأشار إلى قلبه؛ والإيمان عند أهل السنة والجماعة: "التصديق مع القبول، والإذعان"؛ وإلا فليس بإيمان؛ و "التقوى" أصلها: وَقْوَى؛ وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامر الله، واجتناب نواهيه؛ وهذا أجمع ما قيل في معناها؛ وإلا فبعضهم قال: "التقوى" أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله؛ وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ وبعضهم قال في تعريف "التقوى" .

(خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى) (واعمل كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى)
(لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى)


: أنها تكون أعظم مما يتصوره العبد؛ لأن العطاء من العظيم عظيم؛ فالعطية على حسب المعطي؛ عطية البخيل قليلة؛ وعطية الكريم كثيرة..

الثاني: اطمئنان العبد على حصولها؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد..



وقال العلّامة ابن عثيمين -رحمه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

الفرق بين العفو و الصفح؟


ولكن الصواب أن بين "العفو" ، و "الصفح" فرقاً؛ فـ "العفو" ترك المؤاخذة على الذنب؛ و "الصفح" الإعراض عنه؛ مأخوذ من صفحة العنق؛ وهو أن الإنسان يلتفت، ولا كأن شيئاً صار . يوليه صفحة عنقه .؛ فـ "الصفح" معناه الإعراض عن هذا بالكلية وكأنه لم يكن؛ فعلى هذا يكون بينهما فرق؛ فـ "الصفح" أكمل إذا اقترن بـ "العفْو" ..

الفوائد :



ومنها: تحريم الحسد؛ لأن مشابهة الكفار بأخلاقهم محرمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم"(165) ؛ واعلم أن الواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله، ولا يكره ما أنعم الله به على الآخرين، أو يتمنى زواله؛ لقوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] ؛ والحاسد لا يزداد بحسده إلا ناراً تتلظى في جوفه؛ وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة؛ فهو مع كونه كارهاً لنعمة الله على هذا الغير مضاد لله في حكمه؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا المحسود؛ ثم إن الحاسد أو الحسود . مهما أعطاه الله من نعمة لا يرى لله فضلاً فيها؛ لأنه لابد أن يرى في غيره نعمة أكثر مما أنعم الله به عليه، فيحتقر النعمة؛ حتى لو فرضنا أنه تميز بأموال كثيرة، وجاء إنسان تاجر، وكسب مكسباً كبيراً في سلعة معينة تجد هذا الحاسد يحسده على هذا المكسب بينما عنده ملايين كثيرة؛ وكذلك أيضاً بالنسبة للعلم: بعض الحاسدين إذا برز أحد في مسألة من مسائل العلم تجده . وإن كان أعلم منه . يحسده على ما برز به؛ وهذا يستلزم أن يحتقر نعمة الله عليه؛ فالحسد أمره عظيم، وعاقبته وخيمة؛ والناس في خير، والحسود في شر: يتتبع نعم الله على العباد؛ وكلما رأى نعمة صارت جمرة في قلبه؛ ولو لم يكن من خُلُق الحسد إلا أنه من صفات اليهود لكان كافياً في النفور منه..


_______

يُتبع بإذن اللـه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:28 AM
قــال اللعلامة بن عثيمين -رحمه اللـه - في فوائد تفسير قوله تعالى :


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ


من فوائد الآية: أن المعاصي تختلف قبحاً؛ لقوله تعالى: { ومن أظلم }؛ و{ أظلم } اسم تفضيل؛ واسم التفضيل يقتضي مفضَّلاً، ومفضَّلاً عليه؛ وكما أن المعاصي تختلف، فكذلك الطاعات تختلف: بعضها أفضل من بعض؛ وإذا كانت الأعمال تختلف فالعامل نتيجة لها يختلف؛ فبعض الناس أقوى إيماناً من بعض؛ وبهذا نعرف أن القول الصحيح قول أهل السنة، والجماعة في أن الإيمان يزيد، وينقص، والناس يتفاوتون تفاوتاً عظيماً لا في الكسب القلبي، ولا في الكسب البدني: فإن الناس يتفاوتون في اليقين؛ ويتفاوتون في الأعمال الظاهرة من قول أو فعل.


يتفاوتون في اليقين: فإن الإنسان نفسه تتفاوت أحواله بين حين وآخر؛ في بعض الأحيان يصفو ذهنه وقلبه حتى كأنما يشاهد الآخرة رأي عين؛ وفي بعض الأحيان تستولي عليه الغفلة، فيَقِلُّ يقينه؛ ولهذا قال الله تعالى لإبراهيم: {أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} [البقرة: 260] ؛ وتفاوت الناس في العلم، واليقين أمر معلوم:

فلو أتى رجل، وقال: «قدم فلان» - والرجل ثقة عندي - صار عندي علم بقدومه؛ فإذا جاء آخر، وقال: «قدم فلان» ازداد علمي؛ فإذا جاء الثالث ازداد علمي أكثر؛ فإذا رأيتُه ازداد علمي؛ فالأمور العلمية تتفاوت في إدراك القلوب لها.



أيضاً يتفاوت الناس في الأقوال:


فالذي يسبِّح الله عشر مرات أزيد إيماناً ممن يسبِّحه خمس مرات؛ وهذه زيادة كمية الإيمان؛ كذلك يتفاوت الناس في الأعمال من حيث جنس العمل: فالمتعبد بالفريضة أزيد إيماناً من المتعبد بالنافلة؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»(1) ؛ فبهذا يكون القول الصواب بلا ريب قول أهل السنة، والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص


ومنها: تحريم منع المساجد من أن يذكر فيها اسم الله سواء كان ذكر الله: صلاة، أو قراءة للقرآن، أو تعليماً للعلم، أو غير ذلك.

وأخذ بعض العلماء من هذه الآية: تحريم التحجر؛ وهو أن يضع شيئاً في الصف، فيمنع غيره من الصلاة فيه، ويخرج من المسجد؛ قالوا: لأن هذا منع المكان الذي تحجره بالمسجد أن يذكر فيه اسم الله؛ لأن هذا المكان أحق الناس به أسبق الناس إليه؛ وهذا قد منع من هو أحق بالمكان منه أن يذكر فيه اسم الله؛ وهذا مأخذ قوي؛ ولا شك أن التحجر حرام: أن الإنسان يضع شيئاً، ويذهب، ويبيع، ويشتري، ويذهب إلى بيته يستمتع بأولاده، وأهله؛ وأما إذا كان الإنسان في نفس المسجد فلا حرج أن يضع ما يحجز به المكان بشرط ألا يتخطى الرقاب عند الوصول إليه، أو تصل إليه الصفوف؛ فيبقى في مكانه؛ لأنه حينئذ يكون قد شغل مكانين.

ومنها: أنه لا يجوز أن يوضع في المساجد ما يكون سبباً للشرك؛ لأن { مساجد الله } معناها موضع السجود له؛ فإذا وضع فيها ما يكون سبباً للشرك فقد خرجت عن موضوعها، مثل أن نقبر فيها الموتى؛ فهذا محرم؛ لأن هذا وسيلة إلى الشرك.



ومنها: أن الناس فيها سواء؛ لأن الله تعالى أضافها إلى نفسه: { مساجد الله }؛ والناس عباد الله - بالنسبة إلى الله في المسجد سواء -؛ فكل من أتى إلى هذه المساجد لعبادة الله فإنه لا فرق بينه وبين الآخرين.

وهنا نقول: إن للعالِم الحق أن يتخذ مكاناً يجعله لإلقاء الدرس، وتعليم الناس؛ لكنه إذا أقيمت الصلاة لا يمنع الناس - هو، وغيره سواء -.

ومنها: أن ذكر الله لا بد أن يكون باسمه، فتقول: لا إله إلا الله؛ سبحان الله؛ سبحان ربك رب العزة عما يصفون؛ سبحان ربي العظيم؛ فالذكر باللسان لا يكون إلا باسم الله؛ أما ذكر القلب فيكون ذكراً لله، وذكراً لأسمائه؛ فقد يتأمل الإنسان في قلبه أسماء الله، ويتدبر فيها، ويكون ذكراً للاسم؛ وقد يتأمل في أفعال الله عز وجل، ومخلوقاته، وأحكامه الشرعية.

أما ذكره بالضمير المفرد فبدعة، وليس بذكر، مثل طريقة الصوفية الذين يقولون: أفضل الذكر أن تقول: «هو»، «هو»؛ «هو»، «هو»؛ قالوا: لأنك لا تشاهد إلا الله ــــ والعياذ بالله؛ فهم يرون أن أكمل حال الإنسان هو الفناء ــــ أي يفنى عن مشاهدة ما سوى الله، بحيث إنه ما شاهد إلا الله؛ ويقولون: ليس بلازم أن تقول: «لا إله إلا الله»: تثبت إلهين: واحد منفي، والثاني مثبت! بل قل: «هو»، «هو»، «هو»؛ فهذا لا شك من البدع؛ وليس ذكراً لله عز وجل؛ بل هو من المنكر.

ومنها: أن الذنب إذا كان فيه تعدٍّ على العباد فإن الله قد يجمع لفاعله بين العقوبتين: عقوبة الدنيا، وعقوبة الآخرة؛ عقوبة الدنيا ليشفي قلب المظلوم المعتدى عليه؛ ولا شك أن الإنسان إذا اعتدى عليك، ثم رأيت عقوبة الله فيه أنك تفرح بأن الله سبحانه وتعالى اقتص لك منه؛ أما إذا كان في حق الله فإن الله تعالى لا يجمع عليه بين عقوبتين؛ لقوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] .


وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه - في فوائد تفسير قوله تعالى :

وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ



ومنها: وصف من لم يَنقَدْ للحق بالجهل؛ لقوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون }؛ فكل إنسان يكابر الحق، وينابذه فإنه أجهل الناس.



ومن فوائد الآية: أن أقوال أهل الباطل تتشابه؛ لقوله تعالى: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} وقوله تعالى: {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * أتواصوا به بل هم قوم طاغون} [الذاريات: 52، 53] ؛ وأنت لو تأملت الدعاوى الباطلة التي رد بها المشركون رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم من زمنه إلى اليوم لوجدت أنها متشابهة، كما قال تعالى: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} [المطففين: 32] ؛ واليوم يقولون للمتمسكين بالقرآن، والسنة هؤلاء رجعيون؛ هؤلاء دراويش لا يعرفون شيئاً.




وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه - في فوائد تفسير قوله تعالى :


وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ




ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله تعالى: { ملتهم }؛ وهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة؛ أما باعتبار أنواعه فإنه ملل: اليهودية ملة؛ والنصرانية ملة؛ والبوذية ملة؛ وهكذا بقية الملل؛ ولكن كل هذه الملل باعتبار مضادة الإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر؛ فتكون جنساً، والملل أنواعاً.


ومنها: أن البدع ضلالة؛ لقوله تعالى: { قل إن هدى الله هو الهدى }؛ وقوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] ؛ فليس بعد الهدى إلا الضلال؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة .


ومن فوائد الآية: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أشد ضلالة؛ لقوله تعالى: { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم... } الآية.


ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفاً، ورجاءً؛ لأنك متى علمت أنه ليس لك وليّ، ولا نصير فلا تتعلق إلا بالله؛ فلا تعلق قلبك أيها المسلم إلا بربك.



وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه - في فوائد تفسير قوله تعالى :

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ




ومنها: أن من خالف القرآن في شيء كان ذلك دليلاً على نقص إيمانه؛ لقوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به }؛ فمعنى ذلك: إذا لم يتلوه حق تلاوته فإنهم لم يؤمنوا به؛ بل نقص من إيمانهم بقدر ما نقص من تلاوتهم له.


ومنها: أن الكافر بالقرآن مهما أصاب من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله تعالى: { ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون }؛ يكون خاسراً ــــ ولو نال من الدنيا من أموال، وبنين، ومراكب فخمة، وقصور مشيدة ــــ؛ لأن هذه كلها سوف تذهب، وتزول؛ أو هو يزول عنها، ولا تنفعه؛ واذكر قصة قارون، واتل قول الله تعالى: {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين} [الزمر: 15] ؛ فإذاً يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} [المنافقون: 9] ؛ ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح قال تعالى: { ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون } [المنافقون: 9] يعني: ولو ربحوا في دنياهم.


وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه - في فوائد تفسير قوله تعالى :

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ




ومنها: أن من أتم ما كلفه الله به كان من الأئمة؛ لقوله تعالى: { إني جاعلك للناس إماماً }؛ فإنه لما أتمَّهن جوزي على ذلك بأن جُعل للناس إماماً.

ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يدعو لذريته بالإمامة، والصلاح؛ لقوله تعالى: { قال ومن ذريتي }؛ وإبراهيم طلب أن يكون من ذريته أئمة، وطلب أن يكون من ذريته من يقيم الصلاة: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم: 40] .

قال االعلامـة ابن عثيمين-رحمه اللـه- في تفسير قوله تعالى :

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ


معنى كلمة "مثابــة"


و «المثابة» بمعنى المرجع؛ أي يثوب الناس إليه، ويرجعون إليه من كل أقطار الدنيا سواء ثابوا إليه بأبدانهم، أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجاً، أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم؛ والذين يتجهون إليه كل يوم بصلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم فإنهم لا يزالون يتذكرون هذا البيت في كل يوم، وليلة؛ بل استقباله من شروط صحة صلاتنا.


قال االعلامـة ابن عثيمين-رحمه اللـه- في الفوائد:

ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب العامل بأكثر من عمله؛ فإبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أتم الكلمات جعله الله تعالى إماماً للناس، وأمر الناس أن يتخذوا من مقامه مصلًّى؛ وهذا بعض من إمامته.


ومنها: اشتراط طهارة لباس الطائفين من باب أولى، وأنه لا يجوز أن يطوف بثوب نجس؛ لأن ملابسة الإنسان للثياب ألصق من ملابسته للمكان.

ومنها: أن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة؛ لقوله تعالى: { وطهرا بيتي للطائفين }؛ ولهذا قال العلماء: يشترط لصحة الطواف أن يكون في المسجد الحرام، وأنه لو طاف خارج المسجد ما أجزأه؛ فلو أراد الإنسان ــــ مثلاً ــــ أن يطوف حول المسجد الحرام من خارج فإنه لا يجزئ؛ لأنه يكون حينئذ طائفاً بالمسجد لا بالكعبة؛ أما الذين يطوفون في نفس المسجد سواء فوق أو تحت، فهؤلاء يجزئهم الطواف؛ وعلى هذا يجب الحذر من الطواف في المسعى، أو فوقه؛ لأن المسعى ليس من المسجد؛ إذ لو كان من المسجد لكانت المرأة إذا حاضت بعد الطواف لا تسعى؛ لأنه يلزم من سعيها أن تمكث في المسجد.

ومن فوائد الآية: فضيلة هذه العبادات الأربع: الطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود؛ وأن الركوع والسجود أفضل هيئة في الصلاة؛ فالركوع أفضل هيئة من القيام؛ والسجود أفضل منه؛ والقيام أفضل من الركوع، والسجود بما يُقرأ فيه؛ ولهذا نُهي المصلي أن يقرأ القرآن راكعاً، أو ساجداً؛ فإنَّ ذِكْر القيام كلام الله؛ وهو أفضل من كل شيء؛ وذكر الركوع والسجود هو التسبيح؛ وهو أقل حرمة من القرآن؛ ولذلك حل الذكر للجنب دون قراءة القرآن، ويجوز مس الورقات التي فيها الذكر بغير وضوء دون مس المصحف؛ فالله سبحانه وتعالى حكيم: جعل لكل ركن من أركان الصلاة ميزة يختص بها؛ فالقيام اختصه بفضل ذكره؛ والركوع والسجود بفضل هيئتهما.

____________

يُتبع بإذن اللـه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:30 AM
قال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه-في تفسير قوله تعالى :

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ


ومنها: أنه لا غنى للإنسان عن دعاء الله مهما كانت مرتبته؛ فلا أحد يستغني عن الدعاء أبداً؛ لقوله تعالى: { رب اجعل... } إلخ.

ومنها: أن للدعاء أثراً في حصول المقصود سواء كان دفع مكروه، أو جلب محبوب؛ لأنه لولا أن للدعاء أثراً لكان الدعاء عبثاً؛ وقول من يقول: «لا حاجة للدعاء: إن كان الله كتب هذا فهو حاصل، دعوت أو لم أدعُ؛ وإن كان الله لم يكتبه فلن يحصل، دعوت أو لم أدعُ»،

فإن جوابنا عن هذا أن نقول: إن الله قد كتبه بناءً على دعائك؛ فإذا لم تدع لم يحصل، كما أنه لو قال: «لن آكل الطعام؛ فإن أراد الله لي الحياة فسوف أحيا ــــ ولو لم آكل؛ وإن كان يريد أن أموت فسوف أموت ــــ ولو ملأت بطني إلى حلقومي»؛ نقول: لكن الأكل سبب للحياة؛ فإنكار أن يكون الدعاء سبباً إنكار أمور بديهيات؛ لأننا نعلم علم اليقين فيما أُخبرنا به، وفيما شاهدناه، وفيما جرى علينا أن الله سبحانه وتعالى يقدِّر الأشياء بالدعاء؛ فالله تعالى قص علينا في القرآن قصصاً كثيرة فيها إجابة للدعاء؛ كذلك يجري للإنسان نفسه أشياء يدعو الله بها فيشاهدها رأي العين أنها جاءت نتيجة لدعائه؛ فإذاً الشرع، والواقع كلاهما يبطل دعوى من أنكر تأثير الدعاء.

ومنها: أدب إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، حيث لم يعمم في هذا الدعاء؛ فقال: { وارزق أهله من الثمرات من آمن } خوفاً من أن يقول الله له: «من آمن فأرزقه»، كما قال تعالى حين سأله إبراهيم أن يجعل من ذريته أئمة: {لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة: 124] ؛ فتأدب في طلب الرزق: أن يكون للمؤمنين فقط من أهل هذا البلد؛ لكن المسألة صارت على عكس الأولى: الأولى خصص الله دعاءه؛ وهذا بالعكس: عمم.



قال العلامة ابن عثيمين -رحمـه اللـه- في فوائد قوله تعالى :

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ


ومنها: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله؛ وإلا هلك؛ لقوله تعالى: { واجعلنا مسلمين }؛ فإنهما مسلمان بلا شك: فهما نبيَّان؛ ولكن لا يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؛ قال الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات} [الإسراء: 74، 75]


ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة؛ لقوله تعالى: { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك }؛ وقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم في آية أخرى: { واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام }؛ فالذرية صلاحها لها شأن كبير بالنسبة للإنسان.


ومنها: أن الأصل في العبادات أنها توقيفية ــــ يعني: الإنسان لا يتعبد لله بشيء إلا بما شرع ــــ؛ لقوله تعالى: { وأرنا مناسكنا }.


ومنها: أن التوسل بأسماء الله يكون باسم مطابق لما دعا به؛ لقوله تعالى: { وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم }، ولقوله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها }.


وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه في تفسير قوله تعالى :

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

ومنها: أهمية الإخلاص؛ لقوله تعالى: { مسلمين لك }: { لك } تدل على إخلاص الإسلام لله عزّ وجلّ، كما قال تعالى في آية أخرى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه} [البقرة: 112] .

ومنها: أن الإسلام يشمل كل استسلام لله سبحانه وتعالى، ظاهراً وباطناً.

ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة؛ لقوله تعالى: { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك }؛ وقال إبراهيم صلى الله عليه وسلم في آية أخرى: { واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام }؛ فالذرية صلاحها لها شأن كبير بالنسبة للإنسان.

ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله تعالى: { وأرنا مناسكنا } يعني: أعلمنا بها.


قال العلامة ابن عثيمين -رحمـه اللـه- في فوائد قوله تعالى :


أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ


ومنها: جواز الوصية عند حضور الأجل؛ لقوله تعالى: { إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك }؛ وهذا كالوصية لهم؛ ولكنه يشترط أن يكون الموصي يعي ما يقول؛ فإن كان لا يعي ما يقول فإنه لا تصح وصيته.


ومنها: أن النفوس مجبولة على اتباع الآباء؛ لكن إن كان على حق فهو حق؛ وإن كان على باطل فهو باطل؛ لقولهم: { وإله آبائك }؛ ولهذا الذين حضروا وفاة أبي طالب قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب.


ومنها: أن العبادة والألوهية معناهما واحد؛ لكن العبادة باعتبار العابد؛ والألوهية باعتبار المعبود؛ ولهذا كان أهل العلم يسمون التوحيد توحيد العبادة؛ وبعضهم يقول: توحيد الألوهية.



قال العلامة ابن عثيمين -رحمـه اللـه- في فوائد قوله تعالى :



تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ



ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة؛ لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم } فنحن معنيون الآن بأنفسنا؛ ويُذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ــــ رحمه الله ــــ أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم: «هذه دماء طهر الله سيوفنا منها؛ فنحن نطهر ألسنتنا منها» ؛ هذه كلمة عظيمة؛ فعلى هذا النزاع فيما جرى بين معاوية، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وما أشبه ذلك لا محل له؛ لكن الذي يجب أن نعتني به حاضر الأمة؛ هذا الذي يجب أن يبين فيه الحق، ويبطَل فيه الباطل؛ ونقول: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} [الحشر: 10] .


قال العلامة ابن عثيمين -رحمـه اللـه- في فوائد قوله تعالى :

وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

من فوائد الآية: أن أهل الباطل يدْعون إلى ضلالهم، ويدَّعون فيه الخير؛ { كونوا هوداً أو نصارى هذه دعوة إلى ضلال؛ { تهتدوا }: ادعاء أن ذلك خير؛ وهكذا أيضاً قد ورث هؤلاء اليهود من ضل من هذه الأمة، كأهل البدع في العقيدة، والقدر، والإيمان ــــ الذين ادعوا أنهم على حق، وأن من سلك طريقهم فقد اهتدى؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتركبن سَنن من كان قبلكم .

ومن فوائد الآية: أن كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود، والنصارى؛ دعاة السفور الآن يقولون: اتركوا المرأة تتحرر؛ اتركوها تبتهج في الحياة؛ لا تقيدوها بالغطاءِ، وتركِ التبرج، ونحو ذلك؛ أعطوها الحرية؛ وهكذا كل داع إلى ضلالة سوف يطلي هذه الضلالة بما يغر البليد فهو شبيه باليهود، والنصارى.




قال العلامة ابن عثيمين -رحمـه اللـه- في قوله تعالى :



قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ



هنا قد يسأل سائل: لِمَ عبر الله تعالى بقوله: { وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل }، وفي موسى وعيسى قال تعالى: { وما أوتي موسى وعيسى }؛ فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير؟


فالجواب: أن نقول بحسب ما يظهر لنا ــــ والعلم عند الله: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية.

الحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد؛ لو قال: «ما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وما أنزل إلى موسى... وما أنزل إلى النبيين» تكررت أربع مرات؛ ومعلوم أن من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر الإمكان.

أما الحكمة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باقٍ إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات؛ فالنصارى يقولون: عيسى بن مريم يُحيي الموتى، ويفعل كذا، ويفعل كذا؛ وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه، وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك؛ فبين الله سبحانه وتعالى في هذا أن هذه الأمة تؤمن بما أوتوا من وحي وآيات.


قال العلامة ابن عثيمين -رحمـه اللـه- في فوائد قوله تعالى :

ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يشعر أنه هو وإخوانه كنفس واحدة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»(26) وشبّك بين أصابعه؛ لقوله تعالى: { ونحن له مسلمون }: فأتى بضمير الجمع: { قولوا آمنا بالله... ونحن... }.

ومنها: أن الإسلام لا بد أن يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ لإطلاقه في قوله تعالى: { مسلمون }؛ فيستسلم قلب المرء لله ــــ تبارك وتعالى ــــ محبة، وتعظيماً، وإجلالاً؛ ويستسلم لسانه لما أمره الله سبحانه وتعالى أن يقول؛ وتستسلم جوارحه لما أمره الله تعالى أن يفعل.


قال العلامة ابن عثيمين -رحمـه اللـه- في قوله تعالى :

فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

قد يقول قائل: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: «وهو القوي العزيز» لأنه قال: { فسيكفيكهم الله } فما هو الجواب عن ختمها بالسمع، والعلم؟



فالظاهر لي - والله أعلم - أنه لما كان تدبير الكيد للرسول صلى الله عليه وسلم من هؤلاء قد يكون بالأقوال، وقد يكون بالأفعال؛ والتدبير أمر خفي ليس هو حرباً يعلن حتى نقول: ينبغي أن يقابل بقوة، وعزة؛ قال تعالى: { وهو السميع العليم } أي حتى الأمور التي لا يُدرى عنها، ولا يبرزونها، ولا يظهرون الحرابة للرسول صلى الله عليه وسلم فإن الله سميع عليم بها؛ هذا ما ظهر لي - والله أعلم -.



الفوائد:

ومن فوائد الآية: الإشارة إلى التوكل على الله ــــ تبارك وتعالى ــــ في الدعوة إليه، وفي سائر الأمور؛ لأنه إذا كان وحده سبحانه وتعالى هو الكافي فيجب أن يكون التوكل والاعتماد عليه وحده؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3] .



ومنها: مراقبة الله سبحانه وتعالى في السر، والعلن؛ وذلك؛ لأن مقتضى اسمه الكريم: { العليم } أنه يعلم كل شيء.




قال العلامة ابن عثيمين -رحمـه اللـه- في فوائد قوله تعالى :

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)




ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله، وصفاته الذين يقولون: «إن هذا جائز عقلاً على الله؛ فنقر به؛ وهذا يمتنع عقلاً على الله؛ فلا نقر به» كالمعتزلة، والأشاعرة، ونحوهم؛ نقول لهم كلهم في الجواب: { أأنتم أعلم أم الله }: أأنتم أعلم بما يجوز على الله، ويمتنع عليه، ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه، ويجب له، ويجوز له؟!!! وهذه في الحقيقة حجة ملزمة مفحمة مقحمة لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: «يجب لله كذا؛ يمتنع عليه كذا»؛ نقول: { أأنتم أعلم أم الله }.

ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله }؛ فإن العالم بشريعة الله عنده شهادة من الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18] ؛ فكل إنسان يكتم علماً فقد كتم شهادة عنده من الله؛ ثم إن في هذا عظم إثمه؛ لقوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله }.


قــال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه -في فوائد تفسير قوله تعالى :


سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ


ومنها: جواز تعليل الأحكام الشرعية بمقتضى الربوبية لإسكات الناس حتى لا يحصل منازعة؛ إذا قال أحد: لماذا كذا؟ قلت: الله ربك يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد؛ «لماذا أحل كذا، وحرم كذا؟» تقول: لأنه ربك؛ «لماذا توجه الناس من المشرق إلى المغرب؛ من المغرب إلى المشرق؛ من بيت المقدس إلى الكعبة؟» قلت: لأن ذلك بمقتضى ربوبية الله: { لله المشرق والمغرب }.


من فوائد الآية: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: { يهدي من يشاء }.

فإن قال قائل: هل في ذلك حجة للجبرية في قولهم: إن العبد مجبر على عمله؟




فالجواب: أنه لا حجة لهم في ذلك؛ لأن الاحتجاج ببعض القرآن دون بعض كفر به؛ فالقرآن من متكلم واحد؛ فمطلقه في موضع يقيد في موضع آخر؛ بل إن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم تقيد القرآن، وتبينه، وتخصصه؛ فإذاً لا دليل في هذه الآية للجبرية إلا من نظر بعين أعور؛ لأن الأعور ينظر من جانب العين الصحيحة؛ لكن من جانب العين العوراء لا يرى؛ والواجب أن ينظر الإنسان إلى النصوص بعينين ثاقبتين؛ وليس بعين واحدة؛ وقد دلت النصوص من الكتاب، والسنة على أن الإنسان له إرادة، واختيار، وقدرة، وأضافت أعماله إليه؛ وحينئذ لا يمكن أن يكون مجبراً.

قــال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه -في فوائد تفسير قوله تعالى :


وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ



ومنها: أن الله سبحانه وتعالى قد يمتحن العباد بالأحكام الشرعية إيجاباً، أو تحريماً، أو نسخاً؛ لقوله تعالى: { ما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه }؛ فلينتبه الإنسان لهذا؛ فإن الله قد يبتليه بالمال بأن يعطيه مالاً ليبلوه أيقوم بواجبه، أم لا؛ وهذه محنة؛ لأن غالب من ابتلي بالمال طغى من وجه، وشح من وجه آخر؛ ثم اعتدى في تمول المال؛ فضَلَّ في تموله، والتصرف فيه، وتصريفه؛ وقد يبتليه بالعلم؛ فيرزقه علماً ليبلوه أيعمل به، أم لا؛ ثم هل يعلمه الناس، أم لا؛ ثم هل يدعو به إلى سبيل الله، أم لا؛ فليحذر من آتاه الله علماً أن يخل بواحد من هذه الأمور.

وكذلك قد يمتحن العباد بالأحكام الكونية ؛ ومنها ما يجري على العبد من المصائب.

ومن امتحانه بهما أن الله حرم الصيد على المحرِم، ثم أرسله على الصحابة وهم محرِمون حتى تناله أيديهم، ورماحهم.

ومنها: أن التقدم حقيقة إنما يكون بالإسلام، وأن الرجعية حقيقة إنما تكون بمخالفة الإسلام؛ لقوله تعالى: { ممن ينقلب على عقبيه }؛ فإن هذا حقيقة الرجوع على غير هدًى؛ لأن الذي ينقلب على عقبيه لا يبصر ما وراءه؛ فمن قال للمتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله رجعيون، قلنا له: بل أنت الرجعي حقيقة؛ لأن الله سمى مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم انقلاباً على العقب؛ ولا أبلغ من هذا الرجوع أن الإنسان يرجع على عقبيه رجوعاً أعمى ــــ والعياذ بالله ــــ لا يدري ما وراءه.


ومن فوائد الآية: إظهار منة الله عزّ وجلّ على من هداه الله؛ لأنه نسب الهداية إليه؛ لقوله تعالى: { إلا على الذين هدى الله }؛ وهذه أعظم منة منَّ الله بها عليه أن هداه للإسلام؛ فيجب أن يشعر بها الإنسان؛ لا يمنّ بدينه على ربه؛ بل يعتقد أن المنة لله عليه، كما قال تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17] ؛ فكم من أناس ضلوا عن الحق مع بيانه، ووضوحه؛ وهم كثيرون؛ بل هم الأكثر، كما قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} [الأنعام: 116] ؛ وانظر إلى الفضل، والكرم: هو الذي منّ علينا بالهداية، ثم يقول في سورة الرحمن: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] ؛ فكأننا نحن الذين أحسنا؛ فأحسن إلينا بالجزاء مع أن له الإحسان أولاً، وآخراً؛ هو الذي أحسن إلينا أولاً، وأحسن إلينا آخراً؛ ولكن هذه مِن منَّته سبحانه وتعالى، ومِن شكره لسعي عبده، كما قال تعالى: {إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً} [الإنسان: 22] .



ومنها: أن العمل من الإيمان، لقوله تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم }؛ فإنها فسرت بالصلاة إلى بيت المقدس؛ وهذا مذهب أهل السنة والجماعة: أن العمل داخل في الإيمان؛ وهذا أحد أدلتهم؛ ومن الدليل على ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): «الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ فأفضلها قول: لا إله إلا الله؛ وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق؛ والحياء شعبة من الإيمان»()؛ فقول: «لا إله إلا الله» من أعمال اللسان؛ و «إماطة الأذى عن الطريق» من أعمال الجوارح؛ وقوله (صلى الله عليه وسلم): «الحياء شعبة من الإيمان» من أعمال القلوب؛ كما أن الإيمان أيضاً يطلق على الاعتقاد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم): «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله»(43)؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمن بالله» هذا اعتقاد القلب؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يشمل: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح؛ ووجه كون الأعمال من الإيمان أنها صادرة عن إيمان؛ الإيمان هو الذي حمل عليها، ولهذا لا يعد عمل المنافق من الإيمان؛ عمل المنافق ــــ صلاته، وذكره لله؛ ونفقاته ــــ لا يُعَدّ من الإيمان؛ لأنه صادر عن غير إيمان.

قــال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه -في فوائد تفسير قوله تعالى :

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ



ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء.

ومنها: كمال عبودية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه، حيث كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لكنه لم يفعل حتى أُمر بذلك.

ومنها: صحة تقسيم الصفات إلى ثبوتية، ومنفية؛ لأن التي في الآية هنا منفية ــــ وهي قوله تعالى: { وما الله بغافل عما يعملون } فالصفات المنفية: كل صفة صُدِّرت بما يدل على النفي بأيّ أداة كانت، مثل قوله تعالى: {لا تأخذه سنة ولا نوم} [البقرة: 255] ، وقوله تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} [الفرقان: 58] ، وقوله تعالى: {وما مسنا من لغوب} [ق: 38] ، وقوله تعالى: {ولم يعيَ بخلقهن} [الأحقاف: 33] ؛ واعلم أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي؛ وإنما يراد بها مع النفي: ضدها؛ فإذا قال الله تعالى عن نفسه: {وما مسنا من لغوب} [ق: 38] فالمراد: نفي اللغوب، وإثبات كمال قوته، وقدرته.


قــال العلامة ابن عثيمين -رحمه اللـه -في فوائد تفسير قوله تعالى :

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ



ومنها: وجوب الانقياد للحق إذا ظهرت آياته؛ لأن هذه الآية سيقت مساق الذم؛ فدل هذا على وجوب اتباع الحق إذا تبينت الآيات.

ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضاً؛ بل يضلل بعضهم بعضاً؛ فاليهود يرون النصارى ليسوا على شيء من الدين؛ والنصارى يرون اليهود ليسوا على شيء من الدين أيضاً؛ كل منهم يضلل الآخر فيما بينهم؛ كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة؛ ولهذا قال تعالى: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} [البقرة: 145] ؛ فقبلة اليهود إلى بيت المقدس ــــ إلى الصخرة؛ وقبلة النصارى إلى المشرق يتجهون نحو الشمس؛ لكنهم على الإسلام يد واحدة بعضهم لبعض وليّ، كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51] ؛ لأنهم كلهم أعداء للإسلام.

ومنها: أن الإنسان لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى: { من بعد ما جاءك من العلم }؛ فالإنسان قد يتابع غيره جهلاً؛ فلا يؤاخذ به ــــ وإن كان يسمى ضالاً؛ لكنه ليس بظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة؛ لا يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه.


ومنها: تحذير الأمة من اتباع أهواء غير المؤمنين؛ وجه ذلك أنه إذا كان هذا الوصف يكون للرسول صلى الله عليه وسلم لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى؛ فعلينا أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله؛ فالواجب على علماء الأمة أن يحذِّروها مما وقعت فيها الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ويبينوا لهم أن اتباع أهوائهم هو الظلم؛ والظلم ظلمات يوم القيامة؛ والظلم مرتع مبتغيه وخيم.

________________

يُتبع بإذن اللـه

مشرفة المنتديات النسائية
27-12-2008, 11:32 AM
قال العلامة ابن عثيمين –رحمـه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :




وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ





ومنها: أن الإنسان يجب عليه أن يتبع الحق أينما كان؛ ولا ينظر إلى كثرة المخالف؛ لا يقل: الناس على كذا فكيف أشذ عنهم! بل يجب عليه أن يتبع الحق؛ لأن قوله تعالى: { ولكل وجهة } يشمل الوجهة الشرعية، والوجهة القدرية؛ يعني ما وجه الله العباد إليه شرعاً، وما وجههم إليه قدراً؛ الوجهة القدرية معروفة: فمن الناس من يهديه الله تعالى فيكون اتجاهه إلى الحق؛ ومن الناس من يُخذَل فيَضل، ويكون اتجاهه إلى الباطل؛ فالوجهة التي يتبعها المشركون، واليهود، والنصارى، وما أشبه ذلك هذه وجهة قدرية؛ أما شرعية فلا؛ لأن الله ما شرع الكفر أبداً؛ ولا شرع شيئاً من خصال الكفر؛ والوجهة الشرعية: اختلاف الشرائع بين الناس؛ فلا تظن أن اختلاف الشريعة الإسلامية عن غيرها معناه أنها ليست حقاً؛ فإنها الحق من الله.



قال العلامة ابن عثيمين –رحمـه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :




وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ




ومنها: أن أهل الباطل يحاجون في الحق لإبطاله؛ ولكن حججهم باطلة.



ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يعرف شبه المخالفين التي يدعونها حججاً لِيَنْقَضَّ عليهم منها، فيبطلها؛ قال الله تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} [الأنبياء: 18] .




قال العلامة ابن عثيمين –رحمـه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :





كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ



ومن فوائد الآية: أن كل ما فيه تزكية للنفوس فإن الشريعة قد جاءت به؛ لقوله تعالى: { ويزكيكم}





ومنها: الرد على أهل التأويل، وأهل التجهيل؛ لقوله تعالى: { يعلمكم الكتاب } ــــ أهل التأويل الذين يؤولون آيات الصفات ــــ لأنه لو كان هذا التأويل من العلم لعلمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما لم يعلمنا إياه علمنا أنه ليس من العلم الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وأهل التجهيل ــــ وهم طائفة يقولون: «إن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، والأمة كلها لا تعلم معاني آيات الصفات، وأحاديثها؛ فلا يدرون ما معناها؛ حتى النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بالحديث من صفات الله ولا يدري معناها»!!!





قال العلامة ابن عثيمين –رحمـه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :




فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ



ومن فوائد الآية: وجوب ملاحظة الإخلاص؛ لقوله تعالى: { واشكروا لي } يعني مخلصين لله عزّ وجلّ؛ لأن الشكر طاعة؛ والطاعة لا بد فيها من الإخلاص، كما قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً} [الكهف: 110] .

ومنها: تحريم كفر النعمة؛ لقوله تعالى: { ولا تكفرون } ولهذا إذا أنعم الله على عبده نعمة فإنه يحب أن يرى أثر نعمته عليه؛ فإذا أنعم الله عليه بعلم فإن الله يحب من هذا العالم أن يظهر أثر هذه النعمة عليه:




أولاً: على سلوكه هو بنفسه بحيث يكون معروفاً بعلمه، وعمله به.
ثانياً: بنشر علمه ما استطاع، سواء كان ذلك على وجه العموم، أو الخصوص.
ثالثاً: أن يدعو إلى الله على بصيرة بحيث إنه في كل مجال يمكنه أن يتكلم في الدعوة إلى الله بقدر ما يستطيع حتى في المجالس الخاصة فيما إذا دعي إلى وليمة مثلاً، ورأى من المصلحة أن يتكلم فليتكلم؛ وبعض أهل العلم يكون معه كتاب، فيقرأ الكتاب على الحاضرين، فيستفيد، ويفيد؛ وهذا طيب إذا علم من الناس قبول هذا الشيء بأن يكون قد عوَّدهم على هذا، فصاروا يرقبونه منه؛ أما إذا لم يعوِّدهم فإنه قد يثقل عليهم بهذا، ولكن من الممكن أن يفتح المجال بإيراد يورده ــــ سؤالاً مثلاً ــــ حتى ينفتح المجال للناس، ويسألون، وينتفعون؛ لأن بعض طلبة العلم تذهب مجالسهم كمجالس العامة لا ينتفع الناس بها؛ وهذا لا شك أنه حرمان ــــ وإن كانوا لا يأثمون إذا لم يأتوا بما يوجب الإثم؛ فالذي ينبغي لطالب العلم ــــ حتى وإن لم يُسأل ــــ أن يورد هو سؤالاً لأجل أن يفتح الباب للحاضرين، فيسألوا؛ وقد جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»(63)؛ مع أن الذي يجيب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولكن جعله معلماً وهو يسأل؛ لأنه هو السبب في هذا التعليم.




قال العلامة ابن عثيمين –رحمـه اللـه- في تفسير قوله تعالى :




يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ



قوله تعالى: { إن الله مع الصابرين }: هذه بشرى عظيمة لمن صبر؛ وقال تعالى: { مع الصابرين } لوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أن الصلاة من الصبر؛ لأنها صبر على طاعة الله.
الوجه الثاني: أن الاستعانة بالصبر أشق من الصلاة؛ لأن الصبر مُرّ:
(الصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته - لكن عواقبه أحلى من العسل) فهو مرٌّ يكابده الإنسان، ويعاني، ويصابر، ويتغير دمه حتى من يراه يقول: هذا مريض.
الوجه الثالث: أنه إذا كان مع الصابرين فهو مع المصلين من باب أولى بدليل أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان المصلي يناجي ربه، وأن الله قِبل وجهه - وهو على عرشه سبحانه وتعالى.





الفوائد





ومنها: بيان الآثار الحميدة للصلاة، وأن من آثارها الحميدة أنها تعين العبد في أموره.





ومن فوائد الآية: أن في الصبر تنشيطاً على الأعمال، والثبات عليها؛ لقوله تعالى: { إن الله مع الصابرين }؛ فإذا آمن الإنسان بأن الله معه ازداد نشاطاً، وثباتاً؛ وكون الله سبحانه وتعالى مع الإنسان مسدداً له، ومؤيداً له، ومصبِّراً له، لا شك أن هذه درجة عالية كل يريدها؛ ولهذا لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم يتناضلون قال: «ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان؛ قال الآخرون: يا رسول الله، إذا كنت معهم فلا نناضل؛ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم»




قال العلامة ابن عثيمين –رحمـه اللـه- في تفسير قوله تعالى :






وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ







ومنها: التنبيه على الإخلاص في القتال؛ لقوله تعالى: { في سبيل الله }؛ وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»؛ وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيراً من الناس قد يقصد أن هذا جهاد، فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله؛ لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله - أي في الطريق الموصل إلى الله أبلغ.



قال العلامة ابن عثيمين –رحمـه اللـه- في تفسير قوله تعالى :






وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:155-156)





ومنها: أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: صابر، وساخط؛ وقد جاء في الحديث: «من رضي فله الرضا؛ ومن سخط فله السخط»(73)؛ فالصبر على المصائب واجب؛ وقد ذكر العلماء أن للإنسان عند المصيبة أربعة مقامات:



المقام الأول: الصبر ــــ وهو واجب.


المقام الثاني: الرضا ــــ وهو سنة على القول الراجح؛ والفرق بينه، والصبر، أن الصابر يتجرع مرارة الصبر، ويشق عليه ما وقع؛ ولكنه يحبس نفسه عن السخط؛ وأما الراضي: فإن المصيبة باردة على قلبه لم يتجرع مرارة الصبر عليه؛ فهو أكمل حالاً من الصابر.


المقام الثالث: الشكر: بأن يشكر الله على المصيبة.



فإن قيل: كيف يشكره على المصيبة؟
فالجواب: أن ذلك من وجوه:

منها: أن ينسبها إلى ما هو أعظم منها؛ فينسب مصيبة الدنيا إلى مصيبة الدين؛ فتكون أهون؛ فيشكر الله أن لم يجعل المصيبة في الأشد.
ومنها: احتساب الأجر على المصيبة بأنه كلما عظم المصاب كثر الثواب؛ ولهذا ذكروا عن بعض العابدات أنها أصيبت بمصيبة، ولم يظهر عليها أثر الجزع؛ فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.



المقام الرابع: السخط - وهو محرم - بل من كبائر الذنوب؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»





قال العلامة ابن عثيمين –رحمـه اللـه- في فوائد تفسير قوله تعالى :




إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ




ومنها: الرد على الجبرية؛ لقوله تعالى: { يكتمون }؛ والكاتم مريد للكتم.




ومن فوائد الآية: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم ألا يكون القرآن بياناً للناس؛ لأن الله أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية، وفعلية؛ فإذا صرفت عن ظاهرها صار القرآن غير بيان؛ يكون الله سبحانه وتعالى ذكر شيئاً لا يريده؛ وهذا تعمية لا بيان؛ فيستفاد من هذه الآية الرد على أهل التأويل؛ والحقيقة أنهم ــــ كما قال شيخ الإسلام ــــ أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق، ومنه باطل؛ لكن طريقهم باطل لا حق فيه.



ومن فوائد الآية: الرد على أهل التفويض الذين يقولون: إن آيات الصفات وأحاديثها لا يعلم الخلق معناها؛ وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن قولهم من شر أقوال أهل البدع والإلحاد.



ومنها: جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم؛ لقوله تعالى: { يلعنهم اللاعنون }؛ لأن من معنى { يلعنهم اللاعنون } الدعاء عليهم باللعنة؛ تقول: اللهم العنهم؛ ولا يلعن الشخص المعين؛ بل على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز - ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يُدرى ماذا يموت عليه؛ قد يهديه الله، كما قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم} [آل عمران: 128] ؛ وأما لعنه بعد موته أيجوز، أم لا يجوز؟ فقد يقال: إنه لا يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا؛ وهذا عام؛ ثم إنه قد يثير ضغائن، وأحقاد من أقاربه، وأصحابه، وأصدقائه؛ فيكون في ذلك مفسدة؛ ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»وأيّ خير في كونك تلعن واحداً كافراً قد مات؛ وأما طريقته فالواجب التنفير عنها، والقدح فيها، وذمها؛ أما هو شخصياً فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه - وإن كان المعروف عند جمهور أهل العلم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر.



ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم، حيث كان من الكبائر؛ وكتم العلم يتحقق عند الحاجة إلى بيانه إما بلسان الحال؛ وإما بلسان المقال؛ فإن من سُئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار إلا أن يكون السائل متعنتاً، أو يريد الإيقاع بالمسؤول، أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض، أو يترتب على إجابته مفسدة، فلا يجاب حينئذ؛ وليس هذا من كتم العلم؛ بل هو من مراعاة المصالح، ودرء المفاسد.



مـســــألــــة:
دفع الفتوى ــــ وهو أن يحوِّل المستفتي إلى غيره، فيقول: اسأل فلاناً، أو اسأل العلماء - اختلف فيها أهل العلم: هل يجوز، أو لا يجوز؟ والصحيح أنه لا يجوز؛ إلا عند الاشتباه فيجب؛ أما إذا كان الأمر واضحاً فإنه لا يجوز؛ لأنه يضيع الناس لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفتي أناس جهال يضلون الناس؛ فإنه هنا تتعين عليه الفتوى؛ ويستعين الله عزّ وجلّ، ويسأل الله الصواب والتوفيق.



المصدر :
http://www.ibnothaimeen.com/all/books/article_16812.shtml
http://www.ibnothaimeen.com/all/books/article_17563.shtml



نقلته لي ولكم
فعسي الله أن ينفعنا به جميعا

ونسأل الله أن يغفر ذنوبنا .