مشرفة المنتديات النسائية
17-07-2008, 03:17 PM
بر الوالدين
باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:
فإن من أعظم الحقوق على العبد بعد حقوق الله تعالى ورسوله: برَّ الوالدين.
ودليل ذلك أن الله سبحانه قرن بين الأمر بعبادته وحده لا شريك له بين الإحسان إلى الوالدين، فقال عز وجل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا}، ففي هذا أكبر دليل على وجوب برهما والإحسان إليهما وأن هذا من الفروض الواجبة على الأبناء.
ففي البر بهما أعظم الأجر بدخول الجنة والنجاة من النار، والفوز برضا الرحمن سبحانه.
فالسعيد من أعانه الله عز وجل ووفقه للقيام بحق الوالدين كما أمره الله سبحانه، ولم يقصر في القيام بهذه القربة العظيمة التي حثنا عليها وأمرنا بها ربنا سبحانه ونبينا صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها؛ قلت: ثم أيُّ؟ قال: بر الوالدين؛ قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجزئ ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)). قال النووي: (أى: لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقِّه إلا أن يُعتقه).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل قائلاً: ((من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك، وفي رواية: ((ثم أدناك أدناك)).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (10/402): (قال ابن بَطَّال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم، وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين}، فسوى بينهما في الوصية، وخص الأم بالأمور الثلاثة. قال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة.
وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب، وقيل: يكون برهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك، والصواب الأول.
قلت: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر وفيه نظر، والمنقول عن مالك ليس صريحاً في ذلك، فقد ذكره ابن بطال، فقال: سئل مالك: طلبني أبي، فمنعتني أمي؛ قال: أطع أباك ولا تعصِ أمك؛ قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برهما سواء.. كذا قال، وليست الدلالة على ذلك واضحة).اهـ
وبر الوالدين باب من أبواب الجنة، ففي الحديث: ((الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِعْ ذلك البابَ أو احفظه)).
قال الـمُنَاويُّ: (أي: طاعته وعدم عقوقه مؤدٍّ إلى دخول الجنة من أوسط أبوابها. ذكره العراقي.
وقال البيضاوي: أي خير الأبواب وأعلاها.
والمعنى: أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة ويتوصل به إلى الوصول إليها مطاوعة الوالد ورعاية جانبه.
وقال بعضهم: خيرها وأفضلها وأعلاها؛ يُقال: هو من أوسط قومه؛ أي: من خيارهم.
وعليه؛ فالمراد بكونه أوسط أبوابها: من التوسط بين شيئين، فالباب الأيمن أولها وهو الذي يدخل منه من لا حساب عليه، ثم ثلاثة أبواب: باب الصلاة وباب الصيام وباب الجهاد، هذا إن كان المراد أوسط أبواب الجنة.
ويحتمل أن المراد أن بر الوالدين أوسط الأعمال المؤدية إلى الجنة؛ لأن من الأعمال ما هو أفضل منه ومنها ما هو دون البر، والبر متوسط بين تلك الأعمال).اهـ [فيض القدير (6/371)].
فما أعظم هذا الأجر، وما أرفع هذه المنزلة، وما أسمى هذه الفضيلة التي ينالها هذا البارُّ بوالديه، فيا لسعادته وهنائه في الدنيا والآخرة.
ومع هذا الأجر العظيم، والثواب الجزيل؛ فإن العاقل إذا فكَّر وأمعنَ النظر، فإنه سيعلم ويبصر أن بر الوالدين طاعة لا تحتاج إلى كثير جهد وتعب ومشقة...
وكما قيل: إنما البر شَيء هين؛ وجه طَلق وكلام لين.
وحدود البر بالوالدين وطاعتهما تكون في غير معصية الله عز وجل، فيطاعان في المندوب والمباح، أما في فعل المحرم وترك الواجب فلا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل.
ومن عظيم فضل الله سبحانه علينا ورحمته بنا فإنه جعل هذه الطاعة موصولة لا تنقطع ودائمة لا تزول بموت الوالدين أو أحدهما، فالبر بهما موصول والإحسان إليهما باق لا ينقطع، فمن قصر في حق والديه في حياتهما فلا يحرم نفسه الأجر
ببرهما بعد موتهما، وليستدرك ذلك بكل ما استطاع من القربات التي تنفعهما مما أمر به ربنا سبحانه، ونبينا صلى الله عليه وسلم.
فمن ذلك الدعاء لهما: ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبع يجري للعبد أجرهن و هو في قبره بعد موته: من علم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مُصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر لهُ بعدَ موته)).
وكذلك الحج والعمرة عنهما، والصيام عنهما ما فاتهما في حياتهما وكانا قادرين عليه؛ سواء كان فريضة أم نذرًا.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل...
**********
كيفية بر الوالدين
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه
أما بعد
فإني رأيت شبيبة من أهل زماننا لا يلتفتون إلى بر الوالدين، ولا يرونه لازماً لزوم الدين، يرفعون أصواتهم على الآباء والأمهات، وكأنهم لا يعتقدون طاعتهم من الواجبات، ويقطعون الأرحام التي أمر الله سبحانه بوصلها في الذكر، ونهى عن قطعها بأبلغ الزجر، وربما قابلوها بالهجر والجهر، وقد أعرضوا عن مواساة الفقراء مما يرزقون، وكأنهم لا يصدقون بثواب ما يتصدقون، قد التفتوا بالكلية عن فعل المعروف، كأنه في الشرع، والعقل ليس بمعروف. وكل هذه الأشياء تحث عليها المعقولات، وتبالغ في ذكر ثوابها وعقابها المنقولات.
وغير خاف على عاقل حق المنعم، ولا منعم بعد الحق تعالى على العبد كالوالدين، فقد تحملت الأم بحمله أثقالاً كثيرة، ولقيت وقت وضعه مزعجات مثيرة، وبالغت في تربيته، وسهرت في مداراته، وأعرضت عن جميع شهواتها، وقدمته على نفسها في كل حال.
وقد ضم الأب إلى التسبب في إيجاده محبته بعد وجوده، وشفقته، وتربيته بالكسب له والإنفاق عليه.
والعاقل يعرف حق المحسن، ويجتهد في مكافأته، وجهل الإنسان بحقوق المنعم من أخس صفاته، لا سيما إذا أضاف إلى جحد الحق المقابلة بسوء المنقلب.
وليعلم البار بالوالدين أنه مهما بالغ في برهما لم يف بشكرهما.
عن زرعة بن إبراهيم، أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه، فقال: إن لي أماً بلغ بها الكبر، وأنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها، وأوضئها، وأصرف وجهي عنها، فهل أديت حقها؟ قال: لا. قال: أليس قد حملتها على ظهري، وحبست نفي عليها؟ قال:"إنها كانت تصنع ذلك بك، وهي تتمنى بقاءك، وأنت تتمنى فراقها".
ورأى عمر - رضي الله عنه - رجلاً يحمل أمه، وقد جعل لها مثل الحوية على ظهره، يطوف بها حول البيت وهو يقول:
أَحمِلُ أُمي وَهِيَ الحَمالَة ... تُرضِعُني الدِرَةَ وَالعَلالَة
فقال عمر: "الآن أكون أدركت أمي، فوليت منها مثل ما وليت أحب إلي من حمر النعم".
وقال رجل لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: حملت أمي على رقبتي من خراسان حتى قضيت بها المناسك، أتراني جزيتها؟ قال: "لا، ولا طلقة من طلقاتها".
ويقاس على قرب الوالدين من الولد قرب ذوي الرجل والقرابة. فينبغي ألا يقصر الإنسان في رعاية حقه.
قال الله تبارك وتعالى: (وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدُوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوَلِدَينِ إِحساناً إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولاً كَريماً وَاِخفِض لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحمَةِ وَقُل رَبِّ اِرحَمهُما كَما رَبَّياني صَغيراً).
قال أبو بكر بن الأنباري: "هذا القضاء ليس من باب الحكم، إنما هو من باب الأمر والفرض. وأصل القضاء في اللغة: قطع الشيء بإحكام وإتقان".
وقوله: (وَبِالوَلِدَينِ إِحساناً) هو: البر والإكرام. قال ابن عباس: (لا تنفض ثوبك أمامهما فيصيبها الغبار).
(فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ) في معنى أف خمسة أقوال: أحدهما: وسخ الظفر، قاله الخليل. والثاني: وسخ الأذن، قاله الأصمعي. والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب. والرابع: الاحتقار والاستصغار، من الأفي، والأفي عند العرب: القلة، ذكره ابن الأنباري. والخامس: ما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، حكاه ابن فارس.
وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي أن معنى الأف: النتن، وأصله نفخك الشيء يسقط عليك من تراب وغيره، فقيل لكل ما يستقل.
وقوله: (وَلا تَنهَرهُما) أي: لا تكلمهما ضجراً صائحاً في وجههما.
وقال عطاء بن أبي رباح: لا تنفض يدك عليهما. (وَقُل لَهُما قَولاً كَريماً) أي: لطيفاً، أحسن ما تجد. وقال سعيد بن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ.
(وَاِخفِض لَهُما جَناحَ الذُلِّ)، من رحمتك إياهما.
ومن بيان حق الوالدين قوله تعالى: (أَنِ اشَكُر لي وَلِوَالِدَيكَ).
فقرن شكره بشكرهما.
وعن معاذ بن جبل، قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:(لا تعق والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك).
قال أحمد: حدثني يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث، عن ضمرة، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: (كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها، فقال: طلقها، فأبيت. فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي:(أطع أباك).
وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج منها).
وقال زيد بن علي بن الحسين لابنه يحيى: (أن الله تبارك وتعالى لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فلم يوصيني بك).
عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد.
وعن أبي سعيد الخدري، قال: هاجر رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل باليمن أبواك. قال: نعم. قال: أأذنا لك؟ قال: لا. قال: ارجع إلى أبويك فأستأذنهما فإن أذنا لك وإلا فبرهما.
وعن ابن عباس، قال: جاءت امرأة ومعها ابن لها، وهو يريد الجهاد، وهي تمنعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقم عندهما، فإن لك من الأجر مثل الذي يريد.
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: (هل من والديك أحد حي؟ قال: أمي قال: انطلق فبرهما). فانطلق يحل الركاب. فقال: (أن رضى الرب عز وجل في رضى الوالدين).
هكذا نقل الحديث.
وبرهما يكون بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور، وتقديم أمرهما على فعل النافلة، والاجتناب لما نهيا عنه، والإنفاق عليهما، والتوخي لشهواتهما، والمبالغة في خدمتهما، واستعمال الأدب والهيبة لهما، فلا يرفع الولد صوته، ولا يحدق إليهما، ولا يدعوهما باسمهما، ويمشي وراءهما، ويصبر على ما يكره مما يصدر منهما.
سمعت طلق بن علي، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أدركت والدي أو أحدهما وقد افتتحت الصلاة، فقرأت فاتحد الكتاب؛ فقال: يا محمد، لقلت: لبيك).
وعن أبي غسان الضبي أنه خرج يمشي بظهر الحرة وأبوه يمشي خلفه، فلحقه أبو هريرة، فقال: من هذا الذي يمشي خلفك؟ قلت: أبي. قال: "أخطأت الحق ولم توافق السنة، لا تمش بين يدي أبيك، ولكن أمشي خلفه أو عن يمينه، ولا تدع أحداً يقطع بينك وبينه، ولا تأخذ عرقاً (أي: لحماً مختلطاً بعظم) نظر إليه أبوك، فلعله قد اشتهاه، ولا تحد النظر إلى أبيك، ولا تقعد حتى يقعد، ولا تنم حتى ينام".
وعن أبي هريرة، أنه أبصر رجلين، فقال لأحدهما: هذا منك؟ قال: أبي. قال: "لا تسمه باسمه، ولا تمشي أمامه، ولا تجلس قبله".
وعن طيلة، قال: قلت لابن عمر: عندي أمي.قال:"الله لو ألفت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر"
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله تعالى: (وَاَخفِض لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحمَةِ). قال: لا تمتنع من شيء أحباه.
وعن الحسن أنه سئل عن بر الوالدين فقال: "ن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما ما لم يكن معصية"
وعن عمر رضي الله عنه، قال: "بكاء الوالدين من العقوق"
وعن سلام بن مسكين، قال: سألت الحسن، قلت: الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟ قال: "إن قبلا، وإن كرها فدعهما".
وعن العوام، قال: قلت لمجاهد: ينادي المنادي بالصلاة، ويناديني رسول أبي. قال: "أحب أباك) وعن ابن المنكدر، قال: (إذا دعاك أبوك وأنت تصلي فأجب".
وعن عبد الصمد، قال: سمعت وهب يقول: "في الإنجيل: رأس البر للوالدين أن توفر عليهما أموالهما. وأن تطعمهما من مالك.
انتهى ملخصا من كتاب برالوالدين لابن الجوزي.".
نقلته لكم والدال علي الخير كفاعله
رب اغفر لي ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
آمين آمين آمين
باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه، وبعد:
فإن من أعظم الحقوق على العبد بعد حقوق الله تعالى ورسوله: برَّ الوالدين.
ودليل ذلك أن الله سبحانه قرن بين الأمر بعبادته وحده لا شريك له بين الإحسان إلى الوالدين، فقال عز وجل: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا}، ففي هذا أكبر دليل على وجوب برهما والإحسان إليهما وأن هذا من الفروض الواجبة على الأبناء.
ففي البر بهما أعظم الأجر بدخول الجنة والنجاة من النار، والفوز برضا الرحمن سبحانه.
فالسعيد من أعانه الله عز وجل ووفقه للقيام بحق الوالدين كما أمره الله سبحانه، ولم يقصر في القيام بهذه القربة العظيمة التي حثنا عليها وأمرنا بها ربنا سبحانه ونبينا صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها؛ قلت: ثم أيُّ؟ قال: بر الوالدين؛ قلت: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجزئ ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه)). قال النووي: (أى: لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقِّه إلا أن يُعتقه).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل قائلاً: ((من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك، وفي رواية: ((ثم أدناك أدناك)).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (10/402): (قال ابن بَطَّال: مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، قال: وكان ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم، وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين}، فسوى بينهما في الوصية، وخص الأم بالأمور الثلاثة. قال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة.
وقال عياض: وذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب، وقيل: يكون برهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك، والصواب الأول.
قلت: إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر وفيه نظر، والمنقول عن مالك ليس صريحاً في ذلك، فقد ذكره ابن بطال، فقال: سئل مالك: طلبني أبي، فمنعتني أمي؛ قال: أطع أباك ولا تعصِ أمك؛ قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى برهما سواء.. كذا قال، وليست الدلالة على ذلك واضحة).اهـ
وبر الوالدين باب من أبواب الجنة، ففي الحديث: ((الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضِعْ ذلك البابَ أو احفظه)).
قال الـمُنَاويُّ: (أي: طاعته وعدم عقوقه مؤدٍّ إلى دخول الجنة من أوسط أبوابها. ذكره العراقي.
وقال البيضاوي: أي خير الأبواب وأعلاها.
والمعنى: أن أحسن ما يتوسل به إلى دخول الجنة ويتوصل به إلى الوصول إليها مطاوعة الوالد ورعاية جانبه.
وقال بعضهم: خيرها وأفضلها وأعلاها؛ يُقال: هو من أوسط قومه؛ أي: من خيارهم.
وعليه؛ فالمراد بكونه أوسط أبوابها: من التوسط بين شيئين، فالباب الأيمن أولها وهو الذي يدخل منه من لا حساب عليه، ثم ثلاثة أبواب: باب الصلاة وباب الصيام وباب الجهاد، هذا إن كان المراد أوسط أبواب الجنة.
ويحتمل أن المراد أن بر الوالدين أوسط الأعمال المؤدية إلى الجنة؛ لأن من الأعمال ما هو أفضل منه ومنها ما هو دون البر، والبر متوسط بين تلك الأعمال).اهـ [فيض القدير (6/371)].
فما أعظم هذا الأجر، وما أرفع هذه المنزلة، وما أسمى هذه الفضيلة التي ينالها هذا البارُّ بوالديه، فيا لسعادته وهنائه في الدنيا والآخرة.
ومع هذا الأجر العظيم، والثواب الجزيل؛ فإن العاقل إذا فكَّر وأمعنَ النظر، فإنه سيعلم ويبصر أن بر الوالدين طاعة لا تحتاج إلى كثير جهد وتعب ومشقة...
وكما قيل: إنما البر شَيء هين؛ وجه طَلق وكلام لين.
وحدود البر بالوالدين وطاعتهما تكون في غير معصية الله عز وجل، فيطاعان في المندوب والمباح، أما في فعل المحرم وترك الواجب فلا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل.
ومن عظيم فضل الله سبحانه علينا ورحمته بنا فإنه جعل هذه الطاعة موصولة لا تنقطع ودائمة لا تزول بموت الوالدين أو أحدهما، فالبر بهما موصول والإحسان إليهما باق لا ينقطع، فمن قصر في حق والديه في حياتهما فلا يحرم نفسه الأجر
ببرهما بعد موتهما، وليستدرك ذلك بكل ما استطاع من القربات التي تنفعهما مما أمر به ربنا سبحانه، ونبينا صلى الله عليه وسلم.
فمن ذلك الدعاء لهما: ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبع يجري للعبد أجرهن و هو في قبره بعد موته: من علم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مُصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر لهُ بعدَ موته)).
وكذلك الحج والعمرة عنهما، والصيام عنهما ما فاتهما في حياتهما وكانا قادرين عليه؛ سواء كان فريضة أم نذرًا.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل...
**********
كيفية بر الوالدين
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه
أما بعد
فإني رأيت شبيبة من أهل زماننا لا يلتفتون إلى بر الوالدين، ولا يرونه لازماً لزوم الدين، يرفعون أصواتهم على الآباء والأمهات، وكأنهم لا يعتقدون طاعتهم من الواجبات، ويقطعون الأرحام التي أمر الله سبحانه بوصلها في الذكر، ونهى عن قطعها بأبلغ الزجر، وربما قابلوها بالهجر والجهر، وقد أعرضوا عن مواساة الفقراء مما يرزقون، وكأنهم لا يصدقون بثواب ما يتصدقون، قد التفتوا بالكلية عن فعل المعروف، كأنه في الشرع، والعقل ليس بمعروف. وكل هذه الأشياء تحث عليها المعقولات، وتبالغ في ذكر ثوابها وعقابها المنقولات.
وغير خاف على عاقل حق المنعم، ولا منعم بعد الحق تعالى على العبد كالوالدين، فقد تحملت الأم بحمله أثقالاً كثيرة، ولقيت وقت وضعه مزعجات مثيرة، وبالغت في تربيته، وسهرت في مداراته، وأعرضت عن جميع شهواتها، وقدمته على نفسها في كل حال.
وقد ضم الأب إلى التسبب في إيجاده محبته بعد وجوده، وشفقته، وتربيته بالكسب له والإنفاق عليه.
والعاقل يعرف حق المحسن، ويجتهد في مكافأته، وجهل الإنسان بحقوق المنعم من أخس صفاته، لا سيما إذا أضاف إلى جحد الحق المقابلة بسوء المنقلب.
وليعلم البار بالوالدين أنه مهما بالغ في برهما لم يف بشكرهما.
عن زرعة بن إبراهيم، أن رجلاً أتى عمر رضي الله عنه، فقال: إن لي أماً بلغ بها الكبر، وأنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري مطية لها، وأوضئها، وأصرف وجهي عنها، فهل أديت حقها؟ قال: لا. قال: أليس قد حملتها على ظهري، وحبست نفي عليها؟ قال:"إنها كانت تصنع ذلك بك، وهي تتمنى بقاءك، وأنت تتمنى فراقها".
ورأى عمر - رضي الله عنه - رجلاً يحمل أمه، وقد جعل لها مثل الحوية على ظهره، يطوف بها حول البيت وهو يقول:
أَحمِلُ أُمي وَهِيَ الحَمالَة ... تُرضِعُني الدِرَةَ وَالعَلالَة
فقال عمر: "الآن أكون أدركت أمي، فوليت منها مثل ما وليت أحب إلي من حمر النعم".
وقال رجل لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: حملت أمي على رقبتي من خراسان حتى قضيت بها المناسك، أتراني جزيتها؟ قال: "لا، ولا طلقة من طلقاتها".
ويقاس على قرب الوالدين من الولد قرب ذوي الرجل والقرابة. فينبغي ألا يقصر الإنسان في رعاية حقه.
قال الله تبارك وتعالى: (وَقَضى رَبُّكَ أَلّا تَعبُدُوا إِلّا إِيّاهُ وَبِالوَلِدَينِ إِحساناً إِمّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُما أَو كِلاهُما فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولاً كَريماً وَاِخفِض لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحمَةِ وَقُل رَبِّ اِرحَمهُما كَما رَبَّياني صَغيراً).
قال أبو بكر بن الأنباري: "هذا القضاء ليس من باب الحكم، إنما هو من باب الأمر والفرض. وأصل القضاء في اللغة: قطع الشيء بإحكام وإتقان".
وقوله: (وَبِالوَلِدَينِ إِحساناً) هو: البر والإكرام. قال ابن عباس: (لا تنفض ثوبك أمامهما فيصيبها الغبار).
(فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ) في معنى أف خمسة أقوال: أحدهما: وسخ الظفر، قاله الخليل. والثاني: وسخ الأذن، قاله الأصمعي. والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب. والرابع: الاحتقار والاستصغار، من الأفي، والأفي عند العرب: القلة، ذكره ابن الأنباري. والخامس: ما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، حكاه ابن فارس.
وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي أن معنى الأف: النتن، وأصله نفخك الشيء يسقط عليك من تراب وغيره، فقيل لكل ما يستقل.
وقوله: (وَلا تَنهَرهُما) أي: لا تكلمهما ضجراً صائحاً في وجههما.
وقال عطاء بن أبي رباح: لا تنفض يدك عليهما. (وَقُل لَهُما قَولاً كَريماً) أي: لطيفاً، أحسن ما تجد. وقال سعيد بن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ.
(وَاِخفِض لَهُما جَناحَ الذُلِّ)، من رحمتك إياهما.
ومن بيان حق الوالدين قوله تعالى: (أَنِ اشَكُر لي وَلِوَالِدَيكَ).
فقرن شكره بشكرهما.
وعن معاذ بن جبل، قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:(لا تعق والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك).
قال أحمد: حدثني يحيى، عن ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث، عن ضمرة، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: (كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها، فقال: طلقها، فأبيت. فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي:(أطع أباك).
وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تعص والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج منها).
وقال زيد بن علي بن الحسين لابنه يحيى: (أن الله تبارك وتعالى لم يرضك لي فأوصاك بي، ورضيني لك فلم يوصيني بك).
عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد.
وعن أبي سعيد الخدري، قال: هاجر رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل باليمن أبواك. قال: نعم. قال: أأذنا لك؟ قال: لا. قال: ارجع إلى أبويك فأستأذنهما فإن أذنا لك وإلا فبرهما.
وعن ابن عباس، قال: جاءت امرأة ومعها ابن لها، وهو يريد الجهاد، وهي تمنعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقم عندهما، فإن لك من الأجر مثل الذي يريد.
وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: (هل من والديك أحد حي؟ قال: أمي قال: انطلق فبرهما). فانطلق يحل الركاب. فقال: (أن رضى الرب عز وجل في رضى الوالدين).
هكذا نقل الحديث.
وبرهما يكون بطاعتهما فيما يأمران به ما لم يكن بمحظور، وتقديم أمرهما على فعل النافلة، والاجتناب لما نهيا عنه، والإنفاق عليهما، والتوخي لشهواتهما، والمبالغة في خدمتهما، واستعمال الأدب والهيبة لهما، فلا يرفع الولد صوته، ولا يحدق إليهما، ولا يدعوهما باسمهما، ويمشي وراءهما، ويصبر على ما يكره مما يصدر منهما.
سمعت طلق بن علي، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أدركت والدي أو أحدهما وقد افتتحت الصلاة، فقرأت فاتحد الكتاب؛ فقال: يا محمد، لقلت: لبيك).
وعن أبي غسان الضبي أنه خرج يمشي بظهر الحرة وأبوه يمشي خلفه، فلحقه أبو هريرة، فقال: من هذا الذي يمشي خلفك؟ قلت: أبي. قال: "أخطأت الحق ولم توافق السنة، لا تمش بين يدي أبيك، ولكن أمشي خلفه أو عن يمينه، ولا تدع أحداً يقطع بينك وبينه، ولا تأخذ عرقاً (أي: لحماً مختلطاً بعظم) نظر إليه أبوك، فلعله قد اشتهاه، ولا تحد النظر إلى أبيك، ولا تقعد حتى يقعد، ولا تنم حتى ينام".
وعن أبي هريرة، أنه أبصر رجلين، فقال لأحدهما: هذا منك؟ قال: أبي. قال: "لا تسمه باسمه، ولا تمشي أمامه، ولا تجلس قبله".
وعن طيلة، قال: قلت لابن عمر: عندي أمي.قال:"الله لو ألفت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر"
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، في قوله تعالى: (وَاَخفِض لَهُما جَناحَ الذُلِّ مِنَ الرَحمَةِ). قال: لا تمتنع من شيء أحباه.
وعن الحسن أنه سئل عن بر الوالدين فقال: "ن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما ما لم يكن معصية"
وعن عمر رضي الله عنه، قال: "بكاء الوالدين من العقوق"
وعن سلام بن مسكين، قال: سألت الحسن، قلت: الرجل يأمر والديه بالمعروف وينهاهما عن المنكر؟ قال: "إن قبلا، وإن كرها فدعهما".
وعن العوام، قال: قلت لمجاهد: ينادي المنادي بالصلاة، ويناديني رسول أبي. قال: "أحب أباك) وعن ابن المنكدر، قال: (إذا دعاك أبوك وأنت تصلي فأجب".
وعن عبد الصمد، قال: سمعت وهب يقول: "في الإنجيل: رأس البر للوالدين أن توفر عليهما أموالهما. وأن تطعمهما من مالك.
انتهى ملخصا من كتاب برالوالدين لابن الجوزي.".
نقلته لكم والدال علي الخير كفاعله
رب اغفر لي ولوالدى وللمؤمنين يوم يقوم الحساب
رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
آمين آمين آمين